بسم الله الرحمن الرحيم
ما أوردته هنا من تقارير عن بحوث سيدنا الاستاد المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني دام ظله انما هو ما فهمته من ابحاثه وقد بذلت غاية جهدي في معرفة ما يلقيه علينا من تحقيقات عميقة ولكنه حفظه الله تعالى كان غواصا قديرا فيدخل في أعماق البحوث والمعارف ولست واثقا من بلوغ كنه ما أراد فان كان فيه خطأ فهو من فهمي القاصر وأجلّ سيدنا الاستاد دام علاه عن قول ما لا يليق بعلوّ مكانته العلمية وأعتذر منه ومن القرّاء الأعزّاء عن كلّ ما فيه من أخطاء والجدير بالذكر ان هذا التقرير مرتبط بدورة سابقة لمحاضرات سماحته في الاصول وهناك اختلاف كثير بينها وبين محاضراته الاخيرة والله تعالى المسدّد والموفّق للصواب.
مرتضى المهري
2جمادى الثانية 1436
23/3/2015
بسم الله الرحمن الرحيم
الاســــــــتصحـــاب
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
الكلام في قاعدة الاستصحاب ويقع البحث قبل التعرض لوجوه الاستدلال عليها في جهتين: الجهة الاولى في تعريفها والثانية في الفرق بينها وبين القواعد المشابهة:
++ما هو الاستصحاب ؟++
قال الشيخ الانصاری قدس سره: (وعند الأصوليين عرّف بتعاريف أسدّها وأخصرها [إبقاء ما كان] والمراد بالإبقاء الحكم بالبقاء. ودخل الوصف في الموضوع مشعر بعليته للحكم فعلة الإبقاء هو أنه كان فيخرج إبقاء الحكم لأجل وجود علته أو دليله). [^1]
وقال المحقق الخراساني قدس سره (لا يخفى أن عباراتهم في تعريفه وإن كانت شتى إلا أنها تشير إلى مفهوم واحد ومعنى فارد وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه). [^2]
ولم يرتض بعض الاعلام المتأخرين كلامهما فاعترضوا عليهما بوجوه ثلاثة:
الاول: ان الاستصحاب لا يمكن تعريفه على كل المباني بتعريف واحد لاختلافهم في حقيقته فبعضهم يراه من قبيل الامارات العقلائية وبعضهم يراه اصلا عمليا واختلف القائلون بكونه امارة فبعضهم اعتبره حجة من باب الظن الشخصي فيكون الاستصحاب عنده عبارة عن الاعتقاد الراجح بالبقاء المبني على اليقين السابق لا الحكم بالبقاء وبعضهم اعتبره من باب الظن النوعي فيقال ان الاستصحاب كون الشيء يقيني الحدوث سابقا ومشكوك البقاء لاحقا مما يستوجب الظن بالبقاء نوعا كما ان من اعتبره اصلا عمليا تبعا للاخبار لا يمكنه تعريفه بانه الحكم بالبقاء بل هو الجري العملي وفقا لليقين السابق.
ومرجع هذا الاشكال الذي رفضه قوم واعترف به آخرون الى أن القول برجوع جميع التعاريف الى تعريف واحد غير سديد فان محل البحث عند بعضهم هو أن الظن الشخصي الناشئ من اليقين السابق هل هو حجة ام لا؟ وعند بعض آخر أن كون الشيء متيقن الحدوث مشكوك البقاء هل هو امارة على البقاء ام لا؟ وعند آخرين أنه هل حَكَم الشارع ببقاء المتيقن السابق في ظرف الشك من حيث الجري العملي ام لا؟ ولا معنى على هذا القول للبحث عن حجية شيء وعدمه بل محل البحث الحكم الشرعي.
الثاني: ان اشتقاق الاستصحاب يقتضي ان يكون من فعل المكلف فانه هو الذي يستصحب الحكم السابق فلا يمكن تعريفه بانه الحكم ببقاء ما كان فان هذا من فعل الشارع اذا استندنا الى الاخبار بل حتى لو استندنا الى ايجابه الظن النوعي فان الذي يوجبه هو كون الشيء يقيني الحدوث مشكوك البقاء وليس من فعل المكلف.
الثالث: ان الاستصحاب ان كانت حقيقته حكم الشارع ببقاء ما كان فلا معنى للبحث عن حجيته وانما يصح البحث عن ثبوت هذا الحكم من الشارع.
ويرد النقض على المستشكل بانه لو لم يتم رجوع التعاريف الى معنى واحد هو الحكم ببقاء ما كان لزم ان يعقد ثلاث مسائل في هذا الباب فمسالة في حجية الظن الشخصي في مورد الاستصحاب ومسالة ثانية في أن كون الشيء يقيني الحدوث مشكوك البقاء هل هو حجة على البقاء من باب الظن النوعي أم لا؟ ومسالة ثالثة في ان الشارع هل حكم ببقاء اليقين السابق من حيث الجري العملي أم لا؟ مع ان المستشكل بنفسه لم يعقد البحث عن هذه المسائل.
والصحيح ان تعريف الاستصحاب بانه الحكم ببقاء ما كان على ما كان تعريف صحيح على جميع المباني وذلك لانا لو قلنا بان الاستصحاب حجة من باب الظن الشخصي فان الظن نوع من التصديق اي الاذعان بثبوت النسبة او لا ثبوتها والذي يلاحظ الامر المتيقن سابقا والمشكوك لاحقا اذا ترجح عنده بمقتضى حساب الاحتمالات وملاحظة موجبات الانتفاء ومقتضيات البقاء أنه باق على ما كان فان حصول هذا الظن لديه هو حكم وإذعان ببقاء ما كان على ما كان وان لم يكن حكما جزميا ويصح اسناد هذا الحكم الى المكلف.
واذا قلنا ان حجيته ليست من باب الظن الشخصي فالمراد انه حجة من جهة انه اعتقاد ببقاء الشيء على ما كان سابقا لا على اساس حساب الاحتمالات بل على اساس التأثر الاحساسي. والظن يطلق في كلمات القدماء على كل اعتقاد لا يستند الى دليل علمي ومنه ما يكون بتأثير من التلقين والاعلام ومتابعة الآباء والاهواء. وما ورد في القرآن الكريم من النهي عن متابعة الظن يقصد به ايضا هذا المعنى لا الظن بمعنى الاعتقاد الراجح فان المتاثر من هذه الامور قد يحصل له العلم ولكنه ليس مستندا الى دليل. كما أن الطمأنينة ايضا تنقسم الى قسمين إدراكية وإحساسية فقد يطمئن الانسان بشيء على أساس المحاسبة المنطقية وقد يحصل الاطمئنان بتأثير في شعوره واحساسه من دون أن يستند الى برهان ومحاسبة.
ومن الامور التي تؤثر في مشاعر الانسان وتتأثر بها نفسه هو اليقين السابق بالشيء ومن هنا يهتم الناس باول لقاء لهم مع الشخص الذي يهتمون به في المجامع السياسية والتجارية والادارية ونحوها. وكذلك المراة تهتم ايضا باول لقاء لها مع الخاطب من حيث التزيين فهي تعلم ان النظرة الاولى تؤثر في نفسيته فيراها بعد ذلك بنفس الجمال والانوثة واما اذا لم تعجبه في النظرة الاولى فربما لا يؤثر التزيين بعد ذلك.
ومن هنا ايضا نجد ان من عرف لدى الناس ابتداءً بدرجة ضعيفة من العلم فهم ينظرون اليه بنفس النظرة بعد عشر سنين مع ان استمراره في الدراسة يوجب بالطبع تكامله في العلم الا ان النظرة الاولى تبقى مؤثرة في نفوس من يعرفونه وكذلك نجد ان الابطال يحاولون في اللقاء الاول الغلبة على الخصم فان ذلك يؤثر في نفسية الخصوم في اللقاءات التالية. [^3]
وبناءا عليه نقول ان مراد من قال ان حجية الاستصحاب من باب الظن ولكنها لا تتقيد بايجاب الظن الشخصي لا يقصد انه حجة من باب الظن النوعي بمعنى أنه يحكم النوع بذلك ليقال ان كون الشيء متيقن الحدوث مشكوك البقاء هو الموجب للحكم بالبقاء لينافي التعريف السابق ولا يكون هنا حكم من المكلف ولا يصح اسناده اليه بل يقصد انه حجة من جهة ايجابه الظن الاحساسي وهو ايضا حكم ببقاء ما كان على ما كان ويصح اسناده الى المكلف. وحجيته لدى العقلاء من جهة انهم يرون التوسعة في المنكشف وأنهم يرون المتيقن السابق باقيا على ما كان ما لم يثبت خلافه فيكون البحث في أن الشارع هل امضى هذه الرؤية بالروايات الآتية؟ وهل اعتبر حكم العقلاء بالبقاء تبعا لهذه الرؤية الاحساسية حجة ام لا؟ فلا حاجة الى تغيير الموضوع وطرح بحث آخر.
ويلاحظ ان بعض التعابير الواردة في الاستصحاب موجودة في بعض نصوص القانون المدني الذي يعتمد على المرتكزات العقلائية فقد نقل في الوسيط نصوصا عن القانون المدني العراقي من هذا القبيل (اليقين لا يزال بالشك) (يضاف الحادث الى اقرب اوقاته) (الاصل بقاء ما كان على ما كان) (الاصل في الصفات العارضة العدم) (ما ثبت في زمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه). وهذا مما يؤكد استناد الظن الحاصل ببقاء ما كان الى أمر احساسي يشعر به العقلاء من دون استنادهم الى النصوص الدينية.
واذا قلنا ان حجيته تعبدية من جهة الاخبار فان قلنا انها تشير الى امضاء بناء العقلاء كما يستفاد من قوله عليه السلام (لا ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك) فمفادها ان هذا الحكم الصادر من المكلف تبعا لحكم العقلاء حجة وان قلنا ان مفاد الاخبار تأسيس لا امضاء فالحكم ايضا كذلك ولكنه بحاجة الى توضيح اكثر فنقول:
ان هناك من ينكر بناء العقلاء على الاستصحاب كما قال صاحب الكفاية في رد الاستدلال ببناء العقلاء (وفيه اولا منع استقرار بنائهم على ذلك) [^4] ومثله كلام بعض آخر ولكنهم مع ذلك لا ينكرون وجود هذا الحكم في مرتكز العقلاء قال في الكفاية في شرح صحيحة زرارة الاولى (وهو اندراج اليقين والشك في مورد السؤال في القضية الكلية الارتكازية الغير المختصة بباب دون باب). [^5]
ومثل ذلك يقال في البحث عن حجية مفهوم الشرط فانه ربما يناقش فيه بان الشرط ان كان له مفهوم وهو الظهور في الانتفاء عند الانتفاء فهو حجة لا محالة ولا معنى للبحث عن حجيته بعد كونه ظهورا وان لم يكن له مفهوم وظهور فلا يبقى شيء يبحث عن حجيته فالبحث يجب ان يكون حول اصل وجود المفهوم لا حجيته. والجواب ان الشرط له اشعار بالانتفاء عند الانتفاء ولكنه قد لا يبلغ حد الظهور ليكون حجة فيصح البحث عن انه هل بلغ حد الظهور ام لا؟
فيعلم من ذلك ان هناك احكاما في مرتكز العقلاء ولكنها لم تبلغ حد القانون العقلائي الذي يلزم الانسان به فاذا حكم الشارع وفقا لهذا الحكم الارتكازي يكون تاسيسا لا امضاءً لحكمهم اذ لا يحكمون به حكما قانونيا فالبحث عن حجية الاستصحاب يعود الى البحث عن ان الشارع هل اعتبر هذا الحكم الارتكازي الخفيف لدى العقلاء حجة تعبدية ام لا؟
واذا تمت حجيته بجعل شرعي فهو وان كان تأسيسا الا انه في الواقع تنفيذ لحكم عقلائي غير قانوني فهو حكم من المكلف ويصح الاسناد اليه ويشهد لذلك أن الخطاب في الروايات موجه الى المكلف بعدم نقض اليقين بالشك مما يعني أنه فعله. ويمكن ان يكون الاسناد الى المكلف على اساس التبعية لحكم الشارع نظير ما يقوله اصحاب مسلك التعهد في الوضع بان الواضع الاول تعهد بارادة المعنى حين استعمال اللفظ والمستعملون من اصحاب اللغة ايضا متعهدون تبعا. ومثله ما يقال من أن الاحكام الصادرة في موارد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أحكام تبعية مماثلة للاحكام الاصلية.
الجهة الثانية :
++الفرق بين الاستصحاب وقاعدتين مشابهتين له++
وهما قاعدة اليقين ، وقاعدة المقتضي والمانع.
وقد اختلف في أن المراد بالاخبار الآتية هل هو الاستصحاب او قاعدة المقتضي والمانع أو قاعدة اليقين أو الجامع بينها وبين الاستصحاب . وكذلك بناء العقلاء فقد ادعى بعضهم فيه أنه موافق لقاعدة المقتضي والمانع لا الاستصحاب بل ان كلام الفقهاء في الموارد التي حكموا فيها بالبقاء بعد الشك قد يكون موردا للشك في انه هل يبتني على الاستصحاب ام على القاعدة المذكورة. وربما اعتبر بعضهم قاعدة الفراغ مبنية على قاعدة اليقين بناءا على أنها لا تجري الا مع القطع بالصحة حال العمل وهو ما يسمى بالفراغ البنائي فلا يعتنى بالشك الحادث بعده ولكن المشهور أنها مبنية على الفراغ الواقعي بمعنى أن المكلف يجد نفسه فارغا من العمل ولا يعتبر كونه متيقنا بالصحة حين العمل.
ولتوضيح الفرق بين قاعدة اليقين والاستصحاب نقول :
ان متعلق الشك واليقين اذا كان امراً واحداً ولم يختلف المتعلق حتی من جهة الزمان فلابد من أن يكون زمان الشك واليقين بنفسهما مختلفا اذ لا يمكن تعلق الشك واليقين بامر واحد وفي زمان واحد فان كان زمان الشك سابقا على زمان اليقين فلا اثر لهذا التقدم والتاخر بل يعمل في كل زمان بموجب ما حصل فيه واما اذا تقدم زمان اليقين فهنا مورد قاعدة اليقين مثال ذلك ما اذا تيقن احد في يوم السبت بعدالة زيد يوم الجمعة وشك فيها أيضاً ولكن زمان الشك يوم الاحد مثلاً فبناءا على قاعدة اليقين يحكم بعدالته يوم الجمعة ويقال للشك فيه الشك الساري لانه يسري الی اليقين السابق فيرفعه .
وان كان متعلق الشك واليقين مختلفا من حيث الزمان فقط فان كان المتيقن متأخراً عن المشكوك فهو عكس الاستصحاب ويسمی بالاستصحاب القهقرائي وقد ذكروا ان هذا لا دليل علی حجيته الا في باب الالفاظ وهو المعروف باصالة عدم النقل وادّعوا انه من الاصول العقلائية والا لم يترتب علی التبادر استكشاف المعنی الحقيقي في اصل اللغة. وعهدة هذه الدعوی علی مدعيها وقد ذكرنا في محله ان التبادر ظاهرة اجتماعية متطورة تتغير حسب تغير المجتمعات وارتباطها بالقوميات المختلفة وهو مستند الی تداعي المعاني وهذا مخالف لاصالة عدم النقل التي تقتضي جمود اللفظ علی المعنی الاول وقلنا ان معرفة معنى اللفظ في زمان صدوره قبل قرون تتوقف على ممارسة طويلة وبحث عميق لاستكشاف ما كان يتبادر من اللفظ في ذلك الزمان.
وان كان متعلق اليقين متقدماً علی متعلق الشك كان هو الاستصحاب بالمعنی المشهور سواء كانت القضيتان (المتيقنة والمشكوكة) في الزمان الماضي أم كانتــا في المستقبل او كانت المتيقنة في الحال أو الماضي والمشكوكة في المستقبل علی ما هو التحقيق خلافاً لصاحب الجواهر وسيأتي مفصلاً ان شاء الله تعالى فالمناط هو تقدم المتيقن علی المشكوك زماناً .
واما قاعدة المقتضي والمانع فموردها ما لو علم الانسان بالمقتضي (بالكسر) وشك في المانع فانه يبني على أن المقتضي يؤثر اثره. ويدّعى أن عليها بناء العقلاء وأنها المراد بالاخبار الآتية وأن مفادها لا تنقض اليقين بالمقتضي بالشك في المانع. وسيأتي الكلام فيه مفصلا ان شاء الله تعالی .
ثم ان الاستصحاب وقاعدة اليقين قد يتحد مؤدّاهما وقد يختلف فاذا علمنا بعدالة زيد في يوم الاحد ثم شككنا فيها في يوم الاثنين ثم علمنا بها في يوم الثلاثاء ثم شككنا فيها في يوم الثلاثاء أيضاً بنحو الشك الساري فان مقتضى قاعدة اليقين والاستصحاب البناء علی عدالته واذا علمنا بالوضوء ثم علمنا بالحدث ثم شككنا فيه بنحو الشك الساري فمقتضى الاستصحاب الطهارة لان الحدث مشكوك فعلا ومقتضى القاعدة الحدث لليقين السابق به وان ارتفع بالشك الساري وموارد الاختلاف كثيرة .
وقد يتفق الاستصحاب وقاعدة المقتضي والمانع كما اذا علمنا بالوضوء وشككنا في الحدث فالاستصحاب جار بلا شك وكذلك القاعدة باعتبار أن الوضوء مقتض لبقاء الطهارة لولا الرافع فيحكم بالبقاء. وقد يختلفان وقد مثّل له الاعلام بما اذا علمنا بالنار وشككنا في الرطوبة فمقتضى الاستصحاب عدم الاحتراق بخلاف القاعدة ولكن القائلين بالقاعدة لا يقبلون هذا المثال ولا يقولون بجريانها في مثل ذلك. وسيأتي تمام الكلام فيه ان شاء الله.
وقد تتفق القاعدتان كما اذا علمنا بعد البيع بعدم الغبن ثم شككنا فيه فمقتضاهما اللزوم لان البيع يقتضي اللزوم والغبن مانع عنه وقاعدة اليقين ايضا جارية لان الشك حسب الفرض سار الى تحقق الغبن بعد العلم بعدمه. وقد يختلفان كما اذا علمنا بالوضوء ثم علمنا بالحدث ثم شككنا فيه بنحو الشك الساري فقاعدة المقتضي والمانع تقتضي بقاء الوضوء للشك الفعلي في الرافع وهو الحدث واما قاعدة اليقين فتقتضي الحكم ببقاء الحدث لليقين به سابقا ولا يعتنى بالشك الساري.
++ادلة الاستصحاب++
++الدليل الأول++ : الاجماع . نقله العلامة قدس سره في المبادي . ولكن لا يبعد ان يكون مراده الاجماع العملي اذ لم يتعرض الفقهاء لهذا البحث بل قال السيد البروجردي قدس سره ان أول من دوّن الاصول من الشيعة المفيد والمرتضى والشيخ رحمهم الله وقد ذهب الأول الی حجيته وأنكره الثاني وتردد فيه الثالث فاين الاجماع الكاشف عن قول المعصوم؟! والصحيح أن الاجماع ليس كاشفا أصلاً بل هو مرشد ومنبه يدعونا الی التحقيق والبحث عن وجه اتفاق العلماء علی قول واحد وكذلك الشهرة.
وأما علماء العامة فقد اختلفوا أيضاً وانكره جماعة من المتكلمين . ونلاحظ هنا ان السيد المرتضى رحمه الله الذي أنكره يعتبر أيضاً من متكلمي الامامية . والظاهر ان السبب في ذلك هو تأثير علم الكلام الذي يبحث عن الحقائق الكونية في علم اُصول الفقه الذي ينظر في الامور الاعتبارية وكان لابد للمتكلم من انكار حجية الاستصحاب اذ لا يمكن للاستصحاب الكشف عن حقيقة كونية واقعاً. وممّا مُني به علم الاصول والفقه هو تأثير علم الكلام والفلسفة في مسائلهما .
وأما الاجماع العملي بمعنى ان الفقهاء قد حكموا بموجب الاستصحاب في موارد عديدة من الفقه حسب الاستقراء فهو غير بعيد في نفسه الا انه لا يتبين منه انهم اعتمدوا على الاستصحاب ام قاعدة المقتضي والمانع فلا يمكن الاعتماد على هذا الاستقراء الا من جهة كشفه عن ان المرتكز لديهم هو بناء العقلاء مع عدم وضوح مفاده.
++الدليل الثاني++ : الظن من باب ان الظن يلحق الشيء بالاعم الاغلب.
ولا يخفی ان حجية الظن بقول مطلق لا دليل عليها. واما قانون الغلبة فانما يفيد بعد افتراض حجية الظن مطلقا وفي حال افادته الظن الشخصي. ويختلف ذلك حسب اختلاف موارد الشك في البقاء فربما يفيد الظن وربما لا يفيده بل ربما يكون الظن في الجانب المخالف. الا ان يقال بإلحاق موارد الشك والوهم بالظن من باب الغلبة أيضاً.
++قانون الغلبة:++
ولابد من ملاحظة قانون الغلبة بنحو عامّ ثم انطباقه علی المورد .
ويصح قانون الغلبة في موردين :
الأول : ان يكون أحد طرفي المعلوم بالاجمال اقل عدداً من الآخر بنسبة كبيرة يصح معه الحكم علی المشكوك بكونه من الاغلب كما اذا كان لدينا مائة آنية وعلمنا اجمالاً بكون أحد الأواني بيضاء والباقي سوداً فان قانون الغلبة يحكم علی كل ما اخرج منها عشوائياً أنّها من الاواني السود وذلك لان احتمال كونها سوداء 99% واحتمال كونها بيضاء 1% وهذا يعتبر بموجب حساب الاحتمالات ظنّـا اطمينانياً معتبراً .
الثاني : ان يكون جميع الافراد مشكوك الصفة ولكنّا جربنا اغلبها عشوائياً فرأيناها علی صفة خاصة فنحكم بموجب قانون الغلبة أنّ الباقي أيضاً كذلك. وهذا أيضاً مستند الی قانون حساب الاحتمالات وذلك لأنّا لو فرضنا أنّ في كيس مقدار مائة ورقة مثلا نحتمل ان يكون كلها سوداء أو كلها بيضاء أو بالاختلاف ففي هذا الحال اذا اخرجنا منها سبعين ورقة مثلا ووجدنا انها كلها بيضاء الا ورقة واحدة فاذا اردنا ان نخرج ورقة اخرى فاحتمال ان تكون بيضاء 70 % واحتمال ان تكون سوداء واحد من سبعين وهكذا تختلف النسبة كلما زاد عدد الاوراق المستخرجة والتي تبين انها بيضاء فاذا وصلنا الى آخر ورقة كان احتمال كونها سوداء ضعيفا جدا بحيث يقطع بعدمه وهذا معنى الحاقه بالاعم الاغلب.
والذي يقال في تطبيق قانون الغلبة في مورد الاستصحاب وجهان :
الأول : ان اكثر الامور المعاصرة لهذا المتيقن السابق في زمان اليقين بوجوده باقية حتی الآن قطعاً فالظن يلحقه بالاغلب .
الثاني : ان اكثر الامور التي كانت متيقنة سابقاً وهي مشكوكة حالاً نراها باقية بعد الفحص فنحكم بموجب الغلبة ان هذا المشكوك أيضاً كذلك .
اما الوجه الاول فيردّه أولاً أنّ بقاء أغلب الاشياء علی الوضع السابق غير صحيح بل الاشياء غالباً كالهلال تزيد وتنقص، والامور متطورة ومتغيرة .
وثانياً لا ينطبق علی هذا شيء من الطريقين السابقين من قانون الغلبة اذ ليس هنا علم اجمالي بل بعض الاشياء مقطوع البقاء وبعضها مقطوع الزوال وبعضها مشكوك فلا ينطبق الطريق الاول وكذلك الثاني اذ ليس الجميع مشكوكاً .
وثالثاً : ان المقارنة يجب ان تكون مع لحاظ المماثلة في مقتضيات البقاء والموانع وغير ذلك من الملابسات فلا تصح المقارنة المطلقة بين هذا المشكوك وما هو باق جزماً .
واما الوجه الثاني فهو وان انطبق عليه الطريق الثاني الا ان دعوی الفحص عن اكثر الامور المتيقنة الحدوث المشكوكة البقاء مع مراعاة المماثلة في مقتضيات البقاء وعدم الموانع في جميع موارد الاستصحاب غير معقولة لعدم امكان الفحص غالباً. والاقتصار في حجية الاستصحاب علی امكان مثل هذا الفحص يفقده قيمته.
++الدليل الثالث++ : بناء العقلاء علی الجري بموجب الحالة السابقة وعدم اعتنائهم بالشك بل الظن بالخلاف . ونحن نذكر بعض الامثلة ثم نبيّن منشأ هذا البناء .
اما الاول فانا نجد سيرة العقلاء في اُمورهم الفرديّـة والاجتماعيّـة علی البناء علی الحالة السابقة فالانسان في معاملته ومعاشرته مع الآخرين مثلاً لا يعتني باحتمال عروض العوارض في المستقبل علی نفسه من موت او جنون او عجز او مرض. وكذلك في الآخرين فيذاكر من يشاركه في الحزب السياسي مثلا بالامور الخاصة الحزبية من دون تحقيق عن رجوعه عن رأيه أو انتمائه الی حزب معارض مع احتمال ذلك وحدوثه كثيراً ويفاوض صديقه باسراره الشخصية ولا يعتني باحتمال انقلابه من الصداقة الی العداوة مع كثرة اتفاق ذلك وكذلك يعامل وكيله في الاُمور المالية وغيرها وكذلك في معاملاته التجارية المبتنية علی الثقة بالتجار فلا يعتني باحتمال عروض العوارض النفسية الموجبة للخيانة أو العوارض الجسمية الموجبة لاختلال المشاعر أو الموت أو المشاكل المالية الموجبة للافلاس أو غير ذلك وكذلك في حياته الزوجية اذ لا يعتني باحتمال حدوث الحرمة بالرضاع أو الارتداد. ونجد ايضا أن الركاب في السيارة او الطائرة لا يهتمون باحتمال عروض ما يمنع من القيادة على السائق والطيار او على السيارة والطائرة مع انه امر خطير يتعلق بارواحهم وأن الحكومات ايضا تخوّل من تثق به امورا مهمة من شؤون الدولة والشعب من دون اعتناء باحتمال عروض مانع فيه ما لم تقم امارة عليه وأن القضاء ايضا في كل المجتمعات يبتني على استصحاب الحالة السابقة من المالكية والزوجية وغيرهما ما لم يقم الآخر بينة على خلافه الی غير ذلك من الامثلة الكثيرة الكثيرة التي نشاهدها كل يوم في جميع جوانب حياتنا الاجتماعية .
واما منشأ هذا البناء فامران :
الأول : ما ذكرناه من الانفعال النفسي من ادراك الشيء بصورة خاصة ومن هنا يهتم الناس بمظهرهم وحديثهم وتعاملهم في اللقاء الاول الذي يجمعهم مع من يهمهم شأنه ليكون له اثراً اكبر في نفسه ومن المعلوم ان الانسان يتبع احاسيسه ومشاعره النفسية اكثر من متابعته لادراكاته المنطقية.
الثاني : ان الحياة الاجتماعية لا يستقيم شأنها الا بعدم الاعتناء بالشكوك والوساوس والا لم يمكن للانسان ان يعيش الا في عزلة عن المجتمع البشري فلذلك التزم العقلاء باعتبار الحالة السابقة باقية ما لم يعلم خلافها.
وسيأتي ان الشارع المقدس امضی هذا البناء ولا اقل من عدم الردع كما سنبينه مفصلا ان شاء الله تعالى ولا يخفى ان عطف سيرة المتشرعة علی بناء العقلاء في هذا المقام وغيره خطأ فان الامضاء والردع انما يبحث عنهما في بناء العقلاء دون سيرة المتشرعة الكاشفة بنفسها عن رأي المعصوم. [^6]
وقد استشكل في هذا الدليل بعدم تحقق بناء العقلاء علی الاستصحاب أولاً وبردع الشارع عنه ثانياً فالكلام في مقامين :
++المقام الاول++ في منع تحقق البناء العقلائي وذلك لوجهين:
الوجه الأول : ان الانسان ليس تابعاً لأحاسيسه النفسية كما يتوهم بل هو تابع لاداركاته العقلية وما ذكر من موارد البناء لا يخلو شيء منها عن أحد اُمور :
الأول : أنه كثيرا ما يحصل الاطمئنان بالبقاء بسبب عوامل خارجية تقتضيه.
الثاني : أن العمل وفق الحالة السابقة قد يكون برجاء اصابة الواقع كما هو الحال في موارد اهمية المحتمل وان كان غير محرز بل حتى لو لم تكن له حالة سابقة.
الثالث : الغفلة عن احتمال الخلاف فالانسان كثيرا ما يعمل حسبما هو معتاد وفق الحالة السابقة غفلة عن احتمال حدوث تغير في الامر وربما ي توقف اذا نبه عليه.
والجواب ان الاطمينان ان كان المراد به الاطمينان النفسي الذي يشعر به الانسان ارتكازاً فهو ما ذكرناه. وان كان المراد به الاطمينان الادراكي أي العلم عن طريق المحاسبة العقلية فهو نادر جداً ولا يمكن حمل هذا البناء مع كثرة موارده علی ذلك .
واما الرجاء والاهتمام بالمحتمل فلابد من ان يكون بلحاظ المحاسبة بين قوة الاحتمال واهمية المحتمل ثم ترجيح جانب الفعل أو الترك ولو كان كذلك لم يكن الاحتمال قويا في اكثر الموارد لملاحظة كثرة التغيرات والطوارئ مع انا نری في موارد الاستصحاب قوة احتمال البقاء بل يری السابق بعين الحالة السابقة اي كونه متيقنا. والرجاء لا يوجب الرؤية والاحساس. مضافاً الی ان اكثر موارد الرجاء يعارضه الخوف واحتمال الضرر فلا مرجح الا البناء علی الحالة السابقة .
واما الغفلة عن احتمال الخلاف فلا تصح الا في القليل من موارد البناء ويكفي الباقي .
هذا ومن العجيب ان هؤلاء الاعلام لم يذكروا هذا الاشكال في سائر موارد بناء العقلاء مع ان كلها تحتمل ذلك كخبر الثقة واصالة عدم النقل .
الوجه الثاني : ان بناء العقلاء يمكن ان يفسر بقاعدة المقتضي والمانع بل هي اقرب اليه من الاستصحاب. والسر في ذلك ان بين موارد القاعدة والاستصحاب عموما من وجه فيفترق الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي علی القول به وتفترق القاعدة في موارد الشك في الدافع لا الرافع ويجتمعان فيما عدا ذلك من الشك في البقاء.
اما موارد افتراق الاستصحاب فليس لها شواهد من بناء العقلاء اذ كل موارد البناء العقلائي من الشك في الرافع لا الشك في المقتضي. واما موارد افتراق القاعدة فلها شواهد لا يمكن تفسيرها بالاستصحاب نذكر بعضها في ما يلي:
1- موارد اصالة الحقيقة والاطلاق والعموم . وقد ذكر الشيخ قدس سره انها لا يمكن ان تعلل بالاستصحاب اذ هي متفق عليها والاستصحاب مختلف فيه فكيف يفسر مورد الاتفاق بامر اختلافي، مع انها ليست من موارد القطع بالحالة السابقة اذ عدم الاتيان بالقرينة أو المخصص أو المقيد ليس له حالة سابقة فهذا لا ينطبق الا علی قاعدة المقتضي والمانع فان اطلاق اللفظ يقتضي الحمل على الحقيقة، والقرينة تدفعه. والمراد بالمانع اعم من الرافع والدافع .
2- القول باللزوم في مورد احتمال الغبن اذ ليست اصالة عدم الغبن من موارد الاستصحاب وليست لها حالة سابقة فالحكم باللزوم ليس الا لتطبيق قاعدة المقتضي والمانع باعتبار أن العقد يقتضي اللزوم والاصل عدم تحقق الغبن الموجب للخيار.
3- صحة النكاح مع احتمال الرضاع أو النسب من اول الامر .
++قاعدة المقتضي والمانع:++
ولتقييم هذا الوجه لا بد من دراسة قاعدة المقتضي والمانع. وربما يلاحظ على هذه القاعدة بان المراد بالمقتضي ان كان هو المقتضي التكويني فلا يمكن الالتزام به . فلو فرض ان احداً مرض مرضاً يفضي الی الموت لولا العلاج وشك في العلاج كان مقتضى القاعدة الحكم بالموت وترتيب الآثار عليه من تقسيم الاموال وغيره ولا يمكن الالتزام به قطعا. وان كان هو المقتضي الشرعي بمعنی موضوعات الاحكام الشرعية وكان المراد بالمانع القيود العدمية فهذا غير صحيح اذ أنّ المقتضي الشرعي حسب ظواهر الادلة هو مجموع الموضوع والقيود ولا فرق بين القيود العدمية والوجودية وان كان المراد ملاكات الاحكام الشرعية فهي مستورة علينا لا سبيل الی احرازها.
والجواب ان المراد بالمقتضي هنا الموجود الذي يقتضي بذاته الثبوت لولا تحقق مانع يوجد او انعدام شرط. فهو نفس المعنی الذي ذكره الاعلام في شرح مراد الشيخ قدس سره من المقتضي والرافع في تفاصيل الاستصحاب الا أنّـه يختلف عنه في مورد الشك في الدافع ولذلك عبّرنا بانه يقتضي الثبوت ليعم البقاء والحدوث . والحاصل انه ما لا يفنيه الزمان بل تفنيه العوارض بخلاف الامور الموقتة .
ومن هنا يظهر ان هذه القاعدة تختص بالامور الاعتبارية لا التكوينية فالنقض بالمرض غير وارد. والسرفي ذلك ان القاعدة في هذه الموارد تتعارض مع نفسها فان الحياة أيضاً تقتضي البقاء بنفسها لولا عروض ما يعدمها فيتعارض جريان القاعدة في الحياة مع جريانها في المرض . فهو نظير موارد تعارض الاستصحابين .
وللقول بهذه القاعدة جذور في الفلسفة حيث يقال ان العلة التامة تتركب من المقتضي ووجود الشرط وعدم المانع . ثم يشكل علی ذلك بان العدم لا يؤثر فكيف يكون منشأً للوجود وان الموجود لا يتركب من الموجود والمعدوم . ويجاب عن ذلك بان عدم المانع ليس مؤثراً في الوجود بل هو ظرف لتأثير المقتضي .
والقائل بقاعدة المقتضي والمانع لم يرتض هذا القول فقال : بل المانع حائل بين المقتضي واقتضائه للأثر فعدم المانع ليس شرطاً لتأثير المقتضي بل المقتضي يؤثر اثره الا ان يحول المانع بينه وبين الأثر ومن هنا لابد في احراز الأثر من احراز المقتضي والشرط واما المانع فيكفي عدم احرازه .
وحيث ان الاُمور الاعتبارية انعكاس للاُمور التكوينية فهذه القاعدة تجري فيها أيضاً ومنها الاحكام الشرعية في متعلقاتها وموضوعاتها . فالمانع عن صحة الصلاة مثلاً كاستصحاب اجزاء ما لا يؤكل لحمه انما يعتبر مانعاً عن اقتضاء الصلاة تحقيق الملاك أو عن انطباق الكلي علی هذا الفرد .
هذا كله مبنى هذه القاعدة وقد عرفت انه يشهد لها الاُصول اللفظية ولزوم البيع مع احتمال الغبن وصحة النكاح مع احتمال وجود الموانع.
ولكن لا يخفی ضعف المبنى من اصله اذ لا وجه للفرق بين عدم المانع ووجود الشرط من حيث وجوب الاحراز . ولا وجه لقياس الامور الاعتبارية بالاُمور التكوينية اذ كما يمكن ان يعتبر المعتبر الشيء مقيداً بقيد وجودي كذلك يمكنه ان يقيده بقيد عدمي . ولم يثبت في مورد من الاحكام الشرعية ان يكون الشارع قد اعتبر امراً مقتضياً للحكم وجعل له شروطاً وموانع بل المقتضي ــ بمعنی ما يترتب عليه الاثر فيها ــ هو مجموع الموضوع مع القيود الوجودية والعدمية . وفي كل ذلك لا اشكال في أن التقيد وهو الداخل في اجزاء العلة امر وجودي . مع ان عدم الملكة له حظ من الوجود.
واما الاُصول اللفظية فالتحقيق ان منشأ بناء العقلاء علی اصالة الظهور في الموارد الثلاث ليس الاعتماد علی أصالة عدم القرينة بل هو مبني علی أصالة الجد مع التعهد العقلائي بأن ما يفهم من الكلام ظاهراً هو مراده وهو مأخوذ به وليس هذا هو التعهد المدعی في معنی الوضع كما ذكره السيد الخوئي «دام ظله» فان ذلك في الدلالة التصورية وهذا في الدلالة التصديقية . وهذا التعهد مقيد من أول الأمر بعدم ايصال القرينة علی الخلاف الی السامع فاذا اوصله اليه لم يؤخذ بظاهر كلامه فظهر ان القرينة مانعة بوجودها العلمي لا بوجودها الواقعي .
وأما خيار الغبن فالامر فيه غير مسلم أولاً . ومع تسليمه لا نسلم استناده الی اصالة عدم الغبن اذ يمكن ان يكون المستند هو استصحاب الملكية الحاصلة قبل الفسخ . ويمكن ان يقال بعدم اللزوم لانه من التمسك بعموم اوفوا بالعقود في الشبهة المصداقية للمخصص.
واما مسألة النكاح فهي أيضاً تحتمل ان يكون مستنداً الی أمر آخر كخبر مسعدة بن صدقة في البينة أو استصحاب العدم الازلي .
واما سائر الشواهد من موارد البناء العقلائي فهي لا تستند الی هذه القاعدة جزماً اذ ان المشاهَد في هذه الموارد هو الانفعال النفسي والاطمينان بل رؤية الشيء علی ما كان عليه . وهذه الظاهرة لا يمكن ان تفسر بهذه القاعدة اذ لا تحتوي علی أمر نفسي يقضي بالبقاء .
فهذه القاعدة باطلة اساساً ولا شاهد لها ولا دليل علی حجيتها .
++(المقام الثاني)++ : في عدم ردع الشارع عن بناء العقلاء في الاستصحاب وقد ذكر في بيان الردع وجهان :
الأول : ادلة البراءة الشرعية فان الاستصحاب لو تم حتی في عدم التكليف لم يبق مورد لادلة البراءة .
والجواب أولاً : ان هذا الاشكال لو تم لاختص باستصحاب عدم التكليف فقط .
وثانياً : ان الاشكال يبتني علی حكومة الاستصحاب علی البراءة حتی في مورد التوافق وهو خلاف التحقيق والوجه فيه ملخصاً هو انّ سرّ تقديم الاستصحاب علی البراءة في مورد التخالف هو انتفاء موضوعه (وهو الحكم غير المعلوم) بالاستصحاب لكونه محرزاً . وهذا غير جار في صورة التوافق لتطابق العنوانين علی المورد بلا تمانع وهما الحكم غير المعلوم فعلاً والحكم معلوم العدم سابقاً فلا تنافي بين الموضوعين.
وكذلك الحال بين الاستصحاب وقاعدتي الحل والطهارة ففي صورة التخالف يحرز الاستصحاب موضوع الحكم المستفاد من الغاية وهي (حتی تعرف انه حرام، او قذر) باعتبار انه يعدّ معرفة إمّا تعبداً بالاخبار او اعتباراً لبناء العقلاء واما في صورة التطابق فيصدق موضوع الاستصحاب وهو (مشكوك الحرمة اوالنجاسة) كما يصدق موضوع منطوق القاعدتين وهو (معلوم الحلية والطهارة سابقاً).
ويشهد لذلك استدلال الفقهاء المتقدمين علی عصر الشيخ الانصاري قدس سره في كثير من الموارد بالاصل والامارة معاً وليس ذلك الا لعدم الحكومة في مقام التوافق .
الثاني : الآيات الناهية عن العمل بالظن أو عدم العلم وهي كثيرة .
منها قوله تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الانعام: 116. وقوله تعالى (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا...) يونس: 36. وقوله تعالى (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ..) الروم: 29.
وينبغي التنبيه علی ان هذا الاشكال لا يرد مع وجود الاخبار المصرّحة بحجية الاستصحاب مع ان لسانها لسان امضاء البناء العقلائي لانها اخص من الآيات فتقدم عليها .
ومع قطع النظر عن ذلك فلابد من ملاحظة جهتين في بناء العقلاء قبل مراجعة الآيات الكريمة :
الجهة الاُولی : ان الاستصحاب عند العقلاء ليس من الاُمور الكاشفة عن الواقع بل هو اعتبار عقلائي ببقاء ما كان أو بكون العلم بالشيء علماً بالبقاء . والاُمور الاعتبارية تُحدّد بحدود اعتبارها ولا يؤخذ بلوازمها اذ لا تكشف عن الواقع حتى تتبعه اللوازم فان اللوازم انما تتبع الوجود الخارجي لا الاعتباري فاذا اعتبرت زوجة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم مثلاً اما للمؤمنين باعتبار حرمة زواجها ولو بعد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم او وجوب احترامها علی الامة أو غير ذلك فلا يلازمه اعتبار أخيها خالاً للمؤمنين مثلاً حتی تحرم المؤمنات عليه أو يجب احترامه . كما ان الامر كذلك في الاعتبارات الادبية فيقال مثلاً : ان فلاناً شمس ولا يراد به لوازمه حتی ان حجمه اكبر من الارض مثلاً، كل ذلك من جهة ان الاعتبارات لا تكشف عن الواقع وانما هو تنزيل للشيء منزلة الآخر في حدود خاصة .
الجهة الثانية : ان بناء العقلاء في ترتيب الآثار علی شيء في الدرجة الاولی انما هو علی القطع والاطمينان . وفي الدرجة الثانية علی الامارات العقلائية كالرجوع الی اهل الخبرة فيه من جهة قانون تقسيم الاعمال . وفي الدرجة الثالثة علی قانون محاسبة الاحتمال والمحتمل فيرتبون الآثار علی المحتمل المهم وان كان الاحتمال ضعيفاً .
وأما الآيات ففيها احتمالات ثلاثة :
الاحتمال الأول : (وهو الصحيح) ان المراد بالظن هو الاعتقاد الخرافي الذي لا يدعمه دليل علمي بل هو من فعل النفس وتخيلاتها تحت تأثير الامنيات أو الشهوات أو الاعلام أو الحب أو البغض فينشأ منها اعتقادات لا يساندها دليل وما أنزل الله بها من سلطان وانما هي امور ذهنية من نسج الخيال ويعبر عنها القرآن بالظن والخرص والاماني والهوی وظن الجاهلية والجهالة في قوله تعالی : (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) الحجرات: 6، أي بلا دليل . والمراد بالعلم هو الوصول الی الواقع والكشف عنه ويعبر عنه القرآن بالعلم والهداية والنور والبصائر الی غير ذلك من التعابير الكثيرة الواردة في القرآن المشيرة الی هذا المعنی . وقد امتلأ القرآن بالتنبيه علی هذا الموضوع وان الاسلام جاء ليخرج الناس من الظلمات الى النور ومن العقائد الخرافية والظنون الجاهلية الی الهدی والواقع والحق .
ونذكر من باب المثال بعض الآيات المباركات ليتضح المراد منها :
قال تعالی في سورة النجم 21-24 : (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) الی ان يقول تعالی شأنه: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى * وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) 27-28.
وقال تعالی في سورة يونس 68 : (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .
وقال تعالی في سورة البقرة 111 : (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) . ونظائر هذه الآيات كثيرة.
ولو كان المراد بالظن الاعتقاد الراجح لصح اعتذار الكفار بانهم جازمون.
وبناءاً علی هذا الاحتمال فالآيات الناهية لا تنظر الی الاصول العقلائية والامارات ولا الی قانون محاسبة الاحتمال وأهمية المحتمل بل انما تعارض العقائد الخرافية اي توجب في القسم الاول مما ذكرناه في الجهة الثانية آنفا وهو القطع والاطمينان ان لا يكون منشؤه فعل النفس ونسج الخيال . واما الظن الراجح الذي يكون حجة لدى العقلاء كما اذا بلغ قوة الاحتمال 90% مثلاً فالآيات لا ترتبط به كما لا ترتبط بالامارات العقلائية واعتباراتهم .
الاحتمال الثاني: ما ذكره السيد الخوئي دام ظله كما في تقرير بحثه وهو ان المراد بالعلم العلم بوجود المؤمّن من العقاب وبالظن احتمال عدم العقاب[^7] فيكون ناظراً الی وجوب دفع الضرر المحتمل المبني علی قانون محاسبة الاحتمال والمحتمل. ولا اشكال في خروج الاستصحاب والامارات والاصول العقلائية عن مفادها. الا ان هذا الاحتمال لا شاهد له .
الاحتمال الثالث : ان يكون المراد بالعلم العلم الجزمي وبالظن ما عداه من طرق الكشف والاحراز او ما يكون منشأ لترتيب الآثار علی الشيء فيشمل الاستصحاب وجميع الامارات والاصول العقلائية . ولا اشكال في فساد هذا الاحتمال .
++الدليل الرابع++ : الاخبار ، وهي اما ادلة علی اعتبار الاستصحاب تعبداً او امضاء لبناء العقلاء وهي عدة روايات :
++الرواية الاولى++ : ما رواه في الوسائل عن الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة قال : قلت له : الرجل ينام وهو علی وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : يا زرارة قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن فاذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء . قلت : فان حرّك في جنبه شيء ولم يعلم به ؟ قال : لا حتی يستيقن انه قد نام حتی يجيء من ذلك أمر بيّن والاّ فانه علی يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين ابداً بالشك وانما ينقضه بيقين آخر . [^8]
والكلام في الحديث من جهات أربع :
الجهة الاولی في سنده، والكلام في مقامين :
المقام الاول في صحة السند الی زرارة ، والملاحظ أنّ صاحب الوسائل نقله عن الشيخ باسناده الی الحسين بن سعيد وظاهره أنّه مما ابتدأ الشيخ قدس سره فيه باسم الحسين فيكون داخلاً في تلك المجموعة من الاخبار التي لنا طرق في تصحيحها .
ولكن هذا خلاف ما هو في التهذيب وقد غفل عنه الاعلام فان الشيخ يروي رواية قبل هذا الحديث عن الشيخ المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسی والحسين بن الحسن بن أبان عن الحسين بن سعيد ... ثم نقل هذا الحديث وقال (وبهذا الاسناد عن الحسين بن سعيد) فاللازم هو ملاحظة هذا السند بناءاً علی حجيّة خبر الثقة .
اما الحسين بن الحسن بن أبان فانه وان لم يوثق الا انه معطوف علی احمد بن محمد بن عيسى فلا اشكال من هذه الجهة انما الاشكال في احمد بن محمد بن الحسن بن الوليد فانه لم يوثق ولم يذكر في كتب الرجال فالوجه في تصحيح ما نقل عنه امران :
الاول: رواية الاجلاء كالمفيد وابن الغضائري عنه. وبطلان هذا الوجه واضح اذ مجرد الرواية عنه لا تدل على توثيقه من قبلهم.
الثاني : ان المفيد قدس سره ليس له كتاب حديث وكذلك أحمد بن محمد بن الحسن والحسين بن الحسن بن أبان وحيث ان التأمل في ما نقله الشيخ من الروايات في التهذيبين وملاحظة طريقة نقله وتأليفه يقضي بانه لا ينقل الا عن الكتب الموجودة عنده عن طريق اجازة المشايخ فذكر هذه الأسناد انما هو من باب الاجازة فلابد ان يكون النقل اما من كتاب ابن الوليد أو الصفار أو أحمد بن محمد بن عيسى أو الحسين بن سعيد وكلها كانت موجودة عنده لنقله عنها في سائر الموارد واذا كان كذلك فتصحيحه انما يكون باعتبار صحة طريق الشيخ الی هذه الكتب غير هذا الطريق وهي منقولة في المشيخة . واما احتمال كون هذه الرواية منقولة يداً بيد بهذا الطريق من دون تدوينها في هذه الكتب فهو بعيد جداً بملاحظة طرق نقل الرواية آنذاك .
المقام الثاني : في من يروي عنه زرارة فان الرواية مضمرة وقد يقال : ان جماعة من الاعلام كالمحدث الاسترابادي والعلامة بحرالعلوم والمحقق النراقي ذكروها مسنداً الى ابي جعفر عليه السلام.
ولا يخفى ان هذا لا يفيد وثوقا فانها لم تنقل في شيء من كتب الحديث التي بأيدينا الا في التهذيب وهي مضمرة هناك واحتمال وجودها في كتاب اطلعوا عليه وخفي عنا احتمال بعيد في حد ذاته لقرب عهد المذكورين مضافا الى أنه لا يفيد أيضاً في تصحيح الرواية اذ لا طريق لنا الی تصحيح ذلك الكتاب المجهول .
وقد يقال : ان عظمة زرارة وعلو مقامه تمنع من احتمال سؤاله عن غير الامام.
ويرده ان عظمة الشخص وجلالة شأنه مهما كان لا تمنع من ذلك وكم له من نظير وزرارة كان أهلاً للنقاش والبحث مع علماء العامة وغيرهم .
فالصحيح في الجواب ان زرارة قد ذكر المسؤول عنه قطعاً اذ لولاه لبقي الضمير بلا مرجع وهو غير صحيح ولو اراد الاخفاء لقال قلت للرجل مثلاً . اذن فلابد ان يكون الحذف عند تقطيع الحديث في أحد الكتب المذكورة وهنا يتردّد الامر أيضاً بين المعصوم وغيره وحيث إن هذه الكتب موضوعة لجمع أحاديث الائمة عليهم السلام فذكر الرواية من غيرهم من دون اشارة الی ذلك تدليس يجب ان ينزه عنه اصحاب هذه الكتب فانه ينافي وثاقتهم .
++الجهة الثانية في فقه الحديث++ : لا شك أن المراد بالنوم فيه مرتبة ضعيفة منه فيكون السؤال عن مورد الشبهة المفهومية وانه هل يشمل الخفقة والخفقتين أم لا ؟
وقد وقع الكلام في جواب الشرط في قوله عليه السلام والاّ ــ اي وان لم يستيقن انه قد نام ــ فانه علی يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك أبداً .
فهنا أربعة احتمالات :
++الاحتمال الأول++ : ان يكون الجزاء جملة لا ينقض اليقين بالشك وتكون الجملة الاولی إمّا متمماً للشرط فيكون مفاد الجملة : (وان لم يستيقن أنّه قد نام وهو علی يقين من وضوئه فلا ينقض..) وإمّا تمهيداً للجزاء فيكون مفادها هكذا ، (وان لم يستيقن انه قد نام فحيث انه علی يقين من وضوئه فلا ينقض اليقين..) .
ويضعّف هذا الاحتمال ان دخول الفاء علی الجملة الاولی لا وجه له علی كلا التقديرين بل لابد من دخوله علی الجملة الثانية . وكذلك الواو في الثانية بلا وجه .
++الاحتمال الثاني++: ما ذكره الشيخ الانصاري قدس سره وتبعه اكثر من تأخر عنه وهو ان يكون الجزاء محذوفاً وهو (فلا يجب الوضوء) دلت عليه الجملة الاولی فالفاء مناسبة لكونها علة للجزاء سادة مسدّه. ونظائره في القرآن الكريم وكلمات العرب كثيرة. وقد ذكر الشيخ شواهد عديدة من الكتاب العزيز فمنها قوله تعالی : (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) آل عمران: 97، اي فلا يضر الله شيئاً. ومنها قوله تعالی : (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) يوسف: 77، اي فلا عجب .
واعترض عليه المحقق النائيني قدس سره (علی ما نسب اليه) بانه يستلزم تكرار الجزاء فان قوله عليه السلام في الجواب أولاً : (لا) يريد به لا يجب الوضوء وهو عين المقدر هنا فهذا تكرار بلاوجه.
++الاحتمال الثالث++ : ما نسب الی المحقق النائيني من ان الجزاء هو نفس الجملة الاولی ولكنها خبرية في مقام الانشاء اي وان لم يستيقن فليكن جريه علی يقينه السابق بالوضوء والجملة الثانية تأكيد له .
وقد ردّ بوجوه :
الوجه الأول: أنّ هذا يستلزم التكرار أيضاً فان قوله (لا) بمعنى (لا يجب الوضوء) مغن عن قوله (فانه على يقين..) اذا كان معناه (فليبن علی الوضوء). بل إنّ هذا أسوأ حالاً من التكرار علی الاحتمال السابق فانه مقدر وهذا مصرّح به.
الوجه الثاني : ان الجملة الاسمية وان جاءت في مورد الانشاء نادراً الا انه ليس في الجملة الطلبية بل في غيرها من الانشائيات كقولنا هي طالق .
الوجه الثالث : ان كونه في مقام الانشاء يقتضي طلب اليقين لانه متعلق الانشاء وطلب اليقين لا معنی له .
++الاحتمال الرابع++ : ان يكون الجزاء هو نفس الجملة الاولی وهي في مقام الانشاء ولكن ليس انشاءا طلبيا بل الأمر المنشأ هو كونه علی يقين اعتباري من وضوئه. وحينئذ فالجملة الاولی هي التي تبين الاستصحاب لا الجملة الثانية . وهذا هو الاظهر. ولعل المحقق النائيني أراد هذا المعنی.
ولا يرد عليه شيء من الاشكال سوی ما قد يقال من ان كونه علی يقين ينافي الشك الذي صرّح به في الرواية. وجوابه ان المراد بالشك في جملة (ولا ينقض اليقين بالشك) هو الوسوسة التي تجتمع مع اليقين فان اليقين الادراكي لا ينافي الاضطراب والقلق النفسي فهذه الجملة ليست في مقام بيان الاستصحاب اصلاً ويدل علی ما ذكرنا بعض الروايات وسيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى.
++الجهة الثالثة++ : في ان مفاد الحديث هل هو الاستصحاب او قاعدة المقتضي والمانع كما قال الشيخ هادي الطهراني رحمه الله بدعوی ان قوله عليه السلام (لا حتى يستيقن أنه قد نام) يوافق القاعدة حيث جعل الغاية اليقين بالنوم الذي هو مانع من تأثير المقتضي للطهارة وهو الوضوء ولو كان المراد التمسك بالاستصحاب لقال (حتی يستيقن ببطلان الوضوء) وعليه فالمراد بقوله فانه علی يقين من وضوئه أي الوضوء السابق لا المستصحب وبقوله لا ينقض اليقين بالشك اي لا ينقض اليقين بالوضوء السابق أيضاً بالشك في النوم الذي هو مانع من تأثير المقتضي.
ومن الواضح ان هذا البيان لا يأتي علی ما ذكرناه من أنّ المراد بالجملة الاولی انه علی يقين بالفعل من وضوئه ولكن اعتباراً لا حقيقة فانه لا يناسب القاعدة المبتنية علی ان المراد بها اليقين بالوضوء السابق.
واما علی المسلك المشهور فيمكن ان يجاب عما ذكره بان عنوان النقض في قوله عليه السلام (ولا تنقض اليقين أبدا بالشك) يقتضي ان يكون متعلق الشك واليقين امراً واحداً والا لم يصدق النقض فهذه قرينة واضحة على أن المراد بهذه الجملة الاستصحاب ولا يعارضه ظاهر قوله عليه السلام : (لا حتى يستيقن أنه قد نام حتی يجيء من ذلك أمر بيّن) لو سلّم ظهوره في القاعدة فان هذه الجملة في مقام الافتاء والجواب عن المسألة الفرعية وهي ان تحريك الشيء في جنبه وهو لا يعلم به هل يعتبر امارة علی النوم أم لا ؟ وأما الجملتان الاخيرتان فهما في مقام التعليم وبيان القاعدة الكلية .
بيان ذلك أن هناك فرقا بين الفتوی والتعليم ولا بد من ملاحظة هذا الفرق في جميع الروايات وهو ان الفتوی لا يذكر فيها الموضوع الواقعي للحكم بل يهتم المجيب بافهام المخاطب وظيفته العملية وان ادی الی اخفاء موضوع الحكم الواقعي فلا يمكن ان يؤخذ بالموضوع المذكور في مقام الفتوی . واما التعليم فحيث انه في مقام بيان القاعدة الكلية لابد من ذكر الموضوع الواقعي، كما يلاحظ ان مراجع الطبيب مثلا قد يذكر في مقام الاستشارة عدة امور بظن انها منشأ مرضه فلا يبين له الطبيب ما له دخل في المرض وما ليس له دخل فيه بل يكتب له الوصفة الطبية فلا مجال لتوهم ان هذه الوصفة تفيد في كل مورد تتحقق فيه الامور المذكورة. فظهر ان ما في الصدر ليس موضوعاً واقعياً للحكم فلا يعارض ذيل الحديث .
++الجهة الرابعة++ : في أن الحكم المستفاد من الرواية هل هو عام كما فهمه المتأخرون او خاص بالوضوء كما فهمه القدماء مع عدم الاختصاص بالنوم من بين النواقض للقطع بعدم الاختصاص. ونعيد نقل الرواية للتركيز قال عليه السلام (لا حتی يستيقن انه قد نام حتی يجيء من ذلك أمر بيّن والاّ فانه علی يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين ابداً بالشك وانما ينقضه بيقين آخر).
ويمكن ان يؤيّد الاحتمال الثاني بوجهين :
الأول : تقييد الجملة الاولی بالوضوء. ولو كان للعموم لقال فانه علی يقين ولا ينقض اليقين أبدا بالشك .
الثاني : الاتيان بصيغة المعلوم في الجملة الثانية الذي هو بمنزلة ذكر المسند اليه وهو يدل علی اختصاص الحكم به ولو كان للعموم لكان ينبغي ان يقول ولا يُنقض اليقين بصيغة المبني للمجهول . والدليل علی انه للمعلوم ذيل الجملة ولكن ينقضه بيقين آخر .
ولا بدّ من ملاحظة الاحتمالات الاربعة المذكورة في اول البحث عن مفاد الحديث وامكان دلالة الرواية على العموم على ضوء كل منها مع قطع النظر عن هذين المؤيدين.
أما على الاحتمال الاول وهو أن الجزاء جملة (ولا ينقض اليقين أبدا بالشك) والجملة الاولی اي قوله عليه السلام (فانه على يقين من وضوئه) إمّا متمم للشرط وإمّا تمهيد للجزاء وعليه فالجملة الاولى ليست كبرى تستفاد منها قاعدة عامة والجملة الثانية اي قوله (ولا ينقض اليقين..) هي جزاء الشرط اي قوله عليه السلام (والا) فان معناه وان لم يستيقن انه قد نام.. ولا شك في أنها تختص بالوضوء ليوافق الشرط.
واما علی الاحتمال الثاني وهو أن الجزاء محذوف تدل عليه الجملة الاولى وهو جملة (فلا يجب الوضوء) مثلا، ففي تقريرات السيد الخوئي أيده الله : ان اليقين حيث انه من الامور النفسية المتعلقة بالامور الخارجية فيتقوّم بامرين: محله وهو النفس، ومتعلقه وهو الامر المعلوم. فذكر الوضوء في الجملة الاولی ليس للتقييد بل لذكر المتعلق الذي لا يستغني عنه اليقين .
ويلاحظ على ما ذكره أن الكلام في استفادة العموم من الجملة الثانية اي قوله عليه السلام (ولا ينقض اليقين..) واليقين فيها تابع لليقين في الجملة الاولی من حيث العموم والخصوص وذلك كما لو قال المولی (اكرم زيداً العالم بالفقه لان اكرام العالم واجب) حيث لا يمكن استفادة العموم من التعليل لكل عالم لاحتمال اختصاصه بالفقيه فلا ينعقد له ظهور في غيره بخلاف ما لو حذف قيد (بالفقه) . فقوله من وضوئه مهما كان شأنه يمنع من ظهور الجملة الثانية في الاطلاق لان ظاهر القيد الاحتراز ولا اقل من احتماله .
وأما على الاحتمال الثالث فالجزاء هو الجملة الاولى وهي خاصة بالوضوء والجملة الثانية التي يتوقع أن تكون كبرى عامّة ليست الا جملة مؤكّدة.
وكذلك القول على الاحتمال الرابع الذي قويناه بالنسبة الى الجملة الاولى وأما الثانية فقد مرّ أنه لبيان أمر آخر ولا ربط له بالاستصحاب كما مرّ.
وقد يقال : بان كلمة أبداً تدلّ علی العموم . ويرده انه تأكيد لاستمرار الحكم في المستقبل لا لجميع افراد الموضوع .
وقد يقال : بأنه حيث كان من المرتكزات العقلائية فلا بد من ان يكون عاماً. وهذا حق ولكنه لا ينبغي ان يصدر ممن انكر بناء العقلاء . نعم هو صحيح علی مسلكنا.
وهنا وجهان في تصحيح هذا الارتكاز من دون الاعتراف ببناء العقلاء.
الوجه الأول ما ذكره السيد الحكيم قدس سره من ان المراد بالارتكاز ليس هو بناء العقلاء علی الجري الاستصحابي بل العقلاء يعلمون من هذه الجملة بمناسبة الحكم والموضوع ان المراد باليقين مطلق اليقين كما انه لو قيل اكرم زيداً العالم يعلم منه تعميم الحكم للعلماء بمناسبة الاكرام للعلم ولو قيل اكرم زيداً الطويل مثلاً لم يعلم ذلك لعدم المناسبة فكذلك في المقام فان عدم النقض يناسب اليقين بما انه يقين لا لخصوصية في الوضوء .
والجواب ان هذه المناسبة لا تقاوم ما ذكرناه من المؤيدين القويين في استفادة الخصوص .
الوجه الثاني : ما ذكره اكثر الاعلام من ان اليقين امر مبرم والشك امر غير مبرم ومن هنا حسن التعبير بالنقض وهذا لا يختص بباب الوضوء بل هو جار في جميع الموارد .
والجواب عنه يحتاج الی مقدمة وهي :
ان المجاز والاستعارة عبارة عن إعطاء حدّ شيء لشيء آخر للتأثير في نفوس المستمعين طلباً لمقصد وغاية اسمی وذلك لاكتساب الشيء المشبه به شهرة عند الناس امكن ان يكون وسيلة للتشهير . فاذا قيل فلان اسد الاسود فان المقصود هو تخويف الناس من شجاعته ولاشتهار الاسد بالشجاعة يقال إدّعاءاً وبالعناية: إنّ هذا اسد . وقد يقال لنفس هذا الشخص في مورد آخر هذا ثعلب مثلاً من جهة دهائه ومكره . او هذا شمس او قمر من جهة حسنه وجماله . وغير ذلك من انحاء الاستعارات فهي ليست الا وسيلة للتأثير في النفس تتخذ تبعاً للمصالح والمقاصد.
والمقام من هذا القبيل فليس لليقين والشك إبرام واسترخاء واقعيان مستفادان من التعبير بالنقض حتی يستكشف منه بعد فرض اختصاص المورد بالوضوء عموم الحكم لجميع موارد اليقين لوجود هذا الامر الواقعي في جميعها . بل النقض والابرام تعبير أدبي يقصد به التأثير في النفس وحينئذ فكما يصح ان يعتبر اليقين مطلقاً امراً مبرماً كذلك في مورد خاص دون غيره فان ذلك تابع للمقاصد .
فالحاصل انا لو كنا وهذه الرواية لم نكن نستفيد منها العموم ولكنا حيث ذكرنا ان الاستصحاب من المرتكزات العقلائية في نفسه ولابد ان يكون التعليل بامر ارتكازي ، وبضميمة سائر الروايات التي وردت في مختلف الموارد يمكننا استفادة العموم .
++الرواية الثانية++ :
روى زرارة قال : قلت له أصاب ثوبي دم رعاف او غيره او شيء من مني فعلّمت اثره الی أن اُصيب له الماء فأصبت وحضرت الصلاة ونسيت ان بثوبي شيئاً وصليت ثم إنّي ذكرت بعد ذلك قال : تعيد الصلاة وتغسله .
قلت : فاني لم اكن رأيت موضعه وعلمت انه أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صليت وجدته قال : تغسله وتعيد .
قلت : فان ظننت انه قد أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر فيه شيئاً ثم صليت فرأيت فيه. قال : تغسله ولا تعيد الصلاة.
قلت لم ذاك؟ قال : لانك كنت علی يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبداً .
قلت : فاني قد علمت انه قد أصابه ولم أدر اين هو فاغسله . قال : تغسل من ثوبك الناحية التي تری انه اصابها حتی تكون علی يقين من طهارتك.
قلت : فهل عليّ إن شككت في انه أصابه شيء ان انظر فيه ؟ قال : لا ولكنك انما تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك.
قلت : ان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة قال: تنقض الصلاة وتعيد اذا شككت في موضع منه ثم رأيته. وان لم تشك ثم رأيته رطباً قطعت وغسلته ثم بينت علی الصلاة، لانك لا تدري لعله شيء أوقع عليك، فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك أبداً .[^9]
والرواية مروية في التهذيبين مبدوّة باسم الحسين بن سعيد ولنا طريق خاص في تصحيح هذه الروايات.
وكيف كان فلا اشكال في اعتبارها من هذه الجهة . واضمارها قد عرفت الجواب عنه، مع انها مرويّة في كتاب العلل للصدوق قدس سره مسنداً الی أبي جعفر عليه السلام وطريقه صحيح أيضاً وبينهما اختلاف يسير يؤثر في فهم المراد كما سيأتي. وقد يقال ان نسخة الصدوق اوثق باعتبار كونها أسبق، ولانه ينقله إمّا عن حمّاد او حريز وسنده اليهما سند اجازة بخلاف الشيخ قدس سره فانه ينقله عن كتاب الحسين بن سعيد وهو متأخر عنهما كثيراً. وسيأتي بعض الكلام فيه ان شاء الله تعالى.
ثم إنّ السؤال الاول وارد في الصلاة مع نجاسة الثوب ناسياً فحكم عليه السلام بوجوب الاعادة، وعليه الفتوی، وان ذكرنا في محله تبعاً لروايات أخرى أنّ الاعادة أحوط فيمن لم يكن متحفظاً بل اهمل الامر والا فلا تجب. والسؤال الثاني وارد في صورة العلم الاجمالي وسيأتي الكلام فيه وفي سرّ التدرج في السؤال .
انما الاشكال في الفقرة الثالثة من حيث عدم تطابق السؤال والجواب فان زرارة لم يفرض في السؤال شكه في النجاسة بعد الصلاة بل رأی النجاسة بعد الصلاة فلو بنى علی النجاسة كان من نقض اليقين باليقين لا بالشك فلا يصح التعليل حسب الظاهر.
ولدفع هذا الاشكال وجوه ثلاثة :
الوجه الأول : ان الظاهر من قوله (فنظرت فلم أر فيه شيئاً) انه حصل له الاطمينان بعدم النجاسة اذ الامور المحسوسة اذا تفقدها الانسان في موضعها ولم يرها يتيقن بعدم وجودها غالباً ولا ريب انه كان قابلاً للرؤية اذ قد رآه بعد الصلاة . وقوله (ثم صليت فرأيت فيه) ظاهر في انه رأی نجاسة وشك في انه هو ما اصابه قبل الصلاة او انه شيء آخر وقع عليه بعدها فيشك في صحتها مع كونه متيقناً حالها بالصحة . ويؤيده أنه قبل النظر لم يتيقن بالاصابة بل ظن بها فحكم الامام عليه السلام بالصحة جرياً علی قاعدة اليقين .
وقد يناقش فيه بان قوله (فنظرت فلم أر فيه شيئاً) نظير قوله في السؤال السابق (فطلبته فلم أقدر عليه) ولا يدل علی انه قد تيقن بالعدم . وقوله (فرأيت فيه) ظاهر في رؤية نفس النجاسة المظنونة مع ان في نسخة العلل (فرأيته فيه) وقد قيل انها اوثق من نسخة الشيخ. مع انه لو كان شاكاً في النجاسة لكانت صحة الصلاة مستندة الی قاعدة الفراغ فلا وجه لاستغراب زرارة مع انه راوي روايات القاعدة .
والجواب عنه ان قوله (فنظرت فلم ار فيه شيئاً) ليس نظيراً للجملة السابقة فان المفروض هناك انه كان يعلم بالنجاسة وهو هنا يظن فالقرينة هناك قائمة علی عدم حصول اليقين بالعدم لان المفروض علمه بالاصابة . واما قوله (فرأيت فيه) فظهوره في نفس النجاسة ممنوع. ولذلك رجع عن التعبير بقوله (وجدته) في السؤال السابق الی هذا التعبير، والا لكان ينبغي الاتيان بالضمير .
واما كون نسخة العلل أوثق فغير معلوم وذلك لان عدم الضمير قد تطابق عليه التهذيبان، وهما كتابا فقه، وعليهما مدار البحث، ولذلك كانا مورد اهتمام المشايخ فكانا يُقرءان عليهم ويُتداولان يداً بيد. فالواصل الينا هو ما قرأه المشايخ بخلاف العلل، فانه ليس من الكتب الفقهية، ولم يكن مدار البحث، ولم يُقرأ على المشايخ، ولم يتداول يداً بيد، وكثير من رواياته غير معتمد عليها .
واما انه لا وجه لسؤال زرارة مع كون المسألة مورداً لقاعدة الفراغ فالجواب عنه ان قاعدة الفراغ عند القدماء هو قاعدة اليقين فقد وقع الخلاف في ان الفراغ المعتبر في قاعدة الفراغ هل هو الفراغ البنائي أم الواقعي فبناءاً علی الاول ــ كما اختاره المحقق العراقي والسيد الحكيم ــ يكون متحداً مع قاعدة اليقين كما ان الوارد في رواية محمد بن مسلم من روايات قاعدة الفراغ هو اعتبار اليقين .
هذا والظاهر ان القدماء فهموا من هذه الرواية قاعدة اليقين المنطبق على قاعدة الفراغ فقد نقل الشيخ الانصاري عن السبزواري ان مفاد هذه الرواية هو قاعدة اليقين. ثم ذكر انه لعله اخذه من الحلي. ثم قال : انه مذهب جماعة من القدماء . وقد ذكر الشيخ المفيد في المقنعة ان من عرض له شك فيه بعد فراغه منه وقيامه من مكانه لم يلتفت الی ذلك وقضی باليقين عليه . وذكر في الفقه الرضوي الذي هو نفس كتاب التكليف للشلمغاني : وكل سهو بعد الخروج من الصلاة فليس بشيء ولا اعادة فيه لانك قد خرجت علی يقين والشك لا ينقض اليقين .
ومن هنا يعلم ان هذا الوجه هو مسلك القدماء اذ هذه التعابير يناسب الاخذ من هذه الرواية، ولا يمكن تطبيقها علی القاعدة الا علی هذا الوجه. ويمكن ان يجعل هذا ايضا مؤيدا لنسخة الشيخ فإنّ فهم القدماء دخيل في تصحيح متون الاحاديث وسيأتي الاشكال فيه.
الوجه الثاني : ما ذكره الشيخ الانصاري وتبعه المحقق العراقي والسيد الحكيم وهو ان الجملة الاولی لا تدل علی حصول اليقين، والجملة الثانية لا تدل علی ان المراد نفس النجاسة المظنونة. فوافقوا القدماء في الشق الثاني . وعليه فلا يرد اشكال علی الصحيحة لانه ليس من نقض اليقين باليقين وتدل علی الاستصحاب أيضاً اذ الطهارة السابقة علی ظن الاصابة لم يعلم زوالها فيستصحب .
الوجه الثالث : وهو المشهور بين المحققين الاعلام وهو ان الجملة الاولی لا تدل علی حصول اليقين، والثانية ظاهرة في نفس النجاسة المظنونة. ومع ذلك فالحكم بالصحة موافق للقاعدة ودليل علی حجية الاستصحاب .
بيان ذلك : ان مراجعة الادلة تقضي بان الشرط في صحة الصلاة ليس هو الطهارة الواقعية بل الجامع بين الطهارة الواقعية التي دلت عليها قوله عليه السلام (لا صلاة الا بطهور) والطهارة الظاهرية والطهارة الاحرازية. وقد وردت روايات حكم فيها بالصحة فيمن صلّی جاهلاً بالنجاسة. وحينئذ فصحة الصلاة في مفروض هذا الحديث من جهة انه مستصحب للطهارة السابقة. وتعتبر الاعادة نقضا بالشك لهذا اليقين الحاصل من الاستصحاب فنهاه الامام عليه السلام عنها فيصح الاستدلال ويرتفع الاشكال .
ويلاحظ على هذا الوجه أنّ دليلهم في كفاية الطهارة الاحرازية هو هذا الحديث وارتفاع الاشكال عن هذا الحديث يتوقف علی كفاية الطهارة الاحرازية حسب هذا الوجه، وهذا دور. مع ان الاشكال يندفع بتطبيقه على قاعدة اليقين ايضا فلا يكون دليلا على كفاية الطهارة الاحرازية. مضافا الى ان هذا الجواب يتوقف علی قيام الاستصحاب مقام القطع الموضوعي وهو خلاف التحقيق ولذا قلنا بعدم جواز الاخبار علی طبقه . ومن هنا وقع صاحب الكفاية في مشكلة لالتزامه بهذا الجواب وبعدم قيامه مقام القطع الموضوعي .
واستشهدوا علی ان المراد بنقض اليقين بالشك ليس الا الاستصحاب بان ذيل الحديث ذكر فيه هذه العبارة أيضاً والمراد بها هناك هو الاستصحاب قطعاً فلابد ان يكون الصدر كذلك أيضاً .
ويردّه انّ هذه كناية وليس بتصريح والكناية يقصد بها في كل مورد معنىً يعلم بالمناسبات .
واغرب ما وقع هنا ما ذكره بعضهم من انه وان لم نتمكن من تطبيق الكبری علی المورد الا ان الكبری دالة علی الاستصحاب وفيه الكفاية . مع ان الكلام في فهم معنى الكبری ولعل التطبيق قرينة علی ان المراد بها قاعدة اليقين .
والتحقيق هو ان معنی الرواية يجب ان يلاحظ بحسب معلومات السائل ومكانته العلمية وبحسب سائر الروايات وبحسب الترابط بين هذه الاسئلة .
ونحن نلاحظ ان زرارة هو الذي روی صحيحة لا تعاد وقد ذكرنا في البحث عن قاعدة (لا تعاد) ان الكبری في الحديث هو قوله عليه السلام (ولا تنقض سنة فريضة) وأيّدنا ذلك بروايات أخرى واستخلصنا منها قاعدة عدم نقض السنة الفريضة وقررنا بموجبها ان الاركان وهي الفرائض لا تسقط بالاعذار بخلاف السنن وعلمنا ان ما دل الدليل علی قبول العذر فيه من اجزاء الصلاة وشرائطها فهي من السنة .
ونلاحظ أيضاً ان الخلاف وقع في ان المراد بالطهور في صحيحة لا تعاد وغيرها مما دل علی كونها من الفريضة هل هو ما يشمل الطهارة الخبثية كما استفيد من رواية (لا صلاة الا بطهور ويجزيك في الاستنجاء ثلاثة احجار) بقرينة ذكر الاستنجاء ام الحدثية فقط لورودها في الكتاب العزيز : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) المائدة: 6، وقد دلت الروايات علی ان ما فرضه الله تعالى هو الفريضة؟
ونلاحظ أيضاً ان زرارة ليس من المستفتين العاديين بل هو فقيه كان يناظر الصادقين عليهما السلام ليستنتج من أحاديثهما قواعد فقهية يفتي بها .
بعد هذه الملاحظات نعلم ان الوجه في سؤاله الاول بقرينة تدرجه في السؤال وتعجبه في الأخير كما سنبيّن هو الاستفسار عن كون الطهارة الخبثية من السنة أم من الفريضة فسأل اولاً عن صورة النسيان ولم يفرض فيها التحفظ علی عدم النسيان فيكون عذراً في السنة قطعاً بل فرض نحو اهتمام بالنجاسة حيث علّم أثره وقد ذكرنا سابقاً أنّ الاحوط هو عدم العذر في نسيان النجاسة الخبثية الا اذا كان متحفظاً كما دلت عليه موثقة سماعة [^10] ولذلك أجابه الامام عليه السلام بوجوب الاعادة .
ولكنه لم يتضح له عدم كونها من السنة اذ لا يتوقف ذلك علی قبول جميع الاعذار فابدل السؤال ليذكر عذراً آخر وهو مورد العلم الاجمالي ولكنه قرنه بان العذر هو عدم القدرة علی الغسل حيث طلبه فلم يقدر عليه لا ان العذر هو الجهل بخصوص الموضع . فاجاب عليه السلام بوجوب الاعادة فعلم ان هذا أيضاً ليس عذراً .
ولكنه بقي متردداً حيث ان وجوب الاعادة يمكن ان يكون من جهة عدم قبول هذا العذر ويمكن ان يكون من جهة كونها فريضة لا يقبل فيها عذر فابدل السؤال ثالثة وسأل عن صورة عدم العلم قبل الصلاة وعلمه بعدها بانها وقعت في النجس ، فحكم عليه السلام بعدم وجوب الاعادة فتعجب زرارة عن قبول هذا العذر وعدم قبول غيره فبين الامام عليه السلام ان الوجه فيه هو استصحاب الطهارة .
ومن هنا علم ان قوله (ثم صليت فرأيت فيه) يقصد به نفس النجاسة المظنونة والا لم يكن ربط لهذا السؤال بما سبق، كما علم ان المراد بقوله (فنظرت فلم أر فيه شيئاً) ليس هو حصول الاطمينان بالعدم بل كان جاهلاً بالنجاسة قبل الصلاة، ونسخة الصدوق ظاهرة بل صريحة في ذلك فان الوارد فيها ثم طلبت فرأيته فيه بعد الصلاة ولو كان مطمئناً بالعدم لم يكن وجه للطلب .
وتضعيف هذه النسخة بفهم القدماء خلافه كما مر ذكره ضعيف اذ لم يعلم استنادهم في اشتراط اليقين في قاعدة الفراغ اليها بل يمكن ان يكون مستنداً الی رواية محمد بن مسلم الواردة في قاعدة الفراغ واما كلام المفيد فهو في مسأله الوضوء لا الطهارة الخبثية فليس استناداً الی هذه الرواية جزماً. نعم كلام صاحب الذخيرة صريح في الاستناد الی هذه الرواية ولكنه ليس من القدماء مع انه يحتمل ذهابه الی شمول اللفظ في هذا الحديث لقاعدة اليقين والاستصحاب معا كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
فتبيّن أننا نوافق القوم في فهم الاستصحاب من هذه الرواية وانه العذر الموجب للحكم بصحة الصلاة ولكن نختلف معهم في أن الشرط عندنا ليس هو الجامع بين الطهارة الواقعية والظاهرية والاحرازية كما ذكروه بل هو خصوص الطهارة الواقعية ولكن الاشتراط ليس بنحو الارتباطية المطلقة بل ارتباط مقيد بصورة العلم .
ثم ان زرارة بعد ان علم بان الارتباط ليس مطلقا رجع الی ما سأله سابقاً ليبين ان صورة العلم الاجمالي أيضاً لا يخلو من العذر فقال : (فاني قد علمت انه قد اصابه ولم ادر اين هو فاغسله) فاجاب الامام عليه السلام بان هذا ليس عذراً اذ يمكنك تحصيل اليقين بالطهارة فقال : (تغسل من ثوبك الناحية التي تری انه قد اصابها حتی تكون علی يقين من طهارتك) وذكر هذه الغاية لدفع توهم انه يكفي غسل ناحية واحدة لارتفاع العلم الاجمالي اذ تكون الشبهة في الطرف الآخر بدوية فعلم مما ذكره سلام الله عليه ان خروج بعض الاطراف بعد تحقق العلم الاجمالي لا يمنع من تنجيزه .
ثم عاد زرارة ليتحقق من شرط اجراء الاستصحاب في السؤال الثالث وانه هل يتوقف علی الفحص حيث ذكر في سؤاله السابق : (فنظرت فلم ار فيه شيئاً) فاراد ان يستعلم ان الجواب هل كان متوقفاً علی هذا الفرض فيكون للنظر والفحص مدخلية في الحكم أم لا؟ فقال : (فهل عليّ ان شككت في انه اصابه شيء ان انظر فيه ) فاجاب عليه السلام بعدم وجوب الفحص الا ان رفع الشك حسن ذاتاً فقال : (لا ولكنك تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك) . هذا كله في القسم الأول من الصحيحة .
واما القسم الثاني فالجواب فيه يحتوی علی فرضين :
الفرض الأول : ان يكون ما رآه خلال الصلاة في موضع قد شك فيه سابقاً بعينه فحكم عليه السلام بالبطلان فان حساب الاحتمالات في مثل هذا الامر يقضي بالقطع بانه عين النجاسة السابقة .
الفرض الثاني : ان لا يكون شك من أول الامر وقد رآه رطباً فيكون محتملاً لوقوع النجاسة اثناء الصلاة فحكم عليه السلام بعدم البطلان وهنا تمسك بالاستصحاب .
وفي الرواية إشكال بناءاً علی مسلكنا وما هو المشهور بين المتأخرين وهو ان الفرض الأول قد حكم فيه بالبطلان فهو اما من جهة بطلان الاجزاء السابقة من الصلاة واما من جهة بطلان المقدار القليل الذي يقع بعد العلم وان كان من السكنات . وعلى كلا التقديرين يشكل الحكم بالبطلان اما في الأول فلما مر في صدر الرواية ان الصلاة مشروطة بالطهارة بالمعنی الاعم أو الشرط محدود بصورة العلم واما في الثاني فللروايات الواردة في الرعاف من انه لا يبطل الصلاة بل يغسل ويبني عليها .
وفي الفرض الثاني قد علل الحكم بالصحة بالشك في كونه من أول الصلاة ولعله شيء اوقع عليه مع ان اليقين بكونه سابقاً لا يضر بالصحة أيضاً لما مرّ في صدر الرواية .
وهذان الاشكالان لا يأتيان علی المسلك الاول والثاني في صدر الرواية لعدم التزامهما بصحة الصلاة في النجاسة مع الجهل . بل علی الأول يكون الذيل أيضاً مبنياً علی قاعدة اليقين اذ انه فرض فيه عدم الشك فهو متيقن بالطهارة ثم شك في انه كان سابقاً أو لاحقاً فهو شك سار ومع ذلك حكم الامام عليه السلام بالصحة .
ولهذا لا يرد علی هذا القول ما ذكروه ومرّ سابقاً من ان ذيل الصحيحة في الاستصحاب قطعاً فبقرينة وحدة السياق نحكم علی الصدر بذلك أيضاً فإنّه ليس أمرا مسلّماً .
ولكي نفهم معنی الرواية لا بدّ من مراعاة المناسبة بين هذا السؤال والاسئلة السابقة والظاهر انه بعد ان علم زرارة ان الارتباط بين الصلاة والطهارة الخبثية ليس مطلقاً كما ان قبول العذر ليس علی وجه مطلق اراد ان يذكر وجهاً آخر من العذر وهو صورة الاضطرار المشوب بالجهل بكونه من السابق ففرض انه رآه في ثوبه اثناء الصلاة مع انه كان جاهلاً قبلها وهو الآن في حال الاضطرار فحكم عليه السلام بالبطلان فعلم ان هذا العذر أيضاً غير مقبول فهو ليس كالرعاف الحادث اثناء الصلاة فان الاضطرار هناك عذر مقبول واما في المقام فالنجاسة كانت من أول الامر ولا يفيد فيه الاضطرار .
ثم أضاف الامام عليه السلام صورة اُخری وهي صورة الشك في أن ما رآه هل كان هو النجاسة السابقة فلا تصح الصلاة او شيء حادث أوقع عليه فيكون داخلاً في روايات الرعاف وتصح الصلاة فقال عليه السلام : ليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك أبداً فاليقين بعدم تحقق النجاسة سابقاً لا ينقض بل يحكم بتأخر الحادث .
واعترض بعض الاعاظم علی هذا التقرير بان استصحاب عدم وقوع النجاسة السابقة لا يثبت ان هذه النجاسة الموجودة متصفة بالتأخر الا بلسان الاثبات وقال : ان الحق ان اجراء الاستصحاب انما هو لتصحيح الصلاة قبل التلبس بالعلم واما بعده فالمستند هو أصالة البراءة للشك في مانعية هذه النجاسة من جهة احتمال السبق فيكون مانعاً واحتمال الحدوث فلا يكون مانعا.
والجواب أولاً ان الادلة لم يظهر منها كون الموضوع لعدم مانعية النجاسة هو عنوان الحدوث بل هي ساكتة من هذه الجهة وانما تدل علی ان النجاسة المعلومة السبق مانعة فاصالة عدم سبق النجاسة كافية في عدم المانعية .
وثانياً ان النجاسة موجودة واتصافها بالسبق غير معلوم فاستصحاب العدم الازلي كاف في اثبات عدم مانعية هذا الشيء بالذات . الا أن صاحب هذا الاشكال لا يقول باستصحاب العدم الازلي .
وثالثاً ان اجراء الاستصحاب قبل التلبس بالعلم لا وجه له لانه في تلك الحال اما ان يكون قاطعاً بعدم النجاسة أو غافلاً عن ذلك .
++الرواية الثالثة++ :
صحيحة زرارة ايضا قال : قلت له : من لم يدر في أربع هو ام في ثنتين وقد احرز الثنتين ؟ قال : يركع بركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ويتشهد ولا شيء عليه. واذا لم يدر في ثلاث هو او في أربع وقد احرز الثلاث قام فاضاف اليها اخری ولا شيء عليه ولا ينقض اليقين بالشك ولا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط أحدهما بالآخر ولكنه ينقض الشك باليقين ويتم علی اليقين فيبني عليه ولا يعتد بالشك في حال من الحالات . [^11]
وقد رواها الشيخ في التهذيبين عن الكافي فالمصدر هو الكافي عن علي بن ابراهيم عن أبيه ومحمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعاً عن حماد عن حريز عن زرارة عن أحدهما عليهما السلام . والسند معتبر بحسب الشق الاول. واما محمد بن اسماعيل فهو النيشابوري وهو مجهول الحال. ونقل الكليني والصدوق عنه لا يدل على وثاقته.
وكيف كان فالرواية معتبرة مع ان الظاهر انه اخذها عن كتاب حماد او حريز وهما من الكتب المشهورة التي نحن في غنىً عن البحث عن اسنادها . واما الترديد بين أحدهما اي ابي جعفر وابي عبدالله عليهما السلام فليس من زرارة قطعاً ولم يعلم وجه ذلك ولو كان الامام مذكوراً كان له دخل في فهم معنی الرواية لان تاريخ صدور الرواية ولو اجمالاً له اثر هام كما هو واضح . وفي خصوص هذه الرواية اذا كانت من الامام الباقر عليه السلام فهذا الامر يناسب ما سنذكره من احتمال التقية لصدور الحديث في اوائل تشيع زرارة رضوان الله عليه بخلاف ما اذا كان من الامام الصادق عليه السلام.
والكلام في جهات ثلاث :
++الجهة الاُولی في فقه الحديث:++
من الواضح ان هذه الجمل المتعاقبة لا تخلو من اجمال. والابهام في الحديث من جهة أن الحكم فيه مخالف للمذهب وموافق لبعض المذاهب الاخرى فان الظاهر من قوله يركع بركعتين... هو اضافة الركعتين الى ما صلى والواجب عندنا كون صلاة الاحتياط منفصلة واوضح منه الجملة التالية فان قوله عليه السلام (قام فاضاف..) ظاهر في الاتصال.
ولتوضيح معنی الحديث لابد من ذكر ثلاث ملاحظات.
الملاحظة الاولی : ان مسألة الشك في عدد الركعات مورد الخلاف بين العامة فالمشهور بينهم هو القول بالبناء علی الاقل وإتمام الصلاة ونسبوه الی علي عليه السلام وأبي بكر وعمر وسعيد بن المسيب وسفيان الثوري وربيعة ومالك. ونسبه السيد المرتضى في الانتصار الی عامة علمائهم. ونسبه الشيخ في الخلاف الی الشافعي . وذهب احمد والاوزاعي وابن عباس وابن عمر وعبيد الله بن عمرو بن العاص الی البطلان وذهب ابو هريرة وانس والحسن الی البناء علی الاكثر وإتمام الصلاة ولا شيء عليه . وذهب أبو حنيفة الی البطلان في المرة الاولی والی القول الأول اذا تكرر الشك.
ومن هنا كان احتمال التقية قوياً لان أحداً منهم لم يوافق رأي الائمة عليهم السلام خصوصاً بملاحظة نسبة القول الأول الی ثلاثة من الخلفاء وفيهم علي عليه السلام الذي هو منبع علوم الائمة عليهم السلام فاما ان يكذّبوا روايتهم او يخالفوا قول امير المؤمنين عليه السلام. وكذلك مع مخالفة مالك وهو فقيه المدينة وسعيد بن المسيب المعتمد عند الفريقين والاوزاعي وهو فقيه الشام. والحاصل ان احتمال التقية وارد في مثل هذه الاحكام خصوصاً بملاحظة انها ليست مما لها دليل ظاهر من الكتاب أو السنة وقد ورد عنهم عليهم السلام انهم لا يتقون في مثل الحكم بالمسح علی الرجلين لان الدليل عليه من الكتاب واضح .
الثانية : ملاحظة حال زرارة فانه في أوائل تشيعه لم يكن من الايمان بالائمة عليهم السلام بمرتبة يتحمل كل ما يسمع منهم حتى لو خالف جمهور العلماء في ذلك الوقت فيحتمل صدور هذه الرواية مداراة لحاله وقد ورد عنهم عليهم السلام انهم قد لا يفتون بالواقع مداراة للشيعة لعدم تحملهم بعض الحقائق من جهة قسوة الاعلام المخالف. فالتقية في هذه الرواية وان احتمل كونه من غير زرارة الا انه يحتمل بالنسبة اليه أيضاً مداراة لحاله كما يعلم ذلك بمراجعة بعض الروايات الواردة عنه الحاكية لحاله في أوائل أمره .
الثالثة : ملاحظة احتمال التورية في المقام . والمراد بالتورية ذكر كلام له معنى قريب الی الذهن وارادة المعنی البعيد ليلتبس الامر علی السامع وقد ورد في الروايات عنهم عليهم السلام أنهم يذكرون الكلام وله معان متعددة ولكل منها لهم المخرج وغير ذلك من التعابير كقوله عليه السلام (حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه ولا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا وإن الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها لنا من جميعها المخرج) [^12]. فالفقيه هو الذي يتعب نفسه في استخراج الحكم الواقعي من معاريض كلامهم.
ثم ان في قوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشك) ثلاث احتمالات :
الاول : وهو الاقرب ان يريد به الاستصحاب اي استصحاب عدم الاتيان بالرابعة وهو رد على من قال بالبناء على الاكثر وعلى القائل ببطلان الصلاة.
وعليه فقد يكون المراد من قوله عليه السلام (ولا تدخل الشك في اليقين) ادخال ما شك في اتيانه فيما تيقن باتيانه بان يعتبر الصلاة تامة فيكون رداً على البناء على الاكثر، او يكون المراد لا تبطل ما تيقنته بالشك فيكون رداً علی مذهب البطلان أو يكون المراد لا تدخل الركعتين اللتين تضيفهما وهما مشكوكا الجزئية في الركعات المتيقنة الجزئية فيكون اشارة الی المذهب الحق وهو وجوب الاتيان بصلاة الاحتياط مفصولة .
الثاني : ان يريد به قاعدة اليقين في ركعات الصلاة لا قاعدة اليقين بالمعنی الآخر المختصة بالشك الساري . وهذه القاعدة هي اساس المذهب الحق في هذه المسألة ومفادها انه يجب تحصيل اليقين بصحة الصلاة وهذا اليقين لا يحصل الا بالاتيان بالركعة الناقصة مفصولة فان في الاتيان بها موصولة احتمال زيادة الركعة وهي مبطلة وأما الاتيان بها مفصولة فلا يلزم منه الا احتمال زيادة السلام والتكبيرة. وزيادة السنة في مورد الاضطرار لا مانع منه. واما علی احتمال تمامية الصلاة فتقع صلاة الاحتياط نافلة كما صرّح به في الروايات. ومن هنا سميت هذه القاعدة المطردة في شكوك الصلاة بقاعدة اليقين .
وهذا الاحتمال استقربه الشيخ الانصاري قدس سره من هذه الصحيحة فيكون المعنى وجوب تحصيل اليقين بصحة الصلاة وعدم رفع اليد عنه بمجرد الشك .
ولكنه بعيد جدا لان قوله (لا تنقض اليقين بالشك) ظاهر بل ربما يكون صريحا في اليقين الفعلي ولا يفهم منه تحصيل اليقين بالصحة .
الثالث : أن يكون المراد لا تنقض المتيقن بالشك ويكون المراد بالمتيقن الركعتان المتيقنتان وبالشك الشك في الركعتين الاخيرتين او احداهما وبالنقض الابطال فالمراد هو الحكم بصحة الصلاة في مقابل القول بالبطلان . وهذا الاحتمال ذكره المحدث الكاشاني في الوافي وذكر ان المراد بعدم ادخال الشك في اليقين عدم البناء على الاكثر باعتبار الركعة المشكوكة مأتيا بها كما هو مذهب ابي هريرة.
وذكر محشيه بعد قبول الاحتمال في الجملة الاولی ان المراد بادخال الشك ادخال الركعة المشكوكة في المتيقنة اي الاتيان بها موصولة .
ويضعّف هذا الاحتمال أولاً : انه موجب للتفكيك بين المراد باليقين والمراد بالشك بأن يراد بالاول المتيقن وبالثاني نفس الشك مع ان الظاهر من المقابلة خلاف ذلك .
وثانياً : انه ليس تعليلاً بامر واقعي ارتكازي مع ان الظاهر من التعليلات هو ذلك كما يلاحظ في الاحتمال الاول .
وثالثاً : ان هذه الجملة كناية قطعاً والكناية من الظواهر الاجتماعية فلا يصح الاتيان بكل كناية عن كل معنى جدي وان كان ملازماً له بل لابد من معهوديته في المجتمع ولو في الجملة وليس هذا من هذا القبيل بخلاف نقض الحالة السابقة .
واما ما ذكره المحشي فهو صحيح في نفسه الا انه ليس علی نحو الظهور بل التورية والا لصرح بذلك.
++الجهة الثانية: في دلالة هذه الصحيحة علی الاستصحاب:++
تبيّن بما مرّ أنّ قوله عليه السلام (ولا ينقض اليقين بالشك..) ظاهر في الاستصحاب والذي يلاحظ في المقام هو ان العامة أيضاً رووا روايات في هذا الباب بتعبيرات مقاربة للتعابير الواردة في هذه الصحيحة واستدلوا بها علی الاستصحاب بنحو عام. ويلاحظ ان الوارد فيها أيضاً هو مسألة الشك بين الثلاث والاربع فيعلم من ذلك ان هذا التعبير كان تعبيراً متعارفاً عن الاستصحاب ومن ذلك يمكن ان يستكشف أيضاً وجه التورية في كلام الامام عليه السلام اذ من المحتمل ان يكون زرارة مسبوق الذهن بهذه الروايات لما ذكرناه في الملاحظة الثانية من المقدمة. ولعل زرارة علم بعد حين المقصود الواقعي ولذلك ورد عنه رواية بنفس هذا السند وفي نفس هذه المسألة يصرّح بالمذهب الحق ولعله نقل نفس هذا الحديث بالمعنی. [^13]
ثم ان فتاوی الاصحاب في هذه المسألة مختلفة فقد حكم جماعة بوجوب الاتيان بركعتين جالساً تعييناً طرحاً لهذه الرواية رأساً من جهة التقية ولكثرة الروايات الواردة عنهم عليهم السلام في تعيين الجلوس وللتعليل في بعض الروايات بان صلاة الاحتياط اما مكملة واما نافلة ولا تكون النافلة اقل من ركعتين .
ونسب الی أبي علي وعلي بن بابويه القول بالتخيير بين ركعة متصلة اخذاً بظاهر هذه الرواية وبين ركعتين من جلوس منفصلتين لسائر الروايات .
وذهب المشهور الی التخيير بين ركعة قياماً وركعتين جلوساً مع الانفصال علی كلا التقديرين اما لاستظهار الانفصال من هذه الرواية أو للتورية كما ذكرناه .
ويمكن القول بناءاً علی ان التورية انما تجوز في الموسعات بجواز الامور الثلاثة .
ويمكن ان يقال بالتورية في محل آخر من الصحيحة أيضاً وهو قوله عليه السلام (قام فاضاف إليها اُخری) . فان الوارد في غير الاستبصار هو هكذا من دون كلمة ركعة . والوارد في الاستبصار : (قام فاضاف اليها ركعة اُخری). وبناءاً علی نسخة غير الاستبصار يمكن ان يكون المراد واقعاً صلاة اُخری وقوله (قام) وان كان ظاهراً في القيام في مقابل الجلوس الا انه يمكن ان يراد به الشروع علی وجه التورية. ومن هنا يكون القول بتعيين الركعتين جالساً هو الاحوط لتطابق عدة روايات عليه وعدم ذكر القيام الا هنا وقد عرفت ما فيه، وفي مرسلة جميل ولا اعتماد عليها.
ثم انه لو استشكل في التورية وقيل بكونها من باب التقية جزماً امكن استفادة الاستصحاب منها أيضاً باعتبار أن التقية انما هي في مقام تطبيق الكبری لا بيان الكبری بنفسها كقوله عليه السلام في جواب الخليفة العباسي حيث سأله عن الهلال : (ذاك الى الامام ان صمت صمنا وان افطرت افطرنا) [^14].
وقد يناقش في حمل الرواية علی الاستصحاب بوجوه ثلاثة :
الوجه الأول : ان استصحاب عدم الرابعة لا يثبت ان ما يلحقها هي الرابعة حتی يتشهد ويسلم الا بلسان الاثبات . وهذا الاشكال ذكره المحقق العراقي قدس سره .
واجيب عنه أولاً : انه لا دليل علی الموالاة ووجوب اتيان التشهد والتسليم بعد الرابعة متوالياً وانما الواجب هو الترتيب وهو يحصل بأدائهما بعد الركعة الاخيرة .
وثانياً: بان الاستصحاب وان لم يثبت الرابعة الا أنه بعد الاتيان بركعة اُخرى - بمقتضى استصحاب عدم الاتيان بالرابعة - يتيقن بكونه في الركعة الرابعة ، غاية الامر أنه لا يدري أن الكون في الركعة الرابعة هو الآن أو في ما سبق فيجري استصحاب عدم الخروج عن الكون في الركعة الرابعة ، ويترتب عليه وجوب التشهد والتسليم ، ولا يضر بالاستصحاب المذكور عدم العلم بخصوصية الكون لصحة استصحاب الکلي المردد بين الفردين .
هذا ولكن الجواب الثاني لا يتم علی رأي المحقق العراقي لانه لا يقول بجريان استصحاب الكلي في مجهول التاريخ .
الوجه الثاني : ان هذا الاستصحاب مخالف لقاعدة اليقين في الركعات التي تطابقت عليها الروايات.
والجواب عنه : ان مقتضى الروايات هو البناء علی الاكثر من جهة وجوب اتيان التشهد والتسليم لا كونه الركعة الرابعة .
الوجه الثالث : ان مقتضی الاستصحاب الاتيان بركعة موصولة وهو مخالف لمذهب الامامية .
واجاب عنه المحقق النائيني بان الادلة دلت علی ان من شك في الرابعة فليأت بها مفصولة واستصحاب عدم الرابعة لا ينافيه وانما يثبت عدم الاتيان بالرابعة وهو يقتضي اتيانها موصولة بموجب الادلة الاولية الا ان ادلة الشك في الصلاة تدل علی تبدل التكليف بالنسبة الی الشاك وان الوظيفة حينئذ هو الفصل وهذا لا ينافي الاستصحاب .
فان قلت: لو كان هذا من تبدل الوظيفة واقعاً أشكل فيما اذا شك واتی بالركعة موصولة جهلاً ثم علم بالنقصان حال الشك فتكون الصلاة أربع ركعات مع انه ليس مطابقاً للوظيفة ومقتضاه وجوب الاعادة ولازمه كون المعاد مثل المعاد عنه تماماً.
والجواب ان ترك الوظيفة هنا لا يوجب الاعادة لصحيحة لاتعاد بناءاً علی شمولها للجاهل اذ ما تركه من الوظيفة الواقعية وهو التسليم والتشهد من السنة فتشمله الصحيحة .
++الجهة الثالثة : في استفادة التعميم من الرواية.++
مقتضی الاحتجاج في قبال الاقوال المخالفة في المسألة ان يكون التعليل بامر ارتكازي متفق عليه بين العقلاء وقد بيّنّا أنه عام لا يختص بباب دون باب. الا ان يقال: إنه في مورد السؤال في الصحيحة مما اجمع عليه المسلمون فيصح الاحتجاج به وان لم يكن امرا ارتكازيا متفقا عليه. ولكن الظاهر بعد ما مر بيانه من بناء العقلاء علی ذلك أنه هو المستند في الحديث خصوصاً بملاحظة الجملة الاخيرة : (ولا يعتدّ بالشك في حال من الحالات) فانها ظاهرة في عدم الاختصاص بمورد السؤال .
++الرواية الرابعة :++
ما رواه الصدوق باسناده عن اسحاق بن عمار قال: قال لي أبو الحسن الاول عليه السلام: اذا شككت فابن علی اليقين. قال: قلت: هذا اصل؟ قال: نعم . [^15]
وفي طريق الصدوق الی اسحاق علي بن اسماعيل ولم يوثقه احد الانصر بن الصباح وهو بنفسه لم يوثق وتوثيقه برواية اكابر الاصحاب عنه ليس بوجه لروايتهم عن الضعفاء كثيراً وبالجملة فلا وثوق بصدور هذه الرواية والمناط عندنا حصول الوثوق.
وفي هذه الرواية احتمالات أربع :
الاول : ان يراد بها قاعدة اليقين في الشك الساري .
الثاني : ان يراد بها قاعدة اليقين في ركعات الصلاة .
ويضعفهما ان الظاهر من الرواية اليقين الفعلي مع انه علی الاول يقين زائل وعلی الثاني طلب لليقين . ومجرد ذكر الصدوق لها في أبواب الخلل في الصلاة لا يدل علی اختصاصها بها مع ان الظاهر منها عدم الاختصاص لقوله انه اصل.
الثالث : ان يراد بها ما ذكرناه سابقاً من عدم الاعتناء بالوسوسة مع العلم بالشيء ويضعفه ان هذا ليس اصلاً وقاعدة .
الرابع : الاستصحاب وهو الصحيح المتعين .
++الرواية الخامسة++ :
حديث الاربعمائة وفي سنده قاسم بن يحيى والحسن بن راشد ولم يوثقا بل ضعفهما ابن الغضائري ونحن نعتمد على كتابه والتشكيك في نسبته اليه لا موجب له خصوصا مع اعتراف العلامة قدس سره وغيره بذلك. ويبدو أن منشأ التشكيك قدحه في كثير من الرواة وهو غير قادح مع جلالة شأنه فتضعيفه عندنا معتبر ولو سلمنا فيكفي عدم التوثيق مضافاً الی استغراب صدور هذا الحديث من جهة اشتماله علی أربعمائة اصل من اصول الشريعة ذكرها أميرالمؤمنين عليه السلام في مجلس واحد .
وكيف كان فقد استدل بقطعة منه علی الاستصحاب وهي : من كان على يقين ثم شك فليمض علی يقينه فان الشك لا ينقض اليقين .[^16]
والوارد في هذا الحديث هو ترتب الشك علی اليقين زماناً فقد يراد به الترتب في الحدوث فيحتمل الاستصحاب وقاعدة اليقين معاً وقد يراد به الترتب في الوجود بحيث لم يعاصر اليقين الشك اصلاً فيتعين ارادة قاعدة اليقين الا ان الظاهر من قوله فليمض علی يقينه هو بقاء اليقين فيتعين الاستصحاب ولكن يبقی احتمال آخر وهو عدم الاعتناء بالوسوسة الا ان الظاهر من الشك خصوصاً في مقابلة اليقين هو صفة التردد لا القلق النفسي اذ لا شك في انّ المراد باليقين العلم الادراكي . فدلالته علی الاستصحاب لا بأس بها.
++الرواية السادسة++ :
خبر علي بن محمد القاساني روی الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الصفار عن علي بن محمد القاساني قال: كتبت اليه وانا بالمدينة أسأله عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب: اليقين لا يدخل فيه الشك صم للرؤية وأفطر للرؤية. [^17]
والكلام في مقامين:
الاول: في سندها. وليس فيه من ينظر فيه الا علي بن محمد القاساني وهو الاصبهاني ولم يوثّق في كتب الرجال بل ضعّفه الشيخ وقد يتوهم انه علي بن محمد بن شيرة القاشاني وهو ثقة وثّقه الشيخ . ولكنّ الظاهر هو التعدد وقد ذكر السيد الداماد في الرواشح السماوية (ان قاسان بلدة في ما وراء النهر وناحية في اصبهان. وقاشان هو كاشان معربا). وهذا يؤيّد التعدّد وكيف كان فاما ان يكونا متحدين فيتعارض الجرح والتوثيق او متعددين فيقع الشك في توثيقه فلا اعتماد علی سند الرواية . واما إضمارها فلا يضرّ لا من جهة علو مقام الراوي واستبعاد سؤاله عن غير الامام لعدم ثبوت هذا المقام لهذا الراوي بل لما ذكرناه في الصحيحة الاولی .
الثاني: في معناها. ذكر الشيخ قدس سره انه اظهر الروايات دلالة علی الاستصحاب لسلامته عن المناقشات . والوارد في كتب الاستدلال (اليقين لا يدخله الشك) فيمكن القول بأنه من باب دخل يدخل دخَلاً بمعنی أفسد فتكون الدلالة واضحة . ولكن الوارد في كتب الحديث : (اليقين لا يدخل فيه الشك) فلا يأتي هذا الوجه .
وذكر السيد الخوئي دام ظله علی ما في التقريرات (مباني الاستنباط) من ان يدخل فيه بمعنی الافساد لان دخول الشيء في الشيء يستلزم تفرق اجزائه وتفسخها.
ولا يصح هذا لانه من اثبات اللغة بالاجتهاد مضافاً الی انه غير مطرد وما اكثر الاشياء التي تدخل في اشياء اخر ولا تفسدها وهو واضح .
وذكر المحققان الخراساني والنائيني قدس سرهما انها لا ظهور لها في الاستصحاب اصلاً وذلك لان المراد باليقين هو اليقين بدخول شهر رمضان المعتبر في صحة الصوم واليقين بشوال المعتبر في وجوب الافطار . والمراد انه لا يجوز الصوم بنية رمضان في أوله الا باليقين ولا الافطار في أول شوال الا باليقين ولا تدخل في هذا الحكم حالة الشك.
والظاهر ان هذا هو الصحيح بملاحظة الروايات المشابهة لها في هذا الباب ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : (اذا رأيتم الهلال فصوموا واذا رأيتموه فافطروا وليس بالرأي والتظني ولكن بالرؤية..) الحديث . وفي موثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبدالله عليه السلام انه قال: (في كتاب علي عليه السلام : صم لرؤيته وافطر لرؤيته وإياك والشك والظن فان خفي عليكم فأتمّوا الشهر الأول ثلاثين). وفي صحيح أبي أيوب الخزاز عن أبي عبدالله عليه السلام (في حديث) قال : (ان شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدّوا بالتظني) . [^18] ويلاحظ في هذه الصحيحة بيان الوجه في ذلك وهو ان صوم رمضان فريضة من فرائض الله تعالى فلا بد فيه من اليقين .
وقد يناقش في ذلك بوجهين :
الأول : ان مقتضی القول بتوقف صحة صوم شهر رمضان علی اليقين بالشهر هو عدم جواز صوم يوم الشك من شوال وبطلانه مع انه مخالف لقوله عليه السلام: (أفطر للرؤية) ولا فرق بين ثبوت شهر رمضان وثبوت شهر شوال من حيث اعتبار اليقين كما هو مفاد الروايات السابقة .
والجواب عنه : ان توقف الصحة على اليقين انما هو في أول شهر رمضان بقرينة التفريع عليه بقوله : صم للرؤية . واما قوله افطر للرؤية فمفاده ان وجوب الافطار متوقف علی اليقين أيضاً . غاية الامر ان تكون هذه الرواية دالة بالملازمة علی قيام الاستصحاب مقام القطع الطريقي فتكون صحة صوم يوم الشك من شوال من هذه الجهة لا انها تدل علی حجيته بالمطابقة .
الثاني ما ذكره بعض الاعاظم من انه يستلزم عدم كفاية البينة في ثبوت الهلال اذ مقتضی ما ذكر كون اليقين مأخوذاً علی نحو الموضوعية والمحقق الخراساني قدس سره لا يقول بقيام الامارات مقامه الا بدليل خاص .
والجواب : ان من حسن الاتفاق ورود الدليل الخاص في المقام.
++الرواية السابعة++ :
صحيحة عبدالله بن سنان قال : (سأل أبي أبا عبدالله عليه السلام وانا حاضر: اني اعير الذمي ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده عليّ فاغسله قبل ان اصلي فيه ؟ فقال أبو عبدالله عليه السلام : صلّ فيه ولا تغسله من أجل ذلك فانك اعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن انه نجّسه فلا بأس ان تصلي فيه حتّی تستيقن انه نجّسه) . [^19]
ولا يخفی ان عدول الامام عليه السلام عن الفتوی الی بيان سبب الحكم بقوله (فانك أعرته..) مشعر بل ظاهر نوعاً ما في تعميم الاستصحاب. وبملاحظة ان سنان لم يكن من الفقهاء فلابد ان يكون التعليل بامر ارتكازي عقلائي .
انما الاشكال في ان هذه الرواية معارضة برواية عبدالله بن سنان نفسه بطريق صحيح أيضاً وهي تدل علی النجاسة . قال : سأل أبي أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل يعير ثوبه لمن يعلم انه يأكل الجرّي ويشرب الخمر فيردّه . أيصلي فيه قبل ان يغسله ؟ قال : لا يصلي فيه حتّی يغسله .[^20]
ويلاحظ ان السائل هنا أيضاً هو سنان والمسؤول عنه أبو عبدالله عليه السلام والفرق يسير ولا يبعد ان تكون كلمة الجرّي محرّف كلمة الخنزير الوارد في الرواية الاولی لعدم نجاسة الجرّي قطعاً . وتؤيد هذه الرواية برواية اخری رواه الكليني عن على بن محمد عن سهل بن زياد عن خيران الخادم قال : كتبت الی الرجل اسأله .... الخ . [^21] وهي مثل هذا الحديث تماماً . وقد وقع نظير هذا التناقض عن عبدالله بن سنان بهذه الكيفية أيضاً وهي سؤال أبيه وهو حاضر في مسألة البلوغ. [^22] وقد اشكل علينا وجه التوفيق وسرّ هذا التناقض .
++الرواية الثامنة++ :
ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي عن عمرو بن سعيد عن مصدق بن صدقة عن عمار الساباطي عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سئل عن الكوز (الی ان قال): (كل شيء نظيف حتی تعلم انه قذر، فاذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك). [^23]
وهذه الرواية طويلة وليس في سندها اشكال الا من جهة احمد بن يحيى الذي لم يوثق ولنا الی تصحيحها طريقان :
الطريق الأول : اثبات زيادة هذا الاسم . وذلك لان نسخة الوسائل والنسخ الموجودة عندنا من التهذيب فيها هذا الاسم ولكن نسخة الوافي خالية منه وحيث ان من الممكن رجوع هذه النسخ الی نسخة الوسائل فلا تكون المعارضة الا بين النسختين ودعوی ان صاحب الوسائل ينقل هذه الاحاديث باسانيدها بسنده الى اصحاب الكتب معارضة بمثلها في الوافي أولاً، وبالقطع بعدم نقله تمام الجزئيات بالاسناد وانما هو سند اجازة فقط ثانياً. والترجيح مع نسخة الوافي لان الشيخ وان روى هذا الحديث في التهذيب بكامله مبدواً باسم محمد بن احمد بن يحيى وفيه هذا الاسم[^24] الا انه نقل قطعة منه مع قوله (في حديث طويل) بدون هذا الاسم في التهذيب والاستبصار.[^25]
وربما يقال: انه نقل القطعة المذكورة في ص242 عن الشيخ المفيد عن الصدوق عن محمد بن الحسن عن محمد بن يحيى عن محمد بن احمد بن يحيى ، ولم يذكر في المشيخة ضمن طرقه الی محمد بن أحمد بن يحيى هذا الطريق فالظاهر ان هذه القطعة ليست من نفس ذلك الحديث وبنفس السند فلا يكون قرينة على زيادة الاسم.
والجواب انه ذكر هذا الطريق في الفهرست وهو كاف في الدلالة على وحدة الحديث ووحدة السند. ويؤيد ذلك أنه نقل في الاستبصار والتهذيب في أكثر من مورد قطعات من هذا الحديث من دون هذا الاسم عن طريق الكليني وكذلك نقل الكليني والصدوق قدس سرهما هذا الحديث باختلاف يسير عن هذا الطريق من دون هذا الاسم. مضافاً الی ان هذا السند قد تكرر في موارد كثيرة جداً وليس في شيء منها أحمد بن يحيى غير هذا المورد وطبقة محمد بن أحمد بن يحيى يناسب النقل عن أحمد بن الحسن بلاواسطة. [^26] ولعل منشأ الاشتباه هو رواية الكافي عن محمد بن أحمد بن يحيى بواسطة محمد بن يحيى ــ وهو العطار ــ فاضيف اسمه إلى سند الشيخ أيضاً ثم تبدل مكانه فاصبح منقولاً عنه وتبدل اسمه الى احمد ولذا ورد في جامع الاحاديث ان في بعض نسخ التهذيب محمد بن يحيى بدلا عن أحمد بن يحيى.
ولا يتوهم انه محمد بن يحيى المعاذي الذي استثني من روايات نوادر الحكمة فانه لم يرد في شيء من الروايات التي بهذا السند علی كثرتها وانما ورد في مورد واحد محمد بن أحمد عن محمد بن يحيى الطيالسي.
الطريق الثاني : انه لو فرض وقوع هذا الاسم في السند ــ ولم يقع قطعاً ــ فالظاهر بحسب الطبقة انه الاودي الثقة .
وكيف كان فمورد الاستدلال من هذه الرواية ذيلها اي قوله عليه السلام : (كل شيء نظيف حتی تعلم انه قذر ، فاذا علمت فقد قذر . وما لم تعلم فليس عليك). وسيأتي البحث عنها بعد ذكر سائر روايات قاعدة الطهارة والحلية اي الرواية التاسعة والعاشرة.
++الرواية التاسعة++ :
ما رواه الشيخ والكليني قدس سرهما عن أبي عبدالله عليه السلام قال : الماء كله طاهر حتی يعلم انه قذر . [^27]
ولكل منهما سندان وكلها ضعيفة بجعفر بن محمد الذي هو علی الظاهر ابن عبيدالله الاشعري وهو لم يوثق في كتب الرجال الا أن يكتفى بما ذكره صاحب المستدرك رحمه الله من نقل الاجلاء عنه وعدم استثنائه عن رواة نوادر الحكمة أو يعتمد علی وروده في اسناد كامل الزيارات . وفي جميعها نظر .
وفي أحد السندين لكل منهما الحسن بن الحسين اللؤلؤي وهو ممن استثني من رواة نوادر الحكمة . ولكن النجاشي وثقه .
++الرواية العاشرة++ :
ما رواه المشايخ الثلاثة قدس الله اسرارهم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتی تعرف الحرام منه بعينه فتدعه).[^28] وهي صحيحة عن طريق الشيخ والصدوق .
ويقع البحث في هذه الاحاديث الثلاثة من جهتين :
الجهة الأولی : في دلالتها على الاستصحاب وقد اختلف الاصحاب في ان المستفاد منها هل هو الحكم الواقعي ام الظاهري اي قاعدة الحلية والطهارة ام الاستصحاب ام تدل علی اثنين منهما أو ثلاث ام بعضها يدل علی بعض وبعضها علی بعض آخر .
وكيف كان ففي هذه الغاية اي قوله (حتى تعلم..) أربع احتمالات :
الاحتمال الاول : ان يكون غاية للموضوع وهو كل شيء مثلاً . قال السيد الخوئي ايده الله ويستفاد منه حينئذ القاعدة . وهو يتم اذا كان معنی الجملة : (كل شيء قبل العلم بحرمته حلال) . واما اذا كان معناها (كل شيء مستمر حتی العلم بحرمته حلال) فلا تدل علی ذلك وليس لها حينئذ معنىً محصّل اذ لا يتحقق هذا الموضوع الا اذا احرز زمان في المستقبل سيعلم بحرمته فيه . وحيث ان الظاهر من (حتی) هو الاستمرار فيتعين المعنی الثاني وبذلك يسقط هذا الاحتمال . مضافاً الی بعد تعلق حتی بكلمة شيء .
الاحتمال الثاني : ان يكون قيداً للمحمول . وفيه حينئذ ثلاث وجوه :
الوجه الأول : (وهو الصحيح) ان يراد به القاعدة لأن الحلية مغياة بالعلم بالخلاف فلابد من ان يكون امراً ظاهرياً .
الوجه الثاني : ما ورد في (مباني الاستنباط) من ان المراد بالعلم ليس هو العلم بحقيقته بل باعتبار انه مرآة يكشف عن الواقع ذكر موضوعاً لما بعد الغاية وانما موضوعه واقعاً هو حدوث الحرمة الواقعية فالمفاد هو الحلية الواقعية ولاشك انه مغيىً بعدم حدوث الحرمة الواقعية .
ولكن لا وجه للعدول عن الظاهر الذي تقضي به اصالة التطابق بين القضية اللفظية والقضية اللبية فالعلم هو الموضوع لما بعد الغاية . ويمكن ان يكون منشأ العدول هو ان الحكم الظاهري يجب ان يقيد بالشك ولم يقيد الحكم به في الروايات والحكم الواقعي لا يناط بالعلم فلابد من ان يكون المراد بالعلم جهة مرآتيته فقط. وسيأتي الكلام حول تقيد الحكم الظاهري بالشك قريبا ان شاء الله تعالى.
الوجه الثالث : ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره من انه يدل علی الاستصحاب فقط لدلالة (حتی) علی الاستمرار .
وفيه ان هذا جعل لحكم مستمر وليس جعلا لاستمرار الحكم الثابت الذي هو معنى الاستصحاب.
الاحتمال الثالث : ان يكون قيداً للنسبة . والكلام فيه كالكلام في الاحتمال الثاني من الوجوه الثلاثة المذكورة.
الاحتمال الرابع : ان يكون المتعلق محذوفاً وهو (والحلية مستمرة) ولاشك انه حينئذ يدل علی الاستصحاب . وهذا الاحتمال قواه المحقق الخراساني قدس سره .
ويشكل بانه لا داعي للتقدير وفي الكلام ما يصلح لكونه متعلقاً .
ويمكن ان يجاب عنه بما ذكره المحقق النائيني قدس سره في استصحاب حكم المخصص اذا كان العموم ازمانياً من ان الاستمرار قد يكون تحت دائرة الحكم وقد يكون فوقها فاذا كان الاستمرار في جانب متعلق الحكم وكان استمرار الحكم باعتبار استمرار متعلقه كما اذا قال : (يحرم شرب الخمر دائماً) كان تحت دائرة الحكم واذا كان في جانب نفس الحكم كما اذا قال : (يحرم شرب الخمر، وهذه الحرمة دائمة) كان فوق دائرة الحكم وكلما كان من قبيل الثاني لا يمكن ان يتكفله دليل اصل الحكم بل لابد من بيانه بجملة أخری كقوله : حلال محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم حلال الی يوم القيامة. وفي المقام حيث كان الاستمرار فوق دائرة الحكم فلابد من ان يبين بجملة أخری ولابد من تقدير هذه الجملة ، وحيث انه مغيیً بالعلم فلابد من ان يكون حكما ظاهرياً وهو الاستصحاب .
وقال السيد الخوئي «دام ظله» ان توقف بيان الاستمرار علی جملة اُخری انما هو في مقام الجعل لا المجعول .
ولكن الصحيح ان بيان استمرار الحكم في جملة اخری غير التي تبين اصل الحكم غير معقول اصلاً وذلك لانه انشاء حكم جديد مستمر فلا يعقل ان يكون استمراراً لحكم منشأ سابقاً الا ان يكون بنحو الاخبار لا الانشاء . والحاصل انه لا وجه لتقدير هذه الجملة .
وفصّل الشيخ الانصاري قدس سره وتبعه عليه بعض من تأخر عنه فذهب الى ان رواية طهارة الماء بالخصوص تدل علی الاستصحاب للعلم بطهارة الماء سابقاً من الآيات والروايات كقوله تعالی (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)[^29] فلابد من ان يكون هذا الحديث في مقام بيان استمرار الحكم .
ويلاحظ عليه ان طهارة الماء بجميع اقسامه وافراده حتی اذا كان مشكوك الطهارة لم يكن معلوماً قبل صدور هذه الرواية. والآية واردة في خصوص المطر.
الجهة الثانية: في دلالتها علی قاعدتي الحل والطهارة فقد أشكل الامر من جهة عدم تقيد الموضوع فيها بالشك ويعتقد الاعلام ان الحكم الظاهري لابد من اخذ الشك في موضوعه فحكم بعضهم بان المراد بها الحكم الواقعي وذهب المحقق الخراساني في الكفاية الی استفادة الحكم الواقعي من الصدر والاستصحاب من الذيل علی ما بينا. وذكر في الحاشية علی الرسائل ان المستفاد منها ثلاث امور : الحكم الواقعي والحكم الظاهري والاستصحاب . بتقريب ان الصدر مطلق من حيث الشك فيه ففي صورة عدم الشك يكون واقعياً وفي صورة الشك يكون ظاهرياً .
اما ان الحكم الظاهري لابد من أخذ الشك في موضوعه فغير صحيح بل الحكم بالطهارة والحلية وسائر الاحكام سواء كانت وضعية او تكليفية قد تكون واقعية وهي الموجودة في اصل القانون وقد تكون تنزيلية وهو الحكم الذي يعتبر بمنزلة الحكم القانوني في ظروف خاصة . والاعتبار في الأول اعتبار قانوني وفي الثاني اعتبار ادبي كقولك زيد اسد لبعض الدواعي الخاصة المصححة للتنزيل فليس هنا في مرحلة الظاهر وعدم العلم حكم مجعول شرعي بل تنزيل ما هو غير معلوم الحكم منزلة الحلال واقعاً .
وقوله عليه السلام: (فاذا علمت فقد قذر) يؤكد هذا المعنی فان القذارة هنا ليست ظاهرية لانه في فرض العلم وليست واقعية لتقيده بالعلم، والواقع لا يتقيد بالعلم. فالقذارة هنا قذارة تنزيلية وكذلك الطهارة المقابلة لهذه القذارة التي حكم بها الامام عليه السلام في الصدر وهو مطلق من حيث كونه في الواقع قذراً او طاهراً.
وهذا هو الذي ذكره المحقق الخراساني في مسألة الاجزاء فتوهم ان مراده الحكم الظاهري فاشكل عليه بان الماء النجس واقعاً اذا لم يعلم بنجاسته فلابد ان يكون مطهراً وهو غير مطهر قطعا. وهذا الاشكال غير وارد عليه فان المطهرية من احكام الماء الطاهر واقعاً والتنزيل انما يكون في حدود خاصة.
واما ما ذكره هنا من استفادة الحكم الواقعي من الصدر نظراً الی اطلاق الموضوع ففيه ان اطلاقه لا ينافي التنزيل في مرحلة عدم العلم وقد عرفت انه لا حاجة الی اخذ الشك في موضوع الحكم التنزيلي .
والعجيب منه كيف غفل عما ذكره من التحقيق في مسألة الاجزاء فذكر هنا ما يخالفه.
واما ما ذكره في الحاشية فقد اعترض عليه بوجوه :
الاعتراض الأول : ما ذكره المحقق النائيني من ان الحكم الظاهري متأخر عن الحكم الواقعي بمرتبتين اذ اخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي فالشك مقدم علی الحكم الظاهري بمرتبة لكونه في مرتبة الموضوع ومتأخر عن الحكم الواقعي بمرتبة لتعلقه به . فالجمع بينهما يستلزم اجتماع المختلفين من حيث الرتبة في الوجود الواحد وهو محال .
وعلق عليه السيد الخوئي ايده الله بان هذا يصح بناءاً علی كون الانشاء ايجاداً واما بناءاً علی انه ابراز لامر نفساني فلا اشكال اذ ليس هذا اجتماعاً في الوجود بل في الابراز .
اما كون الانشاء ابرازاً فقد ذكرنا المناقشة فيه في محله. واما اصل الاشكال فعليه عدة ملاحظات:
الاولى:ان الشك في الحكم الواقعي كيف يكون متأخراً عنه؟! وهل يحتاج الشك في الشيء الی وجود ذلك الشيء والمفروض انه شك في وجوده وعدمه؟! فهذا غريب جداً .
الثانية: انه لو فرض ذلك فانما يكون في تحقق شك المكلف خارجاً اما الشك العنواني الذي اخذه الشارع في موضوع الحكم الظاهري علی الفرض فليس متأخراً قطعاً .
الثالثة: سلمنا ذلك ولكنه يتم بناءاً علی عدم الانحلال. والا فاذا انحل عنوان الشيء المذكور في الحديث الی اشياء فلا مانع من اعتبار بعضها موضوع الحكم الواقعي وبعضها موضوع الحكم الظاهري .
الرابعة: ان هذه القاعدة لا دليل عليها . وما المانع من اجتماع المختلفين رتبة في الوجود؟! نعم لا يمكن ذلك في المختلفين زماناً وفي العلة والمعلول . واما الاختلاف الرتبي فلا يمنع من ذلك . كيف والكل مقدم علی الاجزاء رتبة ومتحد معها وجوداً.
الخامسة: ان هذا لو تم فانما يتم في التكوينيات لا الاعتباريات .
السادسة: انه سيأتي ان شاء الله تعالى ان اخبار الائمة عليهم السلام كلها اخبار عن الحكم الواقعي فليس المقام مقام الجعل حتی يمتنع اجتماع المراتب .
الاعتراض الثاني: ان الحكم الواقعي مطلق من حيث الشك وعدمه، والحكم الظاهري مقيد بالشك، والاطلاق رفض القيود لا جمعها فكيف يصح الجمع بين اللحاظين المتنافيين؟!
ويمكن الجواب عنه أولاً بان المراد بالشيء هو المعرف للاشياء الخارجية فليس عنوان الشيء بنفسه مأخوذاً في موضوع دليل الحكم والاشياء الخارجية قد تكون ملحوظة بنحو الشك في طهارتها مثلاً وقد تكون ملحوظة بنحو الاطلاق.
وثانياً : ان الفرق بين الاطلاق والعموم هو ان موضوع الحكم في الاطلاق نفس الطبيعة واما في العموم فالموضوع هو الافراد . وما يقال في الفرق بينهما من ان الاطلاق يستفاد من مقدمات الحكمة والعموم يستفاد من نفس اللفظ غير صحيح. والمفروض ان الموضوع في ما نحن فيه ليس مأخوذاً بنحو الاطلاق بل بنحو العموم لمكان كلمة كل الدالة علی تكثرات الافراد فليست هذه الجملة ناظرة الی مطلق الشيء بل الی الاشياء الخارجية.
والجواب اما عن الأول : فبأن الشيء يكون مرآة للاشياء بحسب تحصصاتها النوعية . واما من جهة كونها في حيز الشك لاحد وعدمه فليس موجباً لتحصصها فلا يكون الشيء معرفاً عنها من هذه الجهة .
واما عن الثاني : فبفساد المبنی كما ذكرناه في محله .
فالحق ان هذا الاعتراض وارد عليه رحمه الله ولعله لذلك رجع عنه في الكفاية .
الاعتراض الثالث : ما ذكره بعض اعاظم العصر من ان بيان الحلية والطهارة الواقعيتين اخبار والظاهريتين انشاء ولا يمكن الجمع بين الاخبار والانشاء . وذلك لان المجعول شرعاً ليس الا النجاسة والحرمة واما الحلية والطهارة فلا يمكن ان تكونا مجعولتين اذ يلزم من جعل النجاسة والحرمة في بعض الاشياء وجعل الطهارة والحلية في البعض الآخر ان يكون هنالك اشياء لا حلال ولا حرام ولا نجس ولا طاهر .
والجواب أولاً : ان الحق ان اخبار الائمة عليهم السلام كلها اخبار وليس فيها انشاء الا ما هو في مقام الولاية واما ما جعل للمصالح الدائمية فهي مجعولة في أصل الشريعة والائمة عليهم السلام مبلغون عنها كما ورد في الاخبار من ان جميع الاحكام الشرعية مذكورة في كتاب علي او مصحف فاطمة عليهما السلام، وانا لو حكمنا بالرأي لهلكنا .
وثانياً ان الحلية والطهارة أيضاً قابلتان للجعل الشرعي وليس جعلهما لغواً، اما الحلية فقد ذكرنا في محله انها حقيقة عبارة عن حل عقدة الحظر ورفعها والرفع انشاء . ويمكن القول بذلك في الطهارة أيضاً .
واما استلزام ذلك ان يكون بعض الاشياء لا نجساً ولا طاهراً ففيه ان ذلك انما يلزم لو لم ينظر الی هذه الروايات والا فان مضمونها هو عموم الطهارة والحلية لكل الاشياء فلا يبقى مورد لا يكون حلالاً ولا حراماً ولا طاهراً ولا نجساً .
القول بالتفصيل بين موارد الاستصحاب
قد ذكر في جريان الاستصحاب تفاصيل عديدة الا ان المهم منها ثلاثة:
الاول : القول بجريانه في موارد الشك في الرافع دون الشك في المقتضي.
الثاني : القول بعدم جريانه في الاحكام وجريانه في الموضوعات.
الثالث : القول بعدم جريانه الا في الاحكام الوضعية وما يتبعها من الاحكام التكليفية فقط .
++التفصيل الأول++:
الفرق بين موارد الشك في الرافع والشك في المقتضي واختار هذا التفصيل الشيخ الانصاري وتبعه عليه جماعة من الاعاظم ونسب الی المحقق الحلي والمحقق الخوانساري قدس سرهما.
والكلام يقع أولا في اقامة الدليل علی صحة هذا التفصيل ثم في تشخيص موارد الشك في المقتضي عن الشك في الرافع فالكلام في مقامين:
++المقام الاول: الدليل على التفصيل الاول:++
يستدل على التفصيل المذكور تارة بالروايات وتارة ببناء العقلاء والكلام اولا في ملاحظة الروايات وأنها هل تفرق بين موارد الشك في المقتضي والشك في الرافع؟ وقد ذكر في وجه الاستناد الى الروايات عدة تقارير ولعل اوجهها هو ما ذكره المحقق الهمداني في حاشيته علی الرسائل ويبتني بيان ذلك بتقريب منا علی ثلاث مقدمات :
المقدمة الاولی : ان النقض ضد الابرام والابرام عبارة عن ايجاد التماسك او شدته في اجزاء الشيء والنقض عبارة عن ايجاد التفسخ والانحلال بينها وعليه فلا يحسن اسناد النقض الی شيء الا اذا كانت اجزاؤه متماسكة بعضها مع بعض.
المقدمة الثانية : ان اسناد النقض وعدمه الی الشيء لا يختص بما اذا كانت اجزاؤه موجودة بالوجود الفعلي بل يكفي فيه ان يكون بعضها تقديرياً أيضاً فاذا قال: الطهارة تُنقض بالحدث مثلاً فالمراد ان مجموع الطهارة من وجودها الحقيقي قبل الحدث ووجودها التقديري ــ اي لولا الحدث بعده ــ تنقض بالحدث .
والسرّ في ذلك انه لابد من تماسك الاجزاء حتی يصح القول بالنقض وعدمه وحيث ان الطهارة بعد الحدث غير موجودة فلا معنی لتماسكها مع الطهارة الموجودة قبله فلابد من القول بكفاية الوجود التقديري والمراد به وجود المقتضى بوجود المقتضي الذي هو نحو من انحاء الوجود وهو الوجود بالعرض والمجاز فان وجود المقتضى حينئذ ليس حقيقياً وانما هو في الحقيقة عارض للمقتضي وينسب الی المقتضى مجازاً. وحينئذ فيقال في المقام ان المتيقن بالنسبة الی الحدوث موجود واقعاً ولكنه بالنسبة الی البقاء موجود تقديراً وباعتبار اقتضائه البقاء. وعليه فلا يصح اسناد النقض الا في صورة كون الشك في الرافع واقتضاء المتيقن البقاء.
المقدمة الثالثة : ان المراد باليقين الوارد في الاحاديث اما هو المتيقن مجازاً كما ذهب اليه الشيخ الانصاري قدس سره واما هو نفس صفة اليقين لكن بما هي مرآة للمتيقن واسناد النقض الی اليقين بناءاً علی الاول واضح كما ذكرنا واما بناءاً علی الثاني فاسناد النقض انما هو باعتبار كونه مرآة للمتيقن وحيث ان المتيقن فيه ما يقتضي البقاء فهو موجود بوجود المقتضي فينعكس هذا الاقتضاء في اليقين باعتبار كونه طريقاً ومرآةً له.
والنتيجة من هذه المقدمات هو ان التعبير بالنقض في الروايات باعتبار دلالته علی كون متعلقه متماسك الاجزاء يقتضي ان يكون المراد خصوص صورة اقتضاء المتيقن البقاء ليصح التماسك بين الاجزاء الموجودة والمقدرة . ويبقی في المقام التعبير باليقين مع ان تماسك الاجزاء انما هو في المتيقن فذكرنا لوجهه المقدمة الثالثة.
هذا ولا ينبغي الاشكال في المقدمة الاولی وفي ضعف القول بان حسن اسناد النقض انما هو من جهة استحكام اليقين في قبال الشك.
واما المقدمة الثانية فممنوعة. والوجه في ذلك ان مقتضى ما ذكر أنّ هناك ثلاث مراتب من الوجود أحدها الوجود الحقيقي التكويني وهو واضح. الثاني: الوجود الاعتباري وهو ان يكون الشيء موجوداً فعلاً ولكن بموجب اعتبار معتبر. الثالث: الوجود التقديري وهو ان يكون مقتضي الشيء موجوداً فقط فيقال انه موجود لولا تحقق المانع . وهذه المراتب الثلاثة مترتبة من حيث التحقق بمعنى أنه اذا كان الشيء موجودا تكوينا فلا يمكن أن يكون موجودا بالاعتبار اذ لا معنى لاعتبار الموجود موجودا وكذلك اذا كان موجودا في عالم الاعتبار لا يصح القول بأنه موجود بوجود المقتضي لأنه ليس وجودا بالحقيقة بل هو بالعرض والمجاز والوجود الاعتباري وجود حقيقة وان كان في عالم الاعتبار. والمفروض أن الوجود الاعتباري للمتيقن متحقق في المقام فلا يصح الحكم بأنه موجود بوجود المقتضي.
والسبب في ذلك ان الصحيح في حقيقة الاستصحاب انه من باب توسعة المنكشف اعتبارا لا إبقاء الكاشف اعتبارا اذ اليقين باق بحاله فمرجع اعتبار الاستصحاب الی توسعة وصف كاشفيته فهو كما كان كاشفاً عن مرحلة الحدوث حقيقة كاشف عن مرحلة البقاء اعتباراً فاليقين بكاشفيته عن البقاء موجود بعد الشك اعتباراً فاذا قال لا تنقض اليقين فانما يقول باعتبار ان اليقين بالحدوث متماسك مع اليقين بالبقاء اعتباراً وهو موجود حقيقة ويكون الاسناد من باب الاستعارة بالكناية بمعنی انه يعتبر اليقين بالبقاء موجوداً ومبرماً مع اليقين بالحدوث ويضمر هذا الاعتبار في نفسه ويطبق عليه القانون الطبيعي القائل بان الشيء المتماسك لا يفصل بين اجزائه بالشيء غير المتماسك. والهش لا يقطع الصلب. ثم لا يبرز هذا التخييل في اللفظ وانما يثبت له بعض لوازمه وهو النقض كقول الهذلي (واذا المنية انشبت اظفارها) حيث شبهها بالسبع في نفسه قبل استعارة الاظفار ثم اثبت لها الاظفار ونظير ذلك ما اذا قال ان الطهارة لا تنقض بالرعاف مثلاً فانه يعتبر الطهارة بعد تحقق الرعاف موجوداً ومتماسكاً معها قبله فيحسن التعبير بالنقض .
نعم لابد من القول بالوجود التقديري في صورة التعبير بالنقض ايجاباً كما اذا قال الطهارة تنقض بالحدث اذ لا معنى لاعتبار الطهارة حينئذ بعد الحدث حتی يتماسك معها قبله فلابد من القول بالوجود التقديري كما مر بيانه .
والحاصل أن التعبير بالنقض لا يتوقف في المقام على الوجود التقديري حتی نحتاج إلی القول باختصاصه بصورة اقتضاء البقاء .
واما المقدمة الثالثة فهي ممنوعة أيضاً اما الوجه الاول فلوجهين :
الاول : ان الاستعمال المجازي يحتاج إلی قرينة وهي مفقودة في المقام.
الثاني : ان التناسب الملحوظ بين اجزاء الكلام إنما يكون باعتبار المعنی الحقيقي لا المراد الجدي فلو قلت: (جاء اسد) واردت الرجل الشجاع فان اردت ان تعطف عليه مجيء ابنه فلا بد من ان تقول وشبله لا وولده. ومن هنا صح التعجب في قوله :
قامت تظللني من الشمس نفس اعـــــز عليّ من نفسي
قامت تظللني ومن عجب شمس تظللني من الشمس
اذ لولا ذلك لكان التظليل غير عجيب باعتبار المراد الجدي من الشمس فانه انسان وانما هو عجيب باعتبار المعنی الحقيقي . ومن هنا أيضاً صح النفي في مثل قوله تعالی: (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) يوسف: 31 . اذ نفي البشرية انما هو بلحاظ المراد الاستعمالي لا المراد الجدي. وعليه فاسناد النقض باعتبار المعنی الجدي من اليقين غير صحيح بل لابد من ملاحظة اليقين بمعناه الحقيقي في تناسب اجزاء الكلام ولا يصح التعبير بالنقض بملاحظته.
وأمّا الوجه الثاني ففيه ان المقتضي للمعلوم والمتيقن لا يجب أن يقتضي العلم والطريق فان العلم قد ينشأ من علة المعلوم التامة دون المقتضي فقط بل لا يرتبط به اصلاً وقد ينشأ من معلوله وقد ينشأ من أمر آخر كتجمع الاحتمالات علی المحور الواحد. فلا يصح اسناد النقض الى اليقين باعتبار اقتضاء المتيقن البقاء.
هذا كله بالنظر الی الروايات.
واما بناء العقلاء فيمكن ان يقال : إن بناءهم انما هو في موارد الشك في الرافع فقط وانهم يلاحظون في حكمهم بالبقاء استعداد الشيء للبقاء وهو يختلف حسب اختلاف الاشياء ولذلك استشكل الشيخ قدس سره في التمسك ببناء العقلاء بانه يبتني علی تشخيص استعداد المستصحب للبقاء وهو مشكل في نفسه مضافاً الی انه لا يدخل تحت ضابط معين اذ يتردد الامر بين كون المناط هو الجنس او النوع أو الصنف وليس لشيء منها دليل معيّن .
هذا ويلاحظ ان بناء العقلاء فيما اذا شك في أمد اجازة المالك للتصرف في ملكه علی عدم الجواز أكثر من القدر المتيقن وكذلك فيما اذا وقع النزاع في أمد الاجارة فانهم لا يحكمون بكونه الامد الطويل بمقتضى الاستصحاب.
ويمكن القول علی ضوء هذا التفصيل في بناء العقلاء بان اطلاق الروايات ــ لو سلم ــ مقيد أيضاً بهذا البناء نظراً الی ان ظاهر قوله ولا ينبغي ان تنقض اليقين بالشك هو امضاء ما لدى العقلاء. ولكنا قد ذكرنا في باب التمسك ببناء العقلاء ان للاستصحاب اساسين نفسي واجتماعي وبمراجعة الامثلة التي ذكرنا يعلم انه لا فرق عندهم بين الموردين اي الشك في المقتضي والشك في الرافع.
اما اشكال الشيخ فسيأتي جوابه. واما ما استشهد به من الموردين فالجواب عن الأول بأنه لو سلم يمكن ان يكون من جهة احتياج كل تصرّف بشخصه الی اجازة المالك فيختلف الموضوع ولا يجري الاستصحاب. واما عن الثاني فبانه لو سلم أيضاً فيمكن ان يكون من جهة معارضة الاستصحاب الوجودي لاستصحاب عدم كون الاجارة اكثر من القدر المتيقن. ثم لو سلم جميع ذلك فتقييد الاخبار به لا وجه له. ودعوی أن قوله عليه السلام: (ولا ينبغي أن تنقض اليقين بالشك) امضاء لبناء العقلاء لا دليل عليها.
++المقام الثاني في بيان ضابط المقتضي والرافع++:
قد ذكر المحققون الاعلام الضابط في ذلك واختلفت تعابيرهم ونحن ننقل ما ذكره المحقق النائيني قدس سره وحاصله ان الشيء ان كان من الاُمور التكوينية فاستعداده للبقاء وامد استعداده موكول إلی نظر العرف وان كان من الاحكام الشرعية فان كان الشك في بقاء الموضوع وكان منشأ الشك تغير ما هو مقوم للموضوع عرفاً فعدم جريان الاستصحاب من جهة تبدل الموضوع وان كان منشأه تغير ما ليس بمقوم له فلا يجري الاستصحاب لان الشك في المقتضي اذ نسبة الموضوعات الی الاحكام نسبة المقتضي الی المقتضى وان كان الشك في بقاء الحكم فان كان الحكم بالنسبة الی الزمان مهملاً غير مقيد بوقت وأمد معين فهو شك في المقتضي وان كان مطلقا بالنسبة الی الزمان فالرافع له امر زماني كالطلاق فهو شك في الرافع وان كان مقيداً بزمان خاص فالشك في بقاء الحكم انما يكون من جهة الشك في تحقق الغاية فان كان لشبهة حكمية محضة او مفهومية فالشك في المقتضي وان كان لشبهة موضوعية فالشك في الرافع .
ويمكن الايراد عليه بأربعة وجوه :
الوجه الأول ما نقلناه عن الشيخ قدس سره من ان احراز حدود الاستعداد للبقاء في الاُمور التكوينية غير معلوم وكون المدار هل هو الجنس البعيد او القريب او النوع أو الصنف او الشخص غير معلوم أيضاً . وقد ذكر ذلك ضابطاً للاُمور التكوينية .
الوجه الثاني : ان استصحاب عدم النسخ جار قطعاً بل يكاد يكون من الضروريات مع ان الحكم المنسوخ مهمل بالنسبة إلی الزمان فالشك في المقتضي .
الوجه الثالث : ان استصحاب الطهارة بعد زوال التغير بنفسه جار عندهم مع أنه علی هذا الضابط من الشك في المقتضي لكونه شكاً في الموضوع وهكذا جميع موارد الشك في الموضوع.
الوجه الرابع: انه لا فرق بين جعل الزمان امداً للحكم وبين غيره من الاُمور الزمانية اذ كل منهما غاية ينتهي عنده الحكم فكون الشك في احدهما شكاً في المقتضي والآخر شكاً في الرافع يشبه الاُمور التعبدية لا العلمية البحتة .
ولكن يمكن توجيه ما ذكره من الضابط بوجه لا يرد عليه بعض المناقشات وهو : ان المناط في تعيين الضابط هو التشخيص العرفي لموارد امكان الوجود التقديري بعد الشك وهذا يختلف في الاُمور التكوينية بحسب استعداد الاصناف وهو امر عرفي محض فيقال في مورد موت بعض الاحياء انه انقطع عمره ويقال في بعضها انه انتهى عمره والوجه في ذلك ان الاول كان بنظر العرف يقتضي البقاء فهو يری له بعد الموت وجوداً تقديرياً ويری الموت حداً لوجوده التحقيقي دون التقديري واما في غير الاُمور التكوينية فهو يری في الاحكام المجعولة بموجب العناوين الثانوية كالاضطرار والاكراه ان الملاك موجود وان الحكم موجود تقديراً وهذا واضح واما في غير ذلك فان التعبيرات الواردة في ما يرفع الحكم يدل علی النظر العرفي في بقاء الوجود التقديري كالتعبير بالنقض والفسخ والنسخ والازالة.
فيندفع الوجه الاول بان المدار في ذلك نظر العرف والظاهر انهم يلاحظون في ذلك الصنف الخاص كما ذكرنا. ويندفع الوجه الثاني بان التعبير بالنسخ يدل ان نظر العرف في الاحكام هو اقتضاء البقاء لولا النسخ فالشك في الرافع . ويندفع الوجه الثالث بان زوال التغير لا يضر بالاستصحاب هناك لانه في العرف لا يعتبر مقوماً للموضوع فليس من الشك في الموضوع. ويندفع الوجه الرابع بان الشك في مورد جعل الزمان امداً للحكم شك في المقتضي بنظر العرف دون غيره من الامور الزمانية واما الاستدلال برواية القاساني (الرواية السادسة من ادلة الاستصحاب) ففيه ما ذكرناه هناك من عدم صحة السند وعدم الدلالة مضافاً الی امكان الالتزام بجريان الاستصحاب في خصوص مورده تعبداً وان كان شكا في المقتضي.
++التفصيل الثاني++:
الفرق بين الشك في الحكم فلا يجري الاستصحاب والشك في الموضوع فيجري وهذا ما ذهب اليه جماعة من الاخباريين نظراً الی عدم الاطلاق في أدلة الاستصحاب وقد ذكرنا سابقاً الوجه في اطلاقها وذهب إليه أيضاً المحقق النراقي قدس سره وتبعه عليه جماعة منهم السيد الخوئي أيّده الله وان اختلفوا في التفاصيل.
ومنشأ هذا القول هو تعارض الاستصحاب الوجودي والعدمي في الحكم دون الموضوع. والشك في بقاء الحكم انما يكون من جهة سعة جعل الحكم وضيقه فاذا شك في بقاء النجاسة بعد الغسلة الاُولی مثلا أو بعد زوال التغير بنفسه أو بعد تتميم القليل كراً فانما هو من جهة الشك في سعة جعل النجاسة وضيقه.
والضابط هو ان يكون الشك في سعة الحكم وضيقه موجباً للشك في استمرار الحكم وانقطاعه فاذا لم يوجب ذلك فالاستصحاب الوجودي غير جار رأساً كما اذا شك في ان حرمة وطء الحائض هل ترتفع بنفس النقاء ام لابد من الغسل فان هذا الشك لا يوجب الشك في الاستمرار لان الحرمة مجعولة لكل وطء بخصوصه فاختلاف الموضوع مانع من الاستصحاب الوجودي فلا يصل الدور الی المعارضة .
ثم ان الحكم له مرحلتان: الانشاء والفعلية. ويعبر عنهما بمرحلتي الجعل والمجعول. وسعة الحكم في المرحلة الاُولی عَرْضية اذ الجعل امر وحداني فإما ان تجعل النجاسة لما تغير وان زال تغيره بنفسه أو تجعل للمتغير مادام متغيراً ولكنه في المرحلة الثانية طولي واستمراري فهو قابل للزوال والبقاء وبعبارة اُخری الاُمور المتفرقة بحسب الزمان في المرحلة الثانية بالتقدم والتأخر مجتمعة في المرحلة الاولی باعتبار وحدة الجعل فالاستصحاب الوجودي انما يجري في المرحلة الثانية واما المرحلة الاُولی فهو مجرى الاستصحاب العدمي لما ذكرنا من ان سعة الحكم هناك عرضي بحسب الافراد العرضية فيستصحب عدم الجعل لهذا الفرد الذي يوجب جعله له بقاء الحكم في المرحلة الثانية وبذلك يتعارض الاستصحاب الوجودي للحكم في المرحلة الثانية واستصحاب عدم الجعل في المرحلة الاولى.
و قد ناقش في ذلك المحقق النائيني قدس سره باختلاف موضوعي الاستصحابين فلا يتعارضان اذ الحكم في المرحلة الاولى غيره في المرحلة الثانية فإثبات العدم في الثانية باستصحابه في الاُولی من أوضح أفراد الاصل المثبت. وأما إجراء الاصل في نفس الحكم الانشائي فلا أثر له اذ الاثر ــ وهو وجوب الاطاعة في الاحكام التكليفية، وكونُه موضوعاً للحكم التكليفي في الاحكام الوضعية ــ مختص بالحكم الفعلي وأيضاً الحكم المؤثر هو الذي له قابلية القيادة وتوجيه النفس الی الفعل أو الترك وهذا من خصوصيات الحكم الفعلي.
ويتوقف دفع هذا الاشكال علی اثبات وحدة الحكم في المرحلتين وهنا ثلاث محاولات لاثبات ذلك.
الوجه الأول ما ذكره المحقق العراقي قدس سره من أن الفرق بينهما اعتباري كالفرق بين الايجاد والوجود.
ويرده ان الايجاد والوجود أمر واحد يعبر عنه بالتعبيرين باعتبار نسبته إلی الفاعل والقابل والمقام ليس من هذا القبيل اذ الحكم الانشائي لا يتوقف على وجود الموضوع بخلاف الحكم الفعلي وبينهما فاصلة زمنية ومن الواضح ان ما يتوقف علی الشيء مغاير لما لا يتوقف عليه.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الخوئي دام ظله من ان الفرق بينهما انما هو في انضمامه في المرحلة الثانية الی الموضوع وعدم انضمامه اليه في المرحلة الاُولی فهو هو بعينه وانما الفرق بالتركب وعدمه كالجدار اذا انضم الی جدران اخری فاصبح بيتا فانه لا يؤثر في اختلاف حقيقته.
ويمكن ان يؤيّد ذلك بان الاول مجعول للشارع والمفروض ان الشارع لم يجعل الاحكماً واحداً فلو كان الثاني غيره لم يكن مجعولا له فلا يكون حكماً شرعياً.
ولكن للتأمل فيه مجال اذ انهما لو كانا متحدين فلِمَ لم يكن الاول قابلاً للاطاعة والعصيان كما هو الحال في الثاني؟! ولِمَ كان الثاني متوقفاً علی تحقق الموضوع دون الاول؟! مضافاً الی ان المفروض جريان الاستصحاب العدمي والوجودي في نفسهما في ذلك ويلزم منه ان يكون الحكم الواحد في الزمان السابق علی زمان الشك متصلاً به موجوداً ومعدوماً. وهذا دليل واضح علی الاثنينية .
ولكن قد عرفت ان القول بالمغايرة أيضاً مشكل من جهة ان الاعتبار الشرعي للحكم واحد فليس هنا الا حكم مجعول واحد. وهنا يأتي دور المحاولة الثالثة لاثبات وحدة الحكم بحيث يندفع الاشكال.
الوجه الثالث : ان الحكم واحد من حيث الجعل والاعتبار ومتعدد من حيث الارتباط وبيان ذلك يتوقف علی مقدمة وهي ان الأعراض علی قسمين:
القسم الأول: ما يكون معروضه المقوم لوجوده متحد مع الموصوف به كالبياض فانه عارض علی الجسم وهو المتصف بكونه أبيض وكالكلّيّة التي تعرض مفهوم الانسان فانها تعرض الوجود الذهني للإنسان وهو المتصف بها دون الانسان الخارجي فمعروض العرض والمتصف به في المثالين أمر واحد .
القسم الثاني : ما يختلف المعروض والموصوف فيه وهو ما يسمى بالمعقولات الثانية في الفلسفة كالابوة فانه يتقوم بوجود الاب في الذهن باعتبار كونه منشأً لوجود الابن ويتصف به الاب في الخارج وكالعلم والارادة فانهما تعرضان الامور الذهنية ويتصف بهما الامور الخارجية فاذا علمت بمجيء زيد غداً فان معروض العلم ليس هو المجيء الخارجي اذ لم يتحقق بعد والموصوف به هو المجيء الخارجي فتقول بعد مجيئه : كنت اعلم بهذا، وتشير الی وجوده الخارجي وكذلك الارادة والكراهة وجميع الاُمور الانتزاعية والاعتبارية.
والحكم الشرعي ايضا من الامور الاعتبارية فان معروضه الذي يتقوم به الحكم هو العنوان الذهني الذي يتصوره المولی كعنوان مستطيع الحج والموصوف به هو نفس المستطيع المتحقق خارجاً فالاعتبار الشرعي واحد والحكم بالوجود المحمولي واحد وانما المتعدد هو الارتباط فانه يرتبط بموضوعه في مرحلة الجعل وهو معروضه ويرتبط أيضاً بموصوفه في الخارج وبهذين الارتباطين تنشأ قضيتان الموضوع في إحداهما هو العنوان المتصور في ذهن المولی وفي الثانية هو الموجود الخارجي الذي انطبق عليه ذلك العنوان . ولكن المحمول فيهما واحد وهو الحكم الاعتباري الذي أنشأه الشارع. فتبين ان الجعل واحد والمجعول واحد والارتباط متعدد وهو منشأ المغايرة .
وبهذا البيان يظهرأن الوحدة التي يدعيها السيد الخوئي دام ظله انما هو باعتبار الجعل بوجوده المحمولي وهو صحيح في نفسه . ولكن لا يندفع به الاشكال الذي ذكره المحقق النائيني قدس سره بتوجيه منا. وذلك بان يقال : لعلّ مراده هو اختلاف القضيتين في الاستصحاب باعتبار اختلاف الارتباط بين الحكم المستصحب ومعروضه والارتباط بينه وموصوفه فنـفي الارتباط الأول لا ينـفي الارتباط الثاني الذي هو موضوع الأثر .
هذا ويمكن الاشكال في تعارض الاستصحابين بوجه آخر وهو أن جعل النجاسة لملاقي البول الی ما بعد الغسلة الاولی مغاير لجعلها له الی ما قبله ففي مرحلة الجعل ليس جعل أحدهما استمراراً للجعل الآخر حتی يقال بأن جعله الی كذا متيقن والی كذا مشكوك فيه بل المجعول أحد الأمرين المتغايرين ففي ظرف الشك يجري في كل منهما استصحاب عدم الجعل لو فرض ترتب أثر عليه.
ولكنّا بيّـنّا ان الأثر ليس للحكم في مرتبة الجعل. وأما في الحكم الفعلي فالشك بين فرد طويل وفرد قصير اذ علی فرض جعل الحكم بأحد النحوين في مرحلة الجعل لابد من كونه في مرحلة المجعول بالنحو الطويل وعلی فرض جعله بالنحو الآخر لابد من كونه بالنحو القصير . والأثر ــ وهو وجوب الاطاعة في الأحكام التكليفية وكونه موضوعاً للحكم التكليفي في الاحكام الوضعية ــ لا يترتب علی خصوصية الطويل والقصير بل علی الجامع بينهما فيستصحب ولا مانع منه . ولو فرض ترتب أثر علی الخصوصية الفردية فيهما فاستصحاب العدم في كل منهما يتعارض مع الآخر ويتساقطان ويجري استصحاب الكلي بنحو القسم الثاني من انحاء استصحاب الكلي.
هذا تمام الكلام في وجه هذا التفصيل. وبقي الكلام في مورد جريان التعارض بين الاستصحابين المتقدمين فقد وقع الخلاف في موارد:
منها : مورد الشك في الرافع بناءاً علی عدم الفرق في أصل جريان الاستصحاب بين الشك في الرافع والشك في المقتضي فان المحقق النراقي رحمه الله بعد ان ذكر هذا التعارض في (المناهج) مطلقا رجع في (العوائد) ففصّل بين الشك في الرافع والمقتضِي وذكر ان هذا الاشكال مختص بالثاني وقال : ان مثل النجاسة والزوجية والملكية مما يقتضي بنفسه البقاء فلا يمكن تحديده بالزمان وانما يحدد بالرافع ويكفي في استمرار النجاسة مثلا أصل جعلها واعتبارها الی أن يحدث الرافع وحينئذ فاستصحاب عدم الجعل الی ما بعد الغسلة الاُولی غير جار فلا يعارض استصحاب النجاسة المجعولة. وقال : ان من له خبرة في فهم كلمات الاصحاب «قدس الله أسرارهم» والروايات يعلم ان النجاسة ونظائرها مستمرة الی زمن حدوث الرافع بمعنی انها بنفسها تقتضي البقاء لولا الرافع.
وذكر مثل هذا الاشكال علی ما ذكره المحقق المذكور في المناهج الشيخ وصاحب الكفاية غفلة عن رجوعه عنه في العوائد. ولكن الظاهر أن الحق بعد فرض صحة أصل الاشكال عدم التفصيل كما ذكره السيد الخوئي أيده الله .
والوجه في ذلك انه لا فرق بين تحديد الحكم بالزمان وتحديده بالزماني وان استمرار الحكم الی زمان خاص او الی حدوث رافع تابع لاعتبار المعتبر فان ذلك من حدود الأمر المعتبر وهو تابع للاعتبار فلا مانع من أن يكون جعل النجاسة من أول الأمر محدوداً بحدّ وهو حدوث الرافع فيستصحب عدمه .
واما كلمات الاصحاب والروايات فمنشأ التوهم فيها هو التعبير بالفسخ والرفع والنقض وقد ذكرنا في بيان ضابط المقتضي والرافع ان بعض التعابير يدل على أنّ العرف يری بعض الحدود حدوداً للشيء تحقيقاً فقط ويری ان الوجود التقديري باق فيعبر عن انعدامه بالزوال والرفع والانفساخ بخلاف بعض آخر فان الحدود فيها حدود لوجوداتها تحقيقاً وتقديراً وذلك كما في جميع موارد التحديد بالزمان فان العرف يری الزمان حينئذ حداً للشيء تحقيقاً وتقديراً وهذا الفرق انما يجدي في صحة التعبير في القسم الأول بالنقض ونظائره دون الثاني ولا يؤثر فيما نحن بصدده شيئاً .
ومنها : الحرمة والاباحة . فان هذا الاشكال يختص بالوجوب والاستحباب من بين الاحكام التكليفية ولا يأتي في الحرمة والكراهة وذلك لان الحكم بالحرمة والكراهة اما أن يكون انحلالياً كمثال وطء الحائض المذكور في أول هذا البحث ومن الواضح ان حرمة الوطء في زمان لا يقتضي حرمته في زمان آخر فالحكم ينحل بحسب الزمان والاستصحاب الوجودي في مثل ذلك غير جار فلا مورد للمعارضة . والكراهة كالحرمة كما ان الاستحباب كالوجوب أي لا فرق بينهما في كيفية الجعل .
وإما أن يكون الحكم بالحرمة غير انحلالي فيكون من موارد الشك في الأقل والأكثر ومن الواضح ان الأقل والأكثر في الوجوب والحرمة متعاكسان فالأقل في الواجب متيقن والأكثر مشكوك بخلاف الحرمة إذ الاكثر متيقن . وعليه فاذا شككنا في حرمة الجلوس إلی الزوال وحرمته إلی الغروب فالاستصحاب الوجودي أي حرمة الجلوس إلی الغروب غير جار فانه القدر المتيقن من الحرام لاستلزامه الجلوس الی الزوال أيضاً .
وأما الاباحة فالاستصحاب العدمي غير جار . وقد ذكر السيد الخوئي «دام ظله» في وجه ذلك ان افعال المكلفين قبل الاسلام كانت علی الاباحة وقد ارتفعت عن بعضها بصورة تدريجية فكل ما يشك في اباحته فلابد من ان يكون مسبوقاً بزمان في أوائل التشريع كان حكمها الاباحة فلا يجري اصالة عدم الاباحة .
ويلاحظ عليه : ان الاباحة في أوائل التشريع لو سلم كونه مجعولاً شرعياً لم يعلم كونه مجعولاً الی زمان الشك فيستصحب عدم جعلها في هذا الزمان نظير ما قاله في استصحاب عدم النسخ من جريان استصحاب عدم جعل الحكم في زمان الشك ومعارضته له.
والصحيح ان اصالة عدم الاباحة غير جار لوجهين :
الأول : ان الاباحة ليست حكماً شرعياً وانما هي نفي الحكم فهي تثبت في كل مورد لا يصرّح فيه القانون بحكم تكليفي لا انه مما صرّح القانون بكونه مباحاً فهي ليست مجعولاً شرعياً حتی يبحث عن اصالة عدم الجعل فيه . نعم المجعول هو الحل وهو معنىً آخر غير الاباحة وحقيقته رفع عقدة الحظر فيما كان محرما سابقا او توهم فيه الحرمة كالبحيرة والسائبة والوصيلة وغير ذلك.
الثاني : انه لو فرضنا كونه حكماً شرعياً فالاصل غير جار أيضاً للغويته إذ انه بنفسه غير مجد حيث لا يمكن له قيادة ارادة المكلف وسوقه نحو الفعل أو الترك لان مفاده ان العمل غير مباح ولا يعلم انه حرام أو واجب ولا يمكن اثبات الحرمة او الوجوب به لعدم امكان اثبات احد الضدين بعدم الضد الآخر الا بلسان الاثبات.
ومنها : الاحكام الجزئية . فان هذا التعارض غير جار فيها ولم يذكرها السيد الخوئي في دورته الاولی ولكن الذي يظهر من (مباني الاستنباط) انه ذكر في دورة أخرى ان هذا التعارض يجري حتی في مورد الشبهة المصداقية كما اذا شك في تحقق المغرب فقال : ان استصحاب وجوب الصوم يعارضه استصحاب عدم جعل الوجوب أكثر من المتيقن .
ولكن الشك هنا ليس في مقدار الجعل وانما الشك في تحقق الغاية فلا يجري استصحاب عدم الجعل. واستصحاب عدم الوجوب قبل النهار يردّه ان زمان اليقين غير متصل بزمان الشك لتخلل الوجوب .
ومنها: الاحكام الوضعية التي لا تترتب عليها احكام تكليفية فيها كلفة كالطهارة فانها لا تترتب عليها الا التوسعة بخلاف النجاسة فان الحكم التكليفي المترتب عليها فيه كلفة علی المكلف فذكر السيد الخوئي «دام ظله» ان التعارض المذكور غير جار في القسم الأول.
ولم يظهر لنا الوجه في ذلك فان المناط في صحة الاستصحاب هو كونه حكماً شرعياً سواء كانت فيه كلفة ام رخصة فلا وجه للتفصيل.
++التفصيل الثالث:++
الفرق بين الاحكام الوضعية والتكليفية. وقد جری دأب الاصحاب علی ذكر التحقيق عن حقيقة الاحكام الوضعية في المقام فنقول:
++حقيقة الاحكام الوضعية:++
ولبيان ذلك لابد من ذكر مقدمات خمسة:
++المقدمة الاُولی في بيان الاعتبار الادبي والاعتبار القانوني++:
من الواضح أن الحكم الشرعي كأي حكم آخر نوع من الاعتبار. والاعتبار عبارة عن فعل بداعي التأثير في مشاعر الناس بنحو خاص. ويتحقق بذلك الموجود الاعتباري وهو في قبال الموجود التكويني فالموجود التكويني هو ما ينفعل الانسان بادراكه ويصل بذلك الی أمر واقع في الخارج سواء كان جوهراً ام عرضاً . والموجود الاعتباري هو فعل من افعال الانسان تابع في حدوده لاعتبار المعتبر.
وهو على قسمين :
الأول : الاعتبارات الادبية . والمراد بها اعطاء حدّ شيء لشيء آخر بداعي التأثير في المشاعر بشرط كون الشيء الآخر (المشبه به) مما له تأثير في المشاعر كقولك زيد أسد . سواء كان المشبه به امراً واقعياً ام خيالياً كرستم او كان تأثيره في المشاعر بسبب الاعلام كحاتم. وهذا الاعتبار يختلف باختلاف المجتمعات والطبقات والازمنة والامكنة فربما كان تشبيه في زمان لتفهيم معنىً خاص حسناً وفي زمان آخر مستهجناً كالحمار الذي كان يقال للرجل الصبور الذي يقدم على امور صعبة كمروان آخر ملوك بني امية الذي لقّب بالحمار من أجل ذلك مع انه في زماننا تعبير مستهجن اذ يستعار للرجل البليد.
الثاني: الاعتبارات القانونية وهو أيضاً للتأثير في المشاعر فالحكم بنجاسة المشرك أو البول أو الغائط أو غير ذلك انما شرّع ليستقذر العرف هذه الاُمور فيجتنب عنها لدواع صحيّة كالاخيرين او سياسية كالأول .
والفرق بين هذين القسمين انما هو في أن الارادة الجدية في الأول مخالف للارادة الاستعمالية فحينما تقول زيد أسد لا تقصد أنه أسد واقعا بخلاف الثاني كما هو واضح .
وقد يشتبه الامر فيخلط بين الموجودات التكوينية والاعتبارية أو بين الاعتبارات الادبية والقانونية فالأول كما صدر عن الشيخ رحمه الله حيث قال بان النجاسة والطهارة أمران واقعيان كشف عنهما الشارع. وكما توهم كثير من ان الملكية من مقولة الجدة مع ان الجدة امر واقعي ومن الاعراض والملك أمر اعتباري. وقد يتوهم الوجود الواقعي اعتبارياً كقول الملاحدة في الباري تعالی حيث توهموا انه مخلوق الاذهان.
ومن هذا الاشتباه ما ورد في بعض الكلمات من الحكم علی الموجودات الاعتبارية باحكام خاصة بالموجودات الحقيقية كاجتماع الضدين فيتوهم استحالتها في الاحكام مع أنّ هذا لا يجري في الاعتباريات ولذلك صحّ قول الشاعر : (اسد عليّ وفي الحروب نعامة). ومنه ايضا ما يقال من عدم امكان تأثير المتأخر في المتقدم فيتوهم انه جار حتی في الاعتباريات ولذلك اشكل الامر عليهم في الشرط المتأخر.
والثاني كقول بعضهم: يمكن للشارع جعل الجزئية والسببية لشيء فيقول هذا واجب، ثم يقول بعد ذلك جعلت هذا جزءاً له. أو يقول جعلت دلوك الشمس سبباً لوجوب الصلاة . مع ان هذا من قبيل الاعتبارات الادبية فالمجعول جزءاً بهذا النحو ليس جزءاً في الاعتبار القانوني إلا ان يتبدل الواجب وحينئذ فلا يكون أيضاً جزءاً للمشار إليه بل جزءاً لمركب آخر وكذلك السببية فالتعبير بجعل السببية والجزئية لا يراد به اعتبار قانوني .
++المقدمة الثانية الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي++ :
الحكم التكليفي هو الاعتبار القانوني الذي يرتبط بعمل المكلف مباشرة فيوجهه نحو الفعل أو الترك بمعنی انه يوجد الداعي لاحدهما في نفسه فيسوقه اليه . ومن هنا يعلم أن الاباحة ليست حكماً شرعياً وانما هو نفي الحكم. والحكم الوضعي هو الاعتبار القانوني الذي يرتبط بعمل المكلف بالواسطة فان النجاسة والملكية بنفسها لا ترتبط بعمل المكلف ولكنها تؤثر في عمله بواسطة الحكم التكليفي المتعلق بها .
وبهذا الضابط يتبين موارد الخلط الذي صدر من الاصحاب بين الاحكام التكليفية والوضعية فذهب بعضهم الی ان الاباحة من الاحكام الوضعية كما ذهب السيد الخوئي «أيده الله» الی ان الحقوق كلها يرجع الی الحكم التكليفي فالقصاص عبارة عن جواز القتل وليس حقا لولي الدم. ومن المعلوم ان القصاص ينتقل الی الوارث فاذا كان صغيراً مثلاً فجواز القتل انما هو لوليه لا للصغير فيتبين أن حق القصاص مغاير للحكم بالجواز. كما أنه لو حلف الولي بعدم قتل هذا الرجل فان الحكم التكليفي بالجواز يتبدل إلی الحرمة مع أن الحكم الوضعي باق ولذا لا يعتبر متعدياً عليه لو قتله وان فعل حراما لمخالفته اليمين. كما انه لو حلف ان لا يأكل من حق المارة شيئاً فان جواز الاكل يرتفع بالنسبة اليه مع ان اكله لا يوجب الضمان.
++المقدمة الثالثة في بيان العلاقة بين الاعتبار القانوني والاعتبار الادبي++ :
يمكن فرض ارتباط بين الاعتبار القانوني والاعتبار الادبي بأن يقال: إن كل اعتبار قانوني مسبوق باعتبار ادبي فمثلاً الحكم بالوجوب اعتبار قانوني ولكن معنی الوجوب في اللغة هو الثبوت فيمكن ان يكون في بادیء الأمر يطلق بنحو الاستعارة باعتبار تخيّل هذا الحكم أمراً ثابتاً في ذمة المكلف ويقصد به ترتب العقاب علی الترك ثم بالتطور والتكامل أصبح اعتبار الوجوب بنفسه اعتباراً متأصلاً فاصبح اعتباراً قانونياً كما يقال في الوضع التعييني من أن كثرة الاستعمال يوجب الوضع . فهنا أيضاً كثرة الاعتبار الادبي يوجب تبدل الاعتبار بمعنی ان الارادة الجدية توافق الارادة الاستعمالية بعد ما كان مخالفاً له .
وكذلك اللزوم فانه بمعنى مصاحبة الشيء للشيء من دون مفارقة او لمدة طويلة وفسره بعضهم باللصوق فلا يبعد أن يكون في الاصل تعبيرا أدبيا كانه اعتبر الحكم أمرا لاصقاً بالمكلف الى ان يأتي بالفعل في الخارج . وكذلك البعث والاغراء وكل ما يعبر به عن الوجوب .
ومن هنا يعلم انه لا وجه للاختلاف في حقيقة الوجوب وأنه هل هو البعث والاغراء او الزام المكلف بأمر او تعلق الارادة التشريعية بالفعل وغير ذلك، بل هو اعتبار قانوني متطور عن اعتبار اللزوم والثبوت والبعث بالعناية بقصد اشعار المكلف بترتب العقاب علی الترك.
وكذلك الحال في الحرمة فانها عبارة عن المحرومية الاعتبارية حيث عبّر بذلك بالعناية الادبية ابتداءا لاشعار المكلف بما يترتب علی الفعل من العقاب ثم أصبح اعتباراً قانونياً متأصلاً. وكذلك النجاسة التي هي نفس القذارة العرفية. والملكية ان كانت مأخوذة من الملك بمعنی السلطنة فانها تعتبر أيضاً سلطة بنحو العناية أولاً ثم تعتبر أمراً قانونياً. وكالميتة فانها في اللغة عبارة عن ما مات حتف أنفه ثم اطلقت على كل ما فقد شرطاً من شروط ذبحه بالعناية لايجاد النفرة والاشمئزاز من اكله ثم أصبحت اعتباراً قانونياً .
وكما تختلف الملل والحضارات في الاعتبارات الادبية ــ كما مر ــ كذلك يختلفون في الاعتبارات القانونية فيعبر كل منهم عن الوجوب والحرمة بتعبير وان كان الجوهر والمعنی متحداً ومنشأ ذلك هو ما ذكرنا انه تطور للاعتبار الادبي فكل من الاقوام والملل يعبّرون عن الحرمة مثلاً بنحو العناية بلفظ مّا حسب اختلاف الاذواق في اختيار الاستعارات ثم يصبح هذا الاعتبار الادبي اعتباراً قانونياً فيختلف التعبير عن الامر القانوني الواحد لهذا السبب.
++المقدمة الرابعة في بيان الترابط بين الاعتبارات القانونية++:
الاعتبارات القانونية مرتبطة بعضها ببعض والكلام انما هو في كيفية هذا الارتباط فان الترابط بين الموضوعات التكوينية والاحكام أمر وضعي اعتباري خاضع للجعل والاعتبار كالترابط بين دلوك الشمس ووجوب الصلاة ولذلك لا يری العقل ولا العرف مانعاً من اعتبار ضد هذا الحكم لنفس الموضوع . واما الترابط بين الاعتبارات القانونية بعضها مع بعض فليس علی هذا النحو.
وتفصيل ذلك أنّ الاعتبارات القانونية علی أربعة أقسام :
الأول : الاحكام الجزائية كوجوب الاعادة أو الحكم بالقتل والقصاص أو الحد أو التعزير أو بيان العقوبة الاخروية .
الثاني : الاحكام التكليفية من الوجوب والحرمة وغيرهما.
الثالث : الاحكام الوضعية كالملكية والزوجية والطهارة والنجاسة .
الرابع : العقود والايقاعات.
وكل مرتبة من المراتب المتأخرة في هذه الاقسام بمنزلة الموضوع للمرتبة المتقدمة فعقد البيع مثلاً موضوع للحكم بحصول الملكية وحصول الملكية موضوع للحكم بعدم جواز التصرف فيه الا باذنه وهو موضوع للحكم بالعقاب الاخروي أو الضمان . وهكذا غيره من العقود والايقاعات . وكذلك الاحكام الوضعية الاخرى فالنجاسة مثلاً موضوع للحكم بوجوب الاجتناب في الاكل والشرب والصلاة مثلاً وكذلك الاحكام التكليفية كوجوب الصلاة موضوع للحكم الجزائي وهكذا . والی هذا يرجع كلام الشيخ قدس سره في المكاسب من أن الاحكام التكليفية كالمقوم بالنسبة للاحكام الوضعية .
والذي يلاحظ في هذا المقام امران :
الأمر الأول : ان جعل كل مرتبة متأخرة من المراتب السابقة بدون المرتبة المتقدمة يعتبر عند العرف والعقلاء لغواً من دون العكس فلو فرضنا جعل حكم تكليفي شرعاً أو عرفاً من دون ترتب جزاء عليه كان لغواً إذ لا يترتب عليه الأثر المطلوب منه وهو الاندفاع نحو الفعل أو الترك. وكذلك لو فرضنا جعل حكم وضعي من دون ترتب حكم تكليفي عليه كان لغواً أيضاً كالحكم بنجاسة شيء وعدم وجوب الاجتناب عنه . وكذلك لو فرضنا جعل عقد أو ايقاع لا يترتب عليه اثر وضعي.
الأمر الثاني : ان هذا الترابط ليس بين كل حكم من المرتبة المتقدمة وآخر من المتأخرة بل المعتبر هو السنخية بين الحكمين فالذي يناسب الحكم بالنجاسة من الحكم التكليفي مثلاً هو الحكم بوجوب الاجتناب وكذا غيرها. والعرف يری بين جعل النجاسة والحكم بعدم وجوب الاجتناب تناقضاً كما يری بين جعل لفظ بعت لانشاء عقد البيع والحكم بعدم ترتب الملكية عليه تناقضاً وكما يری بين جعل الوجوب لشيء والحكم بعدم ترتب العقاب علی تركه تناقضاً .
والذي ينتج من هذين الأمرين الذين نلاحظهما في هذه الاعتبارات الاربعة هو ان الترابط بين هذه الاحكام ترابط ذاتي لا جعلي خاضع للاعتبار والا لم يكن وجه للّغوية في صورة الانفكاك وللتناقض في صورة عدم السنخية.
ومما ذكرنا يستفاد في المقام أربعة اُمور :
الأمر الأول : ان الاحكام الوضعية أمور تمهيدية لجعل الاحكام التكليفية فبدلاً من القول بوجوب الاجتناب عن الشيء في الاكل والشرب والصلاة وغيرها وبترتب احكام اخرى يجعل عنوان النجاسة رمزاً لوجوب الاجتناب ولغيره من الاحكام فيكفي لبيان ذلك جعل النجاسة لكل ما يراد جعل تلك الاحكام التكليفية له.
الأمر الثاني : أنّ المصلحة في جعل الحكم الوضعي تابعة لمصلحة متعلق الحكم التكليفي المترتب عليه فالمصلحة في جعل النجاسة هو المصلحة في الاجتناب خلافاً لما ذكره السيد الخوئي أيده الله من كون المصلحة في نفس الحكم الوضعي .
الأمر الثالث : ان ما ذكره الشيخ رحمه الله نقلاً عن المحققين من أن مرجع الحكم الوضعي الی الحكم التكليفي حق ولكن لا يترتب عليه كون جعل الحكم الوضعي تابعاً لجعله وغير مستقل بل المراد ان الحكم التكليفي مضمون الحكم الوضعي بنحو الاندماج والاستبطان.
الأمر الرابع : ان التضاد بين الاحكام الوضعية انما هو من جهة التضاد بين الاحكام التكليفية المترتبة عليها من حيث المبدأ والمنتهی أي من حيث المصلحة ومن حيث قيادة المكلف إلی الفعل أو الترك .
++المقدمة الخامسة في بيان كيفية استبطان الاحكام الوضعية للاحكام التكليفية وفي بيان تنوع الاحكام الوضعية واختلافها بحسب الحضارات++:
ولابد من ذكر مقدمة وهي:
أنّ الوضع عبارة عن ارتباط بين اللفظ والمعنی ينشأ من تداعي المعاني وله اسباب منها الاقتران في الحسّ، فاذا اقترن بالحسّ لفظ ومعنىً مكرراً نشأت منه ملازمة يعبّر عنها بتداعي المعاني، والارتباط الذي يحصل بين اللفظ والمعنى من هذه الجهة يسمى بالوضع التعيّني، فاذا اطلق لفظ اسد واريد تطبيقه على الرجل الشجاع فلابد من ان يكون بعناية ثم اذا كرّر ذلك الى ان يصير وجه الشبه مغفولاً عنه بحيث لا يلاحظ في تطبيق لفظ الاسد علی الرجل الشجاع شباهته بالاسد في الشجاعة، وبعبارة أوفق بمسلكنا: يتكرر إعطاء حدّ شيء لشيء آخر الی حدّ يغفل عن كونه حدّاً للشيء الأول، فيكون انطباق الاسد علی الرجل الشجاع بنحو الحقيقة. وهذا هو الوضع التعيّني.
وقد يستعمل اللفظ الموضوع لمعنىً في شيء آخر أو يطلق ويطبّق في النفس علی شيء آخر (بناءاً علی مسلكنا) بلحاظ الاحكام المترتبة علی المعنی الحقيقي ثم يكرر هذا الاطلاق بهذا اللحاظ حتی يكون ذات المشبه به مغفولاً عنه ويكون الملحوظ نفس الاحكام وينشأ من ذلك وجود معنیً اعتباري وماهية اعتبارية هو كل ما له هذه الاحكام.
فمثلاً يطلق لفظ الميتة حقيقة في كل عرف علی ما مات حتف انفه ثم يطلق علی ما فقد شرطاً من شرائط الذبح في ذلك العرف بلحاظ ترتب احكامه عليه ويتكرر بحيث يغفل عن ذات الميتة حين الاستعمال والتطبيق بل تكون الميتة عبارة عن ماهية اعتبارية تترتب عليها هذه الاحكام. وكذلك النجاسة والملكية والزوجية .
ومن هنا تنشأ الماهيات الاعتبارية باسرها وهي علی قسمين فمنها ما يحمل علی افرادها بنحو هو هو ومنها ما يحمل عليها بنحو ذوهو . فالاول كالدينار والصلاة فانهما أيضاً من الماهيات الاعتبارية وان اشتبه الامر علی بعض الاعلام ولذلك تعجبوا من كلام الشهيد رحمه الله حيث عبّر عن الصلاة والصوم بالماهيّات الجعليّة وذلك لان الصلاة في اللغة عبارة عن الانعطاف والخضوع وحيث إنّ الافعال الخاصة المختلفة حسب اختلاف المذاهب يعتبر انعطافا وخضوعاً لله تعالى فيطلق لفظ الصلاة على هذه الافعال بهذا اللحاظ مكررا الی أن تتحقق الماهية الاعتبارية .
وكذلك الدينار فانه موضوع في الأصل اي في أوائل التمدن البشري للنقد الذهبي بلحاظ أمرين: التوسيط في المبادلات ومقياس القيم في الاموال. ثم لمّا كان النقد الورقي الحديث عند الدول حائزاً علی الاعتبارين اطلق علی بعضها الدينار بهذا الاعتبار وكرر حتی غفل عن ذات الدينار السابق بل كان الدينار كل ما يترتب عليه هذان الاثران وهذا معنىً اعتباري حصل من هذا الاستعمال المتكرر.
وهذا القسم من الماهيات الاعتبارية تحمل علی افرادها بنحو هو هو فتقول هذا دينار وهذه صلاة والثاني كالنجاسة والملكية ولا يقال لموردها هذا نجاسة وملكية بل نجس ومملوك ونحو ذلك.
فتبين مما ذكرنا أولاً كيفية تحقق الماهيات الاعتبارية وكيفية استبطان الاحكام الوضعية للاحكام التكليفية إذ علم أنّ وجود الماهيات الاعتبارية الوضعية ليس إلاّ بلحاظ الاحكام التي تترتب عليها.
ثم ان هذه الماهيات كما توجد بلحاظ هذه الاحكام تتلوّن بها أيضاً فيحدث من ذلك اختلاف في نوعية هذه الماهيات بحسب اختلاف الاحكام المترتبة عليها في الحضارات البشرية فتری الزوجية مثلاً نوعاً من الاسترقاق في بعض الحضارات السابقة ونوعاً من المشاركة في الحياة بضميمة الاستمتاع الجنسي في التمدن الحديث ونوعاً من قيمومية الرجال علی النساء في التمدن الاسلامي (الرجال قوامون على النساء) أو عكس ذلك في بعض الحضارات السابقة كما ينقل في التاريخ. وترى الاجارة تمليكاً للمنفعة في القوانين القديمة والقانون الاسلامي ومن قبيل تمليك العين من جهة خاصة في القانون الحديث.
الى هنا انتهينا من المقدمات الخمس.
ويقع الكلام حينئذ في حقيقة الاحكام الوضعية وكيفية جعلها. وقد نقلنا سابقاً عبارة الشيخ قدس سره نقلاً عن المحققين من أنّ الاحكام الوضعية مرجعها إلی الاحكام التكليفية. وقال الشيخ: ان الاحكام الوضعية أمور اعتبارية منتزعة من الاحكام التكليفية.
وقال المحقق الخراساني قدس سره: (إنّ ما عدّ من الوضع علی انحاء منها ما لا يكاد يتطرق إليه الجعل تشريعاً أصلاً لا استقلالاً ولا تبعاً وان كان مجعولاً تكويناً عرضاً بعين جعل موضوعه كذلك، ومنها ما لا يكاد يتطرق اليه الجعل التشريعي الا تبعاً للتكليف، ومنها ما يمكن فيه الجعل استقلالاً بانشائه وتبعاً للتكليف بكونه منشأً لانتزاعه وان كان الصحيح انتزاعه من انشائه وجعله وكون التكليف من آثاره واحكامه). ثم مثّل للاول بالسببية والشرطية والمانعية والرافعية لما هو سبب التكليف وشرطه ومانعه ورافعه. وللثاني بالجزئية والشرطية والمانعية والقاطعية لما هو جزء المكلف به وشرطه ومانعه وقاطعه. وللثالث بالحجية والقضاوة والولاية والنيابة والحرية والرقية والزوجية والملكية إلی غير ذلك .[^30]
وبملاحظة كلامه رحمه الله تنقسم الاحكام الوضعية الى ثلاثة أقسام ونحن نرتبها بوضع آخر يناسب أبحاثنا:
القسم الاول ما يكون من قبيل الزوجية والملكية ونحوهما وهذا ما ورد في عبارة المحقق الخراساني قسما ثالثا.
القسم الثاني ما يكون من قبيل السببية والشرطية والمانعية والرافعية للتكليف.
القسم الثالث ما يكون من قبيل الجزئية والشرطية والمانعية والقاطعية للمكلف به.
++أما في القسم الأول++ فنلاحظ كلام الشيخ رحمه الله والقدماء (بناءاً علی نقله) من أن الاحكام الوضعية منتزعة من الاحكام التكليفية. وقد اعترض عليه المحققون تبعا للمحقق الخراساني قدس سره. وحاصل اعتراضاتهم عليه يرجع إلی أربعة وجوه:
الوجه الأول: ان الاحكام الوضعية موضوعات للاحكام التكليفية فكيف تكون منتزعة منها ومتأخرة عنها؟!
الوجه الثاني: ان الاُمور الانتزاعية تابعة في وجودها ومرتبة وجودها لمناشئ انتزاعها مع أن الاحكام الوضعية نسبتها الى الاحكام التكليفية المترتبة عليها بحسب المورد عموم وخصوص من وجه فان الزوجية بالنسبة الی جواز الوطء قد يتخالفان في الصدق فانه يجوز بالملك و التحليل وقد لا تحل الوطء مع بقاء الزوجية لظهار وشبهه. وكذلك الملكية فقد تكون ولا تحل التصرف فيه لحجر مثلا وقد تجوز التصرف في غير الملك كحق المارة. وقد يحل أكل النجس للاضطرار مثلاً إلی غير ذلك من موارد عدم التصادق ويلاحظ ايضا أنّ الضمان يتحقق في إتلاف غير البالغ تحقيقاً مع أنّ الحكم التكليفي المترتب عليه تقديري متوقف علی البلوغ. فكيف يمكن أن ينتزع الحكم الوضعي من أمر لا يلازمه؟!
مضافاً إلی ما ذكره المحقق النائيني قدس سره علی ما في تقريرات العلامة الكاظمي أن الوضعيات اُمور عقلائية لا تختص بدين وملة والاحكام التكليفية أمور مخترعة شرعية فكيف ينشأ منها تلك الاحكام العقلائية ؟!
الوجه الثالث : ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من أن الملكية والزوجية ونظايرهما تحققها بيد العاقد ولا يعتبر في تحققها اكثر من الانشاء ولو كانت منتزعة عن الاحكام المترتبة لما كاد يصح اعتبارها الا بملاحظتها وللزم ان لا يقع ما قصد ويقع ما لم يقصد لأن المتعاقدين لا يلاحظان الاحكام المترتبة بل قد لا يعلمانه وانما ينشئان نفس هذه الموضوعات.
الوجه الرابع : ما يمكن أن يقال بناءاً علی هذه النظرية من أن الاحكام الوضعية إذا كانت مشتملة علی الاحكام التكليفية ومنتزعة عنها فجعلها مغن عن جعل الاحكام التكليفية فيكون لغواً .
ومما ذكرنا من المقدمات يتبين الجواب عن هذه الوجوه الاربعة . أما الأول فلان المدعی ليس كون الاحكام الوضعية بحسب وجودها الخارجي أي كل فرد من افرادها منتزعة من الحكم التكليفي المترتب عليها اذ لا شك في كونها موضوعات للتكاليف في مثل قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم: (الناس مسلطون علی اموالهم) أو (لا يجوز التصرف في مال الغير) مثلاً فان المال هو المملوك لغة وان اختلف المال والملك اصطلاحاً فالملكية مفروضة قبل انشاء الحكم وانما الكلام في تحقق الاحكام الوضعية في مرحلة تطور الفكر البشري وتكوّن الحضارات في المجتمعات البشرية والصحيح هو ما ذكرناه وقد بيّنّا في ما سبق أن الاحكام الوضعية موضوعات تمهيدية للاحكام التكليفية لتسهيل البيان من جهة قانون اختيار الاسهل.
وأما الثاني فلأن كون الاُمور الانتزاعية تابعة في الوجود لمناشئ انتزاعها بل في مرتبة وجودها أيضاً مختص بالاُمور التكوينية ولا يجوز قياس الاُمور الاعتبارية عليها . مع أن الامر هناك أيضاً مورد للاشكال فقد ذكر في الفلسفة أن شيئية الشيء بصورته لا بمادته فالجنس وان كان مقوماً للشيء إلا أنه مقوم بوجوده الابهامي فمثلاً الجسم والنامي جنسان بعيدان للانسان الا ان تقومه ليس بمرتبة خاصة منهما بل بوجودهما الابهامي فهو في هذا العالم متقوم بالجسم المادي والنمو المادي وهو في عالم آخر متقوم بالجسم المثالي والنمو المعنوي.
وهذا الكلام وان لم يكن تحقيقاً علمياً بنظرنا الا انه شاهد علی عدم صحة ما ذكر حتی في الاُمور التكوينية فيمكن في المقام ان يكون منشأ الحكم الوضعي الاحكام التكليفية المترتبة عليها بوجودها الابهامي والمراد ليس الا ان الحكم الوضعي في مرحلة تطور جعل القوانين والنظم العرفية ناشئ من الاحكام التكليفية المترتبة علی متعلق الوضع مستبطنا لها بالنحو الذي ذكرناه فهو وجود اجمالي للاحكام التكليفية المندمجة فيه ومن هنا يعلم ان الانتزاع هنا ليس بالمعنى المعروف في الفلسفة بل المراد كون الاحكام الوضعية مستبطنة للأحكام التكليفية ومشتملة عليها بنحو الاندماج.
وأما ما ذكره المحقق النائيني قدس سره من أن الاحكام التكليفية مأخوذة من الشارع وليس للعرف احكام تكليفية فهو عجيب جداً لا ينبغي أن يصدر من مثله بل ممن هو دونه.
ومن هنا يعلم وجه الجواب عن الاخيرين فان المتعاقدين يعتبران مشرّعين في جعل الاحكام الوضعية التي هي اجمال عن الاحكام التكليفية لا بوجودها التفصيلي بل بوجودها الابهامي وليس المراد من الانتزاع الا هذا فلا يتوقف تحقق الملكية علی لحاظ الاحكام بتفاصيلها كما ان ما وقع هو الذي يقصد. والحكم الوضعي المجعول الذي هو وجود اجمالي للاحكام التكليفية المندمجة فيها لا يغني عن وضع تفاصيلها.
فتحصل من مجموع ما ذكرنا أن الاحكام الوضعية قد تلاحظ بحسب وجودها الخارجي أي وجود كل فرد منها خارجاً فلا اشكال في أنها موضوعات للاحكام التكليفية فيصح القول بهذا اللحاظ انها مسبوقة بالوجود في الخارج وقد تلاحظ بحسب تكونها في نظام جعل القوانين البشرية وتطورها فلا ريب في أنها متأخرة عن الاحكام التكليفية وعلی كل تقدير فان وجودها الخارجي مسبوقاً أو ملحوقاً ليس الا وجوداً اجمالياً للاحكام التكليفية ووسيطاً تسهيلياً لبيانها ومستبطناً لها بنحو الاندماج.
وبهذا يمكن الاصلاح بين الفريقين فيقال بأن من قال بانتزاعية الاحكام الوضعية لا يقصد بها الانتزاع الفلسفي بل انما يلاحظ تكوّن هذه الظاهرة في المجتمع البشري فيراها متأخرة عن الاحكام التكليفية، أو يلاحظ أن الاحكام التكليفية أوعية لملاكات الاحكام الوضعية لما ذكرناه في المقدمات من أن الملاك والمصلحة ليس في جعل الوضعيات بأنفسها بل في متعلقات الاحكام التكليفية المندمجة فيها، أو يلاحظ لغوية جعل الاحكام الوضعية من دون التكاليف المترتبة عليها، أو يلاحظ حصول التناقض فيها إذا تبدل احكامها التكليفية الی نقائضها. ومن قال باستقلالها في الجعل لاحظ وجودها الخارجي الذي ينشئها الجاعل أو المتعاقدان فرآها موضوعات للاحكام التكليفية وسابقة عليها في الحمل علی الاعيان الخارجية فتقول : هذا نجس والنجس يجب اجتنابه مثلاً.
فان امكن هذا الاصلاح والا فنحن نأخذ من كل من الفريقين ما هو المناسب للمقدمات السابقة فنقول : بانها مستقلة في الجعل ولكنها وجود اجمالي للتكاليف ومتأخرة عنها في التكون بين المجتمعات والنظم.
++واما القسم الثاني++ وهو مثل السببية والشرطية والمانعية للتكليف فالاقوال فيها ــ على ما يقال ــ ثلاثة : القول بعدم جعلها اصلاً استقلالاً ولا تبعاً بل هي اُمور تكوينية، والقول بجعلها تبعاً، والقول بجعلها استقلالاً.
ولابد قبل بيان ما هو الصحيح من ذكر مقدمة وهي:
ان هذه الاُمور من مصطلحات الفلسفة والكلام وليس لها في لسان الشارع عين ولا أثر وانما الذي أتی بها في الشرعيات هو أن أول من تصدی لتنقيح أصول الفقه والتأليف فيه هم المتكلمون من أمثال يونس بن عبدالرحمن وابن أبي عمير وفضل بن شاذان والنوبختيون فقد كتب كل منهم رأيه في بعض المسائل الاصولية ولما وصل الدور الی الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد المرتضى قدس الله أسرارهم ألّفوا كتباً في الاُصول وهم متضلعون في الكلام ونشأ من ذلك اختلاط المصطلحات حتی إنّ السيد المرتضى هو بنفسه يشكو في أول كتابه طريقة التأليف في الاُصول وان بعض الناس يكثرون من ذكر المسائل الكلامية فيه.
والحاصل أن هذا كان سبباً في استعارة المؤلفين بعض المصطلحات الفلسفية في تفهيم مقاصدهم وبعد تطور الاصول اصبحت هذه الالفاظ المستعارة المستعملة في غير معانيها الاصلية أو بالاصح التي تطبق علی غير افرادها الحقيقية اصبحت في انظار المؤلفين معبرة عن نفس المفاهيم الفلسفية فتبعتها احكامها هناك ونشأ منه هذا الخلاف والاّ فعنوان (السبب) الذي يطلق في الاُصول والفقه ليس المراد به الا موضوعات الاحكام كالزوال بالنسبة الی وجوب الصلاة. وعنوان (الشرط) و(المانع) ليسا الاما تقيّد به التكليف او المكلف به في لسان الشارع وجوداً وعدماً. وليس شيء منها من اجزاء العلة التي هي المعنی الاصطلاحي لهذه الالفاظ وهي أمور تكوينية.
ومن هنا اختلفوا في ما هو المراد بهذه العناوين في الاُصول على ثلاثة آراء:
الاول: أن المراد بها نفس معانيها الاصلية في اصطلاح الفلسفة أي اجزاء العلة التكوينية.
الثاني: أن المراد بها نفس معنی الموضوعية والتقييد وجودا وعدما والاستعمال اما بالعناية والمجاز والاعتبار الادبي وإما أنها أصبحت اسماء لها بالوضع التعيّني.
الثالث: أنها مفاهيم اعتبارية قانونية متأصلة مستقلة في الجعل نشأت من الاعتبار الادبي نظير ما بينا سابقاً في كيفية تكون المفاهيم الاعتبارية فيصح أن يقال جعلت الدلوك سببا لوجوب الصلاة.
والمنسوب الی المحقق الخراساني هو الأول واعترض عليه من تأخر عنه وذهبوا الی القول الثاني بفرعيه وذهب بعض الاعاظم الی الاخير ونسبه في حقائق الاصول الی المشهور.
وبالامكان ان نصلح بين الفريقين الاولين فنقول: ان عبارة المحقق الخراساني تختلف في أول البحث عنها في آخره فهو وان عبرّ عنها بالاُمور التكوينية التي لا تقبل الجعل الا انه بعد الاستدراك بقوله: (نعم لا بأس باتصافه بها عناية وإطلاق السبب عليه مجازا) سلّم كونها مستعملة في هذه الموارد بالعناية والمجاز. وهو لا يقصد بكونها اموراً تكوينية انها اسباب تكوينية للحكم الانشائي بل الذي يظهر من كلامه ان مراده كون الملاك والمصلحة سببا تكوينيا للحكم الاقتضائي.
وبهذا يقع الصلح بين الفريقين فان مورد كلام من قال بانها اسماء للموضوعية والتقييد أو يطلق عليها بالعناية والمجاز هو الحكم الانشائي وهو أيضاً يسلّم ذلك ومورد كلامه من كونها اموراً تكوينية هي التي بين الملاكات والاحكام الاقتضائية .
ولكن الصلح بينهما وبين القول الاخير غير ممكن. وهو في نفسه غير صحيح فان هذه الالفاظ لم تذكر في القانون الاسلامي حتی يبحث عن كونها قد استقلت في المفهومية واصبحت مفهوماً اعتبارياً متأصلاً بل المجعول ليس الانفس الاحكام . ولو فرضنا ان جملة كهذه وردت من الشرع: (جعلت الدلوك سبباً لوجوب الصلاة) فان المفهوم القانوني المجعول إمّا ان يكون السببية وإمّا ان يكون الوجوب وجعل كليهما معاً لغو فلابد من ان يكون ذكر أحدهما من باب الاستعارة والمجاز ولا ريب ان القول بان السببية هو المستعار دون الوجوب هو المناسب للمقام .
ثم ان ما ذكره المحقق الخراساني في نفسه أيضاً غير صحيح فإن الملاكات ليست أموراً تكوينية أيضاً بل هي المصالح والمفاسد التي هي أيضاً من سنخ الامور الاعتبارية.
فالمتحصل ان الموجود بالوجود الانشائي الجعلي حقيقة هو التكاليف مترتّبة علی موضوعاتها متقيدة بقيودها الوجودية والعدمية واما نفس التقيد والموضوعية المعبر عنها ــ بالعناية ـــ بالسبب والشرط والمانع فهي موجودة بالعرض لا بالتبع بمعنی أنّ إسناد الوجود اليها مجازي بملاحظة وجود نفس التكاليف المتقيّدة بها.
ثم انه قد يلاحظ في ألسنة الروايات التعبير بالمطهّر والمنجّس الظاهر في التأثير والسببية التكوينية. ولكن الوجه في ذلك هو ان الطهارة والنجاسة الجعليتين حملتا علی القذارة والنظافة العرفيتين فعبّر عنهما بنفس التعبير الذي يعبر عنهما والعرف يعبر عن سراية القذارة والنظافة بالتأثير.
++وأما القسم الثالث++ اي ما هو من قبيل الجزئية والشرطية والمانعية فتحقيق القول فيه أنّ الاجزاء والشرائط والموانع علی قسمين :
القسم الأول: ما يكون تأثيره في تحقق المركب دائمي وغير مختص بحال دون حال.
القسم الثاني: ما يكون تاثيره فيه مختصاً بحال دون حال.
اما القسم الاول فجعلها لا يكون إلا بالامر بنفس المركب وبعد تعلقه به يكتسب المركب من الامر وحدة اعتبارية بين اجزائها ويكتسب الامر من تعلقه بالمركب كثرة اعتبارية يعبّر عنها بالانحلال، وبعد تعلق الامر الضمني الانحلالي بكل جزء أوشرط تنتزع الجزئية والشرطية منه. فالجزئية والشرطية والمانعية امور انتزاعية والامور الانتزاعية وجودها وجود بالعرض أي بالمجاز وذلك لان وجودها ليس الا وجود منشأ انتزاعها فوجود الامر الانتزاعي ووجود منشأه واحد حقيقةً وليس وجودها بالتبع فان الوجود التبعي انما يصدق في مثل وجوب المقدمة بوجوب ذيها والوجود هناك متعدد الا انه يوجد بتبع وجود آخر.
وهذا الذي ذكرناه من كون الجزئية والشرطية منتزعين من الامر الضمني المتعلق بالجزء أو الشرط لا يختلف الحال فيه بين الاُمور التكوينية والامور الاعتبارية فالانسان مثلاً تتحقق اجزاؤه تكويناً وتتحقق الجزئية بالانتزاع. والاُمور الاعتبارية وان لم تكن خاضعة للقوانين التكوينية مطلقاً الاّ أن بعض القوانين مشترك بينهما. والسرّ في ذلك أنّ الامور الاعتبارية أيضاً من شؤون التكوين فالفرق بينهما انما هو في أصل التحقق فالامر التكويني متحقق واقعاً من دون الحاجة في تحققه الی اعتبار معتبر بخلاف الامور الاعتبارية ولكن بعد تحققه وتحقق أجزائه خارجاً بالاعتبار تتحقق الامور الانتزاعية بتحقق الاجزاء تكويناً كعدد الاجزاء مثلاً فاذا تعلق الامر بمركب ذي عشرة اجزاء فانتزاع العدد الخاص امر تكويني خاضع لقوانين التكوين وكذلك انتزاع عنوان الجزئية.
وأما القسم الثاني فجعلها يتوقف علی متمم الجعل كما ذكرناه مفصلاً في شرح قاعدة (لا تنقض سنة فريضة). وبيان ذلك اجمالاً: ان الأمر يتعلق أولاً بالاجزاء والشروط من القسم الاول وهي المعبّر عنها بالاركان وهذا الامر مطلق لا يختص بحال. ثم يتعلق أمر آخر بالاجزاء والشروط من القسم الثاني مقيداً باتيان القسم الأول مع الالتفات الی هذه الاجزاء والشرائط أو غير الالتفات من القيود كعدم الاضطرار مثلاً. والی هنا لا تتحقق الجزئية والشرطية وانما يكون واجباً في واجب ثم يرتّب الحكم الجزائي كوجوب الاعادة والقضاء أو العقوبة الخاصة الدنيوية أو الاخروية علی ترك المجموع من القسمين الاول مطلقاً والثاني في الصورة المقيدة به وهذا الترك يتحقق بترك كل منها فيتحقق الارتباط في هذه المرتبة وتنتزع الجزئية والشرطية. وفي هذه المرتبة يمكن تقييد الجزء أو الشرط بالعلم إذ لا يمكن ذلك في الأمر الثاني الذي هو متمم الجعل لعدم امكان أخذ العلم بالحكم في موضوعه.
فتحصل ان الجزئية والشرطية والمانعية امور انتزاعية يختلف منشأ انتزاعها باختلاف القسمين.
وبالمناسبة لا بد من التنبيه علی أمور:
الأمر الأول: ذكر بعض الاعاظم أنّ جعل الجزئية والشرطية والمانعية بالاستقلال أمر ممكن فيصح ان يقول الشارع جعلت هذا جزءاً مثلاً واستشهد لذلك بمثل (لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه) و (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) ونظائرهما. وذكر أنّ الالتزام باختلاف المأمور به إذا جعل شيء آخر جزءاً له يستلزم أمرين لا يمكن الالتزام بهما، الاول : عدم وجوب الاطاعة حينئذ علی العبد بدعوی عدم امكان جعل الشيء جزءاً . الثاني كون هذه الاوامر ناسخة للاوامر المتعلقة بالاجزاء السابقة.
ونقول: لا اشكال في امكان التلفظ بمثل هذه الجملة جعلت هذا جزءاً ولا اشكال في وجوب اطاعة العبد. وانما الكلام في أن هذا التعبير هل هو اعتبار أدبي أو اعتبار قانوني وقد مرّ بيان الفرق بينهما؟
الشواهد تدل علی انه اعتبار أدبي وان الامر الواقعي غير ما هو ظاهر هذه العبارة وانه في الواقع قد رفع اليد عن المركب السابق وأمر بمركب آخر قوامه تلك الاجزاء منضمة الی هذا الجزء وذلك لعدم تعقل بقاء المركب الاول الذي لا يدخل هذا الجزء في قوامه بعد جعل هذا جزءاً وقد عرفت عدم الفرق في هذا القانون بين الامور الاعتبارية والاُمور التكوينية فكما يختلف المركب التكويني باختلاف جزء منه كذلك المركب الاعتباري واما صحة هذا التعبير فانما هو لاعتبار أدبي ولا كلام لنا فيه.
وبهذا البيان ظهر الجواب عن الاشكال الاول وأن وجوب الاطاعة انما هو للعلم بتبدل المركب الواجب اتيانه.
واما الاشكال الثاني فيدفعه وجهان:
الوجه الاول: ان ما استشهد به انما هو من القسم الثاني من الاجزاء والشرائط التي قد عرفت ان جعلها انما هو بمتمم الجعل فلا يكون ناسخاً مضافاً الی ان متمم الجعل لا يكون الا في السنة وهي ما سنّه الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم والجعل الاول فريضة من الله تعالی ولا يمكن ان ينسخ الرسول ما فرضه الله.
الوجه الثاني: ان النسخ تعبير أدبي عن انتهاء امد الحكم. وصحة التعبير تابع لنظر العرف. والعرف لا يستحسن القول بالنسخ في مثل المقام نظراً إلی وحدة الحكم والمتعلق بنظر العرف.
الأمر الثاني : أنّه ان قلنا في الصلاة ونظائرها من الماهيات المجعولة الاعتبارية أنّها مأخوذة في الأمر بنحو المرآتية والمعرفية لمصاديقها فالأمر فيها واضح إذ الامر لم يتعلق حقيقة إلا بالمرئي والمعرّف وهو ذو أجزاء فان كان الجزء من القسم الاول فالجزئية فيه منتزعة من الامر بالمجموع وان كان من القسم الثاني فالجزئية فيه منتزعة من متمم الجعل بالنحو المذكور.
وان قلنا بأنّها بنفسها مأخوذة في الأمر وأنّ المصاديق محققة لتلك الماهية الاعتبارية فلا يكون المأمور به ذو اجزاء ويتوقف انطباقها علی الخارج علی متمم الجعل التطبيقي لان اعتبار الماهيات الاعتبارية يحتاج إلی مرحلة من التطور ثم بعد تكونها يحتاج في انطباقها الی متمم الجعل فمثلا اعتبار الدينار يتحقق بالتطور في الاعتبار الادبي كما مر ولكن انطباقه علی النقد الخارجي يتوقف علی جعل آخر من قبل من بيده الاعتبار. وحينئذ لا تجري البراءة عند الشك إذ يكون من قبيل الشك في المحصِّل. ولكن الظاهر هو الاول كما اثبتناه بالشواهد في بحث الصحيح والاعم.
الامر الثالث: ان الطهارة والنجاسة امران تشريعيان لا تكوينيان كما قال الشيخ قدس سره لوضوح انهما لو كانتا تكوينيتين لكانتا في جميع الشرايع بنحو واحد من حيث أصل النجاسة والطهارة وسراية النجاسة ومطهرية المطهرات وكيفية التطهير وعاصمية الماء الی غير ذلك ولم يمكن النسخ في احكامهما اذ النسخ لا يتعلق بالامور التكوينية. فالحق انهما امران اعتباريان خاضعان للجعل القانوني. وقد ذكرنا فيما سبق كيفية جعل الماهيات الاعتبارية وتطورها من الاعتبارات الادبية. ففي ما نحن فيه مثلاً تستعمل القذارة والنجاسة فيما تترتب عليه أحكام القذارة العرفية بالعناية والاعتبار الادبي ثم بالتكرر وكثرة الاستعمال تتكون ماهية اعتبارية قانونية باسم القذارة والنجاسة.
واما الطهارة الظاهرية فهي عندنا اعتبار أدبي بل ليس لنا حكم ظاهري اصلاً ففي موارد توهم الطهارة الظاهرية بنحو الجعل القانوني نلتزم بأنه حكم تنزيلي واعتبار أدبي والمراد تنزيل ما ليس طاهراً بمنزلة الطاهر بملاحظة ترتب احكامه وهذا اعتبار ادبي كما لا يخفى.
فالمتحصل من مجموع ما ذكرنا ان ما عدّه القوم من الاحكام الوضعية علی اقسام:
القسم الأول : ما له اعتبار قانوني متأصل كالزوجية والملكية وان كان منتزعاً من الاحكام التكليفية وهذا الانتزاع لا ينافي الاستقلال في الجعل والموضوعية للحكم التكليفي بل ذكرنا انها موضوعات تمهيدية للاحكام التكليفية وذلك لان المراد بالانتزاع هو استبطانها للاحكام التكليفية واندماجها فيها بلا فرق في ذلك بين الشريعة الاسلامية وساير الشرايع إذ ليس الكلام هنا حول اسباب تحقق الاحكام الوضعية وانما الكلام في مفرداتها القانونية وهذا القسم هو الذي يعتبر عندنا من الاحكام الوضعية.
القسم الثاني : ما له اعتبار ادبي محض كاطلاق السببية والشرطية علی موضوعات الأحكام سواء كانت تكليفية أم وضعية فان اطلاق هذه الالفاظ ليس لاعتبار قانوني بل بلحاظ مشابهتها للاسباب والشرائط التكوينية فلا يصح اعتبارها من الحكم الوضعي ومن هذا القسم الحلية الظاهرية والاباحة التي اعتبرت من الأحكام التكليفية فهما عندنا من الاعتبارات الأدبية.
ومن هذا القسم أيضاً الجزئية التي تنتزع بعد وجوب الجزء بمتمم الجعل من مرتبة الحكم الجزائي إذ ليس هذا جزءاً من المأمور به حقيقة وانما يطلق عليه الجزء بملاحظة ترتب الحكم الجزائي علی الاخلال به كترتبه علی الاخلال بالجزء الحقيقي.
القسم الثالث ما ينتزع من الأمر الاعتباري بما أنه أمر تكويني كالجزئية والشرطية التي تنتزع من المأمور به بالأمر الوحداني فقد ذكرنا أن الوجوب مثلاً إذا تعلق بالصلاة التي هي ذات اجزاء فالوجوب أمر اعتباري والاجزاء وإن كانت اجزاءا لأمر اعتباري إلا ان اعتباريته لا تنافي كونه أمرا تكوينيا فالجزئية وعددها من الامور التكوينية التي لا تخضع للجعل والاعتبار بنفسها وانما الجعل والاعتبار لمنشأ انتزاعها وقد عرفت ان الاُمور الانتزاعية وجودها ليس الا وجود مناشئ انتزاعها.
انما الكلام في أن الاُصول العملية والاستصحاب خصوصاً تجري في أيّ قسم من هذه الأقسام وفي أي منها لا تجري ؟
أما القسم الأول فلا اشكال في جريان الاستصحاب فيها باعتبار كونها موضوعات للاحكام التكليفية .
وأما القسم الثاني فليس اعتبارها الا طريقة أدبية للتفهيم فلا تكون من الاُمور الواقعية ولا تقع مجرى للاستصحاب قطعاً .
وأما القسم الثالث فهي أيضاً ليست من الاُمور القانونية ولا من شؤونها بل هي منتزعة من الاُمور الاعتبارية بما أنها أمر تكويني فلا تكون مجرى للاستصحاب بل ولا البراءة . فما ذكره المحقق الخراساني في مبحث الشك في الأقل والأكثر من عدم جريان البراءة بالنسبة الی الامر الضمني الا أن الجزئية ترتفع بحديث الرفع غير صحيح .
وأما الاحكام التكليفية فالاستصحاب جار فيها كما مر إلا انه ليس في الحكم المتعلق بالفعل الخارجي بل المتعلق بالذمة فاستصحاب وجوب الجلوس إلی ما بعد الزوال ليس المراد به الوجوب المتعلق بالجلوس الخارجي إذ هو مسقط للوجوب واسناد الحكم اليه من قبيل المجاز في الاسناد بل متعلق الحكم حقيقة هو ذمة المكلف .
[^0]: محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت له: رجل لا يدري واحدة صلى أم ثنتين؟ قال: يعيد، قال: قلت له: رجل لم يدر أثنتين صلى أم ثلاثا؟ فقال: إن دخله الشك بعد دخوله في الثالثة مضى في الثالثة ثم صلى الاخرى ولا شيء عليه ويسلم. قلت: فإنه لم يدر في ثنتين هو أم في أربع؟ قال: يسلم ويقوم فيصلي ركعتين ثم يسلم ولا شيء عليه.
[^1]: فرائد الاصول ج2 ص541
[^2]: كفاية الاصول ص384
[^3]: اقول ومن هذا الباب ما ورد في نهج البلاغة (وَ قِيلَ لَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَبْتَ الْأَقْرَانَ؟ فَقَالَ عليه السلام: مَا لَقِيتُ رَجُلًا إِلَّا أَعَانَنِي عَلَى نَفْسِه قال الرضي: يومئ بذلك إلى تمكّن هيبته في القلوب)
[^4]: كفاية الاصول ص387
[^5]: المصدر ص 389
[^6]: سيأتي ان شاء الله تفصيل الفرق بين سيرة المتشرعة وبناء العقلاء في مبحث اصالة الصحة
[^7]: مصباح الاصول ص233
[^8]: الوسائل باب1 من نواقض الوضوء ح1
[^9]: الوسائل باب 41 من النجاسات ح1 انظر الى التعليقة
[^10]: الوسائل باب 42 من ابواب النجاسات ح5
[^11]: صدرها في الوسائل باب 11 من الخلل في الصلاة ح3 وذيلها في باب 10 ح3
[^12]: معاني الاخبار ص2
[^13]: لعل المراد ما رواه في الكافي ج3 ص350 وهو كما يلي:
[^14]: الكافي ج4 ص83
[^15]: الوسائل باب 8 من ابواب الخلل في الصلاة
[^16]: الوسائل باب 1 من ابواب نواقض الوضوء ح6
[^17]: الوسائل باب 3 من ابواب احكام شهر رمضان ح13
[^18]: الوسائل باب 3 من ابواب احكام شهر رمضان ح2 و11 و16
[^19]: الوسائل باب 74 من ابواب النجاسات ح1
[^20]: نفس الباب ح2
[^21]: ذيل الحديث السابق
[^22]: لعل المراد ح8 من الباب 44 من كتاب الوصايا وح5 من الباب2 من كتاب الحجر في الوسائل
[^23]: الوسائل باب 37 من ابواب النجاسات ح4 راجع باب 53 ح1 فالسند مذكور هناك
[^24]: التهذيب ج1 ص285 ح832
[^25]: التهذيب ج1 ص242 ح699 / الاستبصار ج1 ص39 ح104
[^26]: أقول : ومضافاً الى ان صاحب الوسائل ينقل سائر قطع الحديث عن التهذيب أيضاً بدون هذا الاسم.
[^27]: الوسائل باب1 من ابواب الماء المطلق ح5
[^28]: الوسائل باب 4 من ابواب ما يكتسب به ح1
[^29]: الفرقان: 48
[^30]: كفاية الاصول ص400
القسم الثاني
بسم الله الرحمن الرحیم
**(الكلام في تنبيهات الاستصحاب)**
وينبغي تقديم التنبيه المتعلق بالاصل المثبت علی سائر التنبيهات خلافاً لدأب الاصحاب لان هذا التنبيه يرتبط ارتباطا وثيقا بما ذكرناه آنفا في بيان حقيقة الاعتبارات الأدبية والاعتبارات القانونية والفرق بينهما فينبغي تقديم ذكره لئلا يقع الفصل الطويل بين المبحثين فيحتاج إلی تكرار ما ذكرناه هنا مضافا الى ان كثيرا من مطالب سائر التنبيهات تتوقف علی هذا التنبيه فينبغي تقديمه.
**عدم حجية الاصل المثبت:**
التنبيه الأول: ان دليل الاستصحاب كما يقتضي ترتيب آثار المستصحب هل يقتضي ترتيب آثار لوازمه التكوينية أم لا ؟
المتسالم عليه بين المتأخرين أن الاستصحاب لا يترتب عليه الا الآثار الشرعية للمستصحب نفسه دون آثار لوازمه التكوينية، وهذا هو ما يعرف بعدم حجية الاصل المثبت. ولكن العلامة الشيخ مهدي الاصفهاني قدس سره [^1] ذهب الی حجية الاستصحاب في اللوازم ايضا وهو المنسوب الی المتقدمين من الاصحاب قدس الله اسرارهم.
والكلام يقع في مقامين: الأول موارد جلاء الواسطة بين المستصحب والأمر التكويني اللازم له. الثاني موارد خفاء الواسطة.
**موارد جلاء الواسطة:**
أما المقام الأول فيمكن الاستدلال علی حجية الاستصحاب فيها بوجوه :
الوجه الأول: أن الاستصحاب ليس اعتباراً قانونياً ولا أمراً تكوينياً بل هو اعتبار ادبي وان كان مجراه هو الامور القانونية. وذلك لأنه بناءاً علی ما ذكرناه عبارة عن التوسعة في الكاشف من حيث كشفه فيعتبر اليقين بالحدوث كاشفاً عن البقاء، وبناءاً علی ما ذكره الشيخ من أنه إبقاء ما كان علی ما كان أي ابقاء المتيقن ــ بناءاً علی ان المراد باليقين في الروايات المتيقن ــ فالمراد هو الحكم ببقاء المتيقن تنزيلاً واعتباراً، فالكلام في ان اعتبار الكشف من جهة البقاء او اعتبار ابقاء ما كان هل يلازم اعتبار كشف اللازم التكويني من جهة البقاء أو الحكم بوجوده من حيث البقاء أم لا ؟
بناءً عليه يمكن أن يقال في حجية الأصل المثبت أنّ الارتباطات التكوينية بين الاشياء من التلازم والتعاند والاندراج كما تنعكس وتؤثر في الادراكات الحقيقية ــ ومن هنا يحصل العلم من وجود شيء بوجود شيء آخر أو بعدمه ــ كذلك تؤثر في الاعتبارات الادبية والقانونية بمعنی أن التلازم التكويني في الخارج يستلزم التلازم في وعاء الاعتبار ايضا فلا يمكن اعتبار الملزوم دون اعتبار اللازم كما لا يمكن انفكاكهما خارجاً.
ومن هنا نجد أن العرف يستنكر اذا حكم بالملزوم دون اللازم فاذا توضأ بما توهم كونه ماءً ثم شك في كونه بولاً او ماءً فتستصحب طهارة البدن وبقاء الحدث وهذا مستبعد عند العرف اذ لازم بقاء الحدث كونه بولاً ولازم طهارة البدن كونه ماءً. والسرّ في هذا الاستبعاد هو ان العرف يری أن التلازم في الاُمور التكوينية أو القانونية يجب أن ينعكس في الاعتبارات الادبية. ومما يشهد له ان التعبير عن الرجل الشجاع بالاسد يلازم التعبير عن ولده بالشبل وعن مكانه بالعرين وعن صوته بالزئير وهكذا.
ويلاحظ على هذا البيان ان الاعتبارات الادبية انما هي للتأثير في المشاعر ولكنها تتحدد بموجب المصلحة المقتضية للتعبير بها فقد تقتضي المصلحة اعتبار الملزوم دون اعتبار اللازم فمثلاً اعتبار ازواج الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم امهات المؤمنين انما هو لمصلحة سياسية وهي التأثير في المشاعر بتحريم اتخاذهن ازواجاً لئلاّ تكون وسيلة لادعاء الخلافة وموجباً لانشعاب الامة وهذه المصلحة لا تقتضي اعتبار اخوانهن اخوالاً للمؤمنين حتی يترتب عليها حرمة زواجهم بالمؤمنات. ومن هنا نری ان التعبیر بالاسد عن الرجل الشجاع أيضاً لا يقتضي اعتبار جميع صفاته من السبعية والافتراس والذنب والقوائم الاربع له.
إذن فاعتبار الملزوم لا يلازم اعتبار اللازم ، بل لابد في ترابط الاعتبارين من جعل الاعتبار الآخر وربط كل منهما بالآخر والا فاعتبار احدهما لا يقتضي اعتبار الآخر بذاته. وهذا لا ينافي ما ذكرناه من كون بعض الاعتبارات مقوماً لبعض آخر كالاحكام التكليفية بالنسبة الی الاحكام الوضعية فان ذلك انما هو بوجوده الابهامي ولذلك لو اراد الشارع اعتباره بوجوده التفصيلي لابد من اعتبار تلك الاحكام اعتباراً مستقلاً فاعتبار الزوجية مثلاً لا يقتضي اعتبار وجوب الانفاق بل لابد من جعله مستقلاً.
ثم ان الاستصحاب بناءً علی استناده الی بناء العقلاء حكم قانوني عقلائي ببقاء ما كان وليس كشفاً عقلائياً حتی يتبعه آثار المنكشف. وأما بناءً علی استناده الی الاخبار فان قلنا بان مفادها امضاء بناء العقلاء رجع الى الفرض الاول وان قلنا بانه تأسيس حكم جديد فهو اعتبار أدبي مرجعه الی إبقاء الكاشف من حيث كشفه بناءً علی مسلكنا. وبناءً علی مسلك الشيخ من انه ابقاء ما كان فهو أيضاً حكم شرعي لا كشف عن الواقع. وعليه فلا يترتب علی المستصحب آثار لوازمه التكوينية.
وأما استهجان العرف المتسامح التفكيك بين الحكم بالطهارة والوضوء في المثال المذكور فمنشأه غفلتهم عن أن مستند هذا التفكيك هو الاستصحاب وانه نوع من التنزيل فيتوهمون انه حكم شرعي اصلي فيستنكرونه.
الوجه الثاني : ان الاستصحاب حجة عندنا باعتبار كونه موجباً للاطمئنان عند العقلاء ولا يمكن التفكيك بين اللازم والملزوم في القطع والظن والشك والاطمينان فان ذلك مقتضى كونه لازماً له فإذا حصل القطع بالملزوم حصل القطع باللازم لا محالة وهكذا الظن والشك والاطمينان والمفروض ان البحث في ثبوت آثار اللازم لا الملزوم إذ قد يكون اللازم اعم فما وقع في بعض العبارات من التعبير باللازم والملزوم والملازمات في المقام غير صحيح .
والجواب عنه: انا ذكرنا في حجية الاستصحاب من باب بناء العقلاء أن الاطمينان على قسمين: الاطمينان الادراكي والاطمينان الاحساسي، والأول هو قوة الاحتمال في الشيء بحيث يكون الاحتمال المخالف ضعيفاً جداً فيحصل الاطمينان الادراكي بالشيء وهذا من نوع الظن والقطع والشك، وفي ذلك يصح القول المذكور. وأما الاطمينان الاحساسي فهو سكون النفس الی الشيء بتأثير التلقين والاعلام والحالات النفسية الخاصة. وبين الاطمينانين من حيث الموارد عموم من وجه فقد يحصل الأول دون الثاني كما في استيحاش الانسان من جنازة الميت وان كان من أقرب احبائه فان احتمال حصول الضرر منه احتمالا ادراكيا غير موجود اصلاً للقطع بعدمه ومع ذلك لا يحصل له السكون النفسي، وقد يحصل الثاني دون الأول كما في موارد السكون النفسي الحاصل بالتلقين في تأثير دواء مثلاً في صحته مع أنه بملاحظة تجمع الاحتمالات لا يحصل له اطمينان ادراكي، وقد يجتمعان كما هو الغالب.
ونحن لا نقول في الاستصحاب بحصول الاطمينان الادراكي بل حتی الظن بل نقول بحصول الاطمينان النفسي وهو أحد ركني بناء العقلاء كما مرّ. وفي الاطمينان النفسي يحصل التفكيك بين الملزوم واللازم نظراً الی ان حصوله متوقف علی تأثر النفس بالاعلام والتلقين ونحوهما وفي ذلك لا تلازم بين تأثرها بالملزوم وتأثرها باللازم.
الوجه الثالث: ما ذكره الأصحاب وهو ان مفاد دليل الاستصحاب رتّب الأثر، وأثر الأثر أثر فيجب ترتيبه أخذاً باطلاق الدليل.
وقد اجيب عنه بوجوه:
الأول: ما ذكره السيد الخوئي أيده الله ــ على ما في مباني الاستنباط ــ وهو أن قانون أثر الأثر أثر انما يصح فيما إذا كانت الآثار الطولية كلها من قبيل وسنخ واحد كما اذا كانت كلها آثار تكوينية أو شرعية وأما إذا كان أحدها تكوينياً والآخر شرعياً فلا يترتب الاثر الشرعي وكذلك العكس. وسيتبين الحال في تقييم هذا الجواب قريبا ان شاء الله تعالى.
الثاني : ما نقل عن العلامة الحايري قدس سره من القول بانصراف الروايات عن هذا المورد، وهذا الجواب أيضاً غير دافع للاشكال كما لا يخفى.
الثالث : ما أجاب به المحقق الخراساني قدس سره من أن المتيقن في مقام التخاطب هو ترتيب الآثار بلا واسطة فلا ينعقد اطلاق للاخبار بالنسبة الی الآثار مع الواسطة.
والجواب: انا لا نلتزم بأن القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من التمسك بالاطلاق كما ذكرناه في محله.
والتحقيق في الجواب: أنّه ليس لنا مفاد في الأخبار يتضمن هذا المعنی (رتّب الأثر) وانما الوارد هو (لا تنقض اليقين بالشك) وهذا لا يدل الا علی اعتبار المتيقن بحدوثه متيقناً بقاؤه بنحو الاعتبار الادبي فبدلالة الاقتضاء يدل علی وجوب ترتيب آثار البقاء في الجملة وأما أن يكون فيه إطلاق بالنسبة إلی الأثر حتی يشمل أثر الأثر فلا شاهد له.
مضافاً إلی أن التعبير بالأثر الشرعي كما ورد في الاستدلال مجرد تعبير أدبي اذ النسبة بين موضوعات الاحكام الشرعية والاحكام نفسها ليست كالنسبة بين المؤثر والأثر وانما الأثر حقيقة هو الأثر التكويني فحسب. فلو فرض ورود التعبير في الادلة الشرعية بهذا النحو أي (رتب الأثر) كان المراد به ان المستصحب ان كان حكماً شرعياً فيترتّب عليه الحكم الجزائي أو حكم العقل بوجوب الاطاعة وان كان موضوعاً يترتب عليه ما يرتبط به من الاحكام القانونية فيكون المراد بالأثر هذا المعنی بالعناية إذ ليس فيها معنی الأثر والتأثر حقيقة. وحينئذ فلا ربط له بالأثر الحقيقي التكويني الوسيط.
والحاصل ان مستند الاستصحاب لو كان بناء العقلاء فهو حكمهم ببقاء المتيقن باعتبار حكم العقل بالاطاعة أو باعتبار ترتب الاحكام القانونية المرتبطة به، وليس لهذا الحكم جهة كشف عن الواقع حتی يترتب عليه الكشف عن اللوازم. وان كان مستنده الاخبار بنحو التعبد لا بنحو الارشاد فغاية ما تدل عليه اعتبار المستصحِب ــ بكسر الحاء ــ متيقنا بوجود الحكم فلابدّ من ان يضاف إليه ان موضوع التنجز اعم من العلم الحقيقي والعلم التعبدي فهو توسعة للكشف. وحينئذ فيشكل ترتيب الآثار الشرعية المترتبة علی الأثر الشرعي للمستصحَب فضلاً عن الأثر التكويني كما يشكل حكومة الاصل السببي علی المسببي كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى.
وهنا لا بدّ من البحث عن أمرين: الأول في الفرق بين الامارات والاصول في ترتيب الآثار التكوينية والثاني في تعارض الاصل السببي والمسببي.
**الفرق بين الامارات والاصول**
اما في الامر الاول فقد يقال بانه لا وجه للفرق بين الامارات والاصول وحيث لا اشكال ولا خلاف في ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على الآثار التكوينية في مورد قيام الامارة فكذلك الاستصحاب.
وقد يجاب عنه بوجوه:
الوجه الأول: ما ذكره بعض الاعاظم من أن الامارات الشرعية كلها امارات عقلائية وليس فيها ما اسسه الشارع وحيث ان الامارات تكشف عن الواقع فتـتبعه لوازمه ووجهه ان الوثوق بالشيء وثوق بلوازمه.
ويدفعه ان الالتزام باختصاص حجية الامارات بمورد حصول الوثوق الشخصي مشكل ولا يلتزم به القائل نفسه.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره وهو ان حجية الامارات من باب تتميم الكشف بمعنی ان الامارات لها كشف ناقص عن الواقع فيعتبره الشارع كاشفاً تاماً فيكون علماً تعبدياً ولا يمكن انفكاك اللازم عن الملزوم في العلم. وأما الاُصول ومنها الاستصحاب فالجعل الشرعي فيها ليس الا ايجاب الجري العملي بمقتضاها وهذا لا يستلزم ايجاب الجري العملي للوازمه.
ويمكن المناقشة فيه أولاً بأن جعل الحجية للامارات لو فرض كونها بملاحظة اعتبارها علماً فليس ذلك اعتباراً قانونياً بل هو اعتبار أدبي مرجعه الی التوسعة والتضييق في موضوع الحكم الجزائي فكما يترتب العقاب علی مخالفة التكليف المعلوم كذلك يترتب علی التكليف الواصل باحدی الامارات وكما يكون العلم بعدم التكليف عذراً كذلك مع قيام الامارة علی عدمه. فمرجع جعل الحجية للامارات الی جعل المنجزية والمعذرية لها.
وثانياً أنّ اعتبار العلم بالملزوم لا يستلزم اعتبار العلم باللازم كما ذكرناه في أول التنبيه وذكرنا ان الارتباط بين الملزوم واللازم في موارد إدراك الواقع لا يستلزم الارتباط بينهما في ما يكون اثباتا بالاعتبار وقد مر تفصيل الكلام فيه.
وأما أن حجية الاستصحاب عبارة عن إيجاب الجري العملي علی طبقه فقد مرّ الكلام فيه مراراً وذكرنا ان اعتبار الاستصحاب شرعاً ليس إلا توسعة للكاشف من حيث كشفه فيعتبر اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء بمقتضى ظاهر الاخبار إمّا تأسيساً وإمّا امضاءاً لاعتبار العقلاء كما ذكرناه سابقاً، غاية ما يمكن أن يقال ان هذا الاعتبار ثابت أيضاً بلحاظ ترتيب الآثار. ولكن اعتبار الامارات أيضاً كذلك فلا فرق بينهما من هذه الجهة.
وقد اعترض عليه عدة مناقشات لا حاجة الی ذكرها.
الوجه الثالث: ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره وهو أن الامارات مشتملة علی الحكاية فهي كما تحكي عن مؤداها بالدلالة المطابقية كذلك تحكي عن لوازمه بالدلالة الالتزامية بخلاف الاستصحاب إذ لا حكاية فيه.
وفيه ان حجية الامارات ليست من جهة الحكاية ولو كان كذلك لاختص حجية مثبتاتها باللوازم البينة إذ هي التي تدل عليها اللفظ بالدلالة الالتزامية وأما اللوازم غير البينة فهي من الملازمات العقلية للكلام لا من المداليل اللفظية لتوسط الكبری العقلية في اثباتها. ولكن مثبتات الامارات حجة حتی في اللوازم غير البينة التي لا تدل عليها اللفظ ولذلك يؤخذ المقر بلوازم اقراره وان انكر ملازمته او جهلها ويؤخذ بلوازم البينة العادلة وان أنكر الشاهدان الملازمة كما إذا شهدا باصابة يد كافر يجهلان كفره أو لا يعتقدان نجاسة الكافر فان من يقول بنجاسته يحكم بنجاسة الملاقي كما لا يخفى.
الوجه الرابع: ما ذكره السيد الخوئي «أيده الله» كما في مباني الاستنباط وهو أن أدلة حجية الامارات قاصرة عن اثبات الحجية لها في لوازمها إلا ان ذلك يثبت ببناء العقلاء علی حجية ظواهر الالفاظ فانها حجة عندهم في اثبات مطلق اللوازم فاذا قامت أمارة علی شيء نتمسك في اثبات لوازمه بظاهر اللفظ الحاكي عن المؤدی.
والجواب عنه ان حجية الظواهر لا تجدي لولا انضمام حجية نفس الامارة ولذا لا يمكن التمسك بظاهر اخبار غير الثقة حتی في مدلوله المطابقي فاذا كان دليل حجية الامارة قاصرة عن شمول اللوازم فلا أثر لحجية الظواهر فلابدّ من ملاحظة دليل حجية الامارة والأخذ به من حيث الشمول للوازمها وعدمه.
وتحقيق المقام يقتضي البحث عن كل ما عدّ أمارة علی حدة وملاحظة كيفية اعتبارها وأنّ بعضها ليست حجة في لوازمها كما سيأتي ومنها الاستصحاب فانه أمارة عندنا أيضاً لما ذكرناه من ان حقيقته هو الرؤية عند العقلاء.
بيان ذلك أن الامارات المعتبرة عند العقلاء في مقاصدهم الشخصية والاجتماعية علی اقسام:
القسم الأول: الاطمينان الشخصي الناشئ من المناشئ العقلائية لا من مثل قراءة الكف والرمل والاحلام بل من تجميع الاحتمالات مثلاً في محور واحد. وفي هذا القسم لابد من الأخذ بلوازمه لعدم امكان الانفكاك بين الملزوم واللازم في الصفات النفسية الادراكية.
القسم الثاني: الاحتمال الذي لم يصل الی حد الاطمينان ولكنه في مورد وجوب الاحتياط وقد ذكرنا في محله ان الاحتمال كاشف عن الواقع إلا انه كاشف ناقص. وليس العلم الا تجميع الاحتمالات في المحور الواحد بنحو تام اي مع عدم احتمال الخلاف. والطريقة العقلائية في هذه الموارد هي المقايسة بين قوة الاحتمال واهمية المحتمل.. فاذا كان المحتمل مهمّاً والاحتمال غير موهوم يأخذون به. وفي هذا القسم يمكن الانفكاك بين الملزوم واللازم لامكان الاهمية في الملزوم دون اللازم مع تساويهما في الاحتمال ضرورة عدم امكان الانفكاك في الصفات الادراكية كما قلنا. والاحتياط الشرعي ــ لو فرض جعله ــ ليس في واقع الامر الا ابراز اهمية المحتمل كما أن البراءة الشرعية ليست في الواقع الا ابرازا لعدم اهمية المحتمل.
القسم الثالث : ما يعتبر عند العقلاء كاشفا من جهة تأثر النفس بمؤثرات خاصة كالاعلام والتلقين وليس كاشفا ادراكيا ومن هذا القسم الاستصحاب على ما ذكرنا. ومثله قاعدة اليد فان دلالة اليد على الملكية لدى العقلاء من جهة انهم يرون السلطة الخارجية رمزاً للسلطة الاعتبارية وكثيراً ما يكتفي العقلاء في تصديقاتهم بمحض التصور. وسيأتي تفصيله في محله.
وفي هذا القسم لا تعتبر اللوازم لما ذكرناه من عدم الملازمة بين الملزوم واللازم في هذا النوع من الكشف فلو فرضنا ان داراً بيد رجل ونحن نعلم انه مهر لزوجته وانه لو كان ملكاً له فانما يكون بالخلع فالحكم بالملكية من جهة اليد لا يقتضي الحكم بوقوع الخلع فلا تتبعه لوازم الطلاق كما ان الحكم بملكية الكافر للّحم الذي بيده لا يستوجب كونه مذكی وان قلنا بعدم ملكية الميتة.
القسم الرابع: ما يعتبر حجة عند العقلاء من جهة تتميم الكشف الناقص الادراكي كما اذا قلنا بأن خبر الثقة يستلزم كشفاً ناقصاً بمعنی ايجابه الاحتمال بدرجة معتدّ بها واعتبره الشارع حجة بمعنی انه ألغی احتمال الخلاف وكذلك قول الطبيب وساير اهل الخبرة الذين يرجع اليهم العقلاء فيما يحتاج تشخيصه الی تقوية الحدس كالمقومين مثلاً.
ففي هذا القسم يعتبر هذا الكشف الناقص حجة بالنسبة الی اللازم كحجيته بالنسبة الی الملزوم عند العقلاء. ولكننا لا نقول بحجية خبر الثقة بل نقول بحجية الخبر الموثوق الصدور بموجب تجميع الاحتمالات من جهة المخبر وخصوصيات الخبر والقرائن المحتفة والوضع والزمان الذي صدر فيه. وهذا هو الصحيح عند القدماء وقد اعترف الشيخ قدس سره بعد ذكر أدلة حجية الخبر ان غاية ما تدل عليه هو هذا النوع من الخبر. وأما البينة فانا لا نقول بحجيتها الا في مورد المنازعة لعدم تمامية دليل حجيتها يقول مطلق. نعم يؤخذ بلازمها في مورد الحجية لكونها كاشفاً ناقصاً اتمه الشارع.
القسم الخامس: الامارات الرسمية التي تجعلها الحكومات وسائل لاعلام الشعب ومنها قول الموظف المختص واوامر الرؤساء بالنسبة الی الموظفين والضباط للجنود. ومن هذا القبيل ما ورد في حق عثمان بن سعيد العمري رضوان الله عليه عن ابي الحسن الهادي عليه السلام حيث سأله احمد بن اسحاق (من أعامل او عمن آخذ وقول من أقبل؟) فقال عليه السلام (العمري ثقتي فما أدی إليك عني فعني يؤدي وما قال لك عني فعني يقول فاسمع له واطع فانه الثقة المأمون)[^2] فمفاده جعله وسيلة للاعلام بقرينة اضافة الثقة الی نفسه عليه السلام والجملة الاخيرة تدل علی نصبه قائداً يجب تنفيذ أوامره أيضاً.
وبذلك يظهر الضعف في الاستدلال به لحجية خبر الثقة نظراً الی التعليل الوارد في ذيله: (فانه الثقة المأمون) مع ان هذه الجملة يدل علی الحصر بنحو المبالغة فالمراد ان الثقة التي يمكن جعله لهذا المنصب منحصر فيه. وكذلك ما استدلوا به مما ورد في يونس بن عبد الرحمن عن الامام الرضا عليه السلام حيث سأله عبد العزيز بن المهتدي (اني لا القاك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني؟) فقال عليه السلام (خذ من يونس بن عبد الرحمن)[^3] اذ ليس سؤال السائل عن الوثاقة في نقل الخبر لعدم الخلاف فيه وهو من اصحاب الاجماع بل من جهة اخذ الفتوی اذ كان هناك في ذلك العصر جماعة من الفقهاء كيونس وجميل وكان في قبالهم جماعة من الاخباريين لا يوافقون اجتهادهم في المسائل فكانوا يتهجمون عليهم ويمنعون من الاخذ بفتواهم مع انهم كانوا يعترفون بوثاقتهم فنری القميين منهم مثلا يقولون في يونس (وأما كتبه في الاخبار فصحيحة) وانما كان اشكالهم في فتاواه وعقائده وكان الامام الرضا عليه السلام يشير اليه في العلم والفتوی. فالوثاقة هنا بمعنی الوثوق بعلمه وفتواه.
وفي هذا القسم يرجع حدود حجية الامارة الی الحد القانوني المجعول لها.
القسم السادس: ظواهر الالفاظ. واعتبارها انما هو من جهة العهود والمواثيق الاجتماعية فكل فرد من المجتمع بموجب القوانين الاجتماعية ملتزم بظواهر كلامه ومأخوذ بلوازمه بموجب تعهده. فلا يعتنی بدعواه عدم الجد وعدم ارادة المعنی وغير ذلك ما لم تقم قرينة علی ارادة خلاف الظاهر.
وفي هذا القسم يؤخذ بلوازم الكلام بينة كانت أو غير بينة الا انها محدودة بحدود اعتبار العقلاء له. ولذلك ذكروا ان اصالة العموم لا تثبت التخصص في ما اذا دار الامر بينه وبين التخصيص فلا يؤخذ بعكس نقيض العام الذي هو لازمه.
**الاصل السببي والمسببي:**
الأمر الثاني: هناك إشكال علی القول بحجية الاصل المثبت نقله الشيخ عن كاشف الغطاء قدس سرهما وهو تعارض الأصل الجاري في الأثر وهو أصل عدمي مع استصحاب ذي الأثر فلا أثر لحجية الأصل المثبت.
وأجاب عنه الشيخ بأن توهم تعارض الاستصحابين لا يختص بالقول بالأصل المثبت فانه يجري في كل اصل سببي ومسببي حتی في الأثر الشرعي ودفع الاشكال مشترك بينهما وهو حكومة الأصل السببي علی المسببي فبعد إجراء اصالة عدم التذكية مثلاً لا تصل النوبة الی اجراء اصالة الحل. وهذا الوجه جار حتی في الآثار التكوينية وما يترتب عليها من الأثر الشرعي.
ونقول: أما تقدم الاصل السببي علی المسببي في الشرعيات فسيأتي تفصيله وقد اتخذ كل من المحققين مسلكاً في وجه ذلك وقد ذكرنا هناك ان الوجه فيه ليس هو الحكومة ولا سائر ما ذكروه في هذا الباب بل هو قصور أدلة الاستصحاب عن شموله فان قوله لا تنقض اليقين بالشك يقتضي عدم جواز رفع اليد عن اليقين بالاحتمال المخالف وأما مع الحجة المخالفة فلا يقتضي ذلك والمراد بالشك ليس هو الاحتمال المتساوي الطرفين بل الاحتمال المخالف المقتضي للجري العملي علی خلاف المتيقن السابق وحينئذ فنقض اليقين في مورد الشك المسببي نقض له بالحجة وهو الأصل السببي لا بالشك.
فاذا استندنا في حجية الاستصحاب الى الاخبار فهي لا اطلاق فيها يشمل الاصل المسببي. واذا استندنا الى بناء العقلاء فقد مرّ الكلام فيه في أول هذا التنبيه وبناءً عليه فاذا غسلنا الثوب المتنجس بماء ثم شككنا في بقاء طهارة الماء فاستصحاب الطهارة فيه لا يترك مجالاً لاستصحاب نجاسة الثوب فانه يحقق موضوع كبری هي (كل متنجس غسل بالماء الطاهر فهو طاهر) فرفع اليد عن اليقين بالنجاسة رفع له بالحجة لا بالاحتمال المخالف حتى يمنعه الاستصحاب وهذا بخلاف اليقين في جهة الشك السببي فان نقضه بالأصل المسببي ليس نقضاً بالحجة إذ ليس لنا كبری شرعية مفادها كل ما غسل به النجس ولم يطهر فهو نجس مثلاً حتی يدل علی نجاسة الماء نعم يدل علی ذلك باللازم العقلي وهو يتوقف علی حجية الأصل المثبت.
إذن فتقدم الأصل السببي علی المسببي في الشرعيات بناءً علی ما ذكرنا يتوقف علی عدم حجية الأصل المثبت فكيف يجعل وجهاً في تقدمه علی الأصل المعارض مع ان الكبری الشرعية الذي هو الملاك في تقدم الاصل السببي في الشرعيات مفقود في الأصل المثبت.
ثم إنه لابد من ملاحظة الوجوه الثلاث التي ذكرناها في حجية الأصل المثبت لنری انها لو لم تكن فاسدة كما ذكرنا ماذا تقتضي في المقام:
أما الوجه الأول المبتني علی التلازم بين الواقع التكويني الخارجي والاعتبار فيقتضي تأثير هذا التعارض حتی بالنسبة للملزوم فلا يكون الاستصحاب حجة في مورد اصلاً وذلك لان اعتبار الاستصحاب علی هذا الوجه كما يقتضي بجريانه في الملزوم اثبات اللازم كذلك يقتضي بجريانه في عدم اللازم اثبات عدم الملزوم فاذا سلمنا ان استصحاب حياة زيد يثبت نبات لحيته لعدم امكان اعتبار الملزوم دون اعتبار اللازم فلابد من ان نقول بأن استصحاب عدم نبات اللحية يثبت عدم حياة زيد بعد الاعتراف بصدق الملازمة، فلا بد حينئذ من علاج هذا التعارض بتقديم السببي علی المسببي بأن نقول ان اعتبار العلم في الأصل السببي يلازم اعتبار العلم في الأصل المسببي دون العكس فاعتبار العلم في الاصل المسببي غير جار اصلاً حتى يلازم اعتبار العلم في السببي فيحصل هذا التنافي ومن الواضح أن القول بهذا التقديم لا وجه له الا الاضطرار والالجاء والا لزم عدم حجية الاستصحاب مطلقاً.
وأما الوجه الثاني المبتني علی الملازمة بين الاطمينان بالملزوم والاطمينان باللازم فان كان المراد به حجية الاستصحاب من باب الظن الشخصي فلا يمكن حصول التعارض في المقام اصلاً لعدم امكان حصول الظن بحياة زيد والظن بعدم نبات لحيته مع انهما متلازمان خارجاً، وان كان المراد به حجيته من باب الظن النوعي فالتعارض حاصل موضوعاً الا انه لابد من ملاحظة الوجوه المذكورة في تقديم الاصل السببي والمسببي وامكان جريانه في المقام وعدمه.
وأما الوجه الثالث المبتني علی كون الروايات كناية عن رتب الأثر والمراد بالاثر الاثر الشرعي سواء كان أثراً شرعياً للشيء بلاواسطة أو بواسطة أثر تكويني فالاستصحاب لايثبت الاثر التكويني وانما يثبت الاثر الشرعي المترتب عليه علی سبيل الطفرة كما انه يثبت الأثر الشرعي المترتب بواسطة أثر شرعي آخر . فهذا الوجه يقتضي ثبوت التعارض في المقام ولا يجدي في رفع التناقض حكومة الاصل السببي علی المسببي اذ لا سببية فيه. فاذا قلنا بان استصحاب حياة زيد يقتضي وجوب التصدق المترتب علی نبات اللحية وان استصحاب عدم نبات اللحية يقتضي عدم وجوب التصدق فيتعارضان في هذا الحكم الشرعي وليس لازم الاستصحاب الاول نبات اللحية حتی يكون من السببي والمسببي.
ولكن هذا الوجه اضعف ما ذكر في الباب كما قلنا.
**موارد خفاء الواسطة:**
واما الواسطة الخفية فقد ذهب الشيخ والمحقق الخراساني قدس سرهما الی ترتيب الآثار حينئذ. قال الشيخ قدس سره في فرائد الاصول (ان بعض الموضوعات الخارجية المتوسطة بين المستصحب وبين الحكم الشرعي من الوسائط الخفية بحيث يعد في العرف الاحكام الشرعية المترتبة عليها احكاما لنفس المستصحب..)[^4] وقال المحقق الخراساني قدس سره في الكفاية (نعم لا يبعد ترتيب خصوص ما كان محسوبا بنظر العرف من آثار نفسه لخفاء ما بوساطته بدعوى ان مفاد الاخبار عرفا ما يعمه ايضا حقيقة)[^5] واضاف اليه ما كان التلازم فيه بينا.
واعترض عليهما من تأخر عنهما بان انظار العرف لا يُعتمد عليها في تشخيص المصاديق فاذا علمنا بان المعتبر في الاستصحاب هو آثار نفس المستصحب فلا يعتنی بما يظنه العرف اثراً له خلافاً للدقة العقلية اذ لا عبرة بالمسامحات العرفية في تطبيق الكبريات علی الصغريات كما يلاحظ من الفتوى في نقصان الكر بمقدار يسير، وانما يعتبر العرف في تشخيص المفاهيم. ثم ناقشوا في الامثلة التی ذكراها.
ولابد من ذكر امور لتوضيح مقصود الشيخ وصاحب الكفاية:
**الامر الأول في معنی الواسطة الخفية:**
الواسطة قد تكون واسطة في الاثبات وهي الحد الاوسط في القياس وقد تكون واسطة في الثبوت وهي ما توجب اتصاف الشيء بصفة مّا واقعا وقد تكون واسطة في العروض وهي ما تكون بنفسها محل عروض الوصف حقيقة إلا انه يحمل علی ذي الواسطة مجازاً لنوع ارتباط بين الواسطة وذيها.
والواسطة في العروض علی قسمين: جلية وخفية. فالأول ما يكون التجوز في اسناد الوصف الی ذي الواسطة واضحاً بنظر الاديب نحو جری النهر وسال الميزاب، او اسناد الحركة للجالس في السفينة. والثاني ما تكون الصفة فيها صفة للواسطة ولكن لا بالنظر العرفي وان كان دقيقاً بل بالنظر الدقيق العقلي.
ولهذا القسم امثلة منها ما ذكر في المنطق من الحد الاوسط نحو (كل انسان حيوان وكل حيوان متحرك بالارادة) فان صفة الحركة بالارادة بالنظر الدقيق عارضة علی الحيوان وتعرض علی الانسان بواسطته بل وكذا صفة الناطق لزيد الانسان وصفة التعجب للانسان الناطق فان زيداً بما هو انسان ناطق والانسان بما هو ناطق متعجب وهذا التوسط انما هو بالنظر الدقيق الفلسفي بل بادق الانظار الفلسفية لا بالنظر العرفي مهما كان دقيقاً. وكذلك الانحناء والاستقامة العارضتان للجسم بما انه متكمم فانها من الكيفيات المختصة بالكميات. ومن ذلك ما يعرض الفرد الخارجي بواسطة العنوان المأخوذ في لسان الدليل كوجوب الحج علی المستطيع، فكل هذه الاقسام يعتبر عند العرف الدقيق من صفات ذي الواسطة أي لا يری فيها واسطة في العروض والا لم تصح القضايا المذكورة في المنطق والفلسفة والاُصول وغيرها من العلوم الحقيقية فان الاقيسة المذكورة فيها أكثرها من هذا القبيل ولهذا صحّ ما قالوا من ان موضوع العلم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية اي بلا واسطة في العروض والا لو كان بالنظر الدقيق العقلي لأمكنت الخدشة فيه بأن هذه العوارض تعرض موضوعات المسائل أوّلاً وبالذات وتعرض موضوع العلم بواسطتها.
وبهذا ظهر ان ما يقال في الاشكال علی الشيخ وصاحب الكفاية قدس سرهما من أنه لا عبرة بالمسامحات العرفية لا وجه له فان هذه العوارض لا يعتبر عند العرف مع تمام الدقة من العارض بالواسطة بل حتی بالنظر الفلسفي وانما يذكرون في الفلسفة في بعض الموارد ان في هذه القضايا أيضاً نوعا من التجوز في الاسناد كما يذكرون في اتصاف الماهيات بالوجود أن ذلك من التجوز في الاسناد أيضاً فان الموجود في الواقع هو نفس الوجود ولكن ذلك انما يصح بنظر عرفاني ادق كما يقولون.
وتبين مما ذكرنا انا لو قلنا الماء متغير بالنجاسة فهو نجس لم يكن ذلك من المسامحة العرفية وإن كان بالنظر الدقيق صفة النجاسة عارضة علی نفس المتغير حقيقة وعلی الماء بواسطته الا ان العرف الدقيق يراه اسناداً حقيقياً بل هو نظير الاقيسة المذكورة في المنطق. فالاسناد في مثل هذا انما هو بملاحظة الاتحاد الوجودي بين المتغير والماء لا بما ان المتغير واسطة في الثبوت كما ذكر في بعض التقريرات بل العرف يعلم ان موضوع الحكم هو المتغير ولكنه حيث يقع حداً وسطاً لاثبات الحكم لما هو متحد معه وجوداً فالاسناد حقيقي والا لبطلت العلوم الحقيقية.
وقد ذكر بعض الاعاظم في هذا المقام تقريراً وهو أن مورد الواسطة الخفية ما اذا كان موضوع الحكم بالنظر الفلسفي غير موضوعه بالنظر العرفي مثلاً إذا قال الشارع الخمر حرام فالعقل يدرك ان سرّ تحريمه هو الاسكار، وحيث ان الحيثيات التعليلية مرجعها الی الحيثيات التقييدية فيكون موضوع الحرمة بالنظر الدقيق العقلي هو المسكر، فقولنا الخمر حرام انما يصح مع الواسطة الخفية.
وهذا غير صحيح فان رجوع الحيثيات التعليلية الی التقييدية انما هو في أحكام العقل العملي دون النظري. توضيحه: ان للعقل احكاماً نسبتها إليه من قبيل نسبة الفعل الى الفاعل وهي احكام العقل العملي وله احكام تنسب إليه نسبة انفعالية بمعنی ان العقل يدرك اشياء كالقوانين التكوينية والشرعية مثلاً وهذا هو العقل النظري فالقسم الاول احكام ينشئها العقل والقسم الثاني اُمور يدركها العقل، فاذا حكم العقل بحسن ضرب اليتيم مثلاً فهو يعلله بانه تأديب ويعلل حسن التأديب بانه احسان واما الاحسان فحسنه بالذات وكل ما بالعرض لا بد وان ينتهي الی ما بالذات. وهذه الحيثيات التعليلية مرجعها إلی الحيثيات التقييدية بمعنی ان حكم العقل في هذه الموارد إنما هو في الحقيقة حكم بحسن الاحسان ولكنه يطبقه علی هذا المورد فحسن الاحسان الذي هو حيثية تعليلية في الحكم بضرب اليتيم هو في الحقيقة موضوع الحكم.
ولكن هذا لا يصح في حكم العقل النظري فان سلامة العقل هناك انما تكون بأن يدرك الشيء علی واقعه وحقيقته وموضوع الحكم الشرعي في المثال هو ما رتب الشارع عليه الحكم في لسان الدليل فلو ارجعه العقل الی أمر آخر لم يدركه علی حقيقته وان كان هو العلة التي لاجلها حكم الشارع بالحرمة مثلاً فان الحرمة لا تعرض علل تشريع الحكم بل الموضوع المأخوذ في لسان الدليل فالحيثيات التعليلية في القوانين التكوينية والاحكام الشرعية لا ترجع الی الحيثيات التقييدية.
**الأمر الثاني: في الامثلة التي ذكرها الشيخ وصاحب الكفاية:**
ذكر المحقق صاحب الكفاية في التنبيه الثامن ــ والظاهر انه متفرع علی ما ذكره في هذا المقام ــ أنّ الأثر المترتب علی الشيء بواسطة العنوان الكلي المنتزع عن ذاته أو بعض عوارضه يصح ترتيبه بالاستصحاب.
قال قدس سره (الثامن: أنه لا تفاوت في الاثر المترتب على المستصحب بين ان يكون مترتبا عليه بلا وساطة شيء او بوساطة عنوان كلي ينطبق ويحمل عليه بالحمل الشائع ويتحد معه وجودا، كان منتزعا من مرتبة ذاته او بملاحظة بعض عوارضه مما هو خارج المحمول لا بالضميمة فان الاثر في الصورتين انما يكون له حقيقة حيث لا يكون بحذاء الكلي في الخارج سواه لا لغيره مما كان مباينا معه او من اعراضه مما كان محمولا عليه بالضميمة كسواده مثلا وبياضه وذلك لان الطبيعي انما يوجد بوجود افراده).
ويقصد بالخارج المحمول ما ليس له وجود مستقل عن الكلي نفسه وبالمحمول بالضميمة ما له وجود مستقل وان كان وجودا عرضيا كالسواد. ولا يهمّنا أن هذا الاطلاق ليس موافقا للاصطلاح. ومهما كان فهذا مثال للواسطة الخفية وان لم يصرّح به. والوجه في ذلك هو ما ذكرنا من ان اتحاد الكلي مع الفرد (بالمعنی الاعم) يستلزم صدق خفاء الواسطة.
وتوضيح ذلك: ان المنطبق والمنطبق عليه أي الفرد والكلي في هذا المقام يتصور علی ثلاثة اقسام:
القسم الأول: ان يكون كل منهما متيقن الحدوث ومشكوك البقاء.
القسم الثاني: أن يكون كل منهما متيقن الحدوث الا ان الكلي متيقن الارتفاع والفرد متيقن البقاء.
القسم الثالث: ان يكون الفرد متيقن الحدوث الا ان انطباق الكلي عليه متوقف علی بقائه.
أما القسم الأول فسيأتي الكلام فيه في مبحث استصحاب الكلي فإن القسم الأول منه هو أن يعلم بتحقق الكلي في ضمن فرد والمقصود اثبات آثار الكلي باستصحاب الفرد بعد الشك في بقائه ففي هذا القسم يجري استصحاب الكلي والفرد إذا كان لكل منهما اثر شرعي وإنما وقع الكلام في أن استصحاب الفرد هل يغني عن استصحاب الكلي أم لا؟ ولكن هذا البحث بحث علمي محض لا يترتب عليه أثر عملي فلكل منهما حالة سابقة ويجري فيه الاستصحاب وإغناء الآخر عنه وعدم إغنائه لا أثر له.
وقد اختار صاحب الكفاية ــ كما سيأتي ان شاء الله تعالى ــ كفاية استصحاب الفرد عن استصحاب الكلي إذ باستصحابه يترتب آثار الكلي عليه أيضاً فلا حاجة الی استصحابه وعدّ ذلك مما نحن فيه لخفاء الواسطة. واعترض عليه السيد الخوئي دام ظله أن الأثر ليس أثراً للكلي بنفسه حتی يكون أثراً للفرد بالواسطة إذ أن الأحكام مجعولة بنحو القضية الحقيقية ومرجعها إلی أن كل فرد وجد في الخارج وصدق عليه العنوان كعنوان المستطيع مثلاً وجب عليه الحج. والجواب عنه ان مراده من الفرد ليس هو الجزئي الحقيقي والمصداق الخارجي بل هو الفرد بالمعنی الاعم أي الجزئي الاضافي مضافاً إلی أنه لم يعبر بالفرد بل عبّر بالشيء. وأما أصل البحث فسيأتي التحقيق عنه.
وأما القسم الثاني فهو كما إذا قال كل مسكر حرام وعلمنا باسكار مايع خارجاً ثم علمنا انتفائه بعلاج مثلاً فهل يحكم ببقاء الحرمة نظراً الی أن الحرمة وان كانت ثابتة للمسكر الا انه عنوان انتزاعي متحد مع الذات خارجاً؟ ومثله استصحاب نجاسة الماء المتغير بعد زوال التغير فان النجاسة حكم المتغير إلا انه واسطة في عروض النجاسة علی الماء فالكلي الواسطة وان انتفى الا انه يشك في بقاء النجاسة المترتبة علی ذي الواسطة بوساطته.
والكلام في هذا القسم يأتي في البحث عن اتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة وانّ الملاك نظر العرف أو نظر العقل أو لسان الدليل.
وأما القسم الثالث فهو محل الكلام هنا وهو أن يكون الفرد متيقن الحدوث وانطباق الكلي الانتزاعي عليه متوقف علی بقائه فهل يحكم بترتب آثار الكلي عليه نظراً إلی استصحاب بقائه أم لا؟
توضيحه أن الأمر الانتزاعي متقوم بأمرين: منشأ الانتزاع ومصحح الانتزاع. فالأول هو الذي يحمل عليه الأمر الانتزاعي بهو هو وهو متحد معه خارجاً كالمشتقات بالنسبة إلی الذات، ومصحح الانتزاع لا يتحد معه بل قد يكون متغايراً كالمشتقات بالنسبة إلی المبادئ وهكذا الكلام في عنوان أول الشهر مثلا فإنه منتزع من اليوم الذي يكون من الشهر مع عدم كون اليوم السابق منه فمنشأه اليوم ومصححه الأمر العدمي، وكذلك العمى فان منشأ انتزاعه عدم البصر ومصححه قابلية المحل.
ومحل الكلام هو فيما إذا علم أحد مقومي الانتزاع بالوجدان وشك في بقاء الآخر فهل يثبت الاستصحاب تحقق الامر الانتزاعي حينئذ أم لا؟ وأما إذا شك في بقاء المنشأ ولم يعلم مصحح الانتزاع فاستصحاب المنشأ لاثبات المصحح والأمر الانتزاعي غير جار قطعاً فلو علم مثلاً أن زيداً لو كان باقياً بعد في النجف لكان مجتهداً ولكن بقاؤه مشكوك فيه فاستصحاب بقائه لاثبات الاجتهاد والمجتهد مثبت قطعاً وغير جار لان الاجتهاد مصحح للانتزاع. وكذلك في الاُمور الاعتبارية كما لو علم انه لو كان باقياً إلی هذا الزمان فهو زوج لهند مثلاً فلا فرق في ذلك بين الاُمور الاعتبارية والاُمور التكوينية خلافا للمحقق الخراساني.
والحاصل أن هذا الاستصحاب غير جار ولم يلتزم به أحد.
وتبين بما ذكرنا ان محل الكلام هو استصحاب الفرد لاثبات الأمر الانتزاعي مع كون مصحح الانتزاع أو منشأه معلوماً بالوجدان. وله أمثلة:
منها ما ذكره الشيخ وهو صدق عنوان أول شوال على اليوم فان كون هذا اليوم من شوال معلوم وجدانا واستصحاب عدم شوال حتی يوم أمس يثبت مصحح انتزاع عنوان اول شوال فهل يثبت هذا العنوان بذلك أم لا؟
ومنها ما اذا كانت الحالة السابقة للمالك من القدرة علی التسليم وعجزه حين كونه مالكا مجهولا مع فرض ان العجز مانع لا أن القدرة شرط فهل يمكن استصحاب عدم القدرة قبل الملك اي قبل تحقق المملوك لينضم إليه الملك بالوجدان فيثبت عنوان العجز الذي يتوقف علی كون المالك بعد تحقق المملوك غير قادر على التسليم أم لا؟
ومنها استصحاب عدم الاسلام قبل التمييز منضماً إلی البلوغ والعقل فهل يثبت الكفر بذلك أم لا؟ ومثله كل موارد استصحاب عدم الشيء بنحو السالبة المحصلة لاثبات الموجبة المعدولة المحمول.
ومنها ما ذكره صاحب الكفاية في أصالة تأخر الحادث من انه هل يثبت عنوان التأخر فيما إذا شك في تأخر اسلام الوارث عن موت المورث أم لا؟ فان عنوان التأخر ينتزع عن وجود شيء مع عدم وجود هذا المتأخر فذكر هناك ان المسألة تبتني علی جريان الأصل مع خفاء الواسطة.
**الأمر الثالث : في بيان المراد بالواسطة الجلية في كلام صاحب الكفاية:**
ورد في كلامه قدس سره القول بجريان الاستصحاب فيما إذا كانت الواسطة جلية ولكن كلامه في الكفاية في بحث الاصل المثبت مجمل ولم يذكر له مثالاً يوضح المقصود ولكنه ذكر في تنبيه اصالة تأخر الحادث ان اثبات التأخر كما يمكن بدعوی خفاء الواسطة كما ذكرناه يمكن أيضاً بهذه الدعوی فيكون هذا المثال مثالاً للأمرين إلا انه ذكره هناك احتمالاً لا جزماً.
وليس المراد بجلاء الواسطة في كلامه ما ذكرناه أولاً في قبال الواسطة الخفية بل المراد بها ان الشيئين المتلازمين في الخارج قد يكونان في الاعتبار أيضاً متلازمين لا بقول مطلق ــ كما ذكرناه في الوجه الأول من وجوه الاستدلال علی حجية الأصل المثبت ــ بل بمعنی انه قد يكون المتلازمان في الخارج متلازمين في الاعتبار بحيث يستهجن في نظر العرف اعتبار أحدهما تعبداً دون الآخر فمثلا يرى العرف أن اعتبار عدم موت المورث إلی زمان اسلام الوارث ملازم لاعتبار تأخر اسلامه عن موته وكذلك في سائر الامثلة التي ذكرناها إذ مقتضى ما ذكره هناك جريان هذا الوجه في جميع امثلة خفاء الواسطة. ولهذا التلازم نظائر:
منها: القول بالملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها بناءاً علی القول بها. وذلك لأن القول بالترشح باطل قطعاً كما ذكرناه في محله إذ لا يعقل الارتباط التكويني بنحو العلة والمعلول بين أمرين اعتباريين فلو صحت الملازمة فلا بد من أن يكون الوجه فيها هو دعوی التلازم بين الأمرين في وعاء الاعتبار بمعنی استهجان التفكيك بينهما في نظر العرف فاذا اعتبر الشارع أحدهما يستكشف العرف انه قد اعتبر الآخر ايضا لا ان أحد الاعتبارين يترشح من الآخر.
ومنها: اعتبار أحد الأمرين المتضايفين فانه يستلزم اعتبار الآخر عرفاً سواء كانا متوافقين كالاخوة أم متخالفين كالابوة والبنوة.
وقد ذكر صاحب الكفاية في حاشية الرسائل هذا الأمر وذكر ان نظيره التضايف واشتبه الأمر علی بعض الاعلام ــ كما في مباني الاستنباط ــ فظن انه ذكر هذا مثالاً لما نحن فيه فاعترض عليه بأن المتضايفين متكافئان في القوة والفعل فلا يمكن ان يكون أحدهما متيقن الحدوث مشكوك البقاء دون الآخر حتی يثبت أحدهما باستصحاب الآخر. والواقع ان صاحب الكفاية ذكر هذا الامر كتنظير لتوضيح المطلب لا للتمثيل.
**عود الى الكلام في الواسطة الخفية:**
بعد بيان هذه الامور الثلاثة نقول في تحقيق أصل المطلب: إنه يمكن الاستدلال لجريان الاستصحاب في موارد الواسطة الخفية بوجوه:
**الوجه الأول****:** أن مفاد الاستصحاب (رتب الأثر) ومقتضی ما ذكرنا سابقاً من أن آثار الواسطة فيما نحن فيه آثار ذيها بالنظر العرفي الدقيق بل النظر الفلسفي أيضاً وان التجوز انما هو بادق الانظار الفلسفية هو وجوب ترتيبها حينئذ.
ويدفعه أمران نقضي وحلي:
أما النقض فبأن لازم ذلك صحة اثبات الفرد الطويل باستصحاب الكلي في القسم الثاني إذ هما متحدان وجوداً فكما لا يصح ذاك لا يصح اثبات الكلي باستصحاب الفرد.
وأما الحل فبما ذكرناه سابقاً من أن هذا المفاد أمر موهوم لا واقعية له في اعتبار الاستصحاب فان حقيقة الاستصحاب إمّا هو الادراك الاحساسي فيترتب عليه آثاره الاحساسية وإمّا اعتبار الشيء باقياً. ومقتضى الوجه الاول هو ترتب الاحكام الشرعية المرتبطة به رأساً لكونها من آثاره التي تؤثر في الاحساس وأما إذا كان ارتباطها بالكلي المنطبق عليه فلا يترتب إذ ليس أثراً احساسياً له. ومقتضى الوجه الثاني أن يكون اعتباراً أدبياً وقد ذكرنا سابقاً انه لا تلازم بين اعتبار الشيء ادبياً واعتبار المتحد معه خارجاً فلا يلزم من اعتبار الاسد لاثره الخاص في المشاعر اعتبار فصله أو جنسه أو عنوان متحد معه كالحيوان المفترس في مورد اعتبار مفهوم الاسد.
**الوجه الثاني****:** التلازم في وعاء الاعتبار لا في مطلق الواسطة الخفية بل فيما اذا كان أحد مقومي الأمر الانتزاعي معلوماً بالوجدان والآخر مورداً للاستصحاب . فهذا دليل اخصّ من المدعی.
والجواب عنه ان هذه الكبری صحيح في نفسه أي ثبوت التلازم في وعاء الاعتبار في بعض الموارد الا ان ما ذكروه في الاُصول من صغرياتها غير صحيح ولذلك انكرنا وجوب المقدمة بهذا الوجه. وكذلك ننكره في الاستصحاب.
والوجه في ذلك: ان الاستصحاب متقوم بالقضية المتيقنة والمشكوكة ومنشأ الانتزاع متيقن الحدوث مشكوك البقاء والأمر الانتزاعي مشكوك الحدوث فلا تلازم بينهما خارجاً والا لم يفترقا في اليقين والشك وتوهم التلازم في وعاء الاعتبار ليس إلا من جهة العلم بوجود مصحح الانتزاع اتفاقاً وهذا لا يوجب تلازماً. فمثلاً نستصحب عدم القدرة الی زمان الملك لاثبات عنوان العجز مبنياً علی أن الملك معلوم في هذا الحال. وعدمُ القدرة إذا كان معاصراً للملك ينتزع منه العجز. ولكن العجز منفك عن عدم القدرة في اليقين والشك فكيف يكون بينهما تلازم إلاّ ان الملك لما كان معلوماً اتفاقاً وانضم الی عدم القدرة المستصحبة لزم منه انتزاع العجز وهذا لا يسمی تلازماً في وعاء الاعتبار. والاستصحاب لا يثبت أزيد من عدم القدرة وليس هو العجز بل العجز ملازم لحصة خاصة منه فاثبات العجز في المقام لم ينشأ من التلازم في وعاء الاعتبار بل من مقارنة الملك لاستصحاب عدم القدرة اتفاقاً.
وكذلك استصحاب عدم شوال لا يلازم اعتبار أول شوال في الغد وإنما يثبت ذلك بضميمة كون هذا اليوم من شوال بل الانفكاك هنا أوضح من جهة أن عدم شوال المورد للاستصحاب ليس منشأ للانتزاع بل مصححاً له إذ المنشأ هو الذي يحمل عليه الأمر الانتزاعي بهو هو وهو اليوم، فأول شوال لا يلازم استصحاب عدم شوال بل يلازم مجموع عدم شوال وكون هذا اليوم من شوال. وكون هذا اليوم من شوال مقطوع به. والاعتبار إنما لحق الأول اي استصحاب عدم شوال وهو لا يلازم اعتبار أول شوال. ولذلك جعل المحقق الخراساني هذه الامثلة مثالاً للتلازم بنحو من التردد.
**الوجه الثالث****:** وهو أيضاً خاص ببعض موارد الواسطة الخفية ويتوقف علی مقدمة وهي: أنّ الواقع الخارجي لا ينعكس في الذهن بصورة واحدة بل بصور متعددة ومنه ينشأ تكثر الادراكات فان تكثرها قد تكون من جهة تكثر المدركات وقد تكون من جهة كثرة الصور الذهنية التي يخترعها الذهن.
ومن ذلك ما يقال في اختلاف بعض المعلومات بانها اختلاف بالاجمال والتفصيل فالانسان مثلاً إدراك اجمالي لحقيقة خارجية والحيوان الناطق - بناء علی انهما جنس وفصل مقومان لحقيقة الانسان - ادراك تفصيلي لها.
وكيفية تكثر الادراكات على قسمين:
**القسم الأول****:** أن يكون للذهن بالنسبة إلی ما يتصوره عمليتان احداهما تصور الواقع الخارجي بنحو والاُخری اختراع صورة اُخری عنه وجعلها مرآة له فان للذهن قوة اختراع بعض المفاهيم كمفهوم الوجود فإنه بناءاً علی مسلك اصالة الوجود غير حقيقته إذ لا يدرك كنهه كما يقولون (وكنهه في غاية الخفاء) وكمفهوم العدم فإنه ليس له واقع خارجي طبعاً وإنما هو من مخترعات الذهن. وكذلك الصور التي يخترعها ويجعلها مرآة للصورة المنعكسة فيه عن الواقع الخارجي فيكون لكل مدرَك من مدركاته صورة طبق الأصل وصورة مخترعة. ولا يبعد ان يكون من هذا القبيل الفرق بين السالبة المحصلة والموجبة المعدولة المحمول نحو زيد ليس ببصير وزيد هو اللا بصير فان الواقع الخارجي ليس الا انتفاء البصر عن زيد الذي هو مدلول الجملة الاولی ولكن الذهن يخترع عنوان اللابصير من هذه الصورة فيحملها بنحو هو هو علی زيد فيحتاج الی وجود الرابط وحيث إن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له فلا يصح الحمل الا مع وجود زيد فتكون القضية موجبة معدولة المحمول فليس بين القضيتين فرق جوهري وانما نشأ الفرق من جهة تكثر الادراكات واحدى القضيتين مطابقة للواقع الخارجي والاخرى مخترعة.
**القسم الثاني**: ما تكون فيه الصور الذهنية عن الواقع الخارجي الواحد متساوية بالنسبة إليه فلا تكون احداهما اصلية وما عداها اختراعية، مثال ذلك أعدام الملكات التي هي اُمور انتزاعية مع مجموع منشأ الانتزاع ومصحح الانتزاع فانهما صورتان عن واقع خارجي واحد كالعمی وهو عدم الملكة فان الفرق بينه وبين مجموع عدم البصر وهو منشأ الانتزاع وقابلية البصروهو مصحح الانتزاع ليس الا بالاجمال والتفصيل والواقع واحد.
ومن هذا القبيل الفرق باللحاظ الاستقلالي واللحاظ التبعي كما ذكره المحقق الخراساني في الفرق بين المعنی الاسمي والمعنی الحرفي. ومن هنا ينشأ اختلاف اللغات في التعبير عن الشيء الواحد فيلاحظ في بعض الموارد ان اللغات المترقية تعبر عن الشيء بلفظ بسيط وتعبر عنه اللغات المتخلفة بلفظ مركب.
ومن هذه المقدمة يتبين الحال في الامثلة المتقدمة فالعجز وعدم القدرة المعاصر للقابلية صورتان عن واقع واحد، وكذلك الكفر وعدم الاسلام مع القابلية، فلا يصح الفرق بين التعبير بفوت الصلاة والتعبير بعدم الاتيان بها فيقال لا يمكن اثبات الأول بالاستصحاب إذا شك في الاتيان بخلاف الثاني، مع أنه لا فرق بينهما الا بالتعبير فان واقع الفوت وعدم الاتيان مع وجود المصلحة الملزمة للاتيان واحد. فلابد في مثل هذا المورد ــ مما ورد فيه الدليل بالتعبير عن الشيء ذي الصور المختلفة في الذهن بأحد التعابير المعبرة عن احدی تلك الصور – من الالتزام بأحد أمرين:
**الأمر الأول****:** أن يكون موضوع الحكم بحسب اللبّ والواقع هو الجامع بين انحاء اللحاظ وان ورد في الدليل لحاظ واحد إذ من المعلوم ان انتخاب هذا اللحاظ ليس لمصلحة كامنة في اللحاظ نفسه بل في الملحوظ إذ لا يخضع اللحاظ للمصلحة والمفسدة وانما هما مترتبان علی الامور الواقعية، والاحكام تابعة للمصالح والمفاسد فلا فرق في ذلك بين تصور الشيء بالاجمال وجعل الحكم له وتصوره بالتفصيل وجعل الحكم له. وكذلك لا فرق بين جعل الحكم للسالبة المحصلة وجعله للموجبة المعدولة المحمول، فان هذه الكثرات لا دخل لها بالواقع الخارجي والمصلحة والمفسدة المترتبة عليه. فانتخاب هذا التعبير اما انه لانتخاب أحد المتساويين في التعبير واما لانتخاب الاسهل في ذلك كما إذا كان العنوان الاجمالي موضوعاً.
ولذلك يلاحظ اختلاف التعبير عن الموضوع الواحد في الروايات، مضافاً إلی ان الرواة حين النقل بالمعنى لم يلاحظوا هذا الفرق جزماً فلابد من أن يكون الموضوع الواقعي هو الجامع بين انحاء اللحاظ فإذا امكن احراز الموضوع الواقعي بأحد انحاء اللحاظ كفى في اثبات الحكم كما اذا كان لحاظاً مركباً يمكن احراز أحد جزءيه بالأصل والآخر بالوجدان وان كان الموضوع في لسان الدليل هو اللحاظ البسيط الاجمالي إذ لا اثر له في التعبير بل هذا أيضاً غير ثابت لاحتمال النقل بالمعنی وقد ورد في بعض الروايات الترخيص في النقل بالمعنی إذا ادركه الراوي.
هذا غاية تقريب ما ذكره المحقق الايرواني قدس سره في رسالة اللباس المشكوك من ان الموضوع هو النسبة الهيولائية الجامعة بين اللحاظ الاستقلالي والتبعي، والتفصيلي والاجمالي، والسالبة المحصلة والموجبة المعدولة المحمول.
ولكن لا يسعنا الالتزام بهذا الأمر إذ الجامع بين النسب ليس نسبة والجامع بين انحاء اللحاظ ليس لحاظاً والجامع بين التعابير ليس تعبيراً ولابد في مرحلة الانشاء والاعتبار من اعتبار نسبة خاصة ولحاظ صورة خاصة تكون مقوماً لاعتبار الحكم وانشائه ولا يمكن ان يكون الجامع بين مقوم الاعتبار وما ليس مقوماً له هو المقوم للاعتبار.
ولا يتوهم ان الواقع الخارجي يمكن أن يكون بنفسه موضوعاً للحكم إذ لا يمكن ان يتقوم الاعتبارات النفسية بالاُمور الخارجية بل لابد ان يتقوم بالاُمور النفسية وكذلك سائر الصفات النفسية وقد ذكروا أن العلم والارادة لا يتعلقان بالأمر الخارجي وأن المعلوم بالذات هو الصورة الذهنية والمعلوم بالعرض هو الخارج ــ وان كان في هذين المثالين نظر ــ وقد ذكرنا سابقاً ان العناوين المأخوذة في لسان الدليل بملاحظتها في مقام الاعتبار موضوع للحكم الانشائي وبملاحظة تحقق الموضوع الخارجي موضوع للحكم الفعلي كعنوان المستطيع والمستطيع في الخارج فلا بد من أن يكون الموضوع في مقام الاعتبار وانشاء الحكم هو الصورة الذهنية.
**الأمر الثاني****:** أن يكون اعتبار أحد هذه اللحاظات مستلزماً لاعتبار غيرها فالوارد في لسان الدليل وان كان التعبير عن صورة من صور الواقع الا أن سائر الصور باعتبار عدم مدخلية الصورة ــ كما مرّ ــ موضوع للحكم أيضاً.
والجواب عن هذا الوجه بعد الفراغ عن بطلان احتمال أخذ الجامع موضوعاً هو أن الواجب علينا هو الالتزام بما ورد في نص القانون حرفيّاً والموضوع الواقعي للحكم هو نفس الموضوع الوارد في لسان الدليل لاصالة تطابق المراد الاستعمالي للمراد الجدي والقضية اللفظية للقضية اللبيّة سواء كانت صورة اجمالية ام تفصيلية اذ الحكم الانشائي متقوم به فلابد من احراز ذلك الموضوع لترتب الحكم فلو كان الحكم مترتباً علی عنوان الفوت فلا يمكن اثباته إلا بالاصل الجاري فيه ولا تثبته اصالة عدم الاتيان.
فان قيل: يثبته بضميمة التلازم في وعاء الاعتبار.
قلنا: لو سلمنا هذا التلازم فهو غير مجدٍ في اثباته لتعارضه مع الأصل الجاري في نفس ذلك العنوان وهو استصحاب عدم الفوت مع انا بينا فيما سبق بطلان هذا التلازم في وعاء الاعتبار فيما نحن فيه.
فتحصل أنه لا وجه لاثبات الاستصحاب الآثار التكوينية للمستصحب حتى مع خفاء الواسطة.
**الكلام في الاحكام العقلية التي تترتب على الاستصحاب:**
وهي ثلاثة: التنجيز، والتعذير، وحكم العقل في مرحلة الامتثال.
**الاول التنجيز:**
أما الأول فلا اشكال في ترتبة علی الاستصحاب فتجب اطاعة الحكم الشرعي الثابت به وإنما الكلام في وجه ذلك والسرّ في ترتبها دون ترتب الآثار التكوينية والاحكام الشرعية المترتبة بتوسطها وإلاّ فاصل المسألة مما لا شك فيه. وهذه المسألة ترجع بوجه إلی البحث عن قيام الاستصحاب والامارات مقام القطع الطريقي في التنجيز.
**ولتوضيح المقام لابد من ذكر مقدمتين:**
**المقدمة الاولى****:** في بيان السرّفي حكم العقل بوجوب الاطاعة وحرمة المعصية وإدراكه استحقاق العقاب علی مخالفة التكليف وانه يترتب علی القطع أو ما يعم القطع.
المقدمة الثانية: في بيان أن المجعول في الاستصحاب هل هو التوسعة في الكشف بقاءً أو جعل الحكم المماثل.
اما المقدمة الاولی فبيانها بصورة اجمالية تناسب المقام هو ان للعقل نوعين من الحكم نظري وعملي والأول هو إدراك الواقعيات والثاني هو حكمه بحسن الاحسان وقبح الظلم وما يترتب عليهما وتطبيقهما. فهل الحكم بوجوب الاطاعة من القسم الأول أو من القسم الثاني؟
فإن قلنا بأنه من الأول فمعناه ان العقل يدرك أمراً في نفس الأمر وهو الملازمة بين مخالفة التكليف الواصل واستحقاق العقوبة. وهذه الملازمة أمر واقعي يدركه العقل كسائر الملازمات من تلازم العلة والمعلوم وتلازم المتضايفين فانها ليست اموراً خارجية أي موجودة في وعاء الخارج وإنما هي اُمور يعبر عنها بالنفس الأمرية أي الاُمور الموجودة في نفس الأمر والواقع وهو أعم من الخارج. فيدّعى في المقام أن مثل هذه الملازمات الواقعية موجود بين مخالفة التكليف الواصل واستحقاق العتاب.
وان قلنا بأنه من الثاني فمعناه ان مخالفة التكليف الواصل ظلم للمولى والعقل يدرك قبح الظلم بالعلم الفعلي لا الانفعالي وهذا هو معنی العقل العملي انما الكلام في أن حكم العقل بقبح الظلم هل هو من جهة حفظ النظام وعدم اختلاله أم من جهة حكم الضمير البشري والوجدان والأول مسلك الحكماء ومنهم المحقق الاصفهاني قدس سره والثاني هو ما حققناه في محله.
ثم ان الأحكام المولوية علی قسمين:
القسم الأول : ما يجعل به بين الفعل وشخصية الآمر نوعاً من الارتباط الاعتباري . والارتباط الاعتباري له انحاء كثيرة منها ما هو بين المشاعر والمساجد وبين الله تعالی فان ارتباطها بذاته الاقدس ليس إلا أمراً اعتبارياً أوجب تقديسها .
والارتباط بين الفعل والشخصية نظير ما يجعل بين الفعل والقسم به باداة القسم تقول : لعمرك لأفعلن كذا أو والله لأفعلن كذا وحقيقة القسم ليس الاربطا اعتبارياً بين الفعل وشخصية المقسم به . وهكذا في الأوامر المولوية التي تصدر من الملوك المستبدين ورؤساء العشائر والاقطاعيين فان المولوية فيها ليس الا من جهة ربط الآمر شخصيته بالفعل المأمور به بحيث يعتبر من لم يمتثل أمره هاتكاً لشخصيته . وفي مثل هذه الأوامر تعتبر المخالفة هتكاً للآمر ويعتبر الهتك ظلماً والظلم قبيحاً مستوجباً للعقاب إمّا لتوافق آراء العقلاء عليه حفظاً للنظام وإمّا لشهادة الوجدان البشري عليه وإمّا للملازمة الواقعية ، وقد مرّ الكلام فيه اجمالا .
القسم الثاني : ما يندرج فيه الحكم الجزائي بنحو اللف والاستبطان بمعنی أن قوله: (افعل) ــ مثلا ــ يستبطن قوله: (لو لم تفعل فعليك عقوبة). وقد ذكرنا تفصيل ذلك في الاحكام الوضعية وذكرنا كيفية استبطان الحكم المولوي للحكم الجزائي . وهذا القسم لا يرتبط بشخصية المولی ولا يوجب مخالفته هتكاً للآمر . وفي مثل هذه الأوامر يكون استحقاق العقوبة من قبيل حكم العقل النظري وإدراكه أنّ أمر المولی بنفسه يشتمل علی الوعيد ويستبطنه وتكون الاطاعة بدافع نفسي خوفا من العقاب.
وهذا هو معنی كون الأمر في نفس الأمر مستلزماً للعقاب إذ المراد بالملازمات الموجودة في نفس الأمر أن يكون وعاء وجودها هو ذات الشيء الملزوم كسائر انحاء التلازم والتعاند الموجودة في نفس الأمر ونفس الأمر هو ذات الشيء كما قال السبزواري (بحدّ ذات الشيء نفس الأمر حدّ) فاذا قلت (5×5=25) فان هذه الملازمة والمساواة وعاء وجودها هو نفس (5×5) وذلك لانّ 25 صورة اُخری من وجود (5×5) وهذا أيضاً يرجع إلی نوع من التكثر الادراكي الذي مرّ ذكره وكذلك التعاند الموجود بين الوجود والعدم. هكذا ينبغي أن يكون المقصود بنفس الأمر الذي هو وعاء الملازمات الواقعية وأما ما ذكروه من أنه عالم العقول وعالم الأمر فأمر لا يرجع إلی محصّل.
إذن فاستحقاق العقوبة في هذا القسم يدركه العقل من ذات الأمر وبقية الملازمات يستخرجها من ذات المتلازمين .
والحق عندنا هو أن أوامر الله تعالی ليس من القسم الأول كما يقولون وهو المشهور بين جماعة كثيرة ولا يصح توصيف الله عزّ وجلّ بوقوع الظلم عليه كما ورد في الروايات وكما قال تعالى (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[^6] والعلاقة بين الله تعالى والمخلوقين ليس كعلاقة الملوك وشعوبهم او الموالي والعبيد في البشر كما يتوهم ويشاهد في بعض الكتب الاصولية ولعل هذا النوع من التفكير متأثر من النظم الاجتماعية السائدة قديما. ومن الواضح أن مخالفة الله تعالى لا يعتبر هتكاً لجلالته ولا يمكن أن تهتك عظمته بل هتك للمخالف نفسه وعظمة الله أجل من أن تنهتك بمخالفة عبد حقير كما يشاهد في مخالفة رجل عادي لفكرة فلسفية مثلاً لها من القوة ما خضع له الفلاسفة اجمعون فهل يعدّ هذا الرجل هاتكاً لصاحب تلك الفكرة أم هاتكاً لنفسه؟!
فالصحيح أن أوامر الله تعالی من قبيل القسم الثاني فاستحقاق العقوبة في مخالفتها مما يدركه العقل النظري من نفس ذات الاوامر. وهنا لابد من ملاحظة حكم العقل وادراكه للاستحقاق لنعلم حدود موضوع الحكم الجزائي الذي استبطنته الاحكام المولوية . والذي يدركه العقل هو أن استحقاق العقاب مختص بمن ينكشف له الحكم المولوي وكان قادراً قدرة تامة بناءً علی انه من شرائط التنجيز ولم يأت بالمأمور به . فهذا هو موضوع الحكم الجزائي .
وحينئذ فكل ما يعتبر عند العقلاء وصولاً للحكم المولوي لا اشكال في انه يحقق موضوع الحكم الجزائي واما ما لم يكن كذلك ولكن الشارع المقدس أراد ان يوسّع موضوع الحكم الجزائي ليشمله فهل يمكن ذلك أم لا؟ فهذا ما يبحث عنه في المقدمة الثانية .
**المقدمة الثانية :**
في دور الاستصحاب في حكم العقل بتتنجز الحكم الشرعي وكذلك الامارات الشرعية فلو قال الشارع مثلاً: اذا اخبرك ثقة بأحد أوامري فهذا يعتبر عندي وصولاً له. فماذا هو المجعول حينئذ حقيقة؟ هل هو التوسعة في الكشف أم جعل الحكم المماثل؟
الصحيح أنه توسعة في موضوع الحكم الجزائي فلو فرضنا أن موضوعه بنظر العقل هو خصوص العلم بالحكم المولوي فاعتبار خبر الثقة مرجعه الی ان موضوعه اعم من العلم وخبر الثقة، أو مرجعه إلی جعل خبر الثقة علماً بالتعبد علی نحو الورود فيتحقق موضوع الحكم الجزائي في مورد إخبار الثقة واقعاً ولكن بمعونة من التعبد الشرعي. ولا يختلف في هذا الامر ما أسسه الشارع من طرق الوصول وما امضاه من الطرق العقلائية. وما ذكرناه يأتي علی المسلك الأول أيضاً فيعتبر الشارع من خالف الحكم الواصل إليه بواسطة خبر الثقة هاتكاً له أيضاً.
وكذلك الكلام في الاستصحاب من أنه هل المجعول فيه هو التوسعة للكشف في مرحلة البقاء كما ذكرناه مراراً أم هو جعل للحكم المماثل كما ذهب إليه المحققون الاعلام؟ فان قلنا بأنه توسعة في الكشف وكان المستصحب نفس الحكم الواقعي فسرّ قيامه مقام القطع الطريقي في المنجزية واضح علی ما ذكرناه والمراد بالمنجزية إدراك العقل استحقاق العقوبة علی مخالفته. وقد تحصل مما ذكرنا أن موضوع حكم العقل هو الوصول الاعم من الوصول القطعي والوصول التعبدي. انما الكلام في ذلك بناءاً علی جعل الحكم المماثل .
**جعل الحكم المماثل:**
والتفصيل في حقيقة الحكم المماثل موكول إلی محلّه والوجوه التي تذكر في كيفية جعل الحكم المماثل ثلاثة :
**الوجه الأول****:** ما ذكره الشيخ قدس سره وتبعه جماعة وهو أن الحكم الظاهري له وجوب نفسي للغير بمعنی أن الملاك الذي اقتضى جعله هو نفس الملاك الذي اقتضى جعل الحكم الواقعي والسرّ في ذلك أنّ موضوع حكم العقل باستحقاق العقاب هو ذات القطع ولا يمكن أن يكون الطريق الذي يعتبره الشارع قطعاً واقعاً وليس موضوعه أعم من القطع الحقيقي والقطع الاعتباري حتی يجدي اعتبار الطريق المفروض قطعاً تعبدياً في تحقق موضوعه بل موضوعه نفس القطع الوجداني، واستحقاق العقوبة ليس من مجعولات الشارع حتی يمكنه جعله بنحو الحكومة في مورد طريق آخر غير القطع بل هو من الملازمات الواقعية التي يستكشفها العقل. فاذا أراد الشارع ان يتحفظ علی احكامه الواقعية لابد من جعل حكم آخر مماثل للحكم الأول في مورد وصول هذا الطريق فاذا وصل هذا الحكم الی العبيد يعاقب من خالفه إذا طابق الحكم الأول لان منشأه هو نفس ملاك الحكم الاول وليس له ملاك آخر فاذا طابقه كان حكماً واجداً للملاك ويستحق مخالفه العقوبة وأما اذا لم يطابقه فلا يكون واجداً له ولا يستحق.
فمثلاً اذا قال: أكرم زيداً ولم يعلمه المخاطب يجعل حكماً مماثلاً له لعنوان يعلمه المخاطب كان يقول: اكرم جارك، فالملاك الموجب للحكم بوجوب إكرام الجار هو نفس الملاك الموجب لاكرام زيد، والواصل إلی المخاطب هو الحكم المماثل فاذا خالفه استحق العقاب علی مخالفته إلا أن الملاك هو روح الحكم فإن كان مطابقاً للحكم الأول كان واجداً للملاك ومستحقاً للعقاب وإلا فهو حكم صوري لا أثر له في تنجيز حكم العقل.
وهذا هو نظرية علمائنا المتأخرين فالعقوبة عندهم علی مخالفة الحكم الظاهري لا علی مخالفة الحكم الواقعي عند الاصابة إذ ليس إيصال الحكم الظاهري إيصالاً للحكم الواقعي فلا معنى للعقوبة علی مخالفته. وبناءاً علی هذه النظرية يصح أن يقال: إن موضوع حكم العقل باستحقاق العقاب أعم من مخالفة الحكم الظاهري والواقعي، وليس هذا تسامحاً في التعبير كما ذكره بعض الاعاظم بل هو صحيح علی هذا المبنى إذ الالتزام بجعل الحكم المماثل ليس الا لاثبات موضوع حكم العقل.
ولكن هذا المبنى غير صحيح إذ لا فائدة في جعل الحكم الظاهري حينئذ فانه لو لم يجعل فإن كان لاحتمال مجعولية الحكم الواقعي أثر في التنجيز فهو كاف ومغن عنه لأن الحكم الظاهري لا يجعل الا في صورة الشك واحتمال الحكم الواقعي وان لم يكن له أثر في ذلك فهذا الحكم الظاهري أيضاً لا يوجب أكثر من احتمال التنجز وذلك لما ذكروه من أنه لو لم يكن مطابقاً للحكم الواقعي كان حكماً صورياً والمفروض أن عدم مطابقته له محتمل أيضاً.
**الوجه الثاني****:** ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره وهو أن الحكم المماثل حكم طريقي ينجز الحكم الواقعي ان طابقه فيستحق المخالف العقوبة لمخالفته الحكم الواقعي فقوله : (احتط) طريق وكذلك قوله (صلّ) مثلاً لو كان واصلاً بطريق تعبدي فالوجوب في الوجه الأول نفسي للغير وفي هذا الوجه طريقي فيكون مفاد هذا الجعل انه لو تحقق حكم واقعي وعلمت به أو طابقه حكم مماثل طريقي وخالفته تستحق العقوبة. وبناءاً علی هذه النظرية لا يكون موضوع حكم العقل اعم من الحكم الظاهري والواقعي بل هو خصوص الحكم الواقعي لكن بأحد الشرطين: الوصول أو مطابقة الحكم المماثل له.
وهذا المبنى غير صحيح أيضاً إذ لا أثر لجعل الحكم الطريقي المماثل في تحقيق موضوع حكم العقل وهو وصول الحكم الواقعي لانه لو كان المدّعى إيصاله وجداناً فهذا خلف إذ المفروض عدم وصوله وجداناً ولو كان المدّعى وصوله تعبداً فهذا هو التوسعة في الكشف ولا يقولون به وعليه لا أثر للحكم المماثل المجعول إذ الطريق يوجب وصول الحكم الواقعي تعبداً فالحكم باستحقاق العقوبة تابع لمخالفته من حيث وصوله لا من جهة مطابقة الحكم المماثل له.
مضافاً إلی أن كون الحكم طريقياً منجزاً للواقع غير معقول فان معنی تنجز الواقع أن يكون بحيث يؤثر في النفس ويكون داعياً الی الفعل أو الترك فلو كان الحكم الواقعي واصلاً بالقطع ومنكشفاً بأحد الطرق العقلائية امكن تأثيره في النفس ولو لم يكن كذلك فكيف يمكن أن يكون الحكم الظاهري موجباً لانفعال النفس من الحكم الواقعي المجهول الذي لم يصل اليها اصلاً والنفس لا تتأثر بالأمور الخارجية الا بتوسّط الصور الذهنية؟! فلابد إمّا من انكشافه واقعاً بالقطع 100% أو الاطمئنان 99% مثلاً أو الكشف الناقص 60% مثلاً مع تتميمه اعتباراً أو ا لكشف الاحساسي الذي اعتبر كشفاً ادراكياً.
**الوجه الثالث**: أن يكون الحكم الظاهري حكماً نفسيّاً بمعنی أن الشارع لما لم يجد طريقاً لايصال حكمه الواقعي جعل حكماً ظاهرياً بنفس الملاك إلا أن الملاك بالنسبة إلی الحكم الواقعي من قبيل العلة وبالنسبة الی الحكم الظاهري من قبيل الحكمة وعليه فالحكم الظاهري له اطاعة وعصيان مستقل. وهذا هو تصويب المعتزلة وهو أمر معقول في نفسه إلا انه يلزم منه أن يكون العقاب علی مخالفة الحكم الظاهري سواء طابق الواقع أم لا؟ ويكون المنجز هو نفس الحكم الظاهري لا الواقع. وهذا لا يمكن الالتزام به اجماعاً.
فتحصل ان الحق في المقام هو أن حجية الاستصحاب من باب التوسعة في الكشف لا من باب جعل الحكم المماثل. وكيف كان فاستصحاب الحكم الالزامي يوجب تنجزه واستحقاق العقاب علی مخالفته.
بقي الكلام في استصحاب الموضوع ذا الحكم الشرعي. اما القائلون بجعل الحكم المماثل فيلتزمون في المقام بجعل الحكم المماثل لحكمه. واما بناءً علی مسلكنا فيشكل الأمر من جهة ان الاستصحاب لا يثبت أزيد من العلم بتحقق الموضوع تعبداً فلو شككنا في بقاء الخمرية فالاستصحاب لا يحقق بناءً علی توسعة الكشف إلاّ العلم ببقاء الخمرية وليس لنا كبری يثبت الحرمة لمعلوم الخمرية بل الحكم تابع لنفس الخمر الواقعي، فلابد من الالتزام بأن اعتبار الموضوع ملازم لاعتبار الحكم. وما أنكرناه سابقاً من التلازم في وعاء الاعتبار انما هو بالنسبة للآثار التكوينية وأما الاحكام الشرعية فلا مانع من الالتزام به فيها والسرّ في ذلك ما ذكرناه سابقاً من أن الاعتبارات القانونية انما هي للتأثير في النفوس وان الاستصحاب ليس إلا تنفيذ رؤية العقلاء فيما يرونه باقياً بالرؤية الاحساسية، ولا شك في أن ما يؤثر في الاحساس من حيث البقاء بنفسه يؤثر أيضاً في بقاء آثاره الاحساسية ومنها أحكامها القانونية.
ولهذا الاشكال جواب آخر نتركه الآن اختصاراً.
هذا كله في حكم العقل بالتنجيز .
**الثاني من أحكام العقل التعذير****:** وذلك في موارد استصحاب عدم التكليف.
اما بناءً علی مسلكنا فالمجعول هو انكشاف عدم التكليف الالزامي إلا انه قد يشكل من جهة أن هذا لا اثر له إذ يكفي في العذر عدم العلم بالتكليف فاستصحاب عدم التكليف مع امكان اجراء البراءة لا أثر له .
ويمكن الجواب عنه أن العلم بعدم التكليف وانكشافه يؤثر في استقرار نفس المكلف إذ العقاب علی ما لم يبين وان كان قبيحاً إلا أن العقاب علی ما بين عدمه اقبح وكما ان الشارع يكثر الحجج لاتمام الحجة علی العبد فقد يكثر الحجج له ليستقر نفسه ولهذا الاشكال جواب آخر أيضاً.
واما بناءاً علی المسلك الآخر فيشكل الأمر من جهة أن الحكم المجعول حينئذ ليس حكماً شرعياً قابلاً للجعل إذ أعدام الاحكام ليست احكاماً والا لكانت الاحكام الشرعية عشرة. ولعل الشيخ قدس سره لاجل ذلك اشكل في جريان استصحاب عدم التكليف .
ولكن يمكن الجواب عنه بامكان انشاء عدم الحكم أيضاً كما ذكرناه مراراً من أن الحلية المنشأة ليست الا رفع الحرمة المتوهمة أو المجعولة في الشرايع السابقة، والداعي لانشائه هو ما ذكرناه من استقرار نفس العبد.
**الثالث من احكام العقل وجوب الامتثال** :
العقل يحكم بوجوب امتثال امر الشارع فان امكن الامتثال العلمي وجب وان لم يمكن فالامتثال الاحتمالي ولا تصل النوبة إلی الثاني مع امكان الأول لاحتمال عدم الاتيان بمتعلق الأمر فيحتمل استحقاق العقاب وحيث إن العقاب الاُخروي مهم جداً يحكم العقل ــ بموجب القانون الفطري القائل بوجوب دفع الضرر المحتمل ــ بوجوب الامتثال العلمي بمعنی أنه يجب احراز الاتيان بالمأمور به بجميع شؤونه، والكلام في أنه هل يكفي في هذا الاحراز الاستصحاب فتصح الصلاة مع الطهارة الحدثية المستصحبة وهي شرط ومع الطهارة الخبثية المستصحبة وهي من قبيل عدم المانع أم لا؟ فلو قلنا بكفاية الاستصحاب أحرزنا به واجدية الصلاة للطهارتين فينطبق المأمور به علی المأتي به. والانطباق قهري والإجزاء عقلي.
انما الاشكال في أن هذا الاستصحاب لا يرتبط بحكم شرعي فان المأتي به الذي يجري فيه الاستصحاب ليس من موضوعات الاحكام بل هو مسقط للمأمور به الذي هو موضوع الحكم وسقوط المأمور به بالاتيان به أمر تكويني فلا يثبته الاستصحاب.
ويمكن دفع هذا الاشكال بما ذكرناه أولاً من ان الاتيان بالمأمور به موضوع لحكم العقل بعدم استحقاق العقاب بل استحقاق المثوبة وهذا الموضوع قد يحرز بالوجدان وقد يحرز بالتعبد وموضوع حكم العقل أعم من المحرز بالوجدان والمحرز بالأصل ولابد من البحث عن سرّ حكم العقل بذلك لعله يتضح دفع الاشكال بوجه اتمّ فنقول:
ان أمد كل حكم وجوبي ينتهي بالاتيان بمتعلقه فالاتيان بالمأمور به محدّد للامر.
توضيحه: أنّ حقيقة الوجوب اعتبار شيء في ذمة المكلف، وحقيقة الامتثال الاتيان بشيء في الخارج مماثل لما في الذمة بحيث ينطبق ما في الذمة عليه فيسقط عن الذمة، إذن فاعتبار المأموربه في الذمة محدود بالاتيان به في الخارج، فالعمل محدد للوجوب.
قال المحقق النائيني قدس سره: إن الأمر لا يمكن ان يتقيد بالمأمور به فانه مسقط له ولا يمكن ان يكون مطلقا بالنسبة إليه لان تقابلهما من قبيل العدم والملكة.
ولكن هذا لا يضرّ بما ذكرناه فانا نقول ان المأموربه غاية وحدّ للأمر لاقيد له. ونتيجة هذا التحديد هو سقوط الأمر عن الذمة إذ لا يمكن سقوطه بلا علة فالعلة فيه ما جعله الآمر ــ ولو ارتكازاً ــ مسقطاً له وغاية لاعتباره.[^7] وحينئذ فاستصحاب الشرط أو عدم المانع ينتج أنّك لو أتيت بسائر الاجزاء والشرائط سقط عن ذمتك الوجوب. فاثر هذا الاستصحاب هو عدم الحكم وقد تبيّن أن عدم الحكم مجعول شرعي يصح التعبد به.
واما استصحاب عدم الشرط ووجود المانع فاثره أن امد الحكم لم ينته فهو باق.
وعلی هذا التقريب لا يبقى لنا حاجة إلی القول باحراز هذا الاستصحاب لموضوع حكم العقل الا ان يرجع حكم العقل بالامتثال الی وجوب اسقاط الامر بالاتيان فيرجع الی ما ذكرنا.
واما لو قلنا بان الوجوب ليس نسبة إيقاعية بل نسبة بعثية أو أنكرنا كون المأمور به أمداً للحكم أمكن دفع الاشكال بأنّ الاستصحاب يحرز موضوع حكم العقل بعدم استحقاق العقاب أو باستحقاقه فان قلنا ــ كما هو الصحيح ــ إن الاحكام المولوية تستبطن احكاماً جزائية كان الاستصحاب محرزاً لموضوع حكم العقل بعدم ترتب الحكم الجزائي أو ترتبه بل يمكن ملاحظة نفس الحكم الجزائي تفصيلا لا ما يدركه العقل اجمالاً فيكون العمل في الخارج موضوعاً للحكم الجزائي المجعول وهو حكم شرعي لا عقلي. وان قلنا بان العقل يحكم باستحقاق العقوبة علی الترك كان الاستصحاب محرزاً لموضوع الحكم العقلي بالاستحقاق وعدمه.
وقد أجاب صاحب الكفاية عن هذا الاشكال بوجه آخر وهو (بتوضيح منا) أن استصحاب بقاء الشرط أو المانع مرجعه الی التعبد بالشرطية والمانعية فانهما أمران انتزاعيان قابلان للجعل ولو بجعل منشأ الانتزاع فاستصحاب الطهارة مثلاً يرجع الی جعل الشرطية للطهارة المستصحبة. ورتّب علی هذا الامر في باب الاجزاء أنّ مستصحب الطهارة صلاته مجز واقعاً لانّ موضوع الحكم الشرعي أعم من الطهارة الظاهرية والواقعية ومستصحب الطهارة طاهر بالتعبد الشرعي فانّ حجية الاستصحاب توسعة في الشرطية والمانعية. وأما الأمر الأول المتعلق بالطهارة الواقعية فيتبدّل.
واعترض عليه السيد الخوئي دام ظله ــ كما في مباني الاستنباط ــ بانّ انتزاع الشرطية انما هو بالنسبة الی الطهارة المأخوذة في الأمر لا الطهارة الموجودة في الخارج. وهذا غير وارد عليه فانه يقول بأنّ الاستصحاب يوجب التوسعة في دائرة الشرطية فينزل الطاهر استصحاباً منزلة الطاهر واقعاً.
ولكن الاشكال عليه من جهة أن روايات الاستصحاب لا تساعد علی ذلك فليس فيها ما هو بلسان قاعدة الطهارة والحلية الذي قلنا فيه تبعاً له بانه تنزيل لغير الطاهر منزلة الطاهر بل مفاد أدلة الاستصحاب هو التوسعة في الكشف واعتبار الشاك في بقاء الطهارة عالماً بها فلا يستفاد منها الا لزوم ترتيب آثار الطهارة لا جعل الشرطية وكذلك لو قلنا بأنه إبقاء للمتيقن إذ لا يترتب عليه إلا آثار الطهارة الواقعية لا توسعة دائرة الشرطية وتبديل الحكم الواقعي.
**التنبيه الثاني**
في أن اليقين والشك هل لوحظ فيهما خصوصية من حيث التقدم والتأخر والتقارن أم لا؟ وكذلك في القضية المتيقنة والمشكوكة.
أما بالنسبة إلی اليقين والشك فيعتبر تقارنهما في الزمان من حيث الوجود لا من حيث الحدوث فلا فرق بين تقدم حدوث أحدهما علی الآخر وتقارنهما في الحدوث .
واما القضيتان المتيقنة والمشكوكة فلا اشكال في اعتبار تقدم المتيقنة علی المشكوكة ليصدق عنوان البقاء. وأما ما يتقدم فيه المشكوكة علی المتيقنة فهو المسمى بالاستصحاب القهقرائي وقد ادعي حجيته في خصوص باب الالفاظ ويسمی باصالة عدم النقل والظاهر عدم ثبوته عند العقلاء فلإثبات كون اللفظ قبل مئات السنين علی معناه الفعلي لابد من ملاحظة القرائن. وكيف كان فلا ربط لهذا الاستصحاب بالاستصحاب المصطلح أصلاً .
انما الكلام بعد فرض تقدم المتيقنة علی المشكوكة في اعتبار كونهما في زمان خاص وبهذا الاعتبار يتصور الاستصحاب علی أربعة صور:
الصورة الاُولى: أن تكون القضية المتيقنة في الماضي والمشكوكة في الحال وهذا هو أكثر موارد الاستصحاب المتعارفة وهو القدر المتيقن منه وهو مورد صحيحه زرارة.
الصورة الثانية : أن تكون المتيقنة في الحال والمشكوكة في المستقبل ويعبّر عنه بالاستصحاب الاستقبالي ونسب إلی صاحب الجواهر قدس سره انكار حجيته وله امثلة:
منها : الاحكام المختصة بذوي الاعذار بناءً علی اعتبار استيعاب العذر لتمام الوقت فان احرز الاستيعاب من أول الوقت فلا اشكال في جواز البدار واما ان شك فيه فهل يجوز استصحابه بالنسبة الى ما بقي من الوقت فيجوز البدار أم لا ؟ واما إجزاؤه بعد انكشاف الخلاف ففيه تفصيل. والظاهر جريان الاستصحاب في هذا المورد إلا ما استثني بالنص كما في التيمم حيث اعتبر فيه اليأس من حصول الماء .
ومنها : جواز التصرف فيما انتقل عنه إلی غير مالك الثمن أو المثمن بالبيع الفضولي مع احتمال اجازة المالك بناءً علی كونها كاشفة للملك حين العقد.
الصورة الثالثة : أن تكون القضيتان في الماضي، كما اذا أحدث ثم غفل فصلی ثم شك في انه توضأ بعد الحدث وقبل الصلاة أم لا ؟ وسيأتي تفصيله في التنبيه الثالث .
الصورة الرابعة : ان تكون القضيتان في المستقبل، كما اذا تيقن بطروّ عجز في المستقبل عن اداء الحج مثلاً مع تمكنه فعلاً من الزاد والراحلة وغيرهما ولكنه شك في استمرار العجز إلی زمان الاعمال وارتفاعه قبلها، أو تيقن بطروّ القدرة مع العجز فعلاً وشك في بقاء القدرة الطارئة بعد ذلك إلی زمان الاعمال .
والظاهر هو اطلاق أدلة الاستصحاب وشمولها لجميع هذه الصور .
**التنبيه الثالث**
اشترط في الكفاية تبعاً للشيخ في جريان الاستصحاب فعلية الشك واليقين وأنه لا عبرة بهما اذا كانا مقدرين. وفرع عليه أمرين: الأول المسألة المتقدمة في الصورة الثالثة وهو ما اذا أحدث ثم غفل فصلی ثم شك في انه توضأ قبل الصلاة ام لا فقال بعدم جريان الاستصحاب لغفلته حال الصلاة فالشك واليقين تقديريان لا فعليان والنتيجة صحة الصلاة لقاعدة الفراغ. الثاني: ما إذا احدث ثم شك في الوضوء ثم غفل فصلی فاستصحاب الحدث جار والصلاة باطلة .
والكلام في مقامين: الأول في أصل المسألة والثاني في الفرعين.
أما في **المقام الأول** فتوضيح مقصوده في اعتبار الفعلية يتوقف علی ثلاث أمور:
**الأمر الأول****:** ان المسالك في الاستصحاب ثلاثة:
المسلك الأول: ان الاستصحاب متقوم بيقين وشك حتى يمكن اعتبار بقاء اليقين بنحو التوسعة في الكشف وهذا مسلكنا.
المسلك الثاني: ان الاستصحاب إبقاء ما كان الی زمان الشك فاليقين ليس ركنا فيه بل هو طريق إلی احراز الكون السابق حتی يعتبر ابقاؤه إلی زمان الشك فالاستصحاب متقوم بكون سابق وشك لاحق. وهذا مسك الشيخ ظاهراً .
المسلك الثالث: ان الاستصحاب جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء فلا مدخلية للشك واليقين في حقيقته وهذا مسلك صاحب الكفاية كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
**الأمر الثاني****:** أنه بناءً علی المسلكين الاخيرين من عدم تقوم الاستصحاب باليقين والشك فالسؤال أنه هل لهما مدخلية في مرحلة الفعلية أو الانشاء أم لا ؟
بيان ذلك: أن الأحكام الواقعية لها ثلاث مراحل (الانشاء والفعلية والتنجز) ولكن الأحكام الظاهرية علی مسلك القوم لها مرحلتان مرحلة الانشاء ومرحلة الفعلية والتنجز معاً ولا ينفك فيها مرحلة الفعلية عن التنجز ولذا ذكر صاحب الكفاية أنّ الشك في الحجية مساوق لعدم الحجية. والوجه في ذلك أن الأحكام الواقعية مطلقة بالنسبة إلی تعلق العلم بها وعدمه وذلك لأن جعلها في صورة الشك فيها أوفي موضوعاتها ليس لغواً لامكان الاحتياط. ولكن الأحكام الطريقية التي تجعل لتنجيز الواقع وللتعذير لا يمكن أن يترتب عليها التنجيز والتعذير إلا بعد الوصول صغریً وكبری فلا يترتب علی خبر الثقة مثلاً آثار القطع الطريقي مطلقاً إلا بعد الوصول والعلم بحجيته وكذا في سائر الحجج فما لم تصل الأحكام الطريقية يكون جعلها لغواً.
ثم ذكر صاحب الكفاية أن العلم بالحكم وإن لم يمكن أخذه في موضوعه إلا انه يمكن أخذ العلم بالحكم في مرحلة الانشاء ــ مع تحقق الموضوع ــ موضوعاً له في مرحلة الفعلية وحينئذ يتنجز أيضاً فيساوق الفعلية مع التنجز .
واعترض عليه من تأخر عنه في اختيار هذا الطريق اي اخذ العلم في مرحلة الانشاء موضوعا في مرحلة الفعلية واما اصل المسألة وهو أن اطلاق الأحكام الطريقية بالنسبة للجاهل لغو ولا يمكن أخذ العلم بها في موضوعها فهو مسلّم عند الجميع فسلك كل منهم طريقاً في ذلك غير ما اختاره صاحب الكفاية فذهب بعضهم مثلاً إلی أن العلم بالمبرِز يمكن أخذه في موضوع الحكم الى غير ذلك من الطرق الذي ذكروها وليس هذا محل ذكرها. فتحصل أن مسلك القوم في الاحكام الظاهرية هو اندماج مرحلتي الفعلية والتنجز وأنّ ما لا يمكن أخذه في موضوع الحكم الانشائي يمكن أخذه في موضوع الحكم الفعلي باحدى الطرق.
والصحيح ــ كما ذكرناه في محله ــ امكان أخذ العلم بالموضوع في موضوع الحكم الطريقي ولو في مرحلة الانشاء واما العلم بالحكم فلا يمكن ولابد من طريق آخر كأخذه في مرحلة الفعلية أو بمتمم الجعل. وأما العلم بالموضوع فلا محذور في أخذه في موضوع الحكم أصلاً فيقول إذا علمت بخبر الثقة وجب الأخذ به، وحيث إن اطلاقه لغو فلابد من تقييده بالوصول وهو ممكن في نفس انشاء الحكم.
وعلى ضوء ما ذكرنا يتبين ان اليقين والشك لابد من أخذهما في الاستصحاب علی المسلكين الاخيرين وان لم يكونا مقومين له لما عرفت من أن اطلاقه لغو بالنسبة إلی الجاهل بالحدوث فالملازمة المجعولة علی مسلك صاحب الكفاية حكم طريقي ولا يمكن أن يؤثر الامع العلم بالحدوث والشك في البقاء وان كان الاستصحاب في مرحلة الانشاء جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء لا بين المتيقن والمشكوك فلا دخل لليقين في جعل الاستصحاب ولكن اجراؤه وتحقق الحكم الفعلي به لا يكون الا بتعلق اليقين بالحدوث والشك في البقاء. ولكن هذا اليقين لا يمكن أخذه في مرحلة الانشاء لما عرفت من انه ليس الا جعل الملازمة ولكنه لابد من أخذه في مرحلة الفعلية للغوية اطلاقه ولكن بناءاً علی ما ذكرنا من امكان أخذ العلم بالموضوع في الحكم الطريقي فالأمر أوضح إذ يمكن حينئذ أخذ اليقين والشك في جعل الحجية للاستصحاب إذ متعلق اليقين هو الحدوث وهو موضوع الحكم الانشائي.
وبذلك ظهر انه لا تهافت بين ما ذكره في التنبيه الأول من اعتبار فعلية الشك واليقين وما ذكره في التنبيه الثاني من ان حقيقته ليس الا جعل الملازمة كما ذكره بعض الاعاظم وذلك لأن المراد بالتنبيه الثاني بيان حقيقة الاستصحاب في مرحلة الانشاء والمراد بالتنبيه الأول اعتبارهما في مرحلة الفعلية والتنجز .
**الأمر الثالث****:** ان مقتضى ما ذكر في المنطق من أن كل ما أخذ في الموضوع يعتبر أن يكون بالفعل هو أن يكون المعتبر في الاستصحاب فعلية الشك واليقين علی المسالك الثلاثة إذ هما معتبران في موضوعه علی جميع المسالك إمّا في مرحلة الانشاء أو الفعلية سواء كان الدليل لا تنقض اليقين بالشك أو بناء العقلاء. انما الكلام في أن المعتبر هل هو الالتفات إليهما أيضاً أو يكفي وجودهما في اللاشعور وان كان غافلاً عنهما ؟
الصحيح ان الغفلة عن المعلومات لا توجب زوالها وارتفاعها فلا يتوقف صدق اليقين علی الالتفات اليه فما في مباني الاستنباط من اعتبار الالتفات محل تأمل. نعم لا يبعد التقييد بالالتفات من جهة البرهان الذي ذكرناه من لغوية خطاب الجاهل بالاحكام الظاهرية .
وأما في **المقام الثاني** وهو تفريع الفرعين علی هذا التنبيه فنقول :
ذكر الشيخ وتبعه المحقق الخراساني قدس سرهما انه لو أحدث ثم غفل وصلی ثم شك في انه كان متطهراً حال الصلاة أم لا صحت صلاته لقاعدة الفراغ وعدم جريان استصحاب الحدث لان الشك تقديري إذ المفروض غفلته قبل الصلاة وان كان بحيث لو التفت لشك فان فرض الغفلة يختلف بحسب التقدير فقد يكون بحيث لو التفت لعلم بالحدث أو الطهارة لقرب العهد وهذا خارج عن محل كلام الشيخ إذ لا مجال لتقدير الشك هنا وقد يكون قاطعاً أنه لو التفت لشك وهذا محل الكلام وحيث إن الشك تقديري حكم الشيخ بعدم جريان الاستصحاب وجريان قاعدة الفراغ وحكومته علی استصحاب الحدث بعد الصلاة . نعم لولا القاعدة لكانت الصلاة باطلة لهذا الاستصحاب لا استصحابه قبله لان الشك هنا فعلي وهناك تقديري. وشرط جريان قاعدة الفراغ هو حدوث الشك بعد العمل والمفروض انه كذلك.
واعترض عليه بوجوه :
الاعتراض الأول: ان قاعدة الفراغ انما تجري في مورد احتمال الغفلة حين العمل والمفروض انه قاطع بها فلا تجري ولا تصح الصلاة .
والبحث عن شروط جريان الفراغ سيأتي في محله ان شاء الله وما ذكر في الاعتراض قد يكون مبنيا على الاشكال في اطلاق روايات القاعدة لوجوه مذكورة هناك كالقول بأن القاعدة امضائية وبناء العقلاء خاص بمورد احتمال الغفلة. وقد يكون مبنيا علی التقييد بروايتين احداهما رواية محمد بن مسلم المروية بسند مخدوش في الفقيه ولكنها مروية في مستطرفات السرائر بسند آخر يمكن تصحيحه ومحل الاستدلال فيها هذه الجملة : (وكان حين انصرف اقرب الی الحق منه بعد ذلك)[^8] بدعوی أن هذا التعليل لا يشمل الغافل، والثانية مضمرة بكير بن اعين ومحل الاستدلال قوله عليه السلام: (هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك)[^9] وهذا التعليل كذلك لا يشمل الغافل . هكذا ذكره جماعة من المتأخرين .
ولكن سيأتي ان شاء الله تعالى ان الصحيح جريان القاعدة حتی مع القطع بالغفلة لاطلاق الروايات وللخدشة في ما ذكر من الوجوه في منع الاطلاق ولعدم كونها قاعدة امضائية كما توهم ولان روايتي التقييد ليس فيهما تعليل حتی يقال بان العلة تعمم وتخصص بل الجملتان لتقريب المطلب الی ذهن المخاطب كما سيأتي توضيحه ان شاء الله .
الاعتراض الثاني: ان استصحاب الحدث بعد العمل غير جار من اصله فلا حاجة الی دفعه بحكومة قاعدة الفراغ عليه فان الاستصحاب المتقوم بالشك بعد العمل لا يؤثر في صحة العمل السابق وبطلانه. هكذا ذكره المحقق الهمداني قدس سره.
وما ذكر في الاعتراض مبني علی ما ذكرناه سابقاً من أن مسلك القوم في جعل الحجية للاستصحاب هو جعل الحكم المماثل فاستصحاب الشرط وعدم المانع يرجع الی جعل الشرطية والمانعية وحيث إنها اُمور انتزاعية فجعلها بجعل مناشئ انتزاعها وهي الاحكام التكليفية وحينئذ فاذا كان الشك المقوم للاستصحاب مقدماً علی العمل جری استصحاب الحدث ومرجعه إلی الحكم بعدم صحة الصلاة وأما ان كان متأخراً عنه فلو جری الاستصحاب كان مرجعه إلی كشف الحكم التكليفي قبله أي حين ارادة الصلاة فانه ظرف تحقق الحكم التكليفي وهذا متوقف علی صحة الكشف الانقلابي حتی بالنسبة إلی الاحكام التكليفية وما ينتزع منها قبل تحقق موضوعاتها وهذا غير معقول بل يختص الكشف الانقلابي بالاحكام الوضعية المجردة التي تستقل في الوضع كالملكية. والسرّ في ذلك ان الاحكام التكليفية انما تجعل للتأثير في نفس المكلف وقيادة ارادته وهذا لا يمكن في مثل ذلك كما لا يخفى. وعليه فلا مجال لاستصحاب الحدث حتی تتقدم عليه قاعدة الفراغ فان قلنا بجريان القاعدة فهو وإلاّ فنحكم ببطلان الصلاة لقاعدة (الاشتغال اليقيني يقتضي البرائة اليقينية) أو لاستصحاب الشغل بناءاً علی جريانه.
والجواب عن هذا الاعتراض أولاً أن الحق في جعل الاستصحاب هو التوسعة في الكشف كما ذكرناه وهذا لا مانع من تأخره عن المكشوف وهو مقارنة الصلاة للمانع.
وثانياً أنا ذكرنا سابقاً جريان استصحاب وجود الشرط وعدم المانع حتی بناءً علی جعل الحكم المماثل وان مرجعه إلی الحكم بانتفاء التكليف ومرجع استصحاب وجود المانع وعدم الشرط هو الحكم ببقاء التكليف فالاستصحاب جار حتى علی هذا المبنى .
الاعتراض الثالث: ان المسألة مورد قاعدة الفراغ سواء قلنا بجريان الاستصحاب مع الشك التقديري أم لم نقل به. وذلك لما ذكرناه من أن القاعدة لا تختص بمورد احتمال الغفلة فتجري حتی مع القطع بها وحينئذ فهي حاكمة علی كلا الاستصحابين ما قبل الصلاة وما بعدها حتی لو قلنا بجريانه مع الشك التقديري نعم لا تجري القاعدة لو كان الشك في الاستصحاب قبل الصلاة فعلياً وذلك لان أحد اركان القاعدة أن يكون الشك حادثا بعد العمل والمفروض انه سابق عليه حينئذ والشك بعدها امتداد لنفس الشك السابق.
وهذا الاعتراض وارد لا مدفع له.
ثم ذكر الشيخ قدس سره فرعاً آخر وهو انه لو أحدث ثم شك في الوضوء ثم غفل فصلی بطلت صلاته لجريان الاستصحاب قبل الصلاة وعدم جريان قاعدة الفراغ لان الشك سابق علی العمل .
ومورد كلامه هو عدم حدوث شك آخر بعد الصلاة كما لو احتمل الوضوء في حال الغفلة قبلها لان هذا شك حادث فتجري القاعدة وتصح الصلاة فمورد الكلام هو أن يكون الشك بعد الصلاة عين الشك قبلها وهو احتمال الوضوء بعد الحدث وقبل تحقق الشك السابق.
واعترض عليه انه لا فرق بين هذا الفرع والفرع السابق فان الشك كما انه مقوم للاستصحاب حدوثاً مقوم له بقاءاً والمفروض انه كان غافلاً قبل الصلاة فغايته انه لو التفت لشك وهذا حاصل في الفرع الأول أيضاً . هكذا ورد في مباني الاستنباط.
وقد ظهر الجواب عنه بما قدمناه من الاُمور الثلاثة في توضيح مرام الشيخ وصاحب الكفاية وذلك لان الغفلة غير السهو والنسيان وهي لا توجب زوال المعلومات واغلب معلوماتنا مغفول عنها في غالب الاوقات وانما يلتفت إليها الانسان بالالتفات الی ما يشابهها أو يضادها أو يقارنها في الحسّ كثيراً ويسمی هذا الالتفات بتداعي المعاني، فعدم التوجه إلی الصورة العلميّة التي قطع بها أو تردد فيها لا يوجب زوالها ، فالاعتراض بان الغفلة لا يجتمع مع الشك لا وجه له .
نعم يمكن الاشكال بان الالتفات إلی الموضوع معتبر في الاحكام الظاهرية أيضاً من جهة لغوية خطاب غير الملتفت فلا يجري الاستصحاب حين الغفلة من جهة اعتبار الالتفات لا لعدم فعلية اليقين والشك بخلاف الفرع السابق فانه من جهة عدم الفعلية وكونه حيث لو التفت لشك لو فرضنا العلم بذلك إذ يمكن ان يكون بحيث لو التفت لقطع فلا يكون شكاً تقديرياً أيضاً وأما هذا الفرع فالشك فيه فعلي إلا أنه في منطقة اللاشعور من النفس فاذا التفت إليه وجده لا انه يحصل بالالتفات .
والحاصل ان الاستصحاب في هذا الفرع غير جار لعدم الالتفات وقاعدة الفراغ غير جار أيضاً لاتحاد الشك الحاصل بعد الصلاة مع الشك الحاصل قبلها. فتصل النوبة إلی استصحاب الحدث بعد الصلاة وقد عرفت ان الحق جريانه خلافاً لما ذكره المحقق الهمداني في الفرع السابق . ولو فرضنا عدم جريانه كان مجرى قاعدة الاشتغال.
فتحصل أن الحكم بالصحة في الفرع الأول والبطلان في الثاني صحيح لا لما ذكره الشيخ بل لما ذكرناه إلا ان التفريع علی مسألة فعلية الشك واليقين غير صحيح.
**التنبيه الرابع**
أن المراد باليقين في أدلة الاستصحاب هل هو ما يعم مؤدّى الامارات والاُصول أم لا ؟ والبحث يقع في مقامين :
**المقام الأول**
في كفاية الامارات في جريان الاستصحاب:
الظاهر من كلمات الاصحاب ان المتسالم عليه بينهم هو كفاية قيام الامارة في ذلك ولم يظهر من أحد خلاف فيه الا من العلامة الشيخ مهدي الاصفهاني قدس سره. وهذا البحث مما أحدثه المحقق الخراساني قدس سره. وقبل البحث عن السرّ في كفاية الامارة مع ان المأخوذ في لسان الدليل هو اليقين الظاهر في اليقين الوجداني لا بدّ من ذكر أمرين :
**الأمر الأول****:** ان هناك بعض الروايات ربّما يستفاد منها في هذا المبحث فلا بد من ملاحظتها:
روى الكليني عن على بن إبراهيم عن أبيه عن اسماعيل بن مرار عن يونس عن معاوية بن وهب قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام: (الرجل يكون في داره ثم يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله ثم يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في داره ولا ندري ما حدث له من الولد الا انا لا نعلم انه أحدث في داره شيئاً ولا حدث له ولد، ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتی يشهد شاهدا عدل ان هذه الدار دار فلان بن فلان مات وتركها ميراثاً بين فلان وفلان أونشهد علی هذا؟ قال: نعم. قلت: الرجل يكون له العبد والأمة فيقول: أبق غلامي أو أبقت أمتي فيؤخذ بالبلد فيكلفه القاضي البينة أن هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه أفنشهد علی هذا إذا كلّفناه ونحن لا نعلم أنه أحدث شيئاً فقال: كلّما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو اُمته أو غاب عنك لم تشهد به).[^10]
والوجه في السؤال في القسم الأول من الحديث هو أن قضاة العامة ما كانوا يقبلون الشهادة علی الاسباب بل كانوا يطالبون بالشهادة علی المسببات ولا طريق للشهود في المقام الا استصحاب عدم الوارث الجديد وقاعدة اليد بالنسبة إلی عدم انتقال ملكه عن الدار لكفاية يد العيال والمستعير والوكيل ولان اليد كما تدل على أصل الملكية كذلك تدل علی بقائها وحيث إن الروايات تدل علی عدم جواز الشهادة إلا بمثل الشمس في الوضوح اشكل الأمر علی الراوي والمفروض ان الدار لا تقسم علی الورثة بدون هذه الشهادة والمراد بعدم القسمة عدم موافقة الحكومة والقضاة علی ذلك، فاجاز الامام عليه السلام هذه الشهادة. فهل هذه الاجازة علی وفق القاعدة أم بمقتضى الضرورة التي ألجأهم إليها مسلك قضاة العامة من عدم قبول الشهادة علی الاسباب؟ وقد ورد نظير ذلك في بعض الروايات من جواز تعديل الشهادة بنحو يقبلها القضاة ان خيف ضياع حق في صورة عدم الشهادة .
والحاصل أن الشق الأول من الرواية لا ربط لها بما نحن فيه بل خاص بجواز الشهادة علی طبق الاستصحاب أو قاعدة اليد فلا وجه لما ذكره بعض الاعاظم من دلالة صدر الرواية علی كفاية مؤدّى الامارة في الاستصحاب مع أن ما ذكر غفلة عما في ذيلها .
وأما القسم الثاني من الرواية فهو مورد الاستدلال علی عدم كفاية مؤدّى الامارة في جريان الاستصحاب وذلك لان مورد السؤال هو العبد المعلوم كونه عبداً لفلان سابقاً إلا انه يدعي اباقه فالشهادة علی الملكية حينئذ يتوقف علی صحة استصحاب الملكية التي دلت عليه قاعدة اليد قبل الاباق، فحكم الامام عليه السلام بعدم جواز الشهادة فهذه الرواية تدل علی خلاف مقصود بعض الاعاظم بموجب ذيلها.
ويمكن الخدشة في الاستدلال بهذه الرواية بوجوه .
**الوجه الأول****:** ان اسماعيل بن مرار لم يوثق. وما ذكر في توثيقه من شهادة ابن الوليد بصحة كتب يونس الا ما تفرد بروايته محمد بن عيسی بن عبيد ضعيف إذ غاية ما يدل عليه ذلك ان كتب يونس التي انفرد بها محمد بن عيسی لم تثبت صحة اسنادها إليه أو عدم الزيادة فيها والنقيصة واما غير ذلك من الكتب فهي ثابتة عن يونس وأما توثيق كل من يروي هذه الكتب فهذا لا يدل عليه . واما ما ذكره السيد الخوئي دام ظله من وروده في تفسير على بن إبراهيم فهذا لا يثبت وثاقته أما أولاً فلان مقدمته التي صرّح فيها بوثاقة رواته غير معلوم الاسناد إليه كما ذكر في المقابيس وأما ثانياً فلان المراد بالمشايخ الذين وصفهم بالوثوق ليس كل من وقع في اسانيده. وتفصيله في محله .
**الوجه الثاني** : ان خلاف مضمون هذا الذيل ورد في رواية اُخری .
روى الشيخ باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن أحمد بن الحسن وغيره عن معاوية بن وهب ولا أعلم ابن أبي حمزة الارواه عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: (الرجل يكون له العبد والأمة قد عرف ذلك فيقول: أبق غلامي أو أمتي فيكلفونه القضاة شاهدين بأن هذا غلامه أو أمته لم يبع ولم يهب أنشهد علی هذا إذا كلفناه قال : نعم).[^11]
وسند الشيخ إلی حسن بن محمد صحيح ظاهراً وهو ثقة واقفي وكذلك أحمد بن الحسن الذي هو الميثمي ثقة والظاهر أنه واقفي أيضاً ومع أنه لم يقطع بنقله عن على بن أبي حمزة إلا انه يذكره من جهة أنه من كبار الواقفية وهو عندنا غير ثقة إلا أن في باقي السند كفاية .
وحاول السيد الخوئي أيده الله الجمع بين الروايتين بلحاظ أن المراد من الرواية المانعة المنع عن الشهادة بأكثر مما تعلم به والمراد من الاُخری الاجازة في حدود العلم وجعل شاهد الجمع صحيحة معاوية بن وهب التي نقلها الكليني عن على بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن وهب قال: (قلت له ان ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان وتركها ميراثاً وانه ليس له وارث غير الذي شهدنا له فقال : اشهد بما هو علمك قلت ان ابن أبي ليلي يحلفنا الغموس فقال : احلف انما هو على علمك).[^12]
ولكن ظاهر روايات الباب ــ كما ذكرنا ــ أن القضاة ما كانوا يقبلون الشهادة علی الاسباب والمفروض في الرواية المجوّزة للشهادة وهي موثقة معاوية أنه لم يعلم بأكثر من الاسباب والمطلوب منه الشهادة علی المسببات فلا يمكن حملها علی الشهادة في حدود العلم واما هذه الرواية الاخيرة فالظاهر ان قوله اشهد بما هو علمك لتقريب المطلب الى ذهن الراوي وأن الشهادة هنا بموجب العلم وان كان مستنداً إلی الاستصحاب فانه علم تعبدي وتجويز الحلف عليه انما هو للضرورة كما ذكرناه وتعليله بانه بموجب العلم أيضاً باعتبار كون الاستصحاب علماً تعبدياً. فهذه الرواية تحتاج الی التأويل لا الموثقة. وكيف كان فالمعارضة قوية لو كانت الرواية الاُولی حجة في نفسها ولكنها ليست معتبرة كما بيناه. وعليه فالمعتمد هذه الرواية الدالة علی الجواز وكان ينبغي ان يذكره من أراد الاستدلال بالروايات علی الجواز بدلاً عن الرواية الاُولی .
**الوجه الثالث****:** أن عدم تجويز الشهادة بموجب الاستصحاب إذا كان مستنده الامارة لا يستلزم عدم جريان الاستصحاب في مثله أصلاً فان كلامنا في قيامه مقام القطع الطريقي ومورد الشهادة القطع الموضوعي، وربما يجوز الإخبار ولا تجوز الشهادة .
ويمكن الجواب عنه بأن القسم الأول من هذه الرواية أجاز الشهادة بموجب الاستصحاب ومنع عنها في القسم الثاني وهذا التفكيك لا وجه له الاعدم جريان الاستصحاب في مؤدى الامارة .
وكيف كان فرواية إسماعيل بن مرار غير معتمدة عندنا للاستدلال علی جريان الاستصحاب في المقام ولا على عدمه .
وينبغي ان ننبه على اننا وان قبلنا الرواية الثانية الدالة على جواز الشهادة بموجب الاستصحاب في مؤدى الامارة إلا انه لابد من حمل هذه الروايات علی صورة الضرورة وإلا فالشهادة لا تجوز على وفق الامارات فضلاً عن الاستصحاب. نعم يجوز الاخبار بمؤدى الامارات لانها كما تقوم مقام القطع الطريقي تقوم مقام القطع الموضوعي أيضاً. ولا يجوز الاخبار استنادا الى الاستصحاب مع انه أيضاً كذلك بناءً على انه توسعة في الكشف والسبب وجود قرينة خارجية وهي استنكار العقلاء له فان الاعتماد في الاخبار على الاستصحاب لا يختلف عندهم عن الاعتماد فيها على الكذب وهو واضح. وأما عدم جواز الشهادة بموجب الامارات فلان القطع المأخوذ فيها مأخوذ بنحو الصفتية فقد ورد انه لا تجوز الشهادة الا على ما هو بين كالشمس . نعم تجوز للضرورة كمورد الروايات السابقة وتجوز أيضاً فيما إذا كان مؤدى الامارة من الوضوح بمكان يعتبر التشكيك فيه من قبيل التشكيك في البديهيات ككون فلان ابناً لفلان مع ولادته على فراشه وعدم احتمال كونه من غيره احتمالاً عقلائياً، فهذا تصح الشهادة عليه مع انه يبتني علی الامارات أيضاً.
والسيد الخوئي «دام ظله» اعترف بأصل المطلب إلا انه حمل القسم الأول من الرواية الاُولى حيث أجيزت الشهادة بموجب الاستصحاب على ان المراد بالشهادة الإخبار لعدم ذكر القضاة في الرواية . وقد بينا ان الظاهر من الروايات أن السؤال انما هو للضرورة التي ألجأه إليها القضاة من جهة عدم قبولهم الشهادة على الاسباب .
**الأمر الثاني****:** ان المسالك في حجية الحجج ثلاثة :
المسلك الأول : تتميم الكشف . وقد قلنا به في بعض موارد الامارات كما مر بيانه في فصل الفرق بين الامارات والاصول في مبحث الاصل المثبت.
المسلك الثاني : جعل الحكم المماثل . وقد ذكرنا سابقا ان الأقوال فيه ثلاثة : الوجوب النفسي، والوجوب النفسي للغير، والوجوب الطريقي. ونحن نقول في الامارات المأخوذة علی وجه الموضوعية كالامارات الرسمية بهذا المسلك علی القول الأول.
المسلك الثالث : التنجيز والتعذير . وهذا رأي صاحب الكفاية ويلحق به القول بجعل الحجية كما عن المحقق الاصفهاني وجعل الحجية العقلائية كما عن بعض آخر.
ويختلف البحث فيما نحن فيه علی هذه المسالك، فعلى المسلك الأول تقوم الامارات مقام القطع الطريقي والموضوعي لأن المفروض اعتبارها علماً، وحيث إن موضوع الاستصحاب بناءً على الروايات هو اليقين الموضوعي فتقوم الامارة مقامه ويجوز الاستصحاب على طبق مؤداها . وهذا توسعة على وجه الحكومة .
وأما على المسلك الثاني فعلی القول الأول أي الوجوب النفسي يقتضي قيام الامارة على شيء علما وجدانيا بالحكم النفسي المجعول المماثل للحكم الواقعي فهو توسعة بنحو الورود لان العلم بالحكم المماثل في صورة كون الموضوع مخبراً به بخبر الثقة مثلاً انما هو توسعة واقعية بمعونة من التعبد إلا أن يقال: ان حيثية كونه مخبراً به حيثية تقييدية لا تعليلية فيكون موضوع الحكم المماثل غير موضوع الحكم الواقعي. ولعل القول الثاني أيضاً كذلك. وأما علی القول الثالث فيشكل لعدم اعتبارها علماً.
وأما على المسلك الثالث فهو محل الكلام والاشكال إذ المجعول هو المنجزية والمعذرية دون اعتبار الامارة علماً فلا تقوم مقام القطع وكذا بناءً علی جعل الحجية .
فتبين أن محل الكلام هو المسلك الثالث وهناك طريقان لاثبات حجية الاستصحاب على هذا المسلك :
**الطريق الأول****:** ما ذكره صاحب الكفاية وهو (بتقريب منا) : أن عنوان اليقين لا دخل له في حقيقة الاستصحاب إذ هو إما ابقاء ما كان كما ذكره الشيخ أو جعل الملازمة ظاهراً كما ذكره صاحب الكفاية فاذا قامت حجة علی الحدوث كفى في اثبات البقاء بموجب هذه الملازمة المجعولة التي طرفاها نفس الحدوث والبقاء فلا حاجة إلی التوسعة بنحو الحكومة أو الورود إذ ليس اليقين موضوعاً في جعل الاستصحاب . فلا تدخل المسألة في مسألة قيام الحجج مقام القطع الموضوعي علی وجه الطريقية .
واعترض عليه بوجوه :
الوجه الأول : ان هذا مناقض لما ذكره في مقام الجواب عن الشيخ حيث ذهب الی اختصاص دليل الاستصحاب بموارد الشك في الرافع نظراً إلی أن المراد باليقين هو المتيقن باعتبار كونه مرآة له فلابد أن يكون فيه اقتضاء البقاء ليصح التعبير بالنقض فاعترض عليه صاحب الكفاية بأن اليقين بنفسه أمر مستحكم ثابت بخلاف الشك فيصح التعبير والظاهر منه أن اليقين دخيل في الاستصحاب وهذا مناقض لما ذكره في المقام.
والجواب عنه: انه لا منافاة بينهما لما ذكرناه مراراً من أن التناسب بين اجزاء الكلام انما يلاحظ باعتبار المراد الاستعمالي وان كان مخالفاً للمراد الجدي ففي صحة التعبير بالنقض يلاحظ نفس عنوان اليقين ومقتضياته وان كان المراد الجدي هو جعل الملازمة بين الحدث والبقاء وقد مر تفصيل ذلك في مناقشة التفصيل بين المقتضي والمانع.
الوجه الثاني : ان مقتضی أصالة التطابق بين القضية اللفظية والقضية اللبية أن يكون اليقين هو الموضوع واقعاً فما ذكره صاحب الكفاية خلاف الظاهر .
والجواب عنه : ان خلاف الظاهر يصار إليه بالقرينة وذلك بعد ملاحظة كثرة استعمال اليقين في المرآتية الصرفية كقوله تعالی (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..)[^13] إذ لا خصوصية للتبين والموضوع نفس طلوع الفجر وقوله تعالی (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..)[^14] بناءً على أن المراد بالشهود هو العلم.
والقرينة في ما نحن فيه داخلية وخارجية .
أمّا الأول فلانه من المعلوم ان المراد في المقام هو الحكم في مرحلة البقاء ولا دخل لكشف الشيء في مرحلة الحدوث في ذلك وانما الدخيل نفس الحدوث فالمراد بجعل الاستصحاب هو التعبد بالبقاء ولذا يجري الاستصحاب إذا كان في بقاء الشيء اثر دون حدوثه .
وأما الثاني فلان مقتضى دلالة موثقة معاوية بن وهب علی جريان الاستصحاب في مؤدى الامارة ومقتضى كونه أمرا متسالماً عليه عندهم ــ مع ان المجعول في حجية الامارة عند صاحب الكفاية هو المنجزية والمعذرية ــ هو أن تكون حقيقة الاستصحاب جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء دون جعل الحكم المماثل فلابد من أن يكون موضوع الاستصحاب في مورد الامارة نفس الحدوث والبقاء. وحيث انه لا يمكن التفكيك بين موارد الاستصحاب بان يقال في مورد العلم الوجداني بالتوسعة في الكشف وفي مورد الامارة بجعل الملازمة فلا بد من أن يكون العلم في لسان الدليل مأخوذاً بنحو المرآتية لا الموضوعية حتی يصح اعتبار الاستصحاب في مؤدى الامارات دون تفكيك في حقيقته ودون الالتزام بجعل الحكم المماثل.
الوجه الثالث : ما ذكره المحقق النائيني من عدم امكان جعل الملازمة عقلاً .
والجواب عنه : ان جعله غير معقول بنحو الاعتبار القانوني واما بنحو الاعتبار الادبي فلا مانع منه ولذا يقولون في ما اذا ورد من الشارع التصريح بجعل السببية للزوال انه كناية عن كونه موضوعاً للحكم بوجوب الصلاة . ويمكن الالتزام به في المقام أيضاً فيكون المجعول حقيقة هو الحكم بالبقاء عند تحقق الحدوث ونعبر عنه بالملازمة بنحو الاعتبار الادبي .
الوجه الرابع : ما ذكره السيد الخوئي «دام ظله» كما في مباني الاستنباط وهو أن لازم جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء عدم انحلال العلم الاجمالي اذا قامت الحجة في بعض الاطراف فيكون هذا مخالفاً لما نقوله في قبال الاخباريين من انحلال العلم الاجمالي بوجود تكاليف شرعية لقيام الحجة علی المقدار المعلوم بالاجمال ولذا لا يجب الاحتياط . وورد في بعض تقريراته ان هذا لازم جعل الملازمة في المنجزية اذ يكون مفاد الاستصحاب حينئذ ان المنجز حدوثا منجز بقاءاً فيبقى العلم الاجمالي على منجزيته حتی بعد قيام الحجة .
والانصاف انا لم نفهم منه وجهاً صحيحاً يناسب مقام القائل إذ لا ربط لانحلال العلم الاجمالي بالاستصحاب فان كون الحادث هو الباقي مقطوع به الا ان الحادث كان مشتبها بين عدة امور وقيام الحجة رفع الاشتباه بنحو من الانحاء علی اختلاف الاقوال في المسألة فانحل العلم الاجمالي ولم يرفع امراً حادثا حتی ينافيه جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء.
واما بناءاً علی التقرير الثاني من أن ذلك لازم جعل الملازمة بين تنجز الحدوث وتنجز البقاء ففيه أولاً أن صاحب الكفاية لا يقول به. وثانياً ان هذا انما يتم فيما اذا كان منجز الحدوث باقياً وهم لا يقولون ببقاء العلم الاجمالي إذ المفروض انحلاله .
فتحصل أن هذه الاعتراضات غير واردة وان كلام صاحب الكفاية صحيح علی مبناه من جعل المنجزية والمعذرية في الامارات . نعم المبنى غير صحيح .
**الطريق الثاني****:** ما ذكره المحقق الاصفهاني ويقاربه كلمات بعض الاعاظم وجماعة وهو ان المراد باليقين هو الحجة والمراد بالشك هو اللاحجة فادلة حجية الامارات توسع موضوع الاستصحاب بنحو الورود.
والسرّ في هذا القول أيضاً هو نفس القرائن التي ذكرناها في كلام صاحب الكفاية والفرق انه يقول بجعل المنجزية والمعذرية في الامارات فلزمه القول بالملازمة وهؤلاء يقولون بجعل الحجية فيها فيلزمهم القول بان المراد باليقين هو الحجة، مضافاً إلی القرائن الداخلية فان مورد صحيحتي زرارة هي الطهارة الحدثية والخبثية مع ان العلم الوجداني لا يحصل بهما غالباً بل يحكم بالأول بموجب قاعدة الفراغ وبالثاني بموجب قول ذي اليد ونظائره ومع ذلك ورد التعبير فيهما بانه علی يقين من طهارته ونظير ذلك مضافاً إلی مناسبة الحكم والموضوع وتنقيح المناط، كما ورد في تعابيرهم.
وفيه أولاً ان عدم حصول العلم الوجداني بالطهارة الحدثية والخبثية خلاف الوجدان ولو كان الانسان شاكاً في صحة وضوئه حتی حال الوضوء لم يجز له الاجتزاء به فالعلم حاصل إلا انه يمكن التشكيك فيه وازالة صفة العلم منه وهذا غير عدم حصول العلم اساساً.
وثانياً ان حمل اليقين علی الحجة والشك علی اللاحجة خلاف الظاهر. وهذا اشكال مشترك بينهم وبين صاحب الكفاية. ودعوی أنّ هذا الحمل انما يتم بموجب القرائن عذر مشترك أيضاً فلا وجه لتقديم هذا القول.
وثالثاً : ان الحجة هو ما يصح الاحتجاج به للمولی على العبد وبالعكس، ومرجع قوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشك) الی جعل الحجة علی الحدوث حجة علی البقاء بتعبير المحقق الاصفهاني وإلی جعل الملازمة بينهما بتعبير بعض الاعاظم، ومن المعلوم انه لا يعتبر في الاستصحاب اتصاف الكاشف الاول بالحجية كما اذا كان المستصحب جزءً للموضوع ولا أثر له من حيث الحدوث فما يكشفه لا يطلق عليه الحجة إذ يختص ذلك بما إذا كانت الامارة موجبة للتنجيز والتعذير ليكون حجة علی العبد أو له، فاذا كان المراد باليقين هو الحجة لزم منه تضييق دائرة الاستصحاب بما اذا كان الأمر السابق ذا أثر في مرحلة الحدوث وهذا لا يقول به أحد من الاعلام، الا ان يقال: ان المراد بالحجة الحجة الشأنية التي لو قامت علی ماله أثر شرعي كان حجة. وهو كما تری.
وهذا الاشكال لا يلزم علی صاحب الكفاية فاذا قامت امارة علی ما ليس له أثر في مرحلة الحدوث صح اطلاق الحجة عليه باعتبار الملازمة وترتب الاثر في البقاء .
**المقام الثاني**
في جريان الاستصحاب في مؤديات الاُصول:
الاصل قد يكون جارياً في نفس الحكم الشرعي أو موضوعه وقد يكون جارياً في أمر آخر يثبت الحكم الشرعي بنحو من الملازمة الشرعية كطهارة الثوب المغسول بماء مستصحب الطهارة .
أما في القسم الأول فان كان الحكم السابق ثابتا بالاستصحاب كما اذا استصحب طهارة الثوب مع الشك في إصابة البول ثم شك في إصابة الدم مثلا فلا وجه لاستصحاب الحكم المستصحب لامكان استصحاب الحكم الواقعي السابق ولا فرق في شمول (لا تنقض اليقين بالشك) بين تعدد مناشئ الشك ووحدتها فالاستصحاب الأول باق في المقام ولا حاجة الی استصحاب آخر. وان كان الحكم السابق ثابتا بقاعدة الطهارة والحلية فكذلك لان دليل القاعدتين مغيّى بالعلم فما لم يعلم بالحرمة والنجاسة تجري القاعدة بنفسها والشك الحادث لا يؤثر في موضوعها إذ المفروض بقاء عدم العلم .
وأما في القسم الثاني فالاصل الأول لا يثبت الحكم الا حدوثاً فلا مانع من اجراء الاستصحاب للحكم ببقائه فاذا غسل الثوب المتنجس بماء مستصحب الطهارة حكم بطهارة الثوب حدوثا فاذا شك في إصابته بعد ذلك بنجاسة اخرى فلا مانع من إجراء الاستصحاب في طهارة الثوب وان كانت طهارتها ثابتة حدوثا باستصحاب طهارة الماء وكذا الحال فيما إذا كان الحكم بطهارة الماء المغسول به بموجب قاعدة الطهارة .
**التنبيه الخامس**
في أن القضية المتيقنة ان كانت معلومة بالعلم الاجمالي فهل يجري الاستصحاب أم لا ؟
وهذه المسألة يعبر عنها في كلمات القوم باستصحاب الفرد المردد وقد ذكرها بعضهم في مبحث الاشتغال باعتبار ان السؤال يقع في أنه هل يمكن قيام الاستصحاب مقام قاعدة الاشتغال أم لا ؟ فاذا شككنا في أن الواجب هل هو صلاة الظهر أو الجمعة مع الاتيان بأحدهما فهل نحكم ببقاء الوجوب المعلوم بالاجمال أم لا ؟ وذكرها السيد الطباطبائي قدس سره في البحث عن اصالة اللزوم في حاشية المكاسب وقال بجريان الاستصحاب في الفرد المردد وانه مغن عن استصحاب القسم الثاني من الكلي وذكرها بعضهم في بحث استصحاب الكلي وأما نحن فنخصّص لها تنبيها لاهميتها وذكرناها هنا لربطها بما مضی من حيث كون اليقين اما تفصيليا أو اجمالياً وبما يأتي من اقسام استصحاب الكلي.
ومحل الكلام فيما اذا كان الاثر مترتباً علی الفرد لا على الكلي وله صور أربعة :
الصورة الأولى : ان يكون أحد المعلومين بالاجمال مقطوع البقاء علی تقدير حدوثه والآخر مقطوع الارتفاع كمسألة الظهر والجمعة التي مر ذكرها.
الصورة الثانية : ان يكون أحدهما مقطوع الارتفاع علی تقدير حدوثه والآخر مشكوك البقاء كما اذا صلی الظهر في المسألة السابقة وشك في اتيان الجمعة .
الصورة الثالثة : ان يكون أحدهما مقطوع البقاء علی تقدير حدوثه والآخر مشكوكه كما اذا علم بعدم اتيان احدهما وشك في اتيان الآخر .
الصورة الرابعة : ان يكون كل منهما مشكوك البقاء علی تقدير حدوثه كما اذا شك في اتيان كل منهما .
وهنا أقوال ثلاثة : جريان الاستصحاب مطلقا كما نقلناه عن السيد قدس سره وعدمه مطلقاً وعليه الأكثر وتفصيل المحقق النائيني بالقول بعدم الجريان في القسمين الاولين وجريانه في الاخيرين .
ومستند القول بعدم الجريان مطلقا هو أن المكشوف بالعلم الاجمالي أمر انتزاعي جامع وهو ثبوت أحد الوجوبين أو بتعبير مسامحي([^15]) وجوب أحد الامرين، وهذا العنوان الانتزاعي لا اثر له إذ لا يترتب عليه حكم شرعي، والذي له الأثر الشرعي وهو وجوب الظهر خاصة أو وجوب الجمعة خاصة لم ينكشف، فلا يمكن الاستصحاب إذ لابد فيه من تعلق اليقين بما له أثر شرعي، والمفروض أنّ ما تعلق به اليقين جامع انتزاعي لا اثر له وما له الاثر لم يتعلق به يقين.
ومستند القول بالجريان مطلقا هو دعوى ان المكشوف بالعلم الاجمالي هو الواقع أي وجوب الفرد الواقعي وهناك طرق لتقرير هذا الامر:
الطريق الاول : ان العلم بالشيء قد يكون بانكشافه بنفسه وقد يكون بانكشافه بالعنوان الكلي المنطبق عليه . ولذا ذكر الشيخ في قوله عليه السلام (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتی تعرف الحرام منه بعينه) ان المعرفة قد تكون بعين الشيء وقد تكون بعنوانه الكلي ويعبر عنه بالعلم الاجمالي فالقيد قيد للمعرفة لا للحرمة . وبعبارة اُخری الفرق بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي انما هو من جهة تصور الموضوع فالفرق بين قولك : صلاة الظهر واجبة وقولك : احدی الصلاتين واجبة انك تصورت الموضوع في الأول بصورته التفصيلية وفي الثاني بعنوانه المشير اليه. ولذلك يقال ان الوضع بنحو كون الوضع عاما والموضوع له خاصا امر ممكن باعتبار امكان تصور الشيء بوجهه وعنوانه .
والجواب عنه : ان الكلي لا يحكي عن الفرد فانه لا يحكي عما ينطبق عليه بل عما يطابقه . وضم الاشارة الوهمية الی العنوان المعلوم لا يوجب انكشاف متعلق الوجوب واقعاً وهو الفرد فقولك (ذلك الفرد الذي ينطبق عليه عنوان أحدهما) لا يوجب العلم به. والا لكان كل جاهل بسيط عالماً بالواقعيات اذ الجاهل بقيام زيد يعلم انه اما قائم أو غير قائم لامتناع ارتفاع النقيضين.
الطريق الثاني : ان العلم الاجمالي قد ينشأ من اشتباه المعلوم بالتفصيل مع غيره وفي هذا المورد لاشك في أن العلم الاجمالي يكشف عن واقع خارجي لان الصورة المنكشفة في الذهن مأخوذة من واقع خارجي اذ المفروض سبق العلم التفصيلي وحيث ان حقيقة العلم الاجمالي واحدة في جميع الموارد فلابد من أن يكون كاشفاً عن واقع الجزئي الخارجي دائماً.
والجواب عنه : أولاً ان هناك من يقول بالتفصيل المذكور في موارد العلم الاجمالي وهو المحقق النائيني قدس سره .
وثانياً : انه لا فرق في الموارد والعلم الاجمالي في الصورة المفروضة أيضاً لا يكشف عن الواقع والصورة المأخوذة لا يكشف عما أخذ منه بل عما يطابقه فلو فرضنا أن مؤسسة صناعية صنعت كمية من آلة مخصوصة وأخذت صورة من احداها وجعلت علی علبة كل منها صورة منه فان هذه الصورة لا تحكي عما أخذت منه اي تلك الآلة المصوّرة بعينها بل تحكي عما في العلبة لانطباقها عليها . وكذلك الصورة الذهنية فانها لا تحكي عما أخذت منه وان كان جزئياً بل تحكي عما يطابقها.
الطريق الثالث: وهو ما كنا نقول به سابقاً وهو أن العلم الاجمالي وان كان بالذات كاشفاً عن الجامع الا انه يكشف عن الواقع عند العقلاء وذلك في خصوص ما اذا كان منجزاً ويؤيد ذلك ما ذهب اليه بعض الاعلام من كشفه عن الواقع فهذه الاقوال وان كانت غير صحيحة علمياً الا انها تؤيد الارتكاز العقلائي ومن هؤلاء الاعلام السيد صاحب العروة حيث ذهب الی جريان استصحاب الفرد المردد ومنهم المحقق العراقي حيث ذهب الی ان وجوب الموافقة القطعية من جهة أن العلم الاجمالي يكشف عن الواقع وينجزه فاحتمال التكليف في كل من الطرفين احتمال للتكليف المنجز ولا مانع من كون الشيء كاشفاً ذاتياً عن العنوان الجامع وكاشفاً عقلائياً عن الواقع . وما ذكره صاحب الكفاية وغيره من ان العام عنوان للخاص فيوجب تصوره بوجه ووضع اللفظ له، ونظائر هذا القول شواهد علی ان هذا من قبيل الامارات له نوع كاشفية عن الواقع . ولا مانع من كون الشيء كاشفاً بالذات عن شيء وبالعرض عن شيء آخر أو كون الشيء حجة ذاتية من جهة وعرضية من جهة اُخری كقطع المجتهد بالنسبة الی نفسه وبالنسبة الی مقلديه . والی ما ذكرنا يرجع قول صاحب الكفاية من أن العلم الاجمالي لا يكشف عن الواقع تمام الانكشاف ذكره في أواخر مبحث القطع فان المراد بالواقع ليس هو العنوان الكلي إذ هو معلوم تمام الانكشاف .
إذا صحّ هذا امكن القول في ما نحن فيه بجواز استصحاب الفرد المردد لانه منكشف بالعلم الاجمالي ولكنه يختص بما اذا كان منجزاً للتكليف، اذ لا نقول بكاشفيته مطلقا فلا يرد النقض بان الجاهل البسيط يعد عالماً حينئذ.
ولكنا عدلنا عن هذا القول فيما بعد ووجدنا الشواهد غير كافية لدعوى هذا الكشف العقلائي وفسرنا الفرق بين مورد احتمال التكليف المنجز عن غيره عند العقلاء بسبب آخر وهو ان الاحتمال اذا قارن العلم الاجمالي يعتبر من الاحتمالات القوية التي يجب الاهتمام بها فالتنجيز من باب الاحتمال المنجِّز لا احتمال التكليف المنجَّز .
توضيح ذلك اجمالاً : ان الاحتمال قد يكون من القوة بمكان يعد اطمينانا عقلائياً كما اذا كان 99% وقد لا يكون كذلك فان كان شبهة بدوية لم ينجز تكليفاً ولا يهتم به العقلاء وان كان 60% مثلاً وأما ان كان مقوماً للعلم الاجمالي ينجّز التكليف ويهتم به العقلاء مع انه 50% لان الاحتمالان يشكلان علماً اجمالياً فيلاحظ انه لو جمع احتمالات مائة مورد من الشبهة البدوية مع ان احتمال كل منها 90% لا يحصل منه علم اصلاً واما اجتماع احتمالين في مورد العلم الاجمالي يوجب العلم مع ان كلاً منها 50% وليس هذا الا لتوزيع قدرة العلم الاجمالي عليهما ولذا لا يتنجز الاحتمال في الشبهة الغير المحصورة لان توزيع القدرة على محتملات كثيرة لا يوجب تقوية كل من الاحتمالات .
فتحصل أن القول بجريان الاستصحاب مطلقا يتوقف علی كون العلم الاجمالي كاشفاً عن الفرد الواجب الواقعي وهو غير كاشف . نعم لو كان كاشفاً عن ذلك لم يكن وجه للتفصيل بين كون أحدهما مقطوع الارتفاع أم لا فما دام الواجب الواقعي المكشوف مشكوك البقاء يجري فيه الاستصحاب وان كان أحدهما بعنوانه التفصيلي مقطوع الارتفاع . ولكن قد عرفت ان المكشوف في العلم الاجمالي ليس الا الامر الانتزاعي وهو عنوان أحد الوجوبين دون الفرد الواجب الواقعي فالقول بجريان الاستصحاب مطلقا غير صحيح .
وفي قبال ذلك القول بعدم الجريان مطلقا لا في الفرد الواقعي ولا في العنوان الانتزاعي وهذا رأي المحققين العراقي والاصفهاني وان كان الثاني لم يتعرض الا لعدم جريانه في الفرد الواقعي ولكن الأول تعرض للعنوان الانتزاعي أيضاً وذكر انه وان كان مكشوفاً بالعلم الاجمالي الا انه لا يترتب عليه اثر شرعي فان المجعول شرعاً هو وجوب الظهر بحده أو الجمعة بحدّها وهو غير مكشوف والجامع بين الوجوبين ليس مجعولاً شرعياً فلا يمكن استصحابه.
ومحل الكلام في كون الجامع الانتزاعي ذا اثر شرعي أم لا هو مبحث الاشتغال ويمكن ان يستفاد من كلام صاحب الكفاية أيضاً القول بالترخيص في اطراف العلم الاجمالي نظراً الی ان المكشوف لا اثر له وما له أثر غير مكشوف وذهب الشيخ وتبعه المحقق النائيني الی ان العلم الاجمالي يقتضي بنحو العلية التامة حرمة المخالفة القطعية بدعوی أن عنوان أحدهما هو حدّ العلم وهذا المقدار يتنجز واما وجوب الموافقة القطعية فهو من جهة تعارض الاصول. والسرّ في ذلك أن الامر الانتزاعي ليس شيئاً في الواقع الا منشأ انتزاعه فاذا كان الفرد الواقعي موجباً للتنجز لو انكشف فهذا الامر المنتزع منه الذي هو حدّ العلم ينجّز الواقع أيضاً اذ ليس له واقعية غير الواجب الواقعي وانما هو أمر ينتزعه العقل لبعض الدواعي. والداعي له في المقام تعلق العلم الاجمالي به فهو من الماهيات العقلية المخترعة لا من الماهيات التحليلية كالجامع الواقعي بين الأمرين كالانسان بالنسبة الی زيد وعمرو مثلاً فانه من قبيل التكثر الادراكي للشيء واما الماهيات الاختراعية فليس لها حقيقة غير الفرد الخارجي حتی بنحو التحليل والتكثر الادراكي ولذا لا يمكن للعقل أن يدرك عنوان أحدهما بتحليل حقيقة زيد وعمرو وانما هو أمر يخترعه لداع من الدواعي . فاذا صحّ ذلك فعنوان أحدهما الذي كشف العلم الاجمالي عن وجوبه متّحد في الحقيقة مع ذلك الفرد الواقعي الواجب فينجّز الوجوب بحدّه كما انه لو كان الفرد الواقعي مكشوفاً بنفسه لتنجز الوجوب بحدّه وهذا يقتضي بنحو العلية التامة وجوب الموافقة الاحتمالية .
وبهذا يظهر ان انكشاف عنوان أحدهما أيضاً له اثر شرعي فما ذكره المحقق العراقي من عدم الاثر له محل اشكال .
وأما تفصيل المحقق النائيني في المقام فهو أنه لو كان أحدهما مقطوع الإرتفاع على تقدير حدوثه لم يجر الاستصحاب وان لم يكن كذلك جرى .
والسرّ في ذلك ان المكشوف بالعلم الإجمالي هو أحد الوجوبين وقد عرفت انه له اثر شرعي وهو لا يقول بان المكشوف به هو الواقع والا لما احتاج في اثبات وجوب الموافقة القطيعة الى تعارض الاُصول بل اكتفى باحتمال التكليف المنجز في كل من الأطراف فإذا كان المكشوف أحد الوجوبين كان موضوعاً لحكم العقل بوجوب اتيان أحدهما فتجب الموافقة الإحتمالية وهذا المعنى هو الذي يستصحب حين الشك . وأمّا وجه التفصيل بين الموردين فهو أن في صورة كون أحدهما مقطوع الإرتفاع لا يبقى الشك الإجمالي فلا تتحد القضية المتيقنة والقضية المشكوكة .
توضيح ذلك: ان العلم الاجمالي يعاصر دائماً شكوكاً تفصيلية في الاطراف فان حدّ العلم هو عنوان احدهما الذي انتزعه العقل من الواقع المشكوك ليتعلق به العلم كما ينتزعه تارة ليتعلق به الوجوب كما في الواجب التخييري. وقد ينتزعه العقل ليكون حداً للتعبير فقط كما اذا كنت عالماً بان زيداً عادل ولمصلحة لم تذكر اسمه وانما تقول بالترديد احد الرجلين او الرجال عادلٌ فهذا عنوان انتزاعي جعلته حداً لتعبيرك لمصلحة من المصالح ولكنه ليس حدَّا للعلم، فاذا قطع المكلف بارتفاع احد الوجوبين كما اذا اتى بالجمعة قطعاً وشك في اتيان الظهر او قطع بعدمه كان شاكاً في توجه التكليف بالظهر اليه شكاً تفصيلياً ولا يصح ان يقول بالشك في توجه احد الوجوبين بنحو يكون عنوان (احدهما) حدّا للشك بل لو قال ذلك كان حداً للتعبير كما في المثال المذكور فهو اجمال في مقام التعبير لا في الواقع. وحينئذ فاساس القضية المتيقنة وجوب أحد الامرين من الظهر والجمعة فالاجمال في الواقع وأساس القضية المشكوكة الحاصلة بعد القطع بارتفاع احد الوجوبين لاتيانه بالجمعة الشك في وجوب الظهر فقط فلا يجري الاستصحاب واتحادهما باعتبار صحة القول بالقطع بوجوب أحدهما سابقاً والشك في وجوب أحدهما لاحقاً انما هو من جهة التعبير فقط فان عنوان (أحدهما) هناك حدّ للعلم وهنا حد للتعبير .
واعترض عليه المحقق الاصفهاني بأن الفرد الواجب الواقعي مشكوك فيه فلا فرق بين الصور فتنحصر المناقشة في ان ذلك الفرد الواقعي غير مكشوف .
وهذا الإعتراض مبني على أن يكون مورد الاستصحاب في كلام المحقق النائيني هو الفرد وعليه فلا فرق بين الصور وقد بينا أنه ليس كذلك.
واعترض عليه المحقق العراقي بوجهين :
الوجه الأول : ان الشك الإجمالي يجتمع مع العلم التفصيلي بأحد الطرفين كما يجتمع العلم الإجمالي مع الشك التفصيلي في الاطراف فلا مانع بعد العلم بارتفاع أحد الوجوبين من أن يقال اشك في وجوب أحدهما اذ المفروض بقاء الشك في الآخر .
والجواب عنه ظهر ممّا تقدّم. والقياس على العلم الإجمالي المعاصر للشك التفصيلي غير صحيح فان الشكين هناك مقومان لحقيقة العلم الإجمالي فلو انقلب الشك في أحدهما علماً لم يبق علم إجمالي ولذا ينحل انحلالاً حقيقياً، ولكن الشك الإجمالي لا يجتمع مع العلم التفصيلي بل ذلك شك تفصيلي في أحد الطرفين معينا وإنّما يجتمع مع الشك التفصيلي في الطرفين كما إذا شككت في عدالة كل من زيد وعمرو مع الشك في عدالة أحدهما أيضاً بمعنى انك لا تعلم اجمالا بعدالة احدهماوهنا يكون عنوان أحدهما حداً للشك أيضاً .
الوجه الثاني: ان هذا لو تم لجرى الاشكال في استصحاب القسم الثاني من الكلي فان العلم السابق كان معاصراً مع الشك في كون الموجود هو الفرد الطويل أو القصير والشك فعلاً انما هو في بقاء الفرد الطويل ان كان هو الموجود واما الفرد القصير فهو مقطوع الارتفاع فالاشكال مشترك الورود.
والجواب : ان الكلي المعلوم بالتفصيل هناك هو المستصحب والعلم متعلق به وهو عنوان واقعي فحد العلم هناك هو حد الواقع بعينه فان وجود زيد في الدار متحد مع وجود الماهية النوعية فالعلم هناك علم تفصيلي والشك في خصوصية زيد وعمرو لا يوجب انقلابه علماً اجمالياً كما أن الشك في خصوصيات المعلوم الشخصي كزيد مثلاً اذا شك في كونه عالماً أو جاهلاً لا يوجب كون العلم به علماً اجمالياً. وهذا بخلاف المقام فان عنوان احدهما عنوان مخترع جعل حداً للعلم وليس حداً للواقع بل حد الواقع مجهول وقد عرفت ان العلم بارتفاع أحدهما في المقام يوجب ارتفاع العلم الإجمالي بخلاف العلم بارتفاع أحد فردي الكلي هناك فانه ليس مقوماً للعلم بالكلي ولا هو مستصحب بل الكلي هو المستصحب والعلم بارتفاع أحدهما يوجب الشك في بقاء الكلي كما هو واضح.
والحاصل أن العلم هناك تفصيلي فلا ربط له بالمقام والعلم هنا إجمالي والشك أيضاً اجمالي فالعلم الإجمالي هو ما يكون متعلقاً بما ليس حداً للواقع وكذلك الشك فاذا تعلق الشك بما هو حد للواقع والعلم أيضاً بما هو حد للواقع فهذا معناه ان العلم تفصيلي والشك تفصيلي وكل منهما متعلق بأحدهما معيناً .
والذي يسهل الخطب ان مورد هذا الاستصحاب مورد لقاعدة الاشتغال أيضاً فهي مغن عنه فاذا علمنا بوجوب الظهر أو الجمعة وعلمنا باتيان أحدهما وشككنا في الآخر أو علمنا بعدمه فقاعدة الاشتغال تقتضي وجوب الاتيان به فلا حاجة الى الاستصحاب بل قاعدة الاشتغال تقتضي اكثر مما يقتضيه الاستصحاب فان مقتضاه بقاء العلم الإجمالي ووجوب الموافقة الاحتمالية ومقتضاها بقاء التكليف حتى يأتي بما يوجب البراءة اليقينية والموافقة القطعية.
هذا مضافاً إلى ان استصحاب وجوب أحدهما أي العنوان الإجمالي لا يترتب عليه أثر وقد عرفت انه مورد كلام المحقق النائيني والوجه في ذلك انه معارض باستصحاب عدم الوجوب في كل منهما. ولا يجري في المقام تعارض الاُصول الترخيصية في الاطراف كما يجري في صورة العلم الإجمالي. وذلك لأن المعارض لجريانها معاً هناك هو العلم والمعارض هنا استصحاب الوجوب فلا وجه لتقديمه عليهما .
**التنبيه السادس**
**في استصحاب الكلي**
قد بينا آنفا الفرق بين استصحاب الكلي واستصحاب المعلوم بالاجمال فان الاثر هنا مترتب على نفس الكلي الجامع وهناك على الفرد الواقعي المردد . فالعلم هنا تفصيلي وان كان المعلوم عنواناً جامعاً إلا انه عنوان واقعي وليس اختراعياً كعنوان أحدهما.
ولاستصحاب الكلي اقسام ثلاثة :
**القسم الأول** **:** أن يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في بقاء الفرد الذي تحقق بتحققه الكلي كالشك في بقاء الإنسان للشك في بقاء زيد والعلم انما تعلق بوجود الانسان في ضمنه .
**القسم الثاني** **:** أن يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في تحققه في ضمن فرد مقطوع الارتفاع أو فرد مقطوع البقاء.
**القسم الثالث****:** ان يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في تحقق فرد آخر له بعد العلم بارتفاع الفرد الذي تحقق في ضمنه أولاً. وقد أضاف السيد الخوئي ‹ دام ظله› قسماً رابعاً وسيأتي وجه النظر فيه.
وقبل التعرض لتفاصيل هذه الاقسام لابد من ذكر أمرين :
**الأمر الأول** :
أن المراد بالكلّي أعم من الكليات المتأصّلة كالإنسان والكليات الإنتزاعية كالمشتقات بناءاً على كونها انتزاعية والكليات الاعتبارية كالنجاسة والطهارة.
وأما المراد بالفرد فيختلف بحسب موارد اطلاقه فقد يطلق ويراد به الجزئي الاضافي كما يقال من ان استصحاب الفرد هل يغني عن استصحاب الكلي أم لا؟ فإن المراد به هنا ما يشمل الكلي الأضيق دائرة ففي مثال الحيوان مع البق والفيل مثلاً إذا قلنا بان استصحاب عدم الفرد الطويل مقدم على استصحاب الحيوان فالمراد بالفرد هنا هو الجزئي الاضافي فإن الفيل أيضاً كلي اضيق دائرة من الحيوان. وكذا في نظائره من الموارد. وذلك لأن الجزئي الحقيقي إذا وجد وجد بوجوده كليات متعددة بعضها أوسع من بعض فالاستصحاب في أحدها بالنظر الى شموله للجزئي الحقيقي يعبر عنه باستصحاب الكلي وبالنظر إلى دخوله تحت كلي آخر يعبر عنه باستصحاب الفرد .
وقد يطلق في مقام تمايز اقسام استصحاب الكلي فيراد به الجزئي الحقيقي أي ما هو ذو هوية شخصية، فإذا قلنا في القسم الأول ان الشك في بقاء الإنسان مثلاً من جهة الشك في بقاء فرده كان معناه الجزئي الحقيقي المتشخص وهو زيد مثلاً وان قلنا في القسم الثاني ان الشك في بقاء الحيوان من جهة الشك في تحققه في ضمن الفرد الطويل وهو الفيل أو الفرد القصير وهو البق فليس المراد كلي البق والفيل بل الجزئي الحقيقي منهما ولا يمكن ان يراد به الجزئي الاضافي في المقام حتى يشمل الكلي الاضيق دائرة من كلي آخر إذ الكلام هنا في بقاء الكلي ببقاء فرده فلابد أن يكون المراد بالفرد ما هو موجود في الخارج وهو يساوق التشخص، ولو كان المراد بالفرد ما يشمل الكلي الاضيق دائرة لم يكن وجه للاشكال الوارد في استصحاب القسم الثاني فإن مبنى الاشكال ــ كما سيأتي ــ هو ان الكلي الموجود بوجود هذا الفرد غير الكلي الموجود بوجود الفرد الآخر فالكلام إنما هو في الموجود وهو مساوق للمتشخص .
فالحاصل ان الميزان في تشخيص اقسام استصحاب الكلي هو وحدة الهوية الشخصية وتعددها . ولذا لو شككنا في بقاء الإنسان من جهة الشك في بقاء زيد وكان منشأ الشك هو الشك في كونه صحيحاً أو مريضاً لم يكن من القسم الثاني وان كان الصحيح والمريض جزئيان اضافيان بالنسبة الى الإنسان وأحدهما فرد طويل والآخر فرد قصير فلو كان المراد بالفرد الجزئي الاضافي كان داخلاً في هذا القسم ولكنه من القسم الأول والسرّ فيه ان الميزان في القسم الثاني هو تعدد الهوية الشخصية وسيأتي ان الصحة والمرض وغيرهما من الحالات الطارئة على الماهية الشخصية لا يوجب تعددها.
**الأمر الثاني** **:**
أن القسم الأول يمتاز عن القسمين الاخيرين بعدم تعدد الهوية الشخصية فيه وهذا التعدد في مثل الامور التأصلة واضح كتعدد زيد وعمرو ولكنه يوجب الاشتباه في الاُمور الاعتبارية كالاحكام الشرعية فلا بد من بيان ضوابط لتعدد الهوية الشخصية فيها فانها ليست كالاُمور المتأصلة فمثلاً قد نعلم بوجود زيد ووجود الإنسان في ضمنه ولكنا نشك في انه رومي أو زنجي مثلا مع فرض انه باق على أحد الاحتمالين فقط فهذا الشك لا يوجب تعدد الهوية الشخصية فلا يدخل في القسم الثاني وهكذا كل شك متعلق باعراض المعلوم الشخصي المتأصل الذي يوجب الشك في بقائه ككونه مريضاً بالسرطان مثلاً فيعلم بموته أو مريضاً بجرح بسيط فيعلم ببقائه وهذا بخلاف الحدث فاذا علم بتحقق الحدث ولم يعلم صنفه أوجب ذلك تعدده كما سيأتي .
أما الضوابط التي اردنا ذكرها في الاحكام فهي ثلاثة:
**الضابط الأول** :
الاختلاف بالنوع كما إذا دار الأمر بين الحدث الأكبر والاصغر بل بين اقسام الحدث الاكبر فان التحقيق خلافاً للمحقق الثاني قدس سره هو اختلاف انواعها وقد ذكرنا في مبحث الأحكام الوضعية ان مقومها هو الأحكام التكليفية التي تستبطنها فتختلف باختلافها ومن المعلوم اختلاف الحكم التكليفي في الحدث الأصغر والحدث الاكبر فلا يجوز في الثاني المكث في المساجد دون الأول وكذا أنواع الحدث الاكبر فالحيض مثلاً يستتبع حرمة الوطء دون الجنابة وهذا الاختلاف في الاحكام التكليفية يكشف عن اختلاف الهوية في الحكم الوضعي من حيث الصنف فإذا اختلف ذلك يحدث الشك في ان المتحقق هل هو مصداق هذا الصنف أو ذاك الصنف فتتعدد الهوية الشخصية .
**الضابط الثاني** :
الاختلاف في المحل والمعروض فلو فرضنا الشك في تعلق الوجوب بالظهر أو الجمعة فيتعدد الحكم إذ نسبة الأحكام الى متعلقاتها كنسبة الوجود إلى الماهيات العرضية، وكذا الأحكام الوضعية فتتعدد النجاسة إذا شك في تعلقها بالثوب أو الأرض مثلاً فلا يطهر الأول بالشمس بخلاف الثاني وأما إذا شككنا في أن زيدا في الجهة الشرقية من الدار أو الغربية ثم علمنا بإنهدام الجهة الشرقية فنشك في بقاء زيد ولا يوجب هذا تعدداً في المشكوك فإن كونه هنا وهناك لا يوجب تعدداً في هويته وانما ذلك موجب للشك في البقاء. والسرّ في ذلك ان الجوهر تقومه بذاتياته وكونه هنا وهناك من اعراضه وأما الأعراض كالبياض فهي تتعدد بتعدد المحل وكذلك العوارض ــ وهي اعم من الاعراض إذ تشمل الاُمور الاعتبارية ايضا ــ كالنجاسة والسر فيه ان المحل مقوم لوجودها ويقال في الفلسفة ان العلة في الاعراض ثلاثة الفاعل والغاية والمحل.
ومن هنا ظهر انه لا وجه لما ذكره المحقق النائيني من ان الجواهر والاعراض والعوارض لا تتعدد بتعدد المحل ولا تدخل في القسم الثاني كما سيأتي في الشبهة العبائية.
**الضابط الثالث** :
الاختلاف من حيث نوع السبب كما اذا شك في ان سبب النجاسة هو الدم أو البول فان كان الأول يطهر بالغسل مرة واحدة بخلاف الثاني فالنجاسة الناشئة من البول غير النجاسة الناشئة من الدم لتعدد السبب الشرعي أي الموضوع وتعدد الاسباب الشرعية في حكم تعدد العلل الحقيقية بحسب الفهم العرفي ولما ذكرناه من الانحلال.
**تفصيل الأقسام الثلاثة للكلي**
أما **القسم الأول** فلا اشكال في أنه لو كان لكل من الفرد والكلي أثر شرعي جرى الاستصحاب في كل منهما ولكن الغالب فيما اذا كان الفرد جزئياً حقيقياً عدم ترتب الأثر الشرعي عليه إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالجهة الجامعة فوجوب الاطاعة مثلاً متعلق بطبيعي أوامر المولى ووجوب الحج متعلق بطبيعي المستطيع وقلّما يوجد جزئي حقيقي يتعلق به حكم شرعي بعنوانه.
وكيف كان فالاستصحاب جار في الفرد والكلي إذا كان كل منهما موضوعاً لاثر شرعي إلا أن الكلام في أن استصحاب الفرد هل يغني عن استصحاب الكلي أم لا ؟ وأما عكسه فلم يذهب إليه أحد.
والاحتمالات هنا ثلاثة :
الأول : أن استصحاب الفرد مغن عن استصحاب الكلي مطلقاً وهذا لازم ما ذكره صاحب الكفاية في مبحث خفاء الواسطة وقد مر بيانه والتعليق عليه في ذلك المبحث.
الثاني: أنه غير مغن عنه مطلقا فإذا ترتب أثر على كل منهما لزم استصحابه ليترتب عليه أثره ولا يكفي في ذلك استصحاب الآخر فلو لم يجر استصحاب الكلي لا يمكن ترتيب أثره باستصحاب الفرد مطلقا.
الثالث : الاحتمال الذي ذكره المحقق الاصفهاني وهو أن استصحاب الفرد مغن عن استصحاب الكلي ان كانا من قبيل الاحكام وغير مغن عنه ان كانا من الموضوعات فإذا ترتب وجوب التصدق مثلاً على وجود زيد ووجوب الصوم على وجود الإنسان كان اثبات أثر كل منهما متوقفاً على استصحابه بنفسه وأما ان كان المستصحب من قبيل الاحكام كالوجوب والطلب فإن علمنا بتحقق الطلب في ضمن الوجوب مثلاً والمفروض ان كلاً منهما مورد للاثر إذ يترتب على مطلق الطلب جواز الاسناد الى المولى وعلى الوجوب وجوب الإطاعة وحرمة العصيان فاستصحاب الوجوب كاف في اثباتهما. والوجه في ذلك ان التعبد في الموضوعات انما يتعلق بأحكامها وأحكامها متباينة كما ذكرنا وأمّا في الاحكام فالتعبد متعلق بانفسها لا بالاحكام العقلية المترتبة عليها.
وهذا الكلام يصح بناءً على كون حقيقة الاستصحاب جعل الحكم المماثل ففي الموضوعات يستلزم استصحاب كلّ من الفرد والكلي جعل حكمين متغايرين وأما في الاحكام فاستصحاب الوجوب كاف في اثبات الطلب من جهة ان الحكم المماثل المجعول هو نفس الوجوب ويتحقق في ضمنه الطلب طبعاً فلا حاجة إلى استصحاب الطلب وجعل حكم مماثل لانشاء الطلب وأما الطلب الجامع بين الوجوب والندب فليس قابلاً للانشاء.
وأما بناءاً على ما هو الحق من التوسعة في الكشف فلا يصح التفصيل إذ تعدد الاستصحاب بتعدد اليقين والشك فتعلق اليقين بالجامع واستصحابه يرجع إلى توسعة الكشف عن وجود الجامع، وفي الفرد يرجع إلى توسعة الكشف عن وجوده. واليقين بالفرد ليس عين اليقين بالجامع بل ملازم له وان كان وجود الإنسان عين وجود زيد إلّا ان اليقين به ليس عين اليقين بزيد. وتعدد اليقين بتعدد متعلقه ولو في وعاء الذهن فإن كانت الصورة الذهنية لأمر متيقن غير الصورة الذهنية لآخر كفى في تعدد اليقين فيمكن ان يتعلق اليقين بقيام زيد مثلاً والشك بقيام ابن عمرو مع انه منحصر فيه واقعا فاتحادهما في الخارج لا يوجب اتحاد الصورة الذهنية. فحيثما نعلم بوجود زيد يحصل لنا صورة علمية متعددة بتعدد الكليات الموجودة في ضمنه واتحادها في الخارج لا ينافي تعددها من هذه الجهة.
وما ذكرناه لا تختلف فيه الموضوعات والاحكام فاليقين بالطلب غير اليقين بالوجوب. فظهر ان الحق هو الاحتمال الثاني .
وأما ++القسم الثاني++ فله اقسام أربعة وهي التي ذكرناها في التنبيه السابق .
القسم الأول : أن يكون أحدهما مقطوع الارتفاع على تقدير حدوثه والآخر مقطوع البقاء على تقدير حدوثه .
القسم الثاني : أن يكون أحدهما مقطوع الإرتفاع كذلك والآخر مشكوك البقاء كذلك.
القسم الثالث : أن يكون أحدهما مقطوع البقاء كذلك والآخر مشكوك البقاء كذلك .
القسم الرابع : أن يكون كل منهما مشكوك البقاء كذلك .
هذا ولكن الشيخ قدس سره لم يذكر الا القسم الأول وتبعه من تأخر عنه واستشكل الشيخ في هذا الاستصحاب بأمرين :
أحدهما : أن الكلي يتعدد بتعدد أفراده فلا تتحد القضيتان المشكوكة والمتيقنة .
الثاني : ان الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في الفرد الطويل وأصالة عدمه مقدم على استصحاب الكلي لكونه سببياً .
ولعلّ عدم تعرضهم لهذه الأقسام لعدم جريان الاشكالين في جميع الصور والملاحظ أن الإشكال الثاني مختص بالقسمين الأولين إذ يبتني على أن يكون أحدهما مقطوع الإرتفاع حتى ينحصر الشك في بقاء الكلّي في الشك في تحقق الفرد الآخر المقطوع البقاء أو محتمله وليس كذلك في القسمين الاخيرين إذ أن أصالة عدم وجوده في ضمن أحدهما لا ترفع الشك في بقاء الكلي لاحتمال وجوده في ضمن الآخر الذي هو محتمل البقاء أو مقطوعه، وأما الاشكال الأول فسيأتي تقريبه بنحو يقتضي جريانه في جميعها .
وكيف كان فالصحيح هو أن الأقسام أربعة والمهم التعرض لتفصيل الاشكالين والجواب عنهما :
أمّا الإشكال الأول فتقريبه: أنه لو شككنا في وجود الإنسان في ضمن زيد أو عمرو فلا نعلم تفصيلا بوجود الإنسان بل نعلم اجمالاً بأحد الإنسانين فهذا الاستصحاب ليس إلاّ ما ذكرناه في التنبيه السابق من استصحاب المعلوم بالاجمال وقد عرفت ان الحق عدم جريانه مع انه لو كان أحدهما مقطوع الارتفاع كما هو مورد كلامهم فقد ذكرنا هناك ان الحق ما ذكره المحقق النائيني من عدم اتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة حينئذ .
توضيحه: أن الكلي بوصف الوحدة ــ وان كانت وحدة نوعية ــ لا يوجد في الخارج بل يوجد بوصف الكثرة وأمّا الوحدة النوعية أو الجنسية فهي أمر ذهني، وانسانية زيد مغايرة لإنسانية عمرو وان كانت الإنسانية متحققة في ضمن كل منهما بتمامها، فنحن نعلم إما بوجود هذه الإنسانية أو تلك وأما الجهة المشتركة بوصف كونها مشتركة لا وجود لها خارجاً فمتعلق الشك واليقين عنوان أحد الانسانين، والا لزم صحة ما ذكره الرجل الهمداني من ان نسبة الكلي إلى افراده نسبة الأب الواحد الى ابنائه وان الكلي الطبيعي موجود بالوحدة العددية مع ان الواقع ان نسبة الطبيعي الى افراده نسبة الآباء الى الأبناء بمعنى ان الطبيعي بتمامه يوجد في كل فرد بغير وجوده في الفرد الآخر فاذا تصورت زيداً ودخل في وعاء خيالك جرّده العقل من خصوصياته الشخصية وانتزع منه جهة جامعة يسمى بالإنسان ووعاؤه العقل وكذلك في عمرو. وهذا الأمر الذي حلّله العقل واستخرجه من صورة زيد بالغاء الخصوصية يختلف بحسب الافراد والقول باشتراكهما انما هو بالنظر الى انهما من سنخ واحد والا فالذي يحلّله العقل اي الجهة المشتركة لا وجود لها خارجاً .
ونظراً إلى هذا الاشكال ذهب بعض الاعاظم إلى ان اتحاد القضيتين هذا لا يصح بالنظر الدقيق العقلي إلا أن العرف يرى الاتحاد بينهما ونظره هو الملاك في ذلك. ولكن الظاهر أن الوحدة متحققة حتى بالنظر الدقيق ويتضح ذلك بملاحظة ثلاث جهات:
الجهة الأولى: أن العلم في المقام ليس علماً اجمالياً فان العلم الإجمالي متعلق بعنوان أحد الأمرين وهو عنوان اختراعي ذهني وأما ما نحن فيه فالعلم متعلق بجهة واقعية تحصل بالتحليل العقلي وهي معلومة بالتفصيل وإن كان كلياً.
الجهة الثانية: أن الإنسان الذي يحصل بتجريد زيد مثلاً وان كان مخالفاً لما يحصل بتجريد عمرو حتى في الوجود الذهني إلا أن الصورة الارتسامية لاتحكي عما تؤخذ منه بل عما يطابقه فكل من الصورتين تحكي عما هو في زيد وعمرو وغيرهما من افراد الإنسان فهي مرآة لكل ما يطابقها وهي ــ مع قطع النظر عن الخصوصيات الخارجية والوجود الذهني والخارجي ــ متحدة مع الكثير والواحد فهي الماهية المسماة بالكلي الطبيعي لقبولها التقسيم الى الخصوصيات المشخصة والتقسيم غير الترديد وهذه الصورة هي الموضوع لها الالفاظ. وهم يستدلون على كون اللفظ مشتركاً معنوياً بصحة التقسيم وبامكان القطع به والشك في الخصوصيات. فتبين ان الإنسان المحمول على زيد وعمرو ليس باعتبار وصف الاشتراك بل باعتبار ذاته أي الإنسان الموجود بوجود كل فرد المتكثر بتكثر الأفراد والمتحد بوحدة الفرد وان كانت الصورة مأخوذة من فرد واحد.
الجهة الثالثة: أن حقيقة الاستصحاب توسعة للصفة النفسية وهي اليقين سواء كان مطابقاً للواقع أم لا ووعاء اليقين والشك هو الذهن، والماهية التي تعلق بها اليقين والشك ليست متكثرة في ذلك الوعاء وان تكثرت في الخارج فلا مانع من توسعة اليقين باعتبار وحدة متعلقة ومتعلق الشك في وعائهما وهو الذهن.
++الاشكال الثاني++: ان هذا الاستصحاب لا يجري لوجود الأصل الحاكم وهو أصالة عدم حدوث الفرد الطويل أو ما يحتمل كونه طويلاً ليشمل القسم الثاني من الأقسام الأربعة المذكورة، وهذا الأصل سببي مقدم على استصحاب الكلي. وهذا الاشكال كما ذكرناه خاص بالقسمين الأولين .
وعمدة ما أجيب عنه ــ وهو الصحيح ــ أنه لا دليل على تقدم الأصل السببي على المسببي إلا إذا كانت السببية شرعية بمعنى ان يكون الأصل السببي جارياً في موضوع كبرى شرعية فيمنع من جريان الأصل في المحمول لأن دليل الأصل المسببي قاصر عن شمول هذه الصورة إذ مقتضاه عدم الاعتناء بالإحتمال المخالف والمفروض قيام الدليل وليس مجرد احتمال. وأما إذا كانت السببية تكوينية كما في المقام فلا يتقدم الأصل السببي فان الملازمة بين انتفاء الفرد ــ مع فرض القطع بانتفاء سائر الأفراد ــ وانتفاء الكلي أمر تكويني يدركه العقل.
ولكن المحقق النائيني استثنى من ذلك ما إذا كان انطباق الكلي على الفرد شرعياً ومثل له بالجنابة والحدث ومقتضى ذلك ان الجواب غير واف لجميع الموارد.
والصحيح ان الإنطباق في المثال المذكور ايضا ليس شرعياً فان الجنابة ان اُريد بها الحدث فانطباق كلي الحدث عليه أمر واقعي إذ لا معنى لجعل حدث الجنابة حدثاً وان اُريد بها موجبات الجنابة فهي موضوعة لحكم الحدث لا افراد له إذ لا هوهوية بينهما فهذا المثال خارج عن محل الكلام.
وأما سائر الاجوبة المذكورة في المقام فهي مخدوشة.
وهنا شبهة اخرى يمكن جعلها اشكالاً ثالثاً وهي: ان استصحاب القسم الثاني من الكلي يستلزم أمراً لا يمكن الالتزام به وهو ان المشهور ذكروا أن ملاقي بعض اطراف الشبهة المحصورة طاهر ولو في الجملة ولا يعتنى بالعلم الإجمالي بنجاسة الملاقي وطرف الملاقى إذ بين هذا العلم والعلم الاول عموم من وجه فادعوا مطلقا أو في بعض الصور انحلال العلم الثاني وحينئذ فإذا كان هناك اناءان أحدهما نجس قطعاً ثم طهر أحدهما قطعاً ثم لاقى اليد الاناء الآخر يحكم بطهارة اليد لما ذكرناه فان لاقى بعد ذلك الاناء الطاهر قطعاً يحكم بنجاسته بموجب استصحاب القسم الثاني من الكلي وهذا لا يمكن الالتزام به إذ يستبعد جداً الحكم بعدم نجاسة اليد إذا لاقى مشكوك النجاسة وبنجاسته إذا لاقى مقطوع الطهارة .
وأما ارتباطه باستصحاب الكلي فهو من جهة ان العلم الإجمالي بنجاسة أحد الاناءين يتضمن علماً تفصيلياً بان اناءاً بين الاناءين نجس وبعد الطهارة لا يعلم ان هذا الكلي كان في ضمن ما طهر فنجاسته مرتفعة أو في ضمن الآخر فهي باقية وبموجب استصحاب الكلي يحكم بكون الاناء الكلي نجساً فان لاقى اليد كليهما يحكم بنجاسته لملاقاته ما هو محكوم بالنجاسة بحكم الاستصحاب وحينئذ فان كان المؤثر في النجاسة هو الطاهر فهو غير معقول وان كان الآخر كان منافياً لما ذكره المشهور من عدم نجاسة ملاقي أحد الاطراف.
وهذه الشبهة هي المعروفة بالشبهة العبائية ذكرها بعض العلماء في بعض مجالس النجف قديماً وتقريره ان أحد اطراف العباء نجس قطعاً ثم غسلنا أحدها معينا فالنجاسة مقطوع البقاء في أحدها على تقدير حدوثه ومقطوع الارتفاع في الآخر كذلك .
ولكن الحق ان هذه ليست شبهة في نفسها حتى يجب الجواب عنها واللازم المذكور ليس مستنكراً ولا مانع من الالتزام به وذلك لان ملاقاة الطاهر لم توجب النجاسة وانما أوجبت تحقق موضوع استصحاب النجاسة وهو ملاقاة الكلي المحكوم بالنجاسة والالتزام به لا مانع منه كما نلتزم فيما اذا لاقى اليد أحد المشتبهين بطهارته ثم لاقى شيء آخر الطرف الآخر فنحكم بنجاسة اليد فان هذا مستنكر أيضاً عند من لاخبرة له فان ملاقاة شيء آخر لا أثر له في الظاهر في نجاسة اليد مع ان هذا مما لا اشكال فيه ووجهه ان العلم الإجمالي الحاصل بعد ملاقاة الشيء الآخر ليس عاماً من وجه بالنسبة الى العلم الاول وأما العلم الحاصل قبل الملاقاة فبينهما عموم من وجه فيوجب الانحلال .
والسيد الخوئي أيده الله التزم بذلك في المقام كما أنا التزمنا به أيضاً في الدورة السابقة ولكن الاعلام تلقوها شبهة فاجابوا عنها .
وبهذا التقرير ظهر ان الشبهة ليست في وجود النجاسة بنحو الوجود المحمولي بل الشبهة في أن اناءً من الاناءين نجس فالمستصحب كلي. والمهم البحث في ان موضوع النجاسة هل هو الشخص أو الطبيعي فان قلنا بالأول فالمسألة داخلة في استصحاب المعلوم بالاجمال وان قلنا بالثاني فهي مما نحن فيه .
توضيحه أن موضوع النجاسة في المتنجسات لم يذكر في الروايات وإنما ذكر موضوع النجاسة في أعيان النجاسات وانه الصورة النوعية فاذا زالت زالت النجاسة كما هو مذكور في مطهرية الاستحالة وأما في المتنجسات فالمذكور هو المصاديق كالثوب والبدن ونحوهما ومن المعلوم ان الثوب بعنوانه ليس موضوعاً قطعاً حتى اذا تبدل بالفراش مثلاً تزول النجاسة وهذه الروايات صادرة في مقام الفتوى فلم يذكر فيها الموضوع الواقعي. وأما موثقة عمار فالوارد فيها (ما) الموصولة وهي مبهمة تشير الى الاشياء التي تصيبها النجاسة فالموضوع نفس الجزئيات ويقع السؤال في ان الجزئي هل هو بحدّه موضوع كموضوع وجوب التصدق في قولك: ان رأيت زيداً تصدق بدرهم مثلاً فان الموضوع زيد بحدّه لا بما هو انسان أم الموضوع هو الجزئي بما هو مصداق لكلي ؟
فإن قلنا بالأول فالماء في هذا الاناء بحده وفي ذلك الاناء بحده موضوع للنجاسة فلابد من استعمال كلمة أحد الاناءين ومتعلق العلم ليس أمراً متأصلاً وحمل النجاسة على عنوان أحدهما مع الواسطة في العروض والأثر للفرد ذوالهوية الشخصية. وعليه فلا ربط له باستصحاب الكلي بل هو داخل في استصحاب المعلوم بالاجمال وحينئذ فاستصحاب نفس الفرد الواقعي مبني على كشف العلم الإجمالي عن الواقع وهو ممنوع واستصحاب الجامع لا يجري مع كون أحدهما مقطوع الارتفاع لعدم اتحاد القضيتين المتيقنة والمشكوكة .
وإن قلنا بالثاني فالعنوان الجامع اما هو الجسم أو الصورة النوعية والفرق يظهر في الاستحالة فعلى الاول لا تؤثر لبقاء الجسم وتؤثر على الثاني لان المراد الصورة النوعية العرفية وهي لا تبقى بعد الاستحالة فإذا كان الاثر للجامع وهو ماء نجس أو جماد نجس وقد لاقى اليد هذا الجامع قطعاً فيدخل في استصحاب الكلي ولابد من الالتزام بالنجاسة .
والظاهر من الادلة هو ما قواه الشيخ قدس سره من كون الموضوع في المتنجسات هو الصورة النوعية .
ثم انه لابد من ملاحظة الدليل الدال على تنجس الملاقي للمتنجس فان الروايات مختلفة و واردة في الموارد الجزئية، فهل مفادها ان الملاك في تنجيس المتنجس لملاقيه شخصه وان كانت النجاسة قائمة بصورته النوعية أم أن الملاك هو صورته النوعية . وبعبارة اُخرى المنجس في المتنجسات هل هو الجزئي الحقيقي بهويته الشخصية أم بما هو ماء بحدّه مثلاً ؟ الظاهر هو الثاني وتحقيقه في الفقه .
فإن قلنا بالأول فلابد من ان يكون المستصحب في المقام أحد الشخصين للعلم الإجمالي قبل طهارة أحدهما بان احد الشخصين منجس والشك في بقائه بعد الطهارة .
وان قلنا بالثاني فهو من استصحاب الكلي للعلم التفصيلي قبل عروض الطهارة بان اناءً بين الاناءين نجس والشك فيه بعد الطهارة فيستصحب .
ومن هنا ظهر ضعف كثير من الاجوبة في المقام .
منها ما ذكره المحقق النائيني قدس سره في الدورة الثانية من أن استصحاب بقاء النجاسة كاستصحاب بقاء الكرفي الحوض إذا افرغ من الماء السابق الذي كان كراً قطعاً وشك في أن الموجود فعلاً كرّ أم لا ؟ فان هذا الاستصحاب غير جار لانه استصحاب الوجود المحمولي لاثبات الوجود الرابط .
وجوابه ان الوجود في المقام رابط لا محمولي فان المستصحب اناء كان نجساً لا نجاسة الاناء كما تقدم بيانه .
ومنها : ما ذكره المحقق العراقي قدس سره من أن معروض الاعراض هو الجزئيات لا الكليات فالعلم لا يعرض الإنسان بل يعرض زيداً مثلاً وكذلك النجاسة .
وجوابه أولاً أن زيداً لو كان عالماً صدق القول بأن الإنسان عالم فمعروضه الإنسان المتخصص بالصورة الخاصة .
وثانياً : ان النجاسة عارضة للطبيعي المتخصص فقهاً .
وثالثاً : ان منجسية الملاقي هو الملحوظ والموضوع هناك فقهياً هو الصورة النوعية .
وأما ما ذكره المحقق النائيني في الدورة الاولي فمحصله أن الاستصحاب هنا من قبيل الفرد المردد فان الضابط في القسم الثاني من الكلي هو الترديد بين الهويتين والترديد هنا في المحل وهو لا يوجب تعدد الهوية الشخصية كما لو شككنا في وجود زيد في الجانب الشرقي أو الغربي ثم انهدم أحدهما معينا فان ذلك لا يصحح استصحاب الكلي .
والجواب أولاً ان الملاك في التنجس ليس عنوان ملاقاة النجاسة ولا ملاقاة المتنجس والا لم يمكن الحكم بنجاسة ملاقي مستصحب النجاسة مطلقاً حتى إذا كان استصحاباً شخصياً إذ لا يثبت استصحاب النجاسة أو التنجس أن الملاقي لهذا الشيء ملاق للمتنجس . ولذا يقال ان استصحاب العالم لا يثبت ان من وقع عليه الاكرام عالم إلا أن يكون الموضوع الشخص الموصوف بكونه عالماً فيستصحب كونه عالماً ووقوع الاكرام على الشخص وجداني . وكذا يقال ان استصحاب العدالة إذا كان عادلاً قبل العلم والآن عالم مشكوك العدالة لا يثبت عنوان العالم العادل، وان كان فيه نظر .
والحاصل ان الموضوع ليس ملاقي النجاسة حتى يقال بعدم تعدد الهوية بل الموضوع مركب من ملاقي الشيء ووصف كونه متنجسا والملاقاة محرزة بالوجدان فلا بد من استصحاب كون هذا الشيء متنجساً لا استصحاب النجاسة أو التنجس ومن الواضح أن كون هذا الشيء متنجساً مغاير لكون ذلك الشيء متنجساً فالترديد في الذات لا في المحل .
وثانياً: ان الترديد في محل النجاسة يوجب تعدد الهوية الشخصية لما ذكرناه من الضوابط في تشخيص ما به التعدد في الاعتباريات. والاشتباه نشأ من الخلط في معنى المحل فانه يطلق تارة ويراد به الاين واخرى ويراد به الموضوع المستغني عن الحال. والأول من الاعراض. والثاني من اجزاء العلة للاعراض فانها متقومة بالفاعل والغاية والمحل . فالأول بالنسبة لزيد مثلاً لا يوجب تعدد الهوية . وأما الثاني بالنسبة للنجاسة يوجب التعدد قطعاً لكونه علة لها .
وثالثا : سلمنا عدم التعدد ولكن لابد حينئذ من دخوله في استصحاب القسم الأول إذ الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في بقاء الهوية الشخصية . والمفروض أن موضوع الحكم هو الجهة الجامعة من النجاسة .
ورابعاً : سلمنا عدم دخوله في القسم الأول ولكن لا وجه لدخوله في الفرد المردد اذ تقومه بتعدد الهوية الشخصية وكما تنافي الوحدة مع القسم الثاني كذلك تنافي الفرد المردد إلا أن الموضوع للأثر هنا هو الكلي وهناك هو الفرد .
وهناك مباحث اخرى في القسم الثاني من استصحاب الكلي نذكرها في ضمن مباحث القسم الثالث لاشتراكهما فيها.
**وأما القسم الثالث من اقسام الكلي فله اقسام ثلاثة :**
القسم الأول : ان يعلم بارتفاع الفرد المعلوم تحقق الكلي في ضمنه الا انه يحتمل تحققه في ضمن فرد آخر مقارناً لزوال الفرد الأول فيشك في بقاء الكلي طبعاً .
القسم الثاني : ان يكون احتمال بقاء الكلي من جهة احتمال وجود فرد آخر له حين حدوث الفرد المعلوم الزوال .
القسم الثالث : ان لا يعلم بزوال الفرد الاول بل يحتمل تبدله الى فرد آخر كما إذا علم بأن الحمرة الشديدة ليست باقية بحالها لكن لم يعلم انعدامها بل احتمل تبدلها الى حمرة اضعف .
أما في القسم الأول فالمشهور عدم جريان الاستصحاب فيه ولكن العلامة الحايري قدس سره ذهب الى جريانه .
وجه ما ذهب اليه المشهور ان الكلي يوجد بوجود الفرد فوجود الفرد له اضافات متعددة فبالاضافة الى الماهية الشخصية يعتبر وجوداً للفرد وبالاضافة الى كل ماهية متحققة في ضمنه يعتبر وجوداً لها وكما أن الطبيعي يوجد بوجود هذا الفرد ينعدم هذا الوجود منه بانعدام هذا الفرد فله وجودات متعددة بتعدد وجودات الافراد واعدام متعددة بتعدد اعدامها فاذا انعدم زيد ووجد عمرو فقد انعدم الإنسان بانعدام زيد ووجد بوجود عمرو وليس وجود عمرو استمراراً لوجود زيد ولا لوجود الكلي المتحقق في ضمنه فلا يصدق البقاء الذي هو ركن جريان الاستصحاب .
ووجه ما ذهب اليه العلامة الحايري بتقريب منا هو أنّ العقل والعرف يؤيّدان القول بان الشك في المقام في بقاء الكلي. أما العقل فلان الطبيعي يوجد بوجود فرد واحد ولا ينعدم الا بانعدام جميع الافراد ولذا تختلف الموافقة والمخالفة في الأمر والنهي ومن هنا قالوا ان نقيض الموجبة الجزئية هو السالبة الكلية فاذا وجد الإنسان بوجود زيد لا ينعدم الا بانعدام جميع الافراد فاذا احتمل وجود عمرو حين زوال زيد لم يعلم انعدام جميع الافراد فيصدق الشك في بقاء الكلي. وأما العرف فلوضوح ان انقراض النوع عندهم لا يصدق الا بانعدام جميع افراده ويصدق عندهم بقاء النوع ببقاء الافراد المتعاقبة في الوجود .
والجواب عنه عدم صدق البقاء لا عقلاً ولا عرفاً أما عقلاً فلان التحقيق هو ما ذكرناه في بيان وجه المشهور من ان الطبيعي له وجودات متعددة واعدام متعددة والجملة المشهورة (الطبيعي يوجد بوجود فرد واحد ولا ينعدم الا بانعدام جميع افراده) غير صحيح فان الطبيعي ليس له وجود مستقل خارجاً والوجود الخارجي قد يضاف الى الماهية الضيقة فيقال له وجود الفرد وقد يضاف الى الماهية الكلية فيقال له وجود الطبيعي فالطبيعي يوجد بوجود كل فرد وينعدم بانعدام كل فرد ونقيض الواحد لا يكون الا واحداً فلا يمكن ان يكون للشيء وجودات متعددة وعدم واحد مع ان العدم طارد للوجود فلا بد من ان يتعدد بتعدده .
ولابد لتوضيح المقام من التنبيه على أمر: وهو أن لقولنا (وجود الطبيعة) اطلاقان فقد يطلق ويراد به صرف وجود الطبيعي وهو وجوده بوجود فرده وهذا هو الذي يتكثر بتكثر الافراد ويتكثر عدمه أيضاً بعدم كل فرد وقد يطلق ويراد به الوجود الشامل لجميع الوجودات ويقابله العدم الشامل لجميع الاعدام بمعنى ان عدم الطبيعي بانعدام جميع الافراد يقابل وجوده بوجود جميع الافراد من جهة تقابل كل وجود مع عدمه . فإذا قلنا العنقا موجود مثلاً فالمراد به الوجود بالمعنى الأول أي صرف وجود الطبيعة وأما إذا قلنا العنقا معدوم فالمراد به العدم بالمعنى الثاني أي انعدام جميع الافراد لا من جهة تقابل هذا العدم مع ذاك الوجود وان نقيض السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية بل من جهة اُخرى راجعة الى مقام الاثبات وهو أن المتكلم الحكيم إذا قال: العنقا موجود لا يمكن أن يريد به الوجود بالمعنى الشامل لجميع الوجودات إذ لا يمكن ان يتحقق ذلك خارجاً فإن افراد الطبيعي التي يمكن ان تكون افراداً له لا يمكن حصرها فكلما وجد للعنقا افراد خارجية مهما بلغت من الكثرة لا يوجب ذلك تضييقاً في صدق العنقا على فرد آخر لم يتحقق بعد ولذلك يجب حمل هذا الكلام على صرف وجود الطبيعة ونفس هذه القرينة توجب حمل الكلام الثاني على ارادة العدم الشامل إذ صرف العدم ضروري لعدم امكان تحقق جميع الافراد كما ذكرنا فلا بد من أن يكون المراد بهذه الجملة معنىً مفيداً غير ضروري وهو العدم الشامل .
وهذا المعنى الذي ذكرناه أوجب التوهم السابق وهو أن الطبيعة توجد بوجود فرد واحد وتنعدم بانعدام جميع الافراد فتكون المقابلة بين صرف الوجود والعدم الشامل مع وضوح فساد ذلك وقد بينا أن مقابل كل وجود عدمه .
وهكذا الكلام في الاوامر والنواهي فاذا قال المولى (تكلّم) فلا يمكن ان يريد به طلب ايجاد جميع الافراد إذ ليس ذلك ممكناً فلابد من حمله على صرف الوجود وأما اذا قال (لا تتكلم) فالمراد به طلب العدم الشامل لان صرف العدم ضروري لا يتعلق به طلب مع ان التحقيق ان الأمر والنهي بعث وزجر لا طلب لايجاد الطبيعة واعدامها.
وأما ما ذكر في المنطق من أن نقيض السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية فليس المراد به النقيض الاصطلاحي وهو رفع الشيء فان رفع جميع الافراد ليس مقابلاً لوجود بعضها بالضرورة بل المراد التنافي في صدق القضيتين بمعنى أن هاتين القضيتين لا تصدقان معاً في مورد واحد من جهة اشتمال كل منهما على لازم نقيض الآخر.
وأما تأييد العرف في المقام فهو ممنوع أيضاً فان المراد بالبقاء هو استمرار الوجود وهو غير ممكن بعد تعدده وأما بقاء النوع مع تعاقب الافراد فهو مبني على المسامحة بنحو من الاعتبار الادبي إذ المتحقق فعلاً وجودات منه غير ما كان متحققاً سابقاً نظير ما ورد في نهج البلاغة (العلماء باقون ما بقي الدهر اعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة) فان اعتبار الوجود المثالي استمراراً للوجود العيني ليس الا اعتباراً أدبياً والاعتبار الادبي لا يصحح وحدة القضية المتيقنة مع المشكوكة. والنظر العرفي إنما يتبع إذا لم يكن مبنياً على المسامحة.
فتحصل أن الحق هو ما ذكره المشهور من عدم جريان الاستصحاب في القسم الأول من القسم الثالث من استصحاب الكلي فإن الاستصحاب توسعة في الكشف بقاءً أو حكم بالبقاء والبقاء هو استمرار الوجود وهو لا يصدق مع تعدد الوجود والكلي يتعدد بتعدد افراده وجوداً وعدماً عقلاً وعرفاً .
وأما في القسم الثاني من أقسام القسم الثالث فالقائل بجريان الاستصحاب في القسم الأول يقول به هنا بطريق أولى وأما بناءاً على عدم الجريان هناك كما هو المشهور فقد ذهب الشيخ الى جريانه هنا. والوجه في هذا التفصيل هو ان الكلي معلوم التحقق في الزمان الأول إلا أن الشك في تحققه في ضمن فردين أو فرد واحد فهو باق قطعاً على التقدير الأول بعد العلم بانتفاء أحدهما وهو الفرد المعلوم تحققه ومنتف قطعاً على التقدير الثاني كذلك فاحتمال البقاء موجود في هذا القسم دون القسم الأول والمدار هو صدق البقاء وهو صادق مع احتمال تعدد الفرد كما في المقام دون القسم الأول الذي كان احتمال تحقق الكلي في ضمن الفرد الآخر في زمان العلم بانتفاء الأول وهذا لا يصدق عليه البقاء .
والجواب عنه ان مجرد احتمال البقاء لا يكفي في جريان الاستصحاب إذ لابد من كون متعلق احتمال البقاء هو المقطوع الحدوث لا مشكوكه والمفروض أن مقطوع الحدوث مقطوع الزوال ومحتمل البقاء مشكوك الحدوث. ولا يتوهم جريان هذا الاشكال في القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلي فان الكلي وان كان مشكوك الحدوث في ضمن الفرد الطويل إلا أن محتمل البقاء هو نفس الكلي في ضمن الفرد الذي تحقق في ضمنه قطعاً فمتعلق الشك واليقين واحد . فالحق عدم جريان الاستصحاب في هذا القسم أيضاً .
وأما في القسم الثالث من أقسام القسم الثالث وهو أن يحتمل زوال الكلي بزوال فرده ويحتمل تبدله الى فرد آخر اشدّ واضعف فيما يقبل ذلك كالالوان والملكات النفسانية كالعدالة والاجتهاد فالمتسالم عليه بينهم جريان الاستصحاب فيه لوحدة وجود المتيقن والمشكوك فان ملكة الاجتهاد مثلاً إذا قويت لا تصدق عليها المغايرة مع حالتها الاولى من حيث الوجود. والاشتداد لا يوجب تبدل الوجود وأن أوجب تبدل الفرد فان هذه الملكة تعتبر فرداً آخر غير الملكة السابقة إلا أن ذلك لا يمنع من استصحاب الكلي فجريان الاستصحاب في هذا القسم مما لا كلام فيه وإنما الكلام في ان هذا القسم هل يعد من أقسام القسم الثالث من استصحاب الكلي أم هو من القسم الأول منه.
وقد اعترض جماعة من الاعاظم على الشيخ حيث جعل هذا القسم من القسم الثالث منهم المحقق العراقي وبعض اعاظم العصر ووجه هذا الاعتراض أن الفرق بين القسم الأول والقسم الثالث هو أن الفرد غير متعدد في الأول والشك إنما هو في بقاء الكلي المتحقق في ضمن فرد من جهة عروض العوارض وهو متعدد في القسم الثالث كما لا يخفى ولا يعقل تعدد الفرد فيما نحن فيه فان الشدة والضعف من العوارض ولا يوجبان تعدد الفرد فلا بد من الحاقه بالقسم الأول .
وتوضيح الاشكال أن العقل والعرف لا يساعدان على تعدد الفرد في المقام.
أما العقل فلان فردية الفرد بوجوده فان الفردية هي التشخص وهو من لواحق الوجود فكيف يعقل ان يكون الوجود واحداً مع تعدد الفردية نعم يصح ذلك بناءً على أصالة الماهية حيث يعدّ الوجود أمراً اعتبارياً فالتكثر والوحدة تابعة للماهية وهي تتعدد بالشدة والضعف وأما بناءً على ما هو الحق من أصالة الوجود فالكثرة والوحدة تابعتان وهو متحد في المقام .
وأما العرف فلان الاختلاف من جهة الشدة والضعف لا يعتبر بالنظر العرفي تعدداً الا في العوارض والخصوصيات واختلاف العوارض لا يوجب تعدد الفردية .
والجواب أما عن الوجه العقلي فبناءً على أصالة الماهية الأمر واضح ومسلّم وأما بناءً على أصالة الوجود فتعدد الماهية بالشدة والضعف واضح ومسلّم أيضاً وقد جعلوا ذلك دليلاً على أصالة الوجود فقالوا: ان الشيء الواحد إذا اشتد أو ضعف يتحقق بالشدّة والضعف أنواع وماهيات متعددة فان قلنا بأصالة الوجود فالوجود الواحد يوجب وحدة هذه الانواع وأما ان قلنا بأصالة الماهية يلزم منها انحصار الانواع غير المتناهية بين حاصرين وهذا غير معقول . فتعدد الانواع لا اشكال فيه إلا أن المدعى وحدة الفردية بوحدة الوجود .
وتحقيق الكلام في ذلك ان في وضع الاعلام الشخصية قولين :
القول الأول : ان الوضع فيها عام والموضوع له عام أيضاً وكون الوضع خاصاً والموضوع له خاصاً غير معقول فالموضوع له فيها هو الماهية الضيقة التي انحصر في فرد واحد اتفاقاً . وبناءً على هذا القول وان المراد بالفرد في المقام ذلك فلا ربط لفردية الفرد بالوجود وإنما هو مرتبط بالتضيق الماهوي وإذا كان كذلك فالماهية الضيقة فرد للماهية الاوسع وكلما تعددت الذاتيات اختلفت الماهيات ولا يمكن لهذا الفرد أن يكون فرداً لماهيات متعددة وانما هو فرد للماهية الاوسع فقط فتتعدد الفردية بتعدد الانواع والماهيات.
والحاصل أن الأمر بناءاً على هذا القول واضح ويبتني على عدم إمكان خصوصية الوضع والموضوع له نظراً الى أن ذلك يتوقف على كون الوضع مرتبطاً بالوجود إذ لا تتحقق الجزئية والتشخص إلا به ولا يمكن ارتباط الوضع بالوجود إذ يلزم منه أن يكون قولنا زيد موجود قضية ضرورية، وقولنا زيد معدوم جمعاً بين النقيضين ويكون صحة قولنا زيد اما موجود واما معدوم متوقفاً على التجريد من هذا اللحاظ المأخوذ في الوضع مع أن ذلك كله خلاف الضرورة فلا بد من القول بعموم الوضع والموضوع له إلا انه كلي منحصر .
وهذا المبنى فاسد والصحيح كما ذكرناه في محله هو أن الاعلام الشخصية موضوعة للمعنى بلحاظ الوجود آناًما. وما ذكره من الاشكال مندفع بأن قولنا زيد موجود ليس ضرورياً فإن الوجود الدخيل في وضع (زيد) هو الوجود آناًمّا والوجود المستفاد من القضية هو الوجود حال النسبة فلا حاجة إلى التجريد.
القول الثاني: ــ وهو الصحيح ــ أن الوضع فيها خاص والموضوع له خاص فالوجود ملحوظ في الوضع. والفردية متعددة حتى على هذا القول أيضاً فان اضافة الفرد الى الوجود المعتبر في الوضع مرجعه الى أن الماهية تضاف الى الوجود وتكتسب منه التشخص والفردية. والوجود وان كان واحداً إلا أن الماهية إذا تعددت كما هو المفروض والمسلّم من الخصم تتعدد الفردية لتعدد المضاف فان الفرد هو الماهية المضافة الى الوجود الخاص فاذا تعددت الماهيات المضافة اليه تعددت الفردية والفرد ليس عبارة عن نفس الوجود الخاص .
وأما عن الوجه العرفي فبأن الظاهر أن التمايز عندهم كما يكون من جهة اختلاف الذاتيات والعوارض كذلك يكون من جهة اختلاف الشدة والضعف في نفس الماهية المعبر عنها بالكلي المشكك فيرى العرف السواد الشديد نوعاً مغايراً للسواد الضعيف وإن كانت المغايرة راجعة إلى الكمال والنقص في نفس الماهية أي ما به الامتياز عين ما به الاشتراك فالتعدد عقلي وعرفي واعتراض الجماعة على الشيخ قدس سره غير وارد.
وكيف كان فالاستصحاب جار في هذا القسم اتفاقاً لاتحاد الوجود وان تعددت الحدود بحسب اختلاف الماهية شدة أو ضعفاً الموجب لطروّ حدود متعددة وأنواع متعددة مع حفظ الجهة المشتركة بينها وهو كلي الحمرة أو العدالة مثلاً الذي وجد بوجود هذا الفرد فاذا شككنا في بقاء الكلي المتحقق في ضمن هذا الوجود نستصحبه وان تبدلت الماهية الى ماهية أشد او اضعف. ولا يأتي هنا الاشكال المذكور في القسمين الأولين وهو عدم صدق البقاء لان المفروض هنا أن متعلق الشك واليقين وجود واحد .
وينبغي التنبيه هنا على أمر وهو: أنّ صاحب الكفاية ذكر أنّ الوجوب والاستحباب من هذا القبيل أي أن الاختلاف بينهما بالشدة والضعف إلا أنّ المناط في جريان الاستصحاب وحدة القضيتين عرفاً والعرف يراهما ماهيتين مختلفتين ولذا لا يجري الاستصحاب إذا شك في تبدل الطلب الوجوبي إلى الندبي أو العكس مع احتمال ارتفاع الطلب رأساً .
ويختلف الكلام في دخول هذا المبحث فيما نحن فيه بحسب اختلاف المذاهب في الفرق بين الوجوب والندب فان قلنا بأن حقيقتهما هي الارادة المبرزة والفرق بينهما بالقوة والضعف فالبحث داخل في المقام كما ذكره قدس سره إلا أنّ دعوى تغايرهما عرفاً ممنوعة وان قلنا ــ كما هو الحق ــ بان اعتبار كل منهما مغاير لاعتبار الآخر وأنهما أمران اعتباريان لا ربط لهما بالارادة وأن الوجوب المولوي اما أن يكون حقيقته ربط الشخصية أو الايعاد على الترك كما ذكرناه سابقا وأما الاستحباب فحقيقته هو الوعد بالثواب على الفعل فالمُنشأ متعدد والانشاء متعدد أيضاً ولا ربط لهما بما نحن فيه أصلاً .
**تنبيهات استصحاب الكلي**
**ولا بد لنا في هذا المقام من التنبيه على أمور:**
++الامر الأول++ : أن ما ذكرناه من جريان الاستصحاب في القسم الثاني وبعض أقسام القسم الثالث أو جميعها بناءاً على القول به إنما يتم إذا لم يحرز ما هو رافع للكلي كما إذا دل الدليل على ارتفاع الكلي واحرزنا موضوعه ولو بضم الوجدان الى الأصل وذلك لتقدم الدليل النافي للكلي على استصحاب بقائه.
وله امثلة:
(منها) انه إذا تنجس شيء وشككنا في صدق الاناء عليه فيحتاج تطهيره الى التعدد وعدمه فلا يحتاج فاذا غسل مرة أو مرتين يجري فيه استصحاب النجاسة ويمكن أن يكون من قبيل القسم الثاني من استصحاب الكلي لان الشك في محل النجاسة وقد ذكرنا سابقاً أن الترديد لو كان في محل العرض كان داخلاً في القسم الثاني، فاستصحاب النجاسة في نفسه جار في المقام إلا ان الاطلاقات الدالة على زوال النجاسة بالغسل مرة مقيدة بعدم كون المحل من الاناء ويمكن اجراء استصحاب العدم الازلي أو العدم النعتي كما هو الصحيح في كون المحل اناءاً فيتحقق موضوع تلك الادلة المطلقة فيحكم بزوال النجاسة بالغسل مرة .
(ومنها) انه إذا تنجس اناء وشك في أن نجاسته من ولوغ الكلب فيحتاج الى التعفير أو من غيره فلا يحتاج فان استصحاب النجاسة جار بعد الغسل بالماء إلا أن أصالة عدم الولوغ يحقق موضوع الادلة المطلقة فيحكم بزوال النجاسة ولا مجال حينئذ لاستصحابها وهو أيضاً من قبيل القسم الثاني لما ذكرناه من أن تعدد الاسباب يوجب تعدد الهويات الشخصية فيدور الأمر بين فردين طويل وقصير .
وكيف كان فاحراز موضوع الدليل الرافع للكلي في مثل ذلك يمنع من جريان استصحابه وان كان الاحراز بضم الوجدان بالأصل فان الغسل مرة أو بالماء في المثالين وجداني وعدم كون المحل اناءً أو عدم تحقق الولوغ ثابت بالأصل .
(ومنها) إنه إذا كان الشخص محدثا بالحدث الاصغر ثم خرج منه بلل مشتبه بالمني ثم توضأ فيشك في ارتفاع الحدث وعدمه فاستصحاب الحدث جار في نفسه الا ان الدليل دلّ على أن الوضوء يرفع كل حدث أصغر إلا إذا كان الشخص جنبا وبضم أصالة عدم الجنابة الى تحقق الوضوء وجداناً نحكم بإرتفاع الحدث ولا يبقى مجال لاستصحاب كلي الحدث.
والدليل المذكور هو الآية المباركة (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا..)[^16] فإن ظاهر قوله تعالى (إذا قمتم) هو القيام من النوم كما تدل عليه موثقة ابن بكير أيضاً قال (قلت لأبي عبدالله عليه السلام قوله تعالى "إذا قمتم الى الصلاة" ما يعني بذلك؟ قال: إذا قمتم من النوم...) ([^17]) فالمراد هو الحدث الاصغر ومفاد الآية إن كل محدث بالحدث الاصغر يكفيه الوضوء ثم قيّد ذلك بقوله تعالى (وان كنتم جنباً فاطّهروا) أي إذا قمتم من النوم وكنتم جنباً فاغتسلوا والمراد به طبعاً هو الجنابة بالاحتلام بقرينة ذكر الملامسة بعد ذلك وبموجب قاعدة (التفصيل مانع للشركة) يتركب موضوع الوضوء من القيام من النوم وعدم الجنابة فإذا توضأ من كان محدثاً بالحدث الاصغر ولم يكن جنباً ارتفع حدثه وبضم الوجدان الى الأصل يتحقق الموضوع ولا مجال حينئذ لاستصحاب كلي الحدث سواء قلنا بانه من القسم الثاني أو القسم الثالث وعلى الثاني سواء قلنا إنه من القسم الثاني منه أو الثالث:
توضيح ذلك :
أن الاحتمالات في الحدث الأكبر والأصغر ثلاثة:
الاحتمال الأول: أن تكون النسبة بينهما نسبة التضاد بحيث إذا اجنب من كان محدثاً بالحدث الأصغر يرتفع حدثه الأصغر لعدم امكان اجتماعهما إما للتضاد من حيث أنفسهما وإما لتقيد موضوع الحدث الأصغر بعدم طروّ الحدث الأكبر.
الاحتمال الثاني: أن يكونا من قبيل المتخالفين فيمكن اجتماعهما.
الاحتمال الثالث : ان يكون الاختلاف بينهما بالشدة والضعف .
فان قلنا بالأول دخل البحث في القسم الثاني من استصحاب الكلي لأن الشك قبل الوضوء انما هو في أن الحدث الحاصل هل هو من الأصغر او الأكبر لاحتمال كون البلل منياً فيكون الاصغر مرتفعاً فالشك في الفرد الطويل والقصير .
وان قلنا بالثاني دخل في القسم الثاني من القسم الثالث فيجري على مسلك الشيخ فقط لأن الحدث الاصغر باق بعد خروج البلل المشتبه قطعاً فان كان البلل في الواقع منياً فقد حصل الحدث الاكبر أيضاً والا فلا فالشك بعد الوضوء إنما هو في حدوث فرد مقطوع البقاء حين وجود الفرد المقطوع الزوال وهو المناط في القسم الثاني من القسم الثالث .
وان قلنا بالثالث دخل في القسم الثالث من القسم الثالث لان الشك بعد خروج البلل في أن الحدث السابق هل هو باق على حاله أم اشتد فصار حدثا أكبر وبعد الوضوء نشك في بقاء الحدث الشديد أو ارتفاع الحدث رأساً .
ومن هنا يتبين ان تفصيل الشيخ حيث قال بجريان الاستصحاب في القسم الاول من القسم الثالث وبعدمه في القسم الثاني منه لا يخلو من اشكال فان المتسالم عليه بين الفقهاء هو كفاية الوضوء فيما إذا خرج بلل مشتبه بالمني مع ان مقتضى استصحاب الحدث عدم كفايته وانما اختص الاشكال بمسلك الشيخ إذ يمكن لغيره التخلص منه بدعوى ان النسبة بينهما هو التخالف فيدخل في القسم الثاني من القسم الثالث فلا يجري الاستصحاب ولكنه جار على مسلك الشيخ على جميع التقادير .
هذا ولكن المحقق النائيني ذكر ان الاشكال مندفع على جميع التقادير وعلى جميع المسالك لما ذكرناه من احراز رافع الحدث بضم الوجدان الى الأصل وتحقق موضوع الدليل الذي هو الآية الكريمة الدالة بالتفصيل الذي ذكرناه على وجوب الوضوء على كل محدث بالحدث الاصغر لم تتحقق منه الجنابة والأصل عدم الجنابة فيجب الوضوء ومعنى الوجوب هنا هو كفايته في تحقق الطهارة وإرتفاع الحدث المشروط في الصلاة فلا يبقى مجال لاستصحاب الحدث بعد دلالة الدليل على تحقق رافع الحدث إذ لا اشكال في تقدمه على ما يحرز نفس الحدث.
وقد قبل هذا التقرير جماعة من الاعلام منهم المحقق الاصفهاني حيث ذكر هذا المطلب في ضمن مباحث الاستصحاب التعليقي وردّه جماعة من الاعلام أيضاً وذكروا في الجواب عنه وجوهاً:
الوجه الأول : منع تركب موضوع وجوب الوضوء من جزءين أحدهما عدم تحقق الجنابة ومنع دلالة الآية الكريمة على ذلك، بل ظاهر الآية ان موضوع وجوب الوضوء هو القيام من النوم وموضوع وجوب الغسل هو الجنابة فلو كنّا وظاهر الآية كان الواجب على من قام من نومه جنباً الجمع بين الأمرين وليس هذا من قبيل التفصيل القاطع للشركة بل هو من قبيل الشرطيتين مختلفتي الموضوع فاذا قيل: (إن جاءك زيد فاكرمه وان جاءك عمرو فأهنه) لم يكن ربط بين الشرطيتين بل كل منهما مطلق بالنسبة للآخر فيجب اكرام زيد ان جاء سواء جاء عمرو ام لم يجئ وهكذا العكس فالشرط والجزاء متعددان فيهما وكذلك في قوله تعالى (إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا) وقوله (وان كنتم جنباً فاطّهروا).
والجواب عنه ان الآية الكريمة ليس كالمثال المذكور بل هي من قبيل اضافة شرط الى شرط آخر فاذا قيل مثلاً (ان جاءك زيد فاعطه غنماً وان جاءك مع جماعة فاعطه جملاً) فان موضوع الشرطية الثانية هو نفس موضوع الشرطية الاولى إلا انه مع امر زائد، وفي مثل ذلك لا محيص من تقييد الشرطية الاولى بعدم تحقق الشرطية الثانية وإلا كان الجزاء هو الجزاء الثاني لا الأول.
وأما كون الآية المباركة من هذا القبيل فلان المراد من القيام هو القيام من النوم كما هو الظاهر وكما دلت عليه موثقة ابن بكير وبقرينة ذكر الفرد الآخر من الحدث الاصغر بعد ذلك اي قوله تعالى (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط). والمراد بالجنابة هو خصوص الاحتلام بقرينة ذكر الملامسة أيضاً بعد ذلك فالنتيجة ان القيام من النوم على وجهين تارة يكون الإنسان جنباً فيجب عليه الغسل وتارة لا يكون جنباً فيكفيه الوضوء فموضوع الشرطيتين هو القيام من النوم وإنما اضيف في الشرطية الثانية شرط آخر وهو الجنابة فيدخل هذا في المثال المذكور وتكون الشرطية الاولى مقيدة بعدم تحقق الشرط الزائد في الشرطية الثانية.
وقد يتوهم أن الآية الكريمة ليس كالمثال الذي ذكرناه فان اعطاء الجمل في الشرطية الثانية مقيدة بمجيء زيد الذي هو شرط في الاولى بخلاف وجوب الغسل في الآية فانه مترتب على الجنابة فقط ولا ربط له بالحدث الاصغر.
والجواب عنه ان مورد الآية كما ذكرنا هو خصوص الاحتلام لا مطلق الجنابة فهو مسبوق بالحدث الاصغر لا محالة ولا مانع من اجتماع الحدثين في ايجاب الغسل في خصوص الاحتلام ودليل وجوب الغسل في غير هذا المورد امر آخر.
الوجه الثاني : انا نسلّم تركب موضوع وجوب الوضوء من الأمرين واحراز وجوب الوضوء بضم الوجدان إلى الأصل إلا أن ذلك لا يمنع من جريان استصحاب الكلي والحكم بكونه محدثا فيتعارضان ويتساقطان ويصل الدور إلى الأصل الحكمي وهو عدم جواز مسّ القرآن مثلاً ولا وجه لتقدم اصالة عدم الجنابة على استصحاب الحدث إلا ما يقال في القسم الثاني من استصحاب الكلي من تقدم اصالة عدم الفرد الطويل على استصحاب الكلي وقد مرّ الكلام في هذا الاشكال على جريان القسم الثاني من استصحاب الكلي. والمقام من هذا القبيل إذ الجنابة هو الفرد الطويل من الحدث وقد جعلتم اصالة عدمه محققاً لموضوع الدليل المحرز لرافع الحدث .
والجواب عنه ان الوجه في عدم جريان استصحاب الحدث ليس تقدم اصالة عدم الجنابة عليه حتى يقال إنه لا وجه لذلك وان الجواب عنه هو الجواب عن الإشكال المذكور في القسم الثاني من استصحاب الكلي بل الوجه في ذلك ان مفاد الآية الكريمة ان الوضوء بالنسبة لمن صدر منه الحدث الأصغر ولم يكن جنباً رافع للحدث مطلقاً ومجوز للدخول في الصلاة فاصالة عدم الجنابة تحقق موضوع هذا الدليل والدليل ناظر إلى مقام رافعية الحدث ولا معنى حينئذ لاستصحاب الحدث إذ لا إشكال في تقدم الدليل الدال على ارتفاع الحدث على استصحاب نفس الحدث .
الوجه الثالث : انا نسلم ما ذكر من احراز رافع الحدث ولكن لا مانع من جريان استصحاب كلي الحدث مع ذلك إذ غاية ما يلزم منه اجتماع النقيضين وهو غير ضائر في الاعتباريات كما صحّ استصحاب الكلي في القسم الثاني مع عدم جريان اصالة بقاء الفرد الطويل ومرجع ذلك الى الحكم ببقاء الفرد الطويل إذ الكلي لا يبقى إلا في ضمنه وبعدم بقائه لعدم القطع بحدوثه. ولا يمكن ذلك إلا بالقول بعدم المانع في اجتماع النقيضين في الاُمور الاعتبارية .
والجواب ان اجتماع النقيضين ممتنع دائماً وفي جميع الاُمور وما ذكر من اجتماعهما في استصحاب القسم الثاني غير صحيح فان استصحاب الكلي هناك لا يثبت بقاء الفرد الطويل حتى يناقضه استصحاب عدمه الا على القول بالأصل المثبت. وكيف يعقل جواز اجتماع النقيضين في الاُمور الاعتبارية فيحكم مثلاً بالوجوب وعدمه والنجاسة وعدمها فإن ذلك يوجب التحير في مقام العمل.
وأما في ما نحن فيه فلو سلمنا جريان استصحاب الحدث لم يكن موجباً لاجتماع النقيضين أيضاً إذ لا يثبت الجنابة إلا بناءً على جريان الاصل المثبت وعدم جريانه ليس من جهة التناقض بل لما ذكرناه في الجواب عن الوجه الثاني .
الوجه الرابع : ما ذكره المحقق العراقي من ان هذا إنّما يتم لو لم نقل بالتضاد بين الحدثين وأما لو قلنا بالتضاد بينهما فلا يتم ذلك ولا يكفي هذا التقرير في جواز الدخول في الصلاة إلا بناءً على عدم اشتراط الصلاة بالطهارة وعدم مانعية الحدث وان الشرط في الصلاة هو نفس الغسلتين والمسحتين وهذا خلاف قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (لا صلاة إلا بطهور).
توضيح ذلك انا لو قلنا بأن النسبة بينهما هي التخالف أو الشدّة والضعف جاز دخول الصلاة بهذا الوضوء فان الحدث الاصغر أو درجة ضعيفة من كلي الحدث مرتفع بالوضوء والحدث الأكبر أو الدرجة القوية من الحدث مدفوع بالأصل. وأما لو قلنا بأن النسبة بينهما هي التضاد فبعد خروج البلل المشتبه يحصل علم اجمالي بحدوث أحد الحدثين ولا يمكن القول بالعلم بحصول أحدهما والشك في الآخر إذ ذلك متوقف على التخالف ولا القول بالعلم بحصول مرتبة ضعيفة والشك في المرتبة القوية فإنه متوقف على الرأي الآخر. وبعد الوضوء لا يعلم بارتفاع شيء من الحدث إذ لو كان الحاصل بعد خروج البلل المشتبه هو الجنابة لا أثر للوضوء أصلاً. فعلى هذا المسلك لا يمكن القول بعد الوضوء بحصول طهارة ما أو ارتفاع شيء من الحدث قطعاً بخلاف المسلكين الآخرين فإن الوضوء حينئذ رافع لاحد الحدثين أو احدى المراتب وموجب لنوع من الطهارة.
وبناءاً على هذا المسلك فإن قلنا بمانعية الحدث فلم يحرز إرتفاعه وان قلنا باشتراط الطهارة فلم يحرز تحققها. نعم ان قلنا بان الغسلتين والمسحتين شرط في صحة الصلاة كان مقتضى الآية المباركة مشروعية هذا الوضوء وكفايته في صحة الصلاة إلا أن ذلك مخالف لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (لاصلاة إلا بطهور).
والجواب : عنه ان مفاد الآية الكريمة كما يدل عليه ذيلها اي قوله تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ..) أن الوضوء في هذا الحال رافع للحدث وموجب للطهارة لا خصوص اشتراط الصلاة بالطهارة فحسب فالشك الوجداني في ارتفاع الحدث بعد الوضوء وان كان حاصلاً إلا ان مقتضى ضم الأصل الى الوجدان وتحقق موضوع الآية الكريمة هو حصول الطهارة وارتفاع الحدث كما ذكرنا بلا فرق بين المسالك.
بل يمكن ان يقال: ان شرط الصلاة هو حصول الطهارة وأما مانعية الحدث فلا دليل عليه نعم للحدث آثار خاصة كعدم جواز دخول المسجدين للجنب مثلاً وبين الحدث والطهارة تقابل التضاد ويدل على اشتراط الطهارة ذيل الآية المباركة (ولكن يريد ليطهركم) وكذا مسّ كتابة القرآن فإن الظاهر أن الطهارة شرط في جوازه بدليل قوله تعالى (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ).[^18] وحينئذ فإن لم يكن للوضوء أثر في حصول الطهارة فلا أثر له في جواز دخول الصلاة والمفروض الشك في حصول الطهارة به والقطع بعدمها قبله فيجري استصحاب عدم الطهارة ولا طريق الى اثبات صحة الصلاة إلاّ ما ذكرنا من دلالة الآية الكريمة على حصول الطهارة بالوضوء حينئذ .
ومن هنا يعلم أن اشكال استصحاب كلي الحدث لتقريب عدم جواز دخول الصلاة لا مورد له اصلاً فإن الحدث ليس مانعاً ولا أثر له وإنّما الطهارة شرط فينبغي أن يكون الإشكال هو استصحاب عدم الطهارة وجوابه حصول الطهارة بالدليل كما ذكرنا.
وكيف كان فالاشكال مندفع سواء قلنا بما نعية الحدث أو شرطية الطهارة إلا أن الاشكال على الاول من جهة استصحاب الكلي وداخل فيما نحن فيه وعلى الثاني فالاشكال من جهة استصحاب عدم الطهارة.
++الأمر الثاني من تنبيهات استصحاب الكلي++ : ان استصحاب الكلي مطلقاً متوقف على كون الكلي ذا أثر شرعي واحرازه واضح فيما إذا كان الكلي موضوعاً أو متعلقاً لحكم شرعي في لسان الدليل. إنّما الكلام فيما إذا كان للأفراد آثار متشابهة فهل يمكن كشف أثر واحد للكلي الجامع بينها أم لا؟ فالملكية مثلاً بعنوانها الجامع لها أثر شرعي وهو عدم جواز التصرف إلاّ باذن المالك ولكل من أفراد الملكية أيضاً أثر خاص كالملك المستقر وغير المستقر. وكذلك الزوجية بعنوانها الجامع موضوع لجواز الاستمتاع (إلا على ازواجهم) وللدائم والمنقطع منها أثر خاص .
ولكن قد يكون الأثر الشرعي لاُمور متعددة دون أن يكون الجامع بينها موضوعاً في لسان الدليل فالحكم حينئذ بكون الأثر للجامع مشكل إذ يتوقف ذلك أولاً على كشف الملاك في الأثر المخصوص وثانياً على كون الموضوع هو الجهة الجامعة وكلاهما مشكلان إذ لعل الأثر لكل من الأفراد بخصوصه .
ومن هنا يشكل الأمر في كثير من الموارد إذ الروايات غالباً لا تتعرض الا لبيان الجزئيات وقلّما يكون موضوع الحكم في لسان الدليل أمر كلّي فلا بد من بيان طريق يستكشف به أن الجامع في هذه الموارد هو الموضوع الواقعي وإن لم يكن مأخوذاً في لسان الدليل مع أن الظاهر هو تطابق القضية اللبية واللفظية.
بيان ذلك أن الأدلة الشرعية المتكفلة لبيان الاحكام في الموضوعات الخاصة على قسمين:
القسم الأول : ما يرد في موارد جزئية كما إذا سأل السائل عن نجاسة شيء لاقى امرا خاصا من النجاسات ونحو ذلك مما ورد في بيان صغريات خاصة نقطع بعدم الخصوصية فيها وأن ذكر خصوص المورد إنّما هو من جهة حاجة السائل إليه ونعلم أن الامام عليه السلام يطبق الكبرى الكلية عليه فما أخذ في القضية اللفظية ليس موضوعاً للقضية اللبية ووظيفة الفقيه ترتيب الحكم على الموضوع الكلي مع ملاحظة ما يمكن كونه دخيلاً في الحكم مما ورد في الاستفتاء عن الإمام وطرح ما لا دخل له قطعاً.
القسم الثاني : ما يرد بعنوان التعليم لا الافتاء مما يظهر منه كون الامام في صدد بيان الحكم الكلي. وتعبير الروايات في أمثال ذلك مختلف فقد يكون الموضوع واقعاً هو الجهة الجامعة ومع ذلك لا يذكر في لسان الدليل إلا بعض اصنافه نظراً إلى خصوصيات مقام التعليم وحاجة المخاطب. ففي مثل ذلك إذا ورد في تعبير احدى الروايات ترتب أثر خاص على صنف خاص وورد في دليل آخر ترتب نفس ذلك الأثر على صنف آخر فهل يمكن إلغاء الخصوصيات الصنفية ودعوى كون الجامع بينها هو الموضوع واقعاً ؟
مقتضى أصالة التطابق بين القضيتين اللبية واللفظية هو عدم امكان ذلك وهذا الاصل لا يجري في القسم الأول للقطع هناك بعدم خصوصية في الصغريات الخاصة التي سأل عنها السائل كدم الرعاف في صحيحة زرارة مثلاً .
وقد حاول بعض الأعاظم دفع الاشكال المذكور في المسألة السابقة على هذا الاساس بتقريب أن الحدث الأصغر والأكبر كل منهما موضوع للحكم بعدم جواز دخول الصلاة وعدم مسّ كتابة القرآن ولكن الجهة الجامعة وهو كلي الحدث لم يثبت كونه موضوعاً لذلك فاستصحاب كلي الحدث بعد الوضوء غير جار في نفسه فلا حاجة الى جواب المحقق النائيني فتجوز الصلاة بعد الوضوء لارتفاع الحدث الأصغر قطعاً والأصل عدم تحقق الحدث الأكبر وجواز المسّ وصحة الصلاة مشروطان بفقدان كل من الحدثين لا الحدث الجامع .
ولا يخفى أن ما ذكره غير صحيح بناءً على عدم مانعية الحدث مطلقاً كما هو الصحيح وقد ذكرناه وقلنا إن الشرط هو الطهارة ولكن حصولها بالنسبة للمحدث بالأصغر بالوضوء وبالنسبة للمحدث بالأكبر بالغسل فلابد من احراز الطهارة ولا طريق إليه إلا ما ذكرناه. والكلام إنّما هو في أن الحدث بالمعنى الجامع هل هو أمر انتزاعي وليس موضوعاً للأثر شرعاً أم أنه بعنوانه العام موضوع للأثر شرعاً ؟
لفظ الحدث باطلاقه وارد في الروايات ومعناه اللغوي وان كان مطلق الشيء الحادث إلا أن المراد به فيها هو المعنى الاصطلاحي الخاص اي القذارة التي تختص بجسم الانسان في قبال الخبث الذي لا يختص بجسم والحدث بهذا المعنى قسمه الفقهاء الى أكبر وأصغر وليس لهذا التقسيم في الروايات عين ولا أثر، إلا أن الوارد فيها ترتيب أثر خاص إذا كان السبب لحصول هذه القذارة هو الجنابة مثلاً وأثر خاص آخر إذا كان سببه الحيض مثلاً وأثر خاص آخر إذا كان سببه أحد موجبات الوضوء فالحدث لم يستعمل في معان متعدة بل معناه في الروايات واحد وانما الاختلاف في الاسباب وبذلك المعنى الوحداني قد جعل فيها موضوعاً لأثر وهو نقض الوضوء كما في صحيحة اسحاق بن عبدالله الاشعري عن أبي عبدالله عليه السلام قال: (لا ينقض الوضوء الا حدث والنوم حدث) .([^19])
وقد ورد في عدة روايات ان خروج المني ناقض للوضوء مع انه موجب للحدث الأكبر في اصطلاحنا فهذه الروايات تدل على ان المراد بقوله عليه السلام (لا ينقض الوضوء إلاّ حدث) يريد به المعنى الجامع حتى ينطبق على النوم ونظائره وعلى خروج المني ايضا.
فتحصل ان الحدث بالمعنى الجامع هو الناقض للوضوء الذي هو موجب للطهارة وهي شرط في صحة الصلاة فالحدث بالمعنى العام موضوع للأثر. وأما التعبير بحدث الجنابة مثلاً وجعله موضوعاً لحكم كعدم جواز دخول المسجد فليس المراد به ان لفظ الحدث أطلق على نفس الجنابة بل الحدث مستعمل في معناه الجامع ولكنه متحصص بحصة خاصة باعتبار خصوصية السبب .
وما ذكرناه في معنى الحدث من انه القذارة الخاصة بجسم الانسان هو الصحيح لا ما ذكر في بعض الرسائل العملية من أن الحدث هو القذارة الحاصلة لنفس الانسان في قبال الخبث الخاص بالجسم. وذلك لان بعض اسباب الغسل التي تعتبر حدثاً أكبر لا يمكن فيها القول بالعروض على النفس كالموت الموجب لغسل الميت إذ لا ريب في عروض هذه القذارة على جسمه فقط بل حتى في سائر الموارد وعروض القذارة على النفس بهذه الاسباب لا دليل عليه أصلاً .
**الأمر الثالث من تنبيهات استصحاب الكلي** **:** البحث عن جريان أصالة عدم التذكية . والوجه في ذكره هنا ان للفاضل التوني قدس سره كلام معروف يوهم ارتباط هذا الاصل باستصحاب القسم الثالث من الكلي. وحاصل ما ذكره انه لا اشكال في نجاسة الميتة كما هو المشهور خلافاً للصدوق من المتقدمين ولصاحب المدارك من المتأخرين والمشهور أيضاً الحكم بنجاسة الحيوان إذا شك في كونه ميتة لاصالة عدم التذكية كالجلد المطروح الذي لا يحمل امارات التذكية. واستشكل في ذلك الفاضل التوني بأن هذا من قبيل استصحاب عنوان الضاحك لاثبات وجود عمرو في الدار بعد العلم بتحققه في ضمن زيد وارتفاعه والشك في تحققه في ضمن عمرو. ولا اشكال في عدم جريان الاستصحاب في المشبه به فكذا المشبه.
وظاهر كلامه ان وجه عدم جريانه في المشبه به أمران :
الأول : ان الضاحك في ضمن زيد غيره في ضمن عمرو ولذا لم يجر القسمان الاولان من القسم الثالث من استصحاب الكلي . الثاني : ان استصحاب الكلي لا يثبت الحصة الخاصة فلا يثبت استصحاب الضاحك وجود عمرو في الدار .
واما في المشبه فظاهر كلامه ان اصالة عدم التذكية لها ملزومان: أحدهما حال الحياة والآخر حال الموت حتف الانف، فاذا اجرينا استصحاب عدم التذكية حال الحياة لاثبات عدم التذكية حال الموت وهو الموت حتف الاتف كان مورداً للاشكالين المزبورين.
وما ذكره من التشبيه غير صحيح فان الكلي المتحقق في ضمن زيد غير الكلي المتحقق في ضمن عمرو كما مرّ تفصيله ولكن عدم التذكية لا يتعدد بتعدد ملزومه إذ ليس ذلك من قبيل الكلي المتحقق في ضمن كل منهما بل هو أمر عدمي لازم لكل منهما وهو أمر بسيط . نعم التشبيه صحيح من جهة واحدة وهو عدم امكان اثبات الملزوم به كما لا يمكن اثبات الفرد باستصحاب الكلي فاثبات الموت حتف الانف باستصحاب عدم التذكية غير صحيح ولكن الاشكال الآخر الوارد هناك غير وارد في المقام. مضافاً الى انه لا حاجة الى اثبات الموت حتف الانف فان بعضهم ذهبوا الى ان عدم التذكية جزء الموضوع للنجاسة والجزء الآخر محرز بالوجدان وهو كونه حيواناً زهق روحه.
ومن هنا يعلم انه لا سبيل الى تصحيح ما ذهب اليه الفاضل التوني فلاوجه لمحاولة السيد الخوئي دام ظله تطبيق مسلكه على مسلكه كما سيأتي.
وكيف كان فالكلام انما هو في ان الجلد المطروح واشباهه هل يحكم عليها بالنجاسة بموجب اصالة عدم التذكية أم لا ؟ وكذلك ما أخذ من يد الكافر فان الصحيح ان يده ليست امارة على عدم التذكية وانما يد المسلم امارة للتذكية.
المشهور هو الحكم بالنجاسة وخالف في ذلك جماعة. ومرجع النزاع الى ان موضوع النجاسة هل هو عنوان الميتة بالمعنى الوسيع على ما سيأتي توضيحه ان شاء الله أم الموضوع لها امران: الميتة بالمعنى الاخص وهو الحيوان الميت حتف انفه، والحيوان الذي زهق روحه ولم يذكّ.
وذهب المحقق الهمداني قدس سره إلى ان الموضوع ليس هو الميتة بل هو الحيوان الذي زهق روحه ولم يذك ولعله يظهر من كلام المحقق الخراساني أيضاً .
ودليلهما على ذلك امران :
الأول الاجماع على نجاسة الحيوان الذي لم يذكّ وان لم يمت حتف انفه ولم تصدق عليه الميتة وقد ذكر ذلك في الجملة المحقق الخراساني في تنبيهات البراءة.
الثاني : رواية قاسم الصيقل وقد تمسك بها لاثبات ذلك المحقق الهمداني.
وعلى هذا فلا حاجة الى اثبات عنوان الميتة حتى يلزم اشكال كون الاستصحاب أصلاً مثبتاً أو غير ذلك. هذا هو المسلك الأول .
وهذا المسلك غير صحيح، اما الاجماع المذكور فهو وان كان غير بعيد إلا أن المذكور في كلمات فقهاء العامة والخاصة هو عنوان الميتة ولم يتعرض أحد منهم لعنوان (الحيوان الذي لم يذكّ) وكذلك في تعابير الروايات. هذا مضافاً الى ان الاجماع حجة صامتة فلا يعلم ان الموضوع على تقدير كونه هو الحيوان غير المذكىّ هل هو بعنوان السالبة المحصلة حتى يمكن استصحابه أو بنحو العدم النعتي والموجبة المعدولة المحمول اي الحيوان الذي زهق روحه الموصوف بكونه لم يذكّ فلا يمكن اثباته باستصحاب عدم التذكية لما ذكرناه في مبحث الأصل المثبت من عدم امكان اثبات الموجبة المعدولة المحمول باجراء الاستصحاب في السالبة المحصلة. والحاصل أن الاجماع ليس له لسان يذكر حدود الموضوع .
وأما رواية قاسم الصيقل فهي في الكافي عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن محمد بن عبدالله الواسطي عن قاسم الصيقل قال: كتبت الى الرضا عليه السلام (اني اعمل اغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي فاصلّي فيها؟ فكتب اليّ: اتخذ ثوباً لصلاتك) فكتبت الى أبي جعفر الثاني عليه السلام (كنت كتبت الى أبيك عليه السلام بكذا وكذا فصعب عليّ ذلك فصرت اعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية فكتب اليّ: كلّ اعمال البرّ بالصبر يرحمك الله فان كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس به)[^20] ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن محمد.
وسندها ضعيف فان بعض رواتها مجهول الحال مضافاً الى عدم دلالتها على المقصود فان مورد الاستدلال هو الجملة الاخيرة (ان كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس ) بدعوى دلالتها بالمفهوم على وجود البأس ان لم يكن ذكياً فالموضوع هو عنوان غير المذكى كذا ذكره المحقق الهمداني في حاشيته على الرسائل.
ويرده أن هذه الشرطية ليس لها مفهوم فان الشرط هنا مسوق لبيان تحقق الموضوع فالمراد ان هذا الذي ذكرته في كتابك وهو جلد الحمر الوحشية الذكية لا بأس به. والقضايا الشرطية قد تكون ثنائية وهي التي تشتمل على شرط وجزاء كما نحن فيه وفي مثل ذلك يكون الشرط مبيناً للموضوع وليس لها مفهوم وقد تكون ثلاثية وهي التي تشتمل على موضوع وشرط وجزاء كقولك زيد ان جاءك فاكرمه ولهذه الجملة مفهوم. وتفصيله في محله. والحاصل أن الجملة الشرطية في هذه الرواية لا مفهوم لها. ويشهد لذلك ذكر الوحشية أيضاً في الشرط مع انه لا دخل لذلك قطعاً فالمراد هو بيان حكم الموضوع المذكور في كتاب السائل.
المسلك الثاني: ان استصحاب عدم التذكية يثبت عنوان الميتة وهو موضوع الحكم والبحث في امكان اثبات ذلك وعدمه مفصّل. واجماله ان الميتة قد تطلق ويراد بها الميتة بالمعنى الاخص وهو ما مات حتف انفه، وقد تطلق ويراد بها المعنى الاعم وهو ما يشمل ذلك وكل حيوان زهق روحه ولم يذك تذكية صحيحة في الشرع أو القانون لكل مذهب وملة بحسب رأيه. ومورد الكلام هو الميتة بالمعنى الاعم والاحتمالات في حقيقة هذا العنوان ثلاثة:
الاحتمال الأول: انه موضوع مركب من جزءين: ازهاق الروح وعدم التذكية. وهذا الاحتمال هو اساس تفكير المتأخرين الا أن بعضهم ذهب الى امكان احراز جزء منه بالوجدان وجزء بالاصل وبعضهم انكر ذلك.
الاحتمال الثاني: انه عنوان بسيط منتزع من الأمرين وأنّ تقابله مع المذكى تقابل العدم والملكة. وهذا المعنى منقول من المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل .
الاحتمال الثالث: انه عنوان بسيط ولكنه امر اعتباري جعلي. وذلك لان الميتة ابتداءً جعل اسماً لمامات حتف انفه ثم بالتطور الذي يقضي باستعمال اللغات المجعولة للامور التكوينية في الاُمور الاعتبارية الجعلية ووضعها لها جعل كلمة الميتة للميتة القانونية بعد كونه في أصل الوضع موضوعاً للميتة التكوينية أي ما مات حتف أنفه نظير ما ذكرناه في مباحث الاحكام الوضعية ان النجاسة اسم للقذارة التكوينية ثم بالتطور جعل اسماً للقذارة القانونية وهو العنوان الذي يحتوي على احكام تكليفية خاصة بنحو اللفّ. وعلى هذا فالمستعمل فيه اللفظ هو نفس المعنى اللغوي إلا أن المراد به الفرد الاعتباري لا التكويني.
ثم ان ظاهر كلمات اللغويين هو الاحتمال الأول وهو المذكور في كلمات الاصحاب ولم يتعرض أحد منهم للاحتمالين الآخرين، إلا ان بعضهم ــ ومنهم الشيخ ــ ذهبوا إلى امكان احراز جزء منه بالوجدان وجزء بالأصل. ولا بد من ان يكون ذلك نظراً الى ان عدم التذكية المأخوذ في العنوان يراد به العدم بنحو السالبة المحصلة ليمكن اجراء الاصل فيه. وفي قبال ذلك القول بالتركب من جزءين لا يمكن اجراء الاصل في أحدهما كما إذا قلنا بان الجزءين وجوديان وهما ازهاق الروح وكون ذلك بسبب غير شرعي. وكذلك إذا قلنا بأن الجزء العدمي عدم نعتي فالميتة هو الحيوان الذي زهق روحه الموصوف بكونه لم يذك. واختار السيد الخوئي ايده الله القول الثاني اي التركب من جزءين لا يمكن اثبات أحدهما بالاصل واستدل على ذلك بما في مجمع البحرين من ان الموت هو زهاق النفس المستند الى سبب غير شرعي ([^21]) واستدل في بعض مباحثه بما في المصباح المنير على ما نقل عنه في تاج العروس ج1 ص 587 من ان المراد بالميتة في عرف الشرع ما مات حتف انفه أو قتل على هيئة غير مشروعة. وعلى ذلك فالميتة مركبة من امرين وجوديين فلا يمكن اثبات أحدهما بالاصل ولا أقلّ من احتمال ذلك فيكفي في عدم جريان الاصل وعلى هذا افتى بطهارة ما يؤخذ من الجلود وليس عليها امارة التذكية .
واما الشيخ وجماعة فقد استظهروا كون الجزء الآخر امراً عدمياً لما في الصحاح من ان الميتة ما لم يلحقه الذكاة وكذا في القاموس وتاج العروس .
وكيف كان فما سلكه القوم جميعاً من تركب عنوان الميتة غير صحيح اساساً بل هو امر بسيط وعنوان وحداني فإن اللفظ لا يدل على أكثر من ذلك والتحليل العقلي لا يوجب تركب المعنى اللغوي. وما ذكره بعض أهل العلم من ان وحدة العنوان يثبت ان كان بنحو النعت لاوجه له إذ لا فرق في ذلك بين كونه عدماً نعتياً أو سلباً محصلاً أو غير ذلك. ومن الواضح ان كلمة الميتة لا تدل على ما ذكر من القيود لغة وانما هو عنوان بسيط. واما كلمات اللغويين فهي مشيرة الى التحول الذي طرأ على هذه الكلمة حيث كانت موضوعة أصلاً لما مات حتف انفه ثم استعمل في كلمات الفقهاء في معنىً جامع . ثم ان المصباح ليس كتاب لغة اصلاً بل هو كتاب لغة الفقه فقط وضعه مؤلفه لشرح كلمات شرح الرافعي لكتاب الغزالي وهو كتاب فقه فالتمسك به تمسك بكتاب فقه عامي ولذا نسب تفسير هذه الكلمة الى عرف الشرع. وقال في تاج العروس (قال شيخنا وقوله (في عرف الشرع) يشير إلى انه ليس لغة محضة ونسبه النووي الى الفقهاء). وكذلك نهاية ابن الأثير فانه كتاب يشرح لغات أحاديث العامة وقد ذكرنا في مبحث حجية قول اللغوي ان اللغويين تأثروا من مذاهبهم الفقهية في تفسير الكلمات اللغوية ومن هنا اختلفت تفاسيرهم في ما يرجع الى الفقه كالغنيمة فان بعضهم ذكر ان معناها لغة هو الفوز بالمال بلا عوض ومع ذلك فقد خصوا معناه بما يحصل في الحرب تبعاً لمذهبهم الفقهي. وكذلك في الكعب والعورة، بل نجد الاختلاف بين الكوفيين والبصريين في تفسير اللغات راجعاً الى اختلاف مذهبهم الفقهي فنرى الكوفيين في آرائهم اللغوية بل النحوية أيضاً متأثرين بالفقه الشيعي بخلاف البصريين ولهذه المطالب شواهد نذكرها في محله ان شاء الله تعالى.
وعليه فلا اعتماد على قول المصباح ونظائره في المقام في فهم المعني اللغوي خصوصاً بملاحظة تصريحهم ان ذلك معناه عند الشارع مضافاً إلى عدم تنبه هؤلاء إلى الفرق بين أخذ القيد عدمياً أو وجودياً والعدم نعتياً أو سلباً محصّلاً فلا يدل تعابيرهم على معنىً واقعي بل هو شرح للّفظ من دون ملاحظة هذه الخصوصيات الدقيقة.
فتحصل ان القول بالتركب باطل اساساً ولا مجال للبحث عن كون احد الجزءين وجودياً أو عدمياً والعدمي نعتياً أو غير ذلك من الاقسام الذي ذكروه مما لا محصّل له. ولو سلّم القول بالتركب لم يمكن احراز عنوان الميتة بالاستصحاب لعدم احراز أحد هذه الوجوه المذكورة وعدم الدليل على صحة شيء من أقوال اللغويين في المقام كما عرفت.
وأما بناء على الاحتمال الثاني أي كون عنوان الميتة أمراً بسيطاً وتقابله مع المذكى من قبيل تقابل العدم والملكة فقد ذكرنا في مبحث الأصل المثبت ان ما كان من هذا القبيل كالعمى المنتزع من عدم البصر والقابلية لا يمكن احراز جزء منه بالوجدان وجزء بالأصل لما ذكرناه هناك من ان مصحح الانتزاع ومنشأه ان كان أحدهما محرزاً بالوجدان لا يمكن اثبات الأمر الانتزاعي باجراء الأصل في الآخر إلاّ بدعوى خفاء الواسطة وقد ذكرنا ضعفها. وكيف كان فهذا الاحتمال اقرب إلى الواقع مما ذكره الاعلام من التركب. وعلى هذا الاحتمال أيضاً لا يمكن احراز عنوان الميتة باستصحاب عدم التذكية خلافاً للمحقق الخراساني.
وأمّا الاحتمال الثالث : فهو الذي ذكرنا في مبحث الاحكام الوضعية وهو أن الميتة ومرادفاتها في سائر اللغات كلفظة (مردار) في الفارسية موضوعة في أصل اللغة لما مات حتف انفه وبما ان ذلك يعتبر في التمدن البشري قذراً من جهة طيب الأكل وسائر الاستعمالات المرتبطة به كصنع آنية الاكل او الشرب من جلده اشتملت كلمة الميتة على أحكام وآثار خاصة عند العقلاء وبهذا الاعتبار اطلقت كلمة الميتة على كل حيوان لم يذبح بالطريقة المعتبرة قانوناً أو عرفاً أو شرعاً لاشتماله على نفس الأحكام والآثار وكان هذا الاطلاق ابتداءً بنحو الاعتبار الأدبي، ثم بالتطور صار اعتباراً قانونياً وصارت كلمة الميتة عنواناً اعتبارياً جعلياً كل حسب مذهبه واللفظة مستعملة في نفس المعنى اللغوي إلا ان المراد به فرد اعتباري ويختلف هذا الاطلاق بحسب اختلاف الاعتبارات والمذاهب والنظم فترى الحيوان المذكى عند المسلمين ميتة عند اليهود وبالعكس وعلى هذا فالتقابل بين الميتة والمذكى تقابل التضاد.
إذن فعنوان الميتة كالصلاة والصوم وغيرهما من الماهيات الاعتبارية إلا انا ذكرنا في مبحث الاحكام الوضعية ان الماهيات الاعتبارية إذا كانت تحمل على عين من الاعيان أو فعل من الافعال بهو هو يطلق عليها الماهيات الجعلية وإلا فيطلق عليها الاحكام الوضعية .
وقد ذكرنا تفصيل كيفية تطور اللغات من الاعتبارات الادبية الى الاعتبارات القانونية في مبحث الاحكام الوضعية فلا نعيد.
وبناءً على هذا الاحتمال فالميتة عنوان وجودي اعتباري وهو ما يشتمل بنحو اللف والاندماج على الأحكام التكليفية الخاصة، كما أن المذكى أيضاً عنوان وجودي اعتباري كذلك. والذكاة في أصل اللغة عبارة عن التمام والكمال من ذكى الغلام أي تمّت فطنته. وذكى النار أي تمت جذوته. وبهذا الاعتبار أطلق على الذبح الذي هو إنهاء لحياة الحيوان. وحيث كان الانهاء لحياة الحيوان اول مرحلة لإعداده للاكل تضمّن لفظ التذكية على معنى الطيب أي طيب الأكل ثم بالتطور صارت التذكية ماهية اعتبارية تطلق على ما يوجب الأحكام التكليفية الخاصة حتى ظن بعضهم كالمحقق الهمداني ان الذكاة في اللغة بمعنى النظافة والنزاهة مستدلاً على ذلك بما ورد في الحديث من أن ذكاة الجلد دباغته اوذكاة الجنين ذكاة أمه اوكل يابس ذكي واشباهها. وقد ذكرنا في محله ان الاستدلال بهذه التعابير غير صحيح فان بعضها بالزاء كما ورد (زكاة الارض يبسها) وبعضها بنحو من العناية نحو (ذكاة الجلد دباغته) و(ذكاة الجراد أخذه) و(ذكاة السمك اخراجه من الماء حياً).
والصحيح ــ كما مرّ ــ ان التذكية بالمعنى المتطور هي الماهية الاعتبارية المندمج فيها حكم حلية الأكل وجواز الاستعمال والميتة بالمعنى المتطور هي الماهية الاعتبارية المندمج فيها حكم حرمة الأكل وعدم جواز الاستعمال ونحو ذلك فهما متضادان.
ولكن المهم هو ملاحظة تاريخ التطور والوصول الى هذه المرحلة من المعنى وأنه هل كان في زمن الفقهاء أو الائمة الطاهرين عليهم السلام أو النبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلّم فمثلاً نلاحظ أن تطور كلمة الصلاة الى هذه الماهية الاعتبارية المخصوصة كان قبل الإسلام كما يشهد بذلك بعض أشعار الجاهلية. ولكن بعض هذه الماهيات يرجع تاريخ تطورها الى زمن الفقهاء كما ذكر بعض اللغويين في كلمة الميتة انه في عرف الفقهاء كذلك، فان كان كذلك فلا ثمرة تترتب على هذا التطور من حيث كشف الحكم الشرعي من تعابير الروايات.
إذن فالمهم في المقام ملاحظة استعمال هذه الكلمة في الروايات والمعنى المراد بها. والوارد في بعض الروايات والآيات الكريمة يراد به نفس المعنى الاصلي وهو الميتة بالمعنى الاخص ولو باعتبار القرائن كقوله تعالى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ..)[^22] فإن مقابلة الميتة لما اهل به لغير الله والمنخنقة وغير ذلك تدل على ان المراد بها الميتة بالمعنى الأخص أي مامات حتف أنفه. ويبقى الترديد في أن ذلك من جهة عدم التطور في لفظة الميتة حتى ذلك الزمان أو من جهة القرائن. وكذلك الروايات الواردة في تعليل حرمة اكل الميتة باندماج الدم فيها فإن ذلك مختص بالموت حتف أنفه وأمثال ذلك كثيرة. ولكن كثيراً ما استعمل هذه الكلمة في الروايات في المعنى المتطور وهي عدة روايات نذكر منها بعض الشواهد.
منها: موثقة سماعة قال (سألته عن جلود السباع ينتفع بها ؟ قال: إذا رميت وسميت فانتفع بجلده وأما الميتة فلا).[^23] فإن المراد بها بقرينة المقابلة لما سمّي عليها هو الميتة بالمعنى الأعمّ.
ومنها: رواية أبي بصير عن أبي عبدالله عليه السلام (أنّه قال في إليات الضأن تقطع وهي أحياء: إنّها ميتة).[^24] فإن الاجزاء المبانة من الحي ليست ميتة بالمعنى الأخص.
ومنها: الروايات الدالة على أن ما أخذته الحبالة فقطعت منه يداً أو رجلاً فهو ميت وهي عدة روايات. [^25]
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: (سألته عن آنية أهل الكتاب فقال: لا تأكل في آنيتهم إذا كانوا يأكلون فيه الميتة والدم ولحم الخنزير) [^26] فإن اليهود والنصارى لا يأكلون الميتة بالمعنى الأخص فلابد ان يراد به غير المذكى.
ومن هنا يعلم ان الميتة بالمعنى الاعم موضوع النجاسة وان هذا التحول والتطور طرأ قبل زمان الصادقين عليهما السلام. [^27] وكيف كان فالميتة ماهية اعتبارية ومثلها ماهية النجاسة بل هي أوضح منها فان النجاسة في كثير من الروايات لم يعبر بها صريحاً وانما عبّر بكلمة اغسله ونحو ذلك وهذه الكلمات مشيرة إلى عنوان النجاسة وكذلك ما يرد في الآيات والروايات من النهي عما لم يذكر اسم الله عليه واشباهه فإن كل ذلك اشارة الى تحقق عنوان الميتة، كما أن الأمر بالتوضؤ لمن بال مثلاً اشارة الى تحقق عنوان المحدث. والسرّ في جميع ذلك هو ما ذكرناه في مبحث الأحكام الوضعية من توسط الأحكام التكليفية في تحقق الماهيات الاعتبارية. ويختلف تطبيق هذا العنوان على الخارج باختلاف المذاهب كما مرّ وذلك لما ذكرناه مراراً من أن انطباق الماهيات الاعتبارية على مصاديقها ليس كانطباق الماهيات التكوينية فإن انطباق التكوينيات قهري طبيعي وانطباق الاعتباريات يحتاج الى متمم الجعل التطبيقي وهو القانون الخاص في كل مجتمع بحسبه فترى الشيء النظيف عند اليهود نجساً عندنا وبالعكس وكذلك الميتة.
ويختلف هذا المسلك عن المسلك الأول والثاني في أن الميتة على الاول ماهية مركبة من أمرين تجمعها وحدة اعتبارية وعلى الثاني أمر منتزع من الأمرين كما ذكرنا بخلاف هذا المسلك فان الميتة بناءاً عليه ماهية اعتبارية وهناك فرق واضح بين الوحدة الاعتبارية والماهية الاعتبارية.
وقد بينا ان أصحاب المسلك الأول اختلفوا في امكان اثبات عنوان الميتة باستصحاب عدم التذكية وعدمه. فذهب بعضهم الى أنه يحتمل الأمرين إذ يمكن تصويره بنحو لا يمكن احرازه بالأصل كما إذا قلنا بإنه عبارة عما ذبح على غير الطريقة الشرعية فإنه عنوان وجودي لا يمكن احرازه بالأصل ويمكن تصويره بنحو يمكن احرازه بالأصل كما إذا قلنا بأنه عبارة عما زهق روحه ولم يطرأ عليه فري الادراج أو النحر بالطريقة الخاصة فتكون سالبة محصلة بل حتى لو كانت بنحو العدم النعتي كالحيوان الموصوف بعدم كونه مقطوع الاوداج على النحو الخاص مثلاً فإن هذا النعت له حالة سابقة وهي في حال حياته فيستصحب هذا العنوان العدمي بعد زهاق روحه. والحاصل أن كلا من النحوين ممكن ولا نعلم ان الميتة وضعت لاي من نحوي التركيب وكلمات اللغويين مختلفة وفيها ما يلائم هذا القول أي احتمال المركب للأمرين وهو ما نقلناه عن الصحاح وغيره من أنه ما لم يلحقه ذكاة.
وذهب السيد الخوئي ‹ايده الله› الى ترجيح ما في المصباح ومجمع البحرين ولعلّه لم يلاحظ الأقوال المعارضة لهما وقال بعدم امكان احراز هذا العنوان بالأصل حتى لو لم نقل بالترجيح لأن الترديد كاف في ذلك وقد مر جوابه.
وذهب بعض أهل العلم الى أن وحدة العنوان تقتضي كونه بنحو العدم النعتي لما زهق روحه وهذا كلام لا اساس له اصلاً وكيف تقتضي وحدة العنوان أن يكون بعض الموضوع نعتاً لبعض آخر ثم على هذه الكيفية الخاصة من النعتية؟! مضافاً الى أن النعوت تنحل بحسب ارتكاز العقلاء الى الذات الموصوف بكذا كالعالم مثلاً اي الانسان المتصف بالعلم فيمكن اثباته جزءً بالوجدان وجزءً بالأصل.
وأمّا المحقق الخراساني فذهب الى امكان اثبات جزء بالأصل وجزء بالوجدان نظراً إلى ان مسلكه في حقيقة عنوان الميتة هو الاحتمال الثاني كما عرفت وهو يقول بجريان الاصل في موارد العدم والملكة. وقد مرّ الاشكال فيه ومرّ تفصيل الكلام في مبحث الاصل المثبت.
والصحيح هو ما ذكرناه من المسلك الثالث. وعليه فلو شك في كون حيوان ميتة هل يمكن اجراء الأصل في ذلك والحكم بطهارته أم لا ؟
الظاهر أنه لا محذور في إجراء أصالة عدم كونه ميتةً لان الحيوان لم يكن ميتة سابقاً والآن نشك فيه فيجري الاستصحاب. ولا يعارضه استصحاب عدم كونه مذكى لعدم جريانه في نفسه في المقام عندنا فإن الذي يترتب على التذكية هو الحلية فقط وأما الطهارة فالمفروض ان الحيوان كان طاهراً حال حياته فلا تؤثر التذكية في طهارته وإنما تؤثر في إباحة أكله.
وقد اوضحنا في مبحث البراءة ان اصالة عدم الاباحة أو أصالة عدم تحقق موضوع الاباحة لا يجريان أصلاً وان اجراءهما لغو. وقد ذكر الاصحاب أجوبة عن اشكال معارضة أصالة عدم الحرمة باصالة عدم الاباحة فيما اذا علم بان الشيء اما مباح واما حرام. وذكرنا هناك ان أصالة عدم الاباحة لا تجري في نفسها. وكذلك لا يجري الاصل في موضوع الاباحة كاصالة عدم التذكية.
والسرّ في ذلك ان أصالة عدم الاباحة لو اُريد من اجرائها اثبات الحرمة فهو يبتني على حجية الاصل المثبت فانه من قبيل اثبات أحد الضدين باستصحاب عدم الآخر ولو لم يقصد به ذلك فلا اثر يترتب على عدم جعل الاباحة للشيء إذ لا يؤثر اثراً في نفس المكلف وارادته، إذن فاصالة عدم التذكية لا تجري في نفسها فلا معارض لاصالة عدم كونه ميتة إلا اننا ذكرنا ان انطباق العناوين الاعتبارية يحتاج الى متمم الجعل التطبيقي وان انطباقها يخضع للقانون والملاحظ من الادلة الشرعية تطبيق هذا العنوان على الحيوان الذي زهق روحه ولم يذكّ وهذا التطبيق يعين موضوع الميتة فان الميتة عنوان اعتباري وتطبيقه حكم شرعي كتطبيق النجاسة وان كان هو بدوره موضوعاً للاحكام التكليفية الخاصة .
إذن فاصالة عدم الميتة أصل حكمي وهو لا يجري لو كان موضوعه مجرىً لاصل آخر وموضوعه بحسب هذه الادلة التطبيقية هو الحيوان الذي زهق روحه ولم يذكّ اي لم يذبح أو ينحر على الطريقة الخاصة والاصل الموضوعي يختلف بحسب اختلاف الموارد فاذا كان الحيوان قد زهق روحه وكان مما يجب ان ينحر وشككنا في انه قد نحر أو ذبح فالأصل عدم كونه منحوراً وهذا الاصل يتقدم على أصالة عدم كونه ميتة لأنه أصل سببي وكذا إذا كان الشك في ذبحه وهو مما يجب ان يذبح وغير ذلك مما يكون الاصل فيه موجباً لاثبات كونه ميتةً. ولكن قد يكون الشك بنحو يثبت الأصل كونه غير ميتة كما إذا شك في ارتداد الذابح والمفروض اشتراط الاسلام فيه فنحكم ببقاء اسلامه وصحة ذبحه. وكذا لو شك في أصل كونه مسلماً مع عدم اشتراط الاسلام والقول بكون المانع هو الكفر فإن استصحاب عدم كفره يثبت صحة ذبحه، ولا يعارضه استصحاب عدم الاسلام حال الصغر لما ذكرناه في مبحث الاصل المثبت من ان استصحاب مصحح الانتزاع إلى زمان حصول منشأ الانتزاع أو العكس لا يثبت الأمر الانتزاعي ومن هنا لا يمكن اثبات اعدام الملكات باستصحاب العدم الى زمان القابلية كما نحن فيه. وكذا إذا كان الحيوان وحشياً سابقاً ثم شككنا في أنه حال الصيد والرمي كان وحشياً أم انقلب اهلياً فاستصحاب بقاء وحشيته يوجب الحكم بصحة تذكيته ونفي عنوان الميتة وكذا اذا كان الشك في بقائه مستقبل القبلة حال فري الاوداج.. الى غير ذلك من الامثلة.
هذا كله مقتضى الأصل واما مقتضى الروايات الواردة في المقام فبحثه موكول الى محله في كتاب الطهارة.
هذا تمام الكلام في تنبيهات استصحاب الكلي.
**القسم الرابع**
هناك قسم رابع لاستصحاب الكلي اضافه السيد الخوئي ‹ايّده الله › بدعوى ان الاصحاب غفلوا عن هذا القسم، وهو انا لو علمنا بتحقق الكلي في ضمن فرد من الافراد قطعاً وعلمنا بتحقق كلي آخر أيضاً وشككنا في أنه تحقق في ضمن ذلك الفرد الأول أو في ضمن فرد آخر مع العلم بانتفاء الكلي الأول وأن الكلي الثاني لو كان متحققاً في ضمن الفرد الأول فهو معلوم الزوال وان كان في ضمن فرد آخر فهو اما مقطوع البقاء أو محتمله.
مثال ذ لك : انا نعلم بوجود قرشي في الدار وان ذلك القرشي خرج من الدار قطعاً ونعلم أيضاً بان العالم كان موجوداً في الدار أيضاً ولكنا نشك في انه كان متحققاً في ضمن ذلك القرشي فيكون معلوم الزوال أو في ضمن فرد آخر فيكون معلوم البقاء أو محتمله فلا مانع من استصحاب بقاء العالم وهذا ليس داخلاً في شيء من الاقسام السابقة وذلك للفرق بينه وبينها .
أما الفرق بينه وبين القسم الأول فواضح فإن الكلي هناك معلوم التحقق في ضمن فرد معلوم والشك في بقائه من جهة الشك في بقاء الفرد ولكنه هنا لم يعلم فرده الذي تحقق في ضمنه .
وأما الفرق بينه وبين القسم الثاني فهو ان الكلي هناك مردد بين الفرد الطويل والقصير وكل من الفردين مشكوك التحقق وهو السبب في الشك في بقاء الكلي ولكن أحد الفردين هنا معلوم التحقق ولكنه معلوم الزوال والشك في بقاء الكلي إنّما هو لاحتمال تحققه في ضمن فرد آخر .
وأما الفرق بينه وبين القسم الثالث فهو ان الكلي هناك مقطوع التحقق في ضمن فرد معلوم الزوال والشك في بقائه من جهة الشك في تحقق فرد آخر منه ولكنه هنا لم يعلم تحققه في ضمن فرد خاص أصلاً .
والمثال الفقهي لهذا القسم أنه إذا اجنب أحد يوم الجمعة مثلاً واغتسل له قطعاً ثم رأى في ثوبه منياً وشك في أن الجنابة الحاصلة من خروج هذا المني هل هو نفس الجنابة السابقة أم هو جنابة حادثة بعد الغسل.
والأصحاب في هذه المسألة يقولون بجريان استصحاب الطهارة المعلومة حال الغسل عن الجنابة الاولى ولم ينتبهوا الى اندراجه في قسم رابع من استصحاب الكلي وأما على هذا المسلك فاستصحاب الطهارة معارض باستصحاب الجنابة حال خروج هذا المني ولم يعلم ارتفاعه للشك في تحققه قبل الغسل فيكون مرتفعاً وبعده فيكون باقياً وبعد التعارض يصل الدور الى قاعدة الاشتغال.
ولكن الصحيح ان القسم الرابع ليس قسماً مستقلاً وأن المثالين الذين ذكرهما يختلفان فمثال العالم والقرشي داخل في القسم الثاني ومثله كلما كان الترديد في تحقق الكلي بين فردين زمانهما واحد وأما اذا كانا في زمانين كمثال الحدث فان الجنابة مرددة بين تحققها في زمان الجنابة الاُولى أي قبل الغسل أو في زمان آخر فهي جنابة اُخرى حدثت بعد الغسل فالحق انه داخل في القسم الأول إلا أن فيه محتملات اخرى سنذكرها ان شاء الله .
أما أن مثال العالم والقرشي داخل في القسم الثاني فلان الملاك في القسم الثاني أن يكون الشك في تحقق الكلي في ضمن الفرد الباقي أو الزائل والمقام من هذا القبيل فان الشك انما هو في تحقق العالم في ضمن هذا الفرد القرشي فيكون زائلاً قطعاً أو في ضمن فرد آخر فيكون باقياً. وما ذكر من الفرق ليس فارقاً وهو أنا نعلم بوجود أحد الفردين وهو القرشي فإن هذا لا يجعله قسماً آخر وليس من شرائط القسم الثاني ان يكون الفردان مشكوكي التحقق بل الملاك فيه هو ما ذكرنا وهو موجود في المقام ولذا يجري فيه كل ما جرى هناك من الاشكال والدفع، فكما اُورد هناك بأن الحيوان المتحقق في ضمن البق غيره في ضمن الفيل فلا تتحد القضيتان كذلك يمكن القول هنا بأن العالم المتحقق في ضمن القرشي غير المتحقق في ضمن غيره. والجواب هو الجواب. وكما اُورد هناك بأن بقاء الكلي متوقف على حدوث الفرد الطويل والأصل عدمه كذلك يمكن القول هنا بأن بقاء العالم متوقف على حدوث فرد غير القرشي والأصل عدمه. والجواب هو الجواب.
وأما المثال الثاني فالمحتملات فيه أربعة:
الاحتمال الأول: أن يكون الاستصحاب شخصياً وهذا يظهر من المحقق الهمداني والعلامة الآملي قدس سرهما.
الاحتمال الثاني: أن يكون استصحاباً كلياً من قبيل القسم الأول وهو الصحيح.
الاحتمال الثالث :أن يكون داخلاً في القسم الثاني .
الاحتمال الرابع : وهو ان يكون قسماً مستقلاً كما ذكره السيد الخوئي ‹أيّده الله› .
أما الاحتمال الأول فمنشأه أن تحقق الجنابة الشخصية وهي التي حدثت بخروج هذا المني المشار اليه معلوم الا ان مورد الشك زمان تحققه وانه هل كان قبل الغسل أو بعده وهذا لا يوجب كونه كلياً ذا فردين.
ومنشأ الاحتمال الثاني هو ما ذكرناه سابقاً من ان الأثر ان كان للجهة الشخصية في الوجود كان من استصحاب الشخص وان كان الأثر للجهة الجامعة الموجودة بهذا الوجود كان من استصحاب الكلي، وحيث ان الأثر هنا ليس مترتباً على شخص الجنابة أي الماهية الشخصية بل هو مترتب على طبيعي الجنابة فاستصحاب الجنابة لا يكون إلا كلياً.
وأما انه من القسم الأول فلما ذكرناه سابقاً من ان الهوية الشخصية في القسم الأول متحدة وفي القسم الثاني واستصحاب الفرد المردد متعددة وحيث ان الاختلاف بالزمان لا يوجب تعدد الهوية الشخصية فهذا داخل في القسم الأول. وبهذا البيان يعلم ان البحث ليس داخلاً في استصحاب الفرد المردد لأن الأثر هنا للجهة الجامعة وهناك للفرد ولأن الهوية الشخصية هنا متحدة وهناك متعددة .
ومن هنا ظهر ان منشأ الاحتمال الثالث هو توهم تعدد الهوية الشخصية. وظهر أيضاً وجه المناقشة في الاحتمال الرابع فان الاثر لو كان للفرد فالاستصحاب شخصي اما مردداً ان كانت الهوية متعددة واما غير مردد ان كانت متحدة وان كان الأثر للكلي فلابد من ملاحظة ان منشأ الشك هل هو تعدد الفرد وان أحدهما معلوم البقاء والآخر مقطوع الزوال فيدخل في القسم الثاني ام هو تعدد حالات الفرد الواحد فيكون من القسم الأول وقد عرفت ان الجنابة الشخصية الحاصلة من هذا المني الخاص معلوم التحقق وانما الشك في زمان تحققه وهو منشأ الشك في بقاء الكلي فانه ان كان متحققاً قبل الغسل تبعاً لتحقق سببه وهو خروج المني فهو مقطوع الارتفاع وان كان بعده فهو مقطوع البقاء والاختلاف الزماني لا يوجب تعدد الفرد والمفروض ان السبب واحد شخصي وهو خروج هذا المني الخاص فلا موجب للتعدد. فظهر ان القسم الرابع لا وجه له.
هذا وقد ناقش المحقق الهمداني في استصحاب الحدث في هذه المسألة بانا لا نعلم الا بحدوث الجنابة الاولى والجنابة الثانية محتملة فقط وذلك لاحتمال كون هذا المني سبب الاحتلام السابق والاصل عدم خروج مني آخر. نعم لو كنا نقطع بتعدد السبب جرى الاستصحاب كما اذا كانت الجنابة السابقة بالجماع وبعد الغسل وجد المني فنشك في ان خروجه كان قبل الغسل أم بعده فنستصحب الجنابة الحاصلة من خروج المني لعدم العلم بارتفاعه. وهذا بخلاف المثال السابق فان المعلوم سبب واحد والسبب الآخر محتمل.
والصحيح ان الفرق بين المثال الذي ذكره والمثال السابق ليس إلا من حيث دخول المثال السابق في استصحاب القسم الأول من الكلي وهذا المثال في القسم الثاني منه. وذلك لان الجنابة الحاصلة من هذا المني في المثال السابق اما قبل الاغتسال واما بعده وتعدد الزمان لا يوجب تعدد الهوية الشخصية فيدخل في القسم الأول والجنابة الحاصلة من الجماع مغايرة للحاصلة من خروج المني من جهة تعدد السبب الموجب لتعدد الهوية الشخصية فيدخل المثال الثاني في القسم الثاني من الكلي. وهذا الفرق لا يؤثر في جريان الاستصحاب في كلا المثالين.
بل يمكن ان يقال انه لا فرق بين المثالين أصلاً وذلك لان المقطوع تعدده في المثال الثاني هو ذات السبب لا السبب بما هو سبب وذات السبب لا أثر له في المقام فان خروج المني والجماع وان كانا سببين مستقلين للجنابة إلا أن المحتمل ان يكون المني خارجاً قبل الغسل فلا يكون موجباً لجنابة أخرى فلم يتعدد سبب الجنابة بما هو سبب واحتمال تعدد السبب بما هو سبب موجود في كليهما فإنه في المثال السابق أيضاً يحتمل ان يكون هذا المني سبباً لجنابة اُخرى غير ما اغتسل لها ولذا يحتمل بقاء الجنابة.
[^1]: هو من مشایخ سیدنا الاستاد دام علاه وقال سيدنا : ان له آراءاً متينة في الفقه والاصول وانها مؤثرة في مبانینا
[^2]: الكافي ج1 ص330 باب تسمية من رآه عليه السلام
[^3]: اختيار معرفة الرجال ج2 ص779 ح910
[^4]: فرائد الاصول ج3 ص244
[^5]: كفاية الاصول ص415
[^6]: البقرة: 57/ الاعراف: 160
[^7]: اقول: قوله دام ظله (جعله الآمر ولو ارتكازاً) لدفع ما ربما يتوهم من أن التحديد في المقام حكم العقل فلا يثبته الاستصحاب . وحاصل الجواب ــ كما افاده ــ أن العقل ليس حاكما في المقام وانما هو مُدرك لاعتبار الشارع هذه الغاية حداً لامره ولو ارتكازاً نظير ما يدركه من اعتبار القدرة في الأحكام الشرعية ولا اشكال في أنه مجری الاستصحاب مع ان التقييد به ليس في لسان الادلة وانما هو من مدركات العقل إلا انه يدرك اعتبار الشارع له ولو ارتكازاً
[^8]: الوسائل: الباب 27 من ابواب الخلل في الصلاة ح3
[^9]: الوسائل: الباب 42 من ابواب الوضوء ح7
[^10]: الوسائل الباب 17 من الشهادات ح2
[^11]: الوسائل الباب 17 من الشهادات ح3
[^12]: الباب المذكور ح1
[^13]: البقرة: 187
[^14]: البقرة: 185
[^15]: ) السر في كونه تسامحاً ان الاحكام تتعدد بتعدد متعلقاتها .
[^16]: المائدة: 6
[^17]: ) الوسائل الباب 3 من ابواب نواقض الوضوء ح7 .
[^18]: الواقعة: 79
[^19]: ) الوسائل ب 3 / من نواقض الوضوء ج4 .
[^20]: جامع الاحاديث ج1 ص37 ح7 / الوسائل الباب 34 من ابواب النجاسات ح4
[^21]: ) الدراسات : ص 183 .
[^22]: المائدة: 3
[^23]: الوسائل الباب 49 من ابواب النجاسات ح2
[^24]: الوسائل الباب 62 من ابواب النجاسات ح1
[^25]: راجع الوسائل الباب 24 من ابواب الصيد والذبائح
[^26]: الوسائل الباب 54 من ابواب الاطعمة المحرمة ح60
[^27]: اقول: روايات حرمة ما قطعته الحبالة بعضها صادرة عن امير المؤمنين عليه السلام فتدل على تقدم تاريخ التطور.
القسم الثالث
التنبيه السابع
في استصحاب الامور التدريجية
والبحث يقع تارة في الاُمور غير قارة الذات كالزمان واخرى في الاُمور قارة الذات إذا تقيدت بالزمان فهنا موضعان من البحث:
الموضع الاول:
البحث في الامور غير القارة ونذكر الزمان من باب المثال ويعلم من ذلك حكم غيره من الاُمور التدريجية. والزمان يطلق على معينين:
الأول: الآن السيّال وقالوا لا اشكال في وجوده وأنّ راسمه هو الحركة التوسطية كحركة الشمس بين المشرق والمغرب بمعنى كون الشمس بين المبدأ والمنتهى فانه موجب لتحقق النهار وهذا ليس امراً تدريجياً إذ يصدق على كل آن من آنات النهار أن الشمس بين المبدأ والمنتهى إلا ان هذا الزمان له وجود ممتد باعتبار تعدد الآنات لا انه امر امتدادي. فهذا المعنى لا اشكال في صحة استصحابه وهو من قبيل القسم الثالث من القسم الثالث من الكلي فان النهار وهو الآن السيال يوجد بطلوع الشمس ويتحقق في ضمن افراد متعددة كما ذكرناه في الحمرة مع اختلاف افرادها في الشدة والضعف.
الثاني: الأمر التدريجي وراسمه الحركة القطعية كمجموع اكوان الشمس بين المبدأ والمنتهى الموجب لتحقق النهار. وهذا من الكميات قال السبزواري (والكم ما بالذات قسمة قبل) فهو قابل للقسمة الى آنات.
وبعبارة اُخرى الزمان قد يلاحظ على نحو الكلي وقد يلاحظ على نحو الكل فالأول هو المعنى الاول حيث يقال لكل آن من آنات كون الشمس بين المبدأ والمنتهى أنه نهار وبقاء هذا القسم بتحقق الآنات المتلاحقة. والثاني هو المعنى الثاني فالنهار على هذا الاطلاق اسم لمجموع الساعات المحصورة ولا يتحقق الا بتحقق المجموع وهو قابل للقسمة بخلاف الأول فان الآن كالنقطة غير قابل للقسمة.
والمشهور بين الفلاسفة ان المعنى الثاني أمر وهمي لا واقعية له وانه نظير ما يرتسم في الخيال من الدائرة بالنقطة الجوالة مع انه ليس في الواقع إلا نقطة وكذا ما يرتسم فيه من الخط المستقيم بقطرة المطر. والزمان بمعنى الكم الامتدادي أمر يرتسم في الخيال بامتداد وجود الآن السيال وهو الموجود في الواقع الخارجي فقط .
ولكن صدر المتألهين والسبزواري قالا بانه امر واقعي موجود بالوجود الانتزاعي ومنشأ انتزاعه الآن السيال والموجود قد يكون موجوداً بوجود ما بحذائه وهو الأمر المتأصل وقد يكون موجوداً بوجود منشأ انتزاعه وهو الأمر الانتزاعي.
والذي يمكن ان نذكره دليلاً للقول المشهور امران:
الأول: ان كل آن من الآنات نسبته الى الزمان بالمعنى الثاني نسبة الجزء الى الكل وان كان انقسامه الى الاجزاء انقساماً بالقوة لا بالفعل فانه كم متصل يقبل القسمة. والكل لا يوجد بوجود جزئه وليس كالكلي حيث يوجد بوجود فرده فان الجزئية من شؤون المغايرة ولذا قالوا انها تنافي الحمل فلا يقال للخل انه سكنجبين مثلاً فان أساس الحمل هو الاتحاد الوجودي. ولا يقال للآن من آنات النهار انه نهار بالمعنى الثاني بل يقال بعض النهار ولو أطلق فهو من قبيل المجاز في الاسناد.
الثاني: انا لو سلمنا ذلك كما سلمناه في الكليات غير التدريجية ولكنه لا يتم في الاُمور التدريجية وذلك لان الكل يوجد بوجود جميع اجزائه فالمعتبر هو الاجتماع فاذا وجد الخل والعسل مثلا وجد السكنجبين والجزء ان لوحظ بحيال ذاته يعبر عنه بالجزء وان لوحظ بما انه معروض للوحدة يعبر عنه بالكل فالأول مع قصر النظر على حدوده الخاصة والثاني مع قطع النظر عنها. وهذا لا يتم في الاُمور التدريجية لعدم امكان اجتماع اجزائها في الوجود وهو المعتبر في تحقق الكل.
والجواب عن الأول: ان الكل لو لم يوجد بوجود جزئه لزم ان يقال ان الانسان ليس موجوداً بل الموجود هو الحيوان والناطق وكذا في المركبات الاعتبارية فيقال ان العسكر ليس موجوداً وانما الموجود هم الجنود. والصحيح ان الجزء قد يلاحظ لا بشرط فيقبل الحمل وقد يلاحظ بشرط لا فلا يقبل ولذا قالوا: ان الجنس والفصل يلاحظان لا بشرط ولذلك يحملان على النوع فان لوحظا بشرط لا عبر عنهما بالمادة والصورة.
توضيحه: أن هذين القيدين (لا بشرط وبشرط لا) تارة يطلقان في مجال الحمل وتارة في مجال اعتبار الماهية والاطلاقان متغايران وقد اشتبه الأمر على بعض الأعاظم والمراد من اللابشرطية في مجال الحمل قطع النظر عن حدّه وعن كونه بحيال ذاته فان الشيء اذ الوحظ بحدّه لا يقبل الحمل والاتحاد حتى مع جنسه وفصله فالانسان بحدّه مغاير للحيوان بحدّه لتغاير الحدّين، واذا لوحظ بما انه قابل للانسجام مع الحيوان كان هو اللا بشرط فيصح الحمل والاتحاد. والجزئية وان كانت تنافي الحمل إلا انه ليس مطلقاً بل بلحاظه بشرط لا فان لوحظ لا بشرط اي لا بحدّه الخاص يحمل على الكل ويتحد معه والا فكيف يحمل الجنس والفصل على النوع وبالعكس؟! والحمل عمل نفسي وليس إخبارا بالاتحاد الوجودي بين شيئين فحسب بل هو لحاظ الشيئين بنحو الكثرة في الوحدة فان لوحظا بنحو الكثرة لا يقبل الحمل وان صرحنا بالاتحاد الوجودي كما اذا قلت زيد متحد وجوداً مع الانسان فان هذا لا يعتبر حملاً.
والجواب عن الثاني: ان اجتماع الاجزاء على نحوين: اجتماع زماني واجتماع امتدادي فالأول كاجتماع الاُمور غير التدريجية في زمان واحد. والثاني اجتماع الاجزاء بحيث لا يتخلل بينها ما يضرّ بوحدتها على التفصيل الآتي في الوحدة، فكما يقال ان الكل غير التدريجي يوجد بوجود الاجزاء مجتمعة كذلك يقال في الكل التدريجي بوجوده باجتماع الاجزاء اجتماعا امتداديا، فإن المقياس ليس هو الإجتماع الزماني فحسب بل اعم منه ومن الاجتماع الامتدادي. ومن هنا نرى العرف والعقلاء يعتبرون النهار بالمعنى الثاني موجوداً. وهذا ليس من الاُمور الوهمية بل هو من قبيل التكثر في الادراك فان الامر الواقعي الواحد يتصور بوجوه متعددة كما ذكرناه في الفرق بين المعني الاسمي والحرفي من أن الاختلاف بينهما انما هو بلحاظ المعنى مع اللف والاندماج فيكون حرفاً وبدونه فيكون اسماً وكذلك الزمان فإن الموجود الخارجي واحد ولكن اللحاظ مختلف. وكما أن وجود الفرد وجود للكلي بالعرض كذلك وجود كل جزء من اجزاء الأمر التدريجي وجود للكل التدريجي بالعرض فالتكبيرة في الصلاة مثلاً ان لوحظت بحيال ذاتها فهي تكبيرة فقط وان لوحظت باعتبار تلاحق الاجزاء الصلاتية فهي صلاة.
ويتبين مما ذكرنا ان الاشكال خاص بوجود الزمان ومفاد (كان) التامه فما ذكره السيد الخوئي ايده الله من عطف مفاد (ليس) التامة عليه غير صحيح فان عدمه ليس تدريجياً.
وحيث ذكرنا ان وجود الكل التدريجي هو وجود الجزء بلحاظ الكثرة في الوحدة فلابد من تفسير الوحدة. والكلام يقع في ثلاث جهات:
الجهة الأولى: ان الوحدة في الاُمور التدريجية على قسمين اتصالية واعتبارية . فالاُولى كما في الزمان إذ لا انفصال فيه خارجاً والاتصال الوحداني مساوق للوحدة الشخصية فالوحدة هنا وحدة حقيقية وإنّما الكثرة اعتبارية باعتبار تقسيم الزمان الى الساعات والآنات فإنه أمر اعتباري والثانية ان تعتبر المتكثرات بدون اتصال امراً واحداً كالصلاة فانها مركبة من مقولات مختلفة وكذلك الكلام المتصل فانه وان كان من مقولة واحدة الا ان اجزاءه منفصلة بعضها عن بعض بالسكوت بل الكلمة الواحدة يمتاز بعض حروفها عن بعض فالوحدة هنا اعتبارية والكثرة حقيقية بعكس القسم الأول.
الجهة الثانية: ان الوحدة الاتصالية راسمها وجود واحد متصل وهو واضح وأما الوحدة الاعتبارية فهي دائرة مدار الاعتبار وهو دائر مدار المصالح والمفاسد والمناسبات، فقد يعتبر علم الطب مثلاً علماً واحداً إذا كان قليل المباحث وقد يعتبر علوماً متعددة إذا تكثرت المباحث ولذا قلنا بإن وحدة العلوم وكثرتها بحسب المصالح.
ومصححات الوحدة الاعتبارية اي مصححات الاعتبار فيها كثيرة، فقد يكون اعتبار الوحدة لوحدة العنوان كقراءة القرآن مثلاً ولذا لو قرأ بعدها الشعر متصلاً بها لا يعتبر المجموع قراءة واحدة لاختلاف العنوان. وقد يكون بوحدة الداعي والغرض فيعتبر الكلام واحداً إذا كان الداعي إليه هو الموعظة مثلاً فإذا تحول بعد ذلك الى كلام علمي اعتبر متعدداً وإن كان متصلاً به. وقد يكون من جهة وحدة المقتضي الطبيعي له كالدم السائل من المرأة الحائض فإنه يعتبر حيضاً مادام من العرق الخاص فان تبدل العرق الى عرق آخر كان استحاضة وان كان الدم متصلاً لاختلاف المقتضي الطبيعي له.
الجهة الثالثة: ان المركبات التدريجية قد لا تقبل إلا القسم الأول من الوحدة وقد لا تقبل إلا الثاني وقد تقبل الأمرين. فالأول كالزمان فإنه لا يقبل الوحدة الاعتبارية إذ لابد من كون الاعتبار مخالفاً للأمر التكويني وهو واحد تكويناً كما انه لا يصح اعتبار الاسدية للاسد الواقعي وانما يصح ذلك في الرجل الشجاع. والثاني كالتكلم لحدوث الفصل القطعي الضروري بين اجزائه والثالث كالسفر فإذا تحرك من بلد الى بلد ولم يتوقف في الطريق كان سفراً واحداً بالوحدة الاتصالية وان توقف ولكن كان الغرض واحداً اعتبر سفراً واحداً وان تكثر في الحقيقة.
ومن هنا يتبين امران :
الأول : أن ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من أن تخلل العدم في المركبات التدريجية إذا لم يكن له اثر عند العقلاء لا يضر بالاستصحاب صحيح، وان اعتراض السيد الخوئي ‹ايده الله› كما في مباني الاستنباط غير وجيه فان نظره الى نوعي الوحدة وأنّ تخلل العدم قد يضرّ بالوحدة كما في الاُمور الاتصالية كالزمان أو ما هو موضوع للحكم بما انه واحد بالوحدة الاتصالية كالسفر إذا اشترط فيه عدم التوقف. وقد لا يضر بالوحدة وهي الوحدة الاعتبارية طبعاً فهو لا يقول بأن الوحدة الاتصالية محفوظة وان توقف سيلان الدم مثلاً كما ربما يتوهم.
الثاني: ان ما ذكره المحقق النائيني قدس سره من ان السفر يتعدد اذا تعدد الغرض ولا يجري فيه الاستصحاب لكونه من القسم الثاني من القسم الثالث من الكلي والدم يتعدد إذا تعدد المقتضي له صحيح أيضاً لما ذكرناه. واعتراض السيد الخوئي ‹أيده الله› بان الوحدة تدور مدار الاعتبار سواء تعدد الداعي والمقتضي ام لا غير وارد لما عرفت من احتياج الاعتبار الى مصحح.
المقام الثاني
فيما كان المأمور به مقيداً بالزمان ويقع البحث في موردين:
المورد الأول: في الشك في بقاء الزمان بنحو الشبهة المصداقية.
والزمان يلاحظ على وجهين:
الوجه الأول: ان يلاحظ مقداراً لامتداد العمل فلا يكون بنفسه قيداً له بل القيد هو المرئي به وهو الامتداد الذي هو من شؤون الفعل وصفاته. والزمان حينئذ مقياس للكمية وهو بهذا المعنى من مقولة الكم كالمتر الذي يلاحظ مقداراً لمساحة القماش مثلاً كما أنك لو طلبت قماشاً بقيمة كذا فان القيمة المخصوصة لم تلاحظ بنفسها جزءً للمطلوب وإنما لوحظت بما انها مقياس ومرآة لمقدار القماش المطلوب. ومثال هذا القسم : زر الحسين عليه السلام ساعة واحدة مثلاً.
الوجه الثاني: ان يلاحظ بنحو الظرفية نحو زر الحسين عليه السلام يوم عرفة فانه ليس مقياساً ومحدداً بل المقصود ارتباط الزيارة بيوم عرفة ارتباطاً ظرفياً وــ بعبارة ادق ــ ارتباط الزيارة وتقيدها بمقارنة يوم عرفة. وهيئة العمل بالنسبة الى هذا الزمان من مقولة متى.
اما في الوجه الاول فلا يختلف الحال بين ان يكون الزمان عنواناً بسيطاً نحو صم في النهار، او مركباً نحو زر الحسين عليه السلام ساعة واحدة، فإن كلاً منهما لتحديد الوقت وامد الفعل فاذا شككنا في انتهاء الامد المعتبر تجب ادامة الصوم والزيارة لان الاصل عدم انتهاء الامد، فان الساعة الواحدة مثلاً مرآة لمقدار الزيارة المطلوبة وليست معتبرةً بنفسها فتجب الزيارة بمقدار يعلم تحقق المطلوب كما انه اذا شككنا في تحقق الامساك المعتبر اي من الفجر الى الليل تجب ادامته. ويمكن استصحاب بقاء الساعة الواحدة وعدم حدوث الليل أو بقاء النهار. ولا اشكال في صحة هذا الاستصحاب. والظاهر ان هذا القسم خارج عن محل الكلام.
واما الوجه الثاني وهو ان لا يكون تحديداً للكمية ومرآة لمقدار الامتداد بل هو ظرف مقارن للعمل نحو تجب الصلاة في النهار مثلاً فهل يمكن اجراء الاستصحاب اذا شككنا في بقاء النهار أم لا؟
وهذا القسم ينقسم الى قسمين:
القسم الأول: ان يكون الزمان مأخوذاً على نحو النعتية نحو تجب عليك الصلاة النهارية، فلا اشكال في ان مجرد استصحاب بقاء النهار لا أثر له لما ذكر في الأصل المثبت من ان استصحاب الوجود المحمولي لا يثبت الوجود النعتي ولابد من احراز اتصاف الصلاة بوقوعها في النهار. نعم اذا كان متصفاً بكونه في النهار سابقاً كما اذا شرعنا فيها كذلك يمكن استصحاب هذه الصفة اما ان لم يكن بنحو كان الناقصة مسبوقاً كما اذا شرعنا بها في زمان الشك لا يفيد الاستصحاب . فهذا القسم أيضاً خارج عن محل الكلام. ومن هنا يتبين ان جواب المحقق الخراساني لا يجدي في المقام فان محل الكلام هو القسم الثاني .
القسم الثاني : ان يلاحظ الزمان لا على وجه النعتية بل على وجه الظرفية نحو صلّ في النهار. فهل يمكن اجراء استصحاب بقاء الزمان واثبات وقوع الصلاة في النهار أم لا؟ وهذا يليق بكونه محلاً للبحث. والظاهر جريان الاستصحاب.
ومنشأ الاشكال فيه ان الواجب ملحوظ مرتبطاً بالزمان بنحو الظرفية. والاستصحاب يثبت بقاء النهار وتحقق الصلاة وجداني إلا ان الظرفية لا يمكن احرازها بذلك فان اثباتها يتوقف على حجية الاصل المثبت، خصوصا بناءاً على ما ذكرنا من عدم الفرق بين الحرف والاسم الا بالاجمال والتفصيل.
وهناك طرق لحلّ الاشكال:
الطريق الأول: ما ذكره المحقق العراقي من جريان الاستصحاب التعليقي في المقام . والمستصحب هو كون هذا العمل بحيث لو تحقق قبل زمان الشك لكان في النهار قطعاً .
والجواب ان الاستصحاب التعليقي غير جار اولاً وعلى تقدير جريانه مختص بالاحكام دون الموضوعات ثانياً كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
الطريق الثاني : ما ذكره جماعة من الاعاظم من أن الزمان المستصحب ملحوظ بنحو (كان الناقصة) وان هذه الصلاة وقعت في زمان قطعاً ونستصحب كون هذا الزمان متصفاً بالنهارية كما ذكره السيد الخميني ‹أيده الله› أو نستصحب تحقق النهار فيه كما ذكره السيد الحكيم قدس سره في المستمسك في باب الصوم وفي باب اليتمم في ضيق الوقت.
ومبنى الرأي الأول ان الزمان امد موهوم وينقسم الى قطع وهذه القطع كالنهار والليل وشهر كذا وسنة كذا كلها نعوت للزمان فاذا قلت في النهار أي في زمان متصف بالنهارية فالمستصحب أمر مركب من الوصف والموصوف يحرز أحدهما بالأصل والآخر بالوجدان.
ومبنى الرأي الثاني أن ظرف العمل هو الامد الموهوم وهو أيضاً ظرف للنهار. فقوله صم في النهار أي صم في زمان فيه النهار فالمستصحب هو كون النهار في هذا الزمان.
والسؤال يقع في أن النهار والليل ونظائرهما هل هي اسام لقطع من الزمان أم أوصاف لها؟ ومعنى الأول ان قطعة من الزمان اسمها الليل واُخرى اسمها النهار وهكذا ومعنى الثاني ان ذلك من قبيل الصفة والموصوف فالزمان تعرضه الليلية والنهارية وغير ذلك فهل النظر العرفي يؤيد الأول أم الثاني؟ وهل بين الزمان والنهار مغايرة الوصف والموصوف أم مغايرة الظرف والمظروف ام ان النهار اسم لقطعة من الزمان ؟
ولعل القائل بالظرفية لاحظ ان كون الشمس بين الحدين امر واقع في النهار فظن انه الزمان مع ان الزمان ليس هو حركة الشمس وإنما هي محددة للزمان ومبينة له كالساعة والزمان أمر آخر وراء ذلك. وكذلك القول بالوصفية مع ان هذه الاسامي الموضوعة لقطع الزمان لم تلاحظ بنحو الوصفية على الظاهر بل بعضها لم يعلم معناها أيضاً كاسامي أيام الاسبوع في الفارسية مثلاً ولا أقل من ان يقال ان الوصفية لا شاهد لها.
وكيف كان فقد اعترض الشيخ قدس سره على هذا الوجه وتبعه المحقق النائيني قدس سره والسيد الخوئي ‹أيده الله › بأن هذا الزمان متى كان نهاراً حتى يستصحب فان النهار وصف لقطعة خاصة. والحاصل أن كون هذا الزمان نهاراً ليس له حالة سابقة حتى يستصحب وكذا كون النهار في هذا الزمان.
وقال بعض الاعاظم: لا تسمع هذه الدعوى نظراً الى ان هذا الكلام يستلزم انكار الوجود الامتدادي للزمان فانه لو كان ممتداً لم يكن له حال واستقبال.
والجواب ان مقتضى الامتداد ليس عدم تقسيمه الى حال واستقبال وذلك لان تقدم كل شيء وتأخره بالزمان وتقدم الزمان وتأخره بنفسه والزمان الملحوظ كمّاً ــ كما هو المفروض ــ ينقسم الى اجزاء متقدمة وحالية واستقبالية والصلاة لم تقع في مجموع هذه القطع بل في قطعة خاصة فلابد في استصحاب النهارية فيها ان تكون مسبوقة بهذا الوصف.
الطريق الثالث: وهو مقتضى التحقيق في المقام ان الحروف التي تمثل ارتباط المعاني الاسمية بعضها ببعض تختلف من حيث المفاد فقد يكون مفاد الحرف تجمع الشيئين في الزمان فحسب وقد يكون مفاده مضافاً الى ذلك نوعاً من انواع الارتباط الخاص. فالأول نحو لا صلاة الا بطهور، فان الباء لا يفيد الا اعتبار مقارنة الصلاة للطهور في الزمان. والثاني كقولك زيد في الدار فانه لا يفيد التجمع في الزمان فحسب بل يفيد الظرفية ايضاً وكذا زيد على السطح فانه يفيد الاستعلاء وهكذا فان كان مفاد الحرف محض التجمع يكفي استصحاب الطرفين في اثبات المطلوب فاذا شك في بقاء الطهارة نستصحب الطهارة ويتحقق كون الصلاة بطهور ولا يحتاج الى اكثر من تحقق الصلاة واتصاف المصلي بالطهارة إذ لا ارتباط بين الصلاة والطهارة أزيد من التجمع الزماني والاستصحاب يفيد بقاء الطهارة في الزمان فلا يكون من الأصل المثبت.
وان كان مفاد الحرف ارتباطاً آخر وراء التجمع الزماني فاذا استصحبنا بقاء زيد وعلمنا ان زيداً لو كان لكان على السطح أوفي الدار فالاستصحاب لا يثبت عنوان الاستعلاء أو الظرفية فاثبات كون زيد في الدار لا يتم الاعلى القول بالاصل المثبت .
إنما الكلام في ان كلمة (في) المستعملة في الظرف الزماني هل هو كالظرف المكاني فيكون من القسم الثاني أم لا بل هو من القسم الأول؟
الصحيح أن الظرفية الزمانية ليست في الحقيقة الاتقارن الشيئين في الزمان.
وربما يقال: إن العلوم الادبية والعقلية متفقة على ان الزمان والمكان ظرفان وأن الظرفية معنىً عام ينقسم إليهما.
ولكن الواقع أن الظرفية في الزمان تعبير أدبي والزمان راسمه الحركة لا حركة الشمس فان الزمان موجود وان لم تكن الشمس موجودة بل الظاهر ان راسمه الحركة الذاتية في الأشياء وكيف كان فالزمان ليس شيئاً يقع فيه شيء آخر.
وأساس فكرة كون الزمان ظرفاً بهذا النحو المتعارف هو تصور الزمان عند العرف تصوراً زمكانياً بمعنى تأثير التغير المكاني في تصور التغير الزماني، فان تسمية قطع الزمان بالاسماء المختلفة ابتدأت بالليل والنهار لانهما أول ما لاحظه الانسان البدائي من ظاهرة التغير الزماني فسمّى زمان غروب الشمس إلى طلوعها ليلاً وبالعكس نهاراً. والليل في اللغة بمعنى السواد ولعل النهار بمعنى الضياء. وهذا التعبير البدائي انما نشأ من ملاحظة سواد المكان في هذا الوقت وبياضه. وكذلك الربيع والخريف مثلا فان التغير انما حدث في حيوية الأرض وخصوصية المكان ولكنهم سموا الزمان ربيعاً وخريفاً. وأما في سائر القطع التي نشأت تسميتها من التمدن وزيادة الحاجة كأيام الاسبوع وعدد الاشهر وأرقام السنين فلم تكن فيها ملاحظة المكان لعدم تغير فيها.
إذن فالتفكر البدائي الذي هو الأساس في الافكار البشرية كان بالنسبة الى الزمان تفكراً زمكانياً. ومن هنا استعملت (في) بنحو العناية والتوسع في جميع الازمنة والا فالزمان أمد موهوم لا يقبل الظرفية.
المورد الثاني: في الشبهة الحكمية. وتنقسم الى ثلاثة اقسام:
القسم الأول: أن يكون الشك في بقاء القيد وهو الزمان بنحو الشبهة الحكمية.
القسم الثاني: ان يكون القيد مقطوع العدم ولكن يحتمل انشاء حكم آخر فيما بعده.
القسم الثالث: أن يكون الشك في أن الزمان أخذ على نحو وحدة المطلوب أو تعدده. فعلى الأول لا يبقى الحكم بعد انتهاء الزمان ويبقى على الثاني.
تفصيل البحث في الاقسام الثلاثة:
القسم الأول من الشبهة الحكمية: وهو على نحوين فإن الشبهة الحكمية مفهومية وغير مفهومية، فالأول نحو (صلّ في النهار) مع الشك في أن النهار الى الغروب أم الى زوال الحمرة وكالشك في أن نصف الليل يتحقق باعتبار كون الليل الى الفجر أم الى طلوع الشمس. والشك في هذه الصورة ينشأ من اجمال النص. وأما الشبهة غير المفهومية فهي ربما تنشأ من تعارض النصين كتعارض الادلة في كون منتهى وقت العشاء نصف الليل أو طلوع الفجر وربما تنشأ من فقدان النص كما اذا كان الدليل لبياً فأخذ بالقدر المتيقن.
ثم ان الاستصحاب تارة يراد إجراؤه في القيد وتارة يراد إجراؤه في الحكم.
أما استصحاب القيد فان اريد به الزمان نفسه فلا يتصور في الشبهات غير المفهومية أي ما يكون الشك فيه من جهة فقدان النص أو تعارض النصين، فان الشك في كون منتهى وقت الصلاة مثلا هل هو نصف الليل أو طلوع الفجر لا يمكن دفعه باستصحاب الزمان وليس هنا زمان متيقن الحدوث ومشكوك البقاء فنستصحبه وهذا واضح.
وأما في الشبهات المفهومية فالصحيح عدم امكان استصحاب الزمان فان الشك انما هو في الحكم ومنشأه الشك في وضع كلمة النهار مثلاً وانه هل يمتد الى زمان الغروب أو زوال الحمرة والشك في الحكم سيأتي الكلام فيه والشك في وضع الكلمة لا يمكن فيه اجراء الاستصحاب كما لا يخفى .
وان اريد بالقيد الوقت بما انه من حدود الحكم فمرجع الاستصحاب فيه الى استصحاب الحكم نفسه وسيأتي الكلام فيه.وان اريد به استصحاب الوقت الواقعي الذي هو قيد للحكم فلا يجري لان الوقت الواقعي مجهول والاشارة لا يوجب العلم والا كان كل جاهل بسيط عالماً كما ذكرنا تفصيله في استصحاب الفرد المردد.
وأما استصحاب الحكم فقد فصّل الشيخ والمحقق الخراساني بين ما اذا أخذ الزمان ظرفاً للحكم فيجوز استصحابه وما إذا أخذ قيداً له فلا يجوز استصحابه فان القيد مكثّر فلا تتحد القضيتان .
واعترض عليهما المتأخرون بوجوه:
الوجه الأول: ما ذكره السيد الخوئي ‹أيده الله› وهو أن هذا التفصيل لا وجه له فان محل البحث هو صور كون الزمان قيداً فما معنى تقسيمه الى ما هو قيد وظرف فان المتعلق بالزمان اما مطلق فلا دخالة للزمان فيه وأما مقيد وهو المقسم في كلامهما فما معنى تقسيمه أيضاً الى مقيد وظرف.
ويمكن ان يضاف اليه اشكال لزوم تقسيم الشيء الى نفسه والى غيره .
والجواب: ان الكلام وان كان فيما اذا كان المأمور به مقيداً بالزمان في القضيه اللفظية إلا انك قد عرفت في أول البحث عن المقام الثاني ان الزمان في هذا القسم قد يلاحظ مقياساً لامتداد العمل فلا يكون هو في الواقع قيداً بل مرآة لقيد في القضية اللبية والقيد هو نفس الامتداد وقد يلاحظ بما هو قيد بنفسه. ولعل نظر الشيخ والمحقق الخراساني في التقسيم إلى الظرفية والقيدية هو هذين القسمين فان الظرف قد يكون محدداً كالمكيال وقد لا يكون كذلك كالدار فالمراد بالظرف في كلامهما هو ما كان الظرف فيه محدداً وخارجاً والمظروف قيداً وداخلاً. والحاصل أن الزمان قد يكون تحت دائرة الطلب ولا يتوقف فعلية الحكم على حضوره وهذا هو المراد بكون الزمان ظرفاً وقد يكون فوق دائرة الطلب ويتوقف فعلية الحكم على حضوره وهو المراد بكونه قيداً.
وأما ما اضفناه من الاشكال فجوابه أن المراد بالمقسم هو المقيد في القضية اللفظية ومرحلة الاثبات والمراد بالمقيد في القسم هو المقيد في مرحلة الثبوت.
فظهر أن هذا التفصيل وجيه فان الشك لو كان في الزمان على نحو الظرفية كما لو شك في وجوب زيارة الامام الحسين عليه السلام ساعة أو ساعتين كان الوجوب ذا فردين طويل وقصير فيجري استصحاب القسم الثاني من الكلي. وأما لو كان الشك فيه على نحو القيدية كالشك في وجوب صلاة العشاء الى نصف الليل أو الى طلوع الفجر فالواجب مردد بين الصلاة المقيدة بالزمان الطويل والمقيدة بالزمان القصير وحينئذ فالقيدان متغايران ولا يجري الاستصحاب فان مرجع الشك الى الشك في أن الوجوب المنشأ هل هو المقيد بهذا القيد أم بذاك فان المفروض ان الزمان هو القيد واقعاً لا مثل المثال السابق الذي كان الزمان فيه مرآة للقيد والاصل عدم جعل وجوب المقيد بما بعد نصف الليل والمقيد بما قبله منتف قطعاً ولا يجري استصحاب وجوب الصلاة قبل نصف الليل لان المفروض ان الزمان قيد والقيد مكثر فاسراء الوجوب من المقيد باحد القيدين الى المقيد بالآخر إسراء للحكم من موضوع الى موضوع آخر الا اذا كان القيد في نظر العرف واسطة في الثبوت بلا خصوصية فيه كالتغير في نجاسة الماء وأما في ما نحن فيه فليس القيد كذلك والترديد بين القيدين يوجب الشك في وحدة القضيتين لانهما متحدتان ان كان الوجوب مقيدا بطلوع الفجر ومتغايرتان ان كان مقيدا بانتصاف الليل وحيث انه مردد بينهما فنشك في وحدة القضيتين, واجراء الاستصحاب حينئذ تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق النائيني وهو ان مرجع الشك في صورة الظرفية الى الشك في ان المقتضي للوجوب يقتضي دوامه الى هذا الزمان ام لا ؟ والشك في المقتضي لا يجري فيه الاستصحاب على مسلكه ومسلك الشيخ.
والجواب عنه أولاً ان الحق هو جريان الاستصحاب في موارد الشك في المقتضي كما مرّ. وثانياً ان المورد ليس من الشك في المقتضي لما حققناه في محله من ان الحكم محدّد بالامتثال وان الاطاعة مسقطة للحكم والحكم مغيىً بها واذا اطعنا وجوب الزيارة الى ساعة نشك في تحقق المسقط والغاية لاحتمال كون الغاية هي الساعتين فنستصحب الحكم. نعم هذا الاشكال يتوجه لو قلنا بجريان الاستصحاب في صورة كون الزمان قيداً.
الوجه الثالث: ان الشك لو كان في موارد الظرفية لم يدخل في القسم الثاني من استصحاب الكلي بل يدخل في استصحاب الفرد المردد. والوجه فيه ان الفرق بينهما انما هو في كون الاثر للجهة الجامعة أو للفرد فعلى الأول يكون من استصحاب الكلي وعلى الثاني يكون من الفرد المردد، والمستصحب هنا هو الوجوب، والأثر المترتب عليه هو وجوب الاطاعة عقلاً وهو ليس أثراً للجهة الجامعة وهو مطلق الوجوب بل لكل فرد منه. وقد ذكرنا في استصحاب الفرد المردد ان أحدهما لو كان مقطوع الارتفاع لا يجري الاستصحاب.
والجواب عنه أولاً أن الاثر للجهة الجامعة وقلّما يكون الاثر للفرد وان كان الموضوع مأخوذاً على وجه العموم خصوصاً في الاحكام العقلية فان الحد الاوسط فيها في احكام الافراد من قبيل الواسطة في العروض وموضوع الحكم هو نفس الكلي ولذا قيل بان مرجع الحيثيات التعليلية في الاحكام العقلية الى الحيثيات التقييدية.
وثانياً : ان الشك في كون الوجوب ممتداً الى هذا الزمان أم لا لا يوجب تعدد الحكم في مرحلة الفعلية ولا يتغير الوجوب الى امر آخر بل هو امتداد لذلك الوجوب الأول وان كان العنوان في مرحلة التصور متعدداً .
الوجه الرابع : وهو اشكال مشترك الورود في كثير من الموارد وهو ما ذكره السيد الخوئي ‹أيده الله› من معارضة الاستصحاب في الاحكام الكلية في مرحلة المجعول باستصحاب عدم الجعل.
وقد ذكرنا عنه أجوبة في باب التفصيل بين الاحكام والموضوعات فراجع.
والصحيح في المقام ان الزمان لو أخذ ظرفاً (حسب مصطلح الشيخ على ما اوضحناه) ومرآة للقيد الواقعي وهو الامتداد فان كان التكليف وجوبياً جرى استصحاب القسم الثاني من الكلي والاعتراضات غير واردة كما بيّـنّا. وان كان التكليف تحريمياً كما اذا شككنا في حرمة الجلوس الى ساعة أو الى ساعتين فالجلوس قبل امتداده الى ساعتين مشكوك الحرمة والاصل البراءة وبعد امتداده الى ساعتين يقطع بحصول المحرم على التقديرين.
وأما لو أخذ الزمان قيداً فان كان التكليف تحريمياً كما اذا شككنا في وجوب الجلوس المقيد بكونه الى الزوال أو المقيد بكونه الى الغروب فالجلوس الى الزوال محرم قطعاً والشك انما هو في الزائد ولا يجري هنا استصحاب الحرمة لانه من القسم الثاني من القسم الثالث من استصحاب الكلي وذلك لان الحرمة منحلة بحسب تعدد مصاديق الجلوس في كل آن الى احكام تحريمية مستقلة لكل منها اطاعة وعصيان ومع زوال كل فرد من التحريم بزوال الزمان المقدّر فيه الجلوس يتحقق فرد آخر منه بحدوث الزمان الآخر خلال الوقت المنتهي الى الزوال وبعد انتهاءه يشك في حدوث فرد آخر بحدوث الوقت ما بعد الزوال واستصحاب الحرمة المتحققة في ضمن ذلك الفرد مع القطع بزواله داخل في القسم المذكور. هذا مضافاً الى ان القيد مكثر كما بيّـنّا فالترديد بين القيدين يوجب الشك في وحدة القضيتين.
وان كان التكليف وجوبياً فالصحيح ما ذكره الشيخ قدس سره من عدم جريان الاستصحاب لان الزمان كما انه قيد للمتعلق (الجلوس) كذلك قيد للوجوب فوجوب الجلوس المقيد بكونه الى الزوال مغاير للوجوب المقيد الى الغروب فلا تتحد القضيتان. وان شك في دخالة القيد في الهيئة كفى في عدم الجريان الشك في اتحاد القضيتين بل هو كذلك حتى لو شك في كون مثل هذا القيد مكثراً للقضية.
القسم الثاني من الشبهة الحكمية: ان يعلم وجوب الجلوس الى زمان معين بنحو الظرفية أو القيدية ويعلم بانتفائه بالامتثال إلا انه يحتمل تحقق وجوب آخر للجلوس في الزمان الذي بعده. ويظهر من كلام المحقق النائيني ان مورد عدم الجريان في كلام الشيخ هو هذا القسم. وقد بيّـنّا مورد كلام الشيخ قدس سره.
والاستصحاب في هذا القسم لا يجري لانه من القسم الثاني من القسم الثالث من استصحاب الكلي مضافاً الى اشكال تعدد القضيتين انما الكلام في الاستصحاب العدمي وليس له اثر عملي اذ لو لم يجر كفى جريان اصالة البراءة. وكيف كان فالظاهر ان مورد الكلام هو اعتبار الزمان بنحو القيدية وانه لا كلام في جريانه بناء على الظرفية.
قال المحقق النائيني ان استصحاب العدم لا يجري في المقام لا في مرحلة الجعل ولا في مرحلة المجعول اما الأول فلان استصحاب عدم الحكم الانشائي لا يفيد في مرحلة الفعلية وهو موضوع وجوب الاطاعة. واما استصحاب عدم المجعول أي عدم الحكم في مرحلة الفعلية فلان وجوب الجلوس بعد الزوال وعاؤه بعد الزوال، وعدم كل شيء بديل وجوده فوعاء عدمه أيضاً بعد الزوال، وعدم الوجوب بهذا القيد ليست له حالة سابقة وبدون هذا القيد معلوم الانتقاض بوجوبه قبل الزوال.
والجواب عنه ان هذا يتوقف على كون التوقيت قيداً للوجود فيكون قيداً للعدم أيضاً ولكن يمكن ان يكون قيداً للماهية فلا مانع من استصحاب عدم تعلق الوجوب بالجلوس بعد الزوال .
القسم الثالث من الشبهة الحكمية: أن يكون الشك في أن الزمان أخذ على نحو وحدة المطلوب فلا يبقى الحكم بعد اقتضاء الزمان المخصوص أو على نحو تعدد المطلوب فيبقى. وهذا البحث عبارة اُخرى عن البحث عن أن القضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأول. وتفصيل الكلام فيه في ذيل البحث عن الموسع والمضيق. ونذكر هنا ثلاث صور من انحاء تعدد المطلوب.
الصورة الاُولى: ان يتعلق أمر بالطبيعي لا بشرط وأمر آخر به بشرط شيء كالأمر بالصلاة مطلقا والأمر بها في الاوقات المعينة، فهذا يفيد تعدد المطلوب مع تعدد الطلب استقلالاً، ولا اشكال فيه عقلاً، فان زال الوقت يبقى الأمر الاول. ولكن الكلام في أن تعدد الأمر بهذا النحو مستقلاً مستهجن عند العقلاء للزوم اللغوية فان الأمر بالحصة يغني عن الأمر بالطبيعي. وهذا هو الوجه في حمل المطلق على المقيد في مثل (اعتق رقبة) و(اعتق رقبة مؤمنة) وعدم الاخذ بظهورهما في الأمر الاستقلالي.
ولو سلّم صحة ذلك عرفاً فهنا ينشأ بحث آخر وهو أن الأمر بالحصة هل يشتدّ باندكاك الأمر بالطبيعي فيه فان متعلق الوجوبين هو الحصة أم لا؟ وقد فصلنا القول في محله وذكرنا أن الاشتداد بالاندكاك في الامور الاعتبارية مستحيل وان اشتداد الأمر الاعتباري انما يكون باعتبار المعتبر إيّاه شديداً واما الاشتداد الانفعالي (الاوتوماتيكي) غير معقول فيه فان اشتداده كاصله تابع للجعل.
ويمكن أن يقال إن مراد من قال بذلك أيضاً هذا المعنى المعقول من الاشتداد وأنّ تكرر الأمر يكشف عن الجعل بنحو التأكيد. ولكن هذا القول يستلزم خروج المورد عن محل الكلام فان مقتضى ذلك ان يكون الجعل في الواقع جعلاً واحداً مؤكداً للحصة فلا يبقى وجوب الطبيعي بعد الوقت. مضافاً إلى أن الطريق العقلائي للجعل المؤكد ليس هو الأمر بالطبيعي بعد الأمر بالحصة.
وفي هذه الصورة اذا شككنا في أن الأمر هل تعلق بالحصة المقيدة بالوقت فقط أم ان امراً آخر تعلق بالطبيعي أيضاً فهل يجري الاستصحاب بعد الوقت أم لا؟
مقتضى القول بالاندكاك والاشتداد هو جريان الاستصحاب إذ مرجع الشك الى ان الوجوب بعد انتهاء الوقت هل انتفى رأساً أم تبدل الى مرتبة ضعيفة منه فيجري استصحاب القسم الثالث من القسم الثالث من الكلي. واما بناء على بطلان هذا المبنى كما بينّاه فلا يجري الاستصحاب لان الأمر بالمقيد كان وزال قطعاً والشك في تعلق امر آخر بالطبيعي معاصراً لزمان تعلق الأمر بالمقيد وهذا من القسم الثاني من القسم الثالث من استصحاب الكلي ولا يجري.
الصورة الثانية: ان يتعلق أمر بالطبيعي وأمر آخر بالتقيد نحو (يجب عليك الصلاة) و(ليكن هذه الصلاة في وقت كذا) وهذه الصورة خال من الاشكال العرفي فان اتينا بها في الوقت فقد اطعنا الأمرين وان لم نفعل الى ان خرج الوقت سقط الأمر الثاني وبقي الأمر الأول لانه كان واجباً في واجب.
وفي هذه الصورة لو شككنا في ان المجعول هو الأمر بالحصة فقط أم أن هناك أمران بهذا النحو المذكور دار الأمر بين كون الواجب مطلقاً أو مقيداً بالوقت فان الأمر لو تعلق بالحصة فقط كان الواجب مقيداً بالوقت ولو تعلق بهذا النحو المذكور كان الواجب مطلقا وفي مثل ذلك لا يجري الاستصحاب لانه من مصاديق الشبهة المصداقية لقوله (لا تنقض..) لعدم احراز وحدة القضيتين لاحتمال التقييد والقيد مكثر.
الصورة الثالثة: ما ذكره المحقق الخراساني في باب الموسع والمضيق. وفي تفسير مراده اختلاف. وما نختاره في ذلك هو أن الأمر متعلق بالطبيعي بشرط شيء الا ان الشك في كيفية التقييد فانه قد يكون مقيداً لاصل الطلب وقد يكون مقيداً لشدته وذلك لان روح الحكم ملاكه فان كان المقيّد بالخصوصية دخيلاً في اصل الملاك فلا يتعدد المطلوب. وان كان دخيلاً في شدة الزاميته ولو احتمالاً كان القضاء بالأمر الأول والمطلوب متعدداً.
والجواب عنه ان الحكم الالزامي الشديد امر بسيط لا ينحل الى الزام وشدته فان شدة الالزام انما يأتي من قبل شدة الحكم الجزائي المترتب عليه. ولو سلمنا فالشك لو كان في ارتفاع الشدة أو أصل الحكم فهو من قبيل القسم الثالث من القسم الثالث من استصحاب الكلي فيجري ولو كان الشك في أن الأمر هل تعلق بالمقيد أو بهذا النحو القابل للبقاء لم يجر الاستصحاب من جهة أن الشك في القيد والقيد مكثر فلا يحرز وحدة القضيتين.
التنبيه الثامن
في الاستصحاب التعليقي
وقد ابتدأ البحث فيه من القرن الثالث عشر فقال جماعة كالسيد بحرالعلوم بجريانه وجماعة كصاحب الرياض بعدمه واختار الأول الشيخ والمحقق الخراساني وجماعة ممن تأخر عنهم واختار الثاني المحقق النائيني والسيد الخوئي وجماعة.
ومورد هذا البحث هو ان موضوع الحكم لو تحقق فاقداً لبعض الشرائط ثم حصل تبدل في حالة الموضوع وشك في انه بعد هذا التبدل هل يترتب عليه الحكم لو وجدت الشرائط أم لا ؟ وقد مثلوا له بعصير الزبيب فان عصير العنب اذا غلا يحرم فهل هذا الحكم التعليقي اي ترتب الحرمة على الغليان باق بعد حصول الزبيبية أم لا ؟
ووجه الالتزام به ان الحكم له ثلاث مراحل: الانشاء والتعلق بالشخص والفعلية. والأول هو ما يجعله الشارع أو أي مقنن آخر بعد فرض موضوع جامع للشرائط وهذه المرحلة واقعية قطعاً. والثاني أن يكون الموضوع محققاً ولو فاقداً لبعض الشرائط كتحقق العصير قبل الغليان فالحكم وان لم يكن حنيئذ فعلياً الا ان انطباق الموضوع في الخارج يقتضي تعلق الحكم به تقديرياً. والثالث ان يتحقق الموضوع بجميع شرائطه. فان شك في بقاء الحكم في المرحلة الاولى كان مورد استصحاب عدم النسخ وسيأتي ان شاءالله تعالى. وان شك فيه في المرحلة الثانية كان من الاستصحاب التعليقي. وان شك فيه في المرحلة الثالثة كان من الاستصحاب التنجيزي. وحيث إن استصحاب عدم النسخ اجماعي مع انه ابعد من فعلية الحكم عن المرحلة الثانية فيعلم منه أن فعلية الحكم ليس دخيلاً في الاستصحاب بل قوامه فعلية اليقين والشك.
ووجه عدم الالتزام به ان الحكم كما يتعلق بالموضوع يتعلق بالشرائط فما لم تتحقق الشرائط باجمعها لا يتحقق الحكم فالحكم في المرحلة الثانية أمر فرضي منا لا فرض شرعي ولا يلتزم العقلاء بوجود هذه المرتبة من الحكم. ومنشأ توهم جريانه هو الفرق بين التعبير الوصفي: (العصير المغلي حرام) والتعبير الشرطي: (العصير إذا غلا يحرم) ووجه الفرق أن الأول ليس في مضمونه موضوع وشرط الا بتحليل منّا، والثاني في مضمونه موضوع وشرط فالتحليل داخل في أصل الجعل.
وهذا الفرق غير صحيح وذلك لأن القضية الشرطية على قسمين: ثلاثية وثنائية والقسم الأول يتركب من موضوع وحكم وشرط نحو: (زيد أن جاءك فاكرمه) وهذه الجملة تحتوي على المفهوم: (زيد ان لم يجئك فلا تكرمه) وفي مثل هذه الجملة ارتباطان: ارتباط للحكم بالموضوع وارتباط لهذا الارتباط بالشرط. والذي يبرز الارتباط الثاني اداة الشرط وظاهره أن المعلق عليه في القضية اللفظية هو المعلق عليه في القضية اللبية ومن هنا ينفي الارتباط بغير المذكور فتنشأ القضية المفهومية اذ لو كان الارتباط ثابتا بين ارتباط الحكم والموضوع وأمر آخر لكان المعلق عليه في الواقع أحد الأمرين وهو خلاف ظاهر التعليق في اللفظ بأحدهما معينا.
وأما القسم الثاني فالاداة فيه لا تمثل الاربط المحمول بالموضوع نحو (إن وجد العالم العادل وجب إكرامه) فليس هنا ارتباطان ولذلك فليس للجملة مفهوم إذ منشأه في القسم الأول الارتباط الثاني وهو مفقود في هذا القسم ولذا لو كان الارتباط ثابتا بين الحكم وأمر آخر أيضاً نحو (ان وجد العالم الهاشمي وجب اكرامه) لم يقتض ذلك تعلق الحكم بأحد الأمرين بل يكون الحكم انحلالياً بالنسبة الى الموضوعين فان موضوعية كل منهما لا تنافي موضوعية الآخر. وحكم القضية الشرطية في هذا القسم حكم القضية الحملية.
والتعبير الشرطي في المقام (العصير اذا غلا يحرم) من القسم الأول فهو يفيد ارتباطين: ارتباط الحرمة بالعصير وارتباط هذا الارتباط بالغليان فالنتيجة أن الحرمة لا توجد في ظرف عدم الغليان لما عرفت من كيفية افادة المفهوم.
ومن هنا تبين ان المرحلة الثانية للحكم أمر وهمي فان مقتضى القضية الشرطية نفي مطلق الارتباط بين الحكم والموضوع في حال فقدان الشرط بخلاف التعبير الوصفي: (العصير المغلي حرام) فانه لا ينفي الحرمة عن العصير غير المعلي فانتخاب التعبير الشرطي ليس الا لافادة نفي الارتباط بين الحرمة والعصير غير المغلي.
وأما توهم جعل الحرمة التعليقية وانه مقتضى القضية الشرطية فهو خطأ يتبين وجه الاشتباه فيه مما ذكرنا حيث ان مقتضى القضية الشرطية ليس الا ايجاب الارتباط بين الحكم والموضوع في صورة وسلب الارتباط بينهما في صورة أخرى واما جعل الارتباط بين الموضوع والحكم التعليقي في غير صورة الشرط فهو أمر خيالي وليس وراء الحكم الواقعي شيء غير الخيال.
وقد يتوهم أن مقتضى القضية الشرطية جعل الملازمة والسببية.
وقد ذكرنا جواب هذا التوهم سابقاً في الاحكام الوضعية ومحصله أن الملازمة والسببية ونظائرهما لا تقبل الجعل وان التعبير بمثل (جعلت هذا سبباً أو جزءاً أو شرطاً) تعبير ادبي لا قانوني وان هذه الأمور مما ينتزعه العقل ولا فرق في منشأ انتزاعه بين التعبيرين (الشرطي والوصفي) وان الملازمات العقلية كالتنافر بين الضدين وحصول الاربعة من ضم اثنين الى اثنين منشؤها نفس الأمر والمراد به ما يحلله العقل من ذات الأمر الخارجي.
هذا ويمكن الانتصار للقول بجريان الاستصحاب التعليقي بوجوه:
الوجه الأول: أن منشأ انكاره هو ما ذكره المحقق النائيني من أن الشروط ترجع الى الموضوع ولا ترجع شيء منها الى الهيئة وأن البرهان قائم على ذلك وحيث ان هذا ليس صحيحاً وان بعض الشروط كما نحن فيه ترجع الى الهيئة وان البرهان غير تام والمدعى خلاف الفهم العرفي فالاستصحاب التعليقي لا اشكال فيه.
والجواب: أن منشأ انكاره ليس ذلك بل هو ما ذكرنا وما نسب الى المحقق النائيني والسيد الخوئي وان كان ظاهر كلامهما في المقام إلا أن العلامة الكاظمي ذكر في الحاشية ما يرفع هذا التوهم وقد سمعنا من السيد الخوئي في الفقه ما يؤيد ما ذكرناه.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الحكيم في المستمسك ومحصله أن مبنى الانكار هو عدم الاعتناء بلسان الدليل وعدم الفرق بين التعبيرين السابقين مع انه يجوز الاستصحاب إذا قال: (إذا وجد النهار فامسك) ولا يجوز إذا قال: (صم في النهار) مع ان مفادهما واحد. ولو كان المناط في جريان الاُصول القضايا اللبية لم يبق لها مورد فالغليان في ما نحن فيه ليس هو الدخيل بحسب النظر الدقيق بل هو الاسكار بل الخبث النفسي بنظر أدق.
والجواب يعلم مما ذكرنا من الفرق بين التعبيرين وان مبنى انكار الاستصحاب التعليقي هو العمل بمقتضى القضية الشرطية. وأما استصحاب الزمان فقد ذكرنا جريانه في المثال الثاني أيضاً وهو ملتزم به. وأما ما ذكره اخيراً فهو خلط بين الملاكات والموضوعات ولو قلنا بأن المناط هو القضية اللبية فانما ندعيه في الموضوع دون الملاك.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق العراقي من أن الانكار يبتني على كون الحكم أمراً فرضياً ولو اقتضى ذلك منع جريان الاستصحاب لاقتضاه في اجراء الاستصحاب للاحكام الكلية بالنسبة الى المجتهد بطريق أولى فان الموضوع هناك بتمام اجزائه تقديري كاستصحاب النجاسة في الماء المتمم كراً بطاهر.
والجواب: ان الفرق واضح بين المقامين فالحرمة هنا تقديرية لا واقعية له والنجاسة هناك واقعية ولكن وعاء استصحابها مقدم على وعاء تحققها وقد ذكرنا انه لا يعتبر في الاستصحاب كون المتيقن والمشكوك في زمان الاستصحاب بل قد يتقدمان وقد يتأخران وانما الملاك هو تقدم المتيقن في وعائه على المشكوك والمفروض أن المجتهد يستصحب الحكم بلحاظ تحقق الموضوع فيما بعد ولكن النجاسة المتقدمة على الشك في وعائها أمر واقعي لا تقديري.
الوجه الرابع : ما ذكره بعض الاعاظم من أن المعتبر في الاستصحاب هو فعلية اليقين والشك دون فعلية المتيقن فيكفي كونه تقديرياً ومنشأً للأثر والحرمة التقديرية في المقام أثره الحرمة الفعلية بعد الغليان.
والجواب: أن الوجود التقديري ليس من انحاء الوجود حتى ان الفلاسفة حيث ذكروا مراحل للوجود من الخارجي والذهني والخطي والرسمي واللفظي والخيالي مع أن بعضها من نسج الخيال لم يعدّوا منها الوجود التقديري. والتعبير عنه بالوجود تعبير أدبي لا واقعية له نظير الحكم الاقتضائي الذي عدّه المحقق الخراساني من مراحل الحكم فمرحلة الوجود الاقتضائي ليس وجوداً الا بالاعتبار الادبي مضافاً إلى أن ما نحن فيه أبعد من الوجود الاقتضائي فان الموضوع ليس مقتضياً للحكم. وأما ترتب الوجود الفعلي على الوجود التقديري فسيأتي الكلام فيه.
ثم ان الاستصحاب التعليقي معارض دائماً باستصحاب تنجيزي وهو استصحاب حلية العصير قبل الغليان حلية تنجيزية قطعية. وقال الشيخ قدس سره ان الاستصحاب التعليقي مقدم على التنجيزي وقد ذكر الاعلام لتقدمه وجوهاً سواء منهم من وافقه في أصل الجريان ومن خالفه.
والصحيح أنه لا يتقدم فهذا اشكال على أصل جريان هذا الاصل. والصحيح أن المستصحب هو عدم الحرمة لان الحلية غير مجعولة عندنا الا فيما كان مسبوقاً بالحرمة أو في مورد توهم الحرمة كما ذكرناه مراراً وهذا الاستصحاب استصحاب شخصي لا اشكال فيه. ولو اردنا استصحاب الحلية مع فرض مجعوليتها فهو أيضاً جار لان الحلية الموجودة قبل الغليان اما مطلقة أو مغياة بعدم تحقق الغليان فالشك في تحقق الكلي في ضمن فرد طويل أو قصير ويجري استصحاب القسم الثاني من الكلي.
وأما الوجوه التي ذكروها في بيان تقدم الاستصحاب التعليقي فهي كما يلي:
الوجه الأول: ما ذكره السيد الخوئي ‹أيده الله› كما في مصباح الاُصول وهو أن استصحاب الاباحة استصحاب للكلي ومن شروط استصحاب الكلي أن لا يكون أحد الفردين ثابتاً والآخر منتفياً بالاصل ولذا لم يجر استصحاب الحدث إذا أحدث أحد بالحدث الاصغر ثم رأى بللاً مشتبهاً بالمني ثم توضأ فان الحدث الاصغر يجري استصحاب وجوده والاكبر يجري استصحاب عدمه فلا يمكن استصحاب كلي الحدث وكذلك كلي الاباحة في المقام فان الاباحة المغياة محرزة بالاصل وعدم الاباحة المطلقة محرزة بالاصل أيضاً.
والجواب أولاً: ان هذا الشرط لا دليل عليه وقد ذكرنا في مثال الحدث وفاقاً له ان عدم جريانه من جهة احراز الرافع جزءاً بالاصل وجزءاً بالوجدان. ومجرد اثبات أحد الفردين ونفي الآخر بالاصل لا يرفع العلم الوجداني بتحقق الكلي وهذا خلط بين استصحاب الفرد المردد والقسم الثاني من الكلي.
وثانياً: ان اثبات الاباحة المغياة بالاصل لا وجه له فانه ان أريد به اثبات الاباحة قبل الغليان فهو مقطوع به وان أريد اثبات عدم الاباحة بعد الغليان فهو من الاصل المثبت.
وثالثاً: ان استصحاب الاباحة لو كان مشكلا فلا اشكال في استصحاب عدم الحرمة لأنه ليس مغيّا بالغليان لعدم كونه مجعولاً.
الوجه الثاني: ما ذكره السيد الخوئي ايضا على ما في مباني الاستنباط وهو موافق لما نقل عن المحقق العراقي من ان استصحاب الحرمة المعلقة يوجب التعبد بالحرمة بعد الغليان وهذا يقتضي كون الاباحة مغياة بالغليان فلا يبقى شك في عدم بقاء الاباحة السابقة بعد تحقق الغليان.
والجواب: ان اثبات كون الاباحة مغياة باستصحاب الحرمة المعلقة لا يكون الا بالاصل المثبت. وقد تنبّه لذلك بعض الاعاظم ولكنه اعتذر بان ذلك داخل في ما ذكره صاحب الكفاية من التلازم في وعاء الاعتبار. وقد مرّ الكلام في الجواب عنه في التنبيه الأول مضافاً الى امكان العكس فان استصحاب الاباحة أيضاً ينفي الحرمة.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره وهو ان الشك في الاباحة مسبب عن الشك في الحرمة المعلقة فان جرى الاستصحاب فيها ارتفع الشك في الاباحة الفعلية والأصل السببي مقدم على المسببي. ثم اعترض على نفسه بأن السببية ليست شرعية. واجاب بان اشتراط كون السببية شرعية خاص بالموضوعات دون الاحكام إذ لا يمكن فيها هذا الشرط إذ تلزم لغوية جعل الحكم ان لم يستلزم نفي ضده.
والجواب: ان وجه تقدم الاصل السببي هو أنه لو جرى وكان الترتب شرعياً تحققت الملازمة بين اعتبار العلم بالسبب واعتبار العلم بالمسبب فلا يجري الاصل المسببي والأمر ليس كذلك في عكسه. والأحكام والموضوعات في ذلك سواء. واللغوية انما تلزم لو كان استصحاب الحرمة التعليقية ثابتاً بدليل خاص.
الوجه الرابع: ما ذكره بعض الاعاظم وهو نظير ما ذكره المحقق النائيني إلا أنه حاول اثبات الترتب الشرعي بين الحرمة التعليقية والحرمة الفعلية بعد الغليان بدعوى أن الشك هنا ليس متعدداً وإنما الشك في انه مباح أو حرام فاستصحاب الحرمة التعليقية أثره الحرمة الفعلية بعد كالغليان فلا يبقى مجال لتوهم الاباحة.
والجواب: ان الحرمة التقديرية والفعلية ان كانا مجعولين بجعل مستقل فهو غير معقول ولو سلم فلا دليل على الملازمة الشرعية بينهما بل الملازمة بينهما من المدركات العقلية فاثبات الحرمة الفعلية باستصحاب الحرمة التعليقية لا يخلو من شبهة اثبات. وان كانا مجعولين بجعل واحد وانما الاختلاف بالاعتبار فلا يوجد هنا تلازم شرعي.
التنبيه التاسع
في استصحاب عدم النسخ
وقبل البحث عنه لابد من ذكر امور:
الأمر الأول: أن الذي تبين لنا من ملاحظة الآيات والروايات وخصوص قوله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..) هو أن الشريعة الاسلامية هي شريعة جميع الانبياء والمرسلين عليهم السلام وأن كل ما أتى به نوح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام لم يكن مختلفاً عما جاء به نبينا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم في الخطوط الاصلية وأن الاختلاف في بعض الخصوصيات انما نشأ من اختلاف الامم في التمدن والتطور الموجب لاختلاف حاجاتهم وأن ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم انما هو الاسلام بالمعنى الاتم الاكمل وليس ديناً جديداً ناسخاً لجميع ما في الشرايع السابقة بل هو دين الانبياء كلهم وكلهم بشروا به ودعوا اليه. ففي المعارف الاعتقادية كانت دعوتهم جميعاً الى توحيد الله تعالى والعلم بصفاته المقدسة كما وصف نفسه، وفي الشرايع كانت دعوتهم جميعاً الى الصلاة والصوم والزكاة وحتى الحج ايضا وفي الامور الاجتماعية كانت دعوتهم جميعا الى حرمة اكل المال بالباطل وحرمة نكاح المحارم وحرمة الخمر الى غير ذلك من الدعوات التي يشترك فيها جميع الانبياء عليهم الصلاة والسلام.
والحاصل ان الشرايع كلها واحدة في الخطوط الاصلية ودعائم الدين. والاسلام بالمعنى الخاص مكمل لتلك الشرايع. ومن هنا يعلم الوجه فيما أمر الله به نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلّم من اتباع ملة ابراهيم عليه السلام في اكثر من موضع من القرآن الكريم منها قوله تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ويظهر الوجه ايضا في الروايات الواردة في الصوم والحج وبيان كيفيتهما في الشرايع السابقة بل نرى في تضاعيف الروايات اهتمام الائمة عليهم السلام ببيان وحدة الشريعة السماوية.
وأما وجود النسخ في الشرايع فمما لاكلام فيه وقد بينا أن الوجه فيه هو احتياج الاُمم حسب تطورها وتكاملها وانتهى ذلك الى الاسلام بالمعنى الخاص فنسخ ما كان من الأحكام لا تلائم وضع الأمة وأما سائر الأحكام فهي امتداد للشرايع السابقة ولا ينافي ذلك أفضلية نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلّم على سائر الأنبياء.
ويتبين بما ذكرنا ان ما نقل عن المحقق النائيني قدس سره من ان الاحكام السابقة اذا لم يمضها النبي الاكرم صلى اللّه عليه وآله وسلّم لا تعتبر من الدين غير صحيح ومثله القول بان جميع الاحكام السابقة منسوخة وان ذلك مقتضى افضليته صلى اللّه عليه وآله وسلّم.
الأمر الثاني: ان النسخ موجود في الشرايع السابقة وفي احكام شريعتنا ايضا الى ان اُكمل الدين كما في الآية المباركة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..) وقد ورد في الروايات أن احاديث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم تحتوي ايضا على الناسخ والمنسوخ والخلط بينهما هو الذي أوقع العامة في كثير من الاخطاء وقد ورد في الروايات ان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان يغسل رجله ويمسح خفه قبل نزول سورة المائدة واشتبه الامر على بعض الناس فلم يعلموا انه منسوخ. وقد يقال ان النسخ لم يقع في القرآن الكريم ولكنا ذكرنا تفصيل الجواب عنه في مبحث حجية الكتاب.
الأمر الثالث: أن بعض الامور يشبه النسخ فيوجب الاشتباه ولكنها ليست منه وان كانت من حيثية بحثنا مشاركة له.
(منها): الاحكام التي يجعلها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم والائمة عليهم السلام باعتبار ولايتهم تبعا للمصالح المتغيرة وحفظا للمجتمع الاسلامي من الركود فالانحطاط. وهذه الاحكام واجبة الاطاعة كما قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ..). ولا تعتبر هذه الاحكام ناسخة لوقوعها في منطقة الفراغ. وقد ورد في الروايات أنا لا نحرم ما أحله الله ولا نحل ما حرمه الله. وليس المراد بمنطقة الفراغ خلو المورد عن الحكم الشرعي بل كل ما كان الحكم الاصلي فيه غير مناقض للحكم الثانوي كما لو أمر الامام بالسفر مع أنه مباح ابتداء، وكمالو فرضنا كون الحكم بالقصر في السفر تخييريا الا أن جماعة ممن كانوا يخالفون الائمة عليهم السلام جعلوا الاتمام شعاراً لهم فيكون امرهم بوجوب القصر تعيينا في قبالهم امرا في منطقة الفراغ. وكذلك النهي التحريمي عن المكروهات مثلا.
وهذه الاحكام لا توجب النسخ لبقاء الحكم الأصلي الا ان الواجب اطاعة هذا الحكم ما لم يغيره الامام تبعا لتغير المصالح نظير ما يوجبه المتعاقدان على انفسهما فانه وان كان واجب الوفاء الا انه لا يرفع الحكم الاصلي ويجب ان يكون ذلك ايضا في منطقة الفراغ (المؤمنون عند شروطهم الا شرطا حلل حراما او حرم حلالا).
و(منها): الأوامر والنواهي التي ينشئها الوالي المنصوب من قبل الإمام كمالك الاشتر رضوان الله عليه فإن حكمه واجب الاطاعة وان لم يكن ناسخاً للحكم الاولي.
(ومنها): ما سنّه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم من الجزئية والشرطية المكملة لفرائض الله تعالى. فهذه أيضاً ليست من النسخ. وكل ما عدّه المحقق النائيني قدس سره من متممات الجعل ــ ولو فرضنا صدورها من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ــ لا يعدّ نسخاً ولكنها تجب اطاعتها وقد عدّت سنن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم في الروايات عدلاً لفرائض الله.
ثم ان البحث عن استصحاب عدم النسخ يشمل هذه الاحكام أيضاً حتى لو كانت صادرة عن الولاة المنصوبين.
الأمر الرابع: ان الأحكام بجميع أنواعها من الأصلية والموقتة إذا شك في نسخها فإن كان هناك إطلاق ازماني أخذ به وكذا ان كان هناك دليل خاص يدل على امتداد الحكم أو دليل عام كقوله تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ..) وكقوله عليه السلام: (حلال محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم حلال ابدا الى يوم القيامة وحرامه حرام ابدا الى يوم القيامة) وقوله عليه السلام: (خذوا به حتى يبلغكم عن الحيّ) وقوله عليه السلام : (خذوا بالاحدث).
وان لم يكن شيء من ذلك فإن قانون العقلاء يحكم بوجوب الأخذ بالحكم الأول. ولذا عدّ المحدث الاسترابادي رحمه الله استصحاب عدم النسخ من الضروريات وليس المراد به أن شمول أدلة الاستصحاب له ضروري بل المراد أن عدم النسخ بنفسه اصل ضروري عند العقلاء سواء كان الاستصحاب حجة أم لا وسواء جرى استصحاب عدم النسخ أم لا فإن العقلاء يعتبرون القانون الصادر نافذ المفعول ما لم يصل خلافه ولا يعتنون باحتمال تبدل القانون فهذا أصل برأسه كما ذكره السيد الحكيم قدس سره في أصالة القدرة.
إذن فالبحث عن جريان الاستصحاب في عدم النسخ بحث علمي بحت.
وهناك مناقشات على استصحاب عدم النسخ وهي كما يلي:
المناقشة الأولى: ان النسخ في الأحكام بالمعنى الشامل لاحكام الولاة أيضاً كما ذكرناه على قسمين:
القسم الأول: النسخ الحاصل من البداء. وهو تنبه المقنن لعدم صلاحية الحكم واشتباهه من أول الأمر وهذا القسم لا يتصور في أحكام الله تعالى.
القسم الثاني: النسخ بمعنى بيان محدودية الحكم من أول الأمر.
فاذا شككنا في النسخ بالمعنى الأول حيث يمكن ذلك كان مجرىً للاستصحاب وهو استصحاب عدم البداء ولكنه خارج عن محل بحث الباحثين فإنهم خصصوا البحث في احكام الله تعالى. واذا شككنا في النسخ بالمعنى الثاني كان مرجع الشك الى أن الحكم المجعول محدود أم مطلق. فهل يجري هنا استصحاب الحكم أم لا ؟
الجواب انه إذا كان الحكم في مرحلة الانشاء شاملاً لجميع الازمان كان توسعة عرضية وان كان الامتداد في وعاء الخارج طوليا فإن المتفرقات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الحكم فإذا شككنا في امتداد الحكم بالنسبة لزمان خاص يجري استصحاب عدم الجعل فإن ثبوت الحكم لمدة مائة سنة مثلاً مجعول قطعاً ولكنه بالنسبة لما بعدها مشكوك فالأصل عدمه. وعلى هذا فإن قلنا بان الحكم لها امتداد قانوني في اعتبار العقلاء وان كان اصل تحققه آنياً فاذا شككنا في امتداد الحكم جرى استصحاب بقائه إلا انه يعارض استصحاب عدم الجعل فيتساقطان وان انكرنا امتداد الحكم كان الاستصحاب العدمي بلا معارض. وبذلك يظهر ان استصحاب عدم النسخ لا يجري أو يكون معارَضا دائما.
والظاهر أن القوانين لها امتداد زماني وبقاء في الاعتبار ولذا ورد في القرآن الأمر باتباع ملة ابراهيم عليه السلام فإن الاتباع يتوقف على البقاء. ويشهد له أيضاً الحكم بالفسخ في العقود فإنه يتوقف على بقاء الأمر المنشأ. فالحق هو معارضة الاستصحاب الوجودي في الأحكام باستصحاب عدم الجعل في مقام الانشاء.
وهذه المناقشة لا مدفع لها.
المناقشة الثانية: ما ذكره صاحب الفصول قدس سره وهي أن جعل الحكم بالنسبة لجماعة من المكلفين مقطوع به وبالنسبة لجماعة اُخرى مشكوك فيه وحيث ان المكلف هو موضوع الحكم فاستصحاب بقاء الحكم المجعول لتلك الجماعة من قبيل اسراء الحكم من موضوع الى آخر.
وأجاب عنه الشيخ قدس سره بوجهين سيأتي أحدهما في ذيل المسألة والوجه الآخر هو أن ذلك انما يصح لو كانت الأحكام مجعولة بنحو القضية الخارجية حيث ان الموضوع حينئذ هو الكثرات الموجودة خارجاً ولكنها مجعولة بنحو القضية الحقيقية والموضوع فيها هو العنوان بأي وجود تحقق فاذا قلنا للفرد بإنه يجب عليه الحج فإن ذلك من باب أن الموضوع الحقيقي وهو عنوان المستطيع واسطة في العروض وحينئذ فالموضوع واحد في القضيتين والاستصحاب جار.
واعترض عليه السيد الخوئي ‹أيده الله› بان الشك في أصل جعل الحكم بنحو يشمل هذه الجماعة لاحتمال اختصاصه بذلك الزمان.
وهذا كلام صحيح ولكنه غير وارد على الشيخ فإنه بيان للاشكال الأول أي شمول الجعل بحسب التوسعة العرضية لهذا الزمان ولكن مورد اشكال صاحب الفصول وجواب الشيخ هو بعد تسليم عدم ورود الاشكال الأول ومرجع الاشكال الى أن الامتداد المزعوم للقانون في نظر العقلاء صوري لاختلاف الموضوع. ومرجع الجواب الى أن الموضوع هو الطبيعي فالامتداد حقيقي.
المناقشة الثالثة: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره على ما في أجود التقريرات وهو اشكال مختص باستصحاب الشرايع السابقة فلا يشمل عدم النسخ في سائر الأحكام التي مر ذكرها في المقدمات ومحصل الاشكال أن الأحكام الشرعية في الشريعة الاسلامية إما أن تكون ناسخة لجميع احكام الشرايع السابقة وأن ما كان فيها مشابهاً لتلك الأحكام فإنما هو من قبيل جعل الحكم المماثل وليس امتداداً لتلك الأحكام فهذه الشريعة جديدة بتمام المعنى وإما أن تكون ناسخة لبعض الأحكام وممضية للبعض الآخر. فإن قلنا بالأول فعدم جريان الاستصحاب واضح وان قلنا بالثاني فاستصحاب بقاء حكم من الشرايع السابقة لا يجري إلا اذا ثبت الامضاء في هذه الشريعة والاستصحاب لا يثبت الامضاء الا على القول بالأصل المثبت.
وأجاب السيد الخوئي ‹أيده الله› عن الشق الأول من الترديد بأنه غير معقول فإن إلغاء حكم وجعل حكم مماثل له لغو وقبيح ولا يعقل صدوره من الحكيم وعن الشق الثاني بان ادلة الاستصحاب كافية في الامضاء. وأضاف السيد البجنوردي قدس سره بأن مرجع الاستصحاب الى جعل الحكم المماثل وهذا بالطبع امضاء لتلك الأحكام.
والصحيح ان الشق الأول معقول ولكنه مخالف للأدلة ولعل منشأ القول بكون هذه الشريعة ناسخة لجميع أحكام الشرايع السابقة هو ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره في الكفاية في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي من أن الموحى الى النبي والملهم للوصي ليس إلا الأحكام الاقتضائية بمعنى المصالح والمفاسد وأما الأحكام المولوية فهي صادرة من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ولعل هذا هو الوجه في ما يرى في كلماتهم من ذكر الصلاة بعد كلمة الشارع المقدس. وعليه فالمطاع في كل اُمة هو النبي وهو المشرع للاحكام جميعها إما بربط الشخصية أو بجعل الحكم الجزائي كما مر تفصيله في محله وكيف كان فهو رابطة بين المولى والعبيد. وحينئذ فكيف يعقل متابعة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع انه أفضل الانبياء لهم فيما شرعوه من أحكام فيكون مطيعاً لمن هو أدنى منه مرتبة فلابد من أن تكون الأحكام احكاماً جديدة يشرعها نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلّم.
وهذا ليس مستحيلاً إلا أن الكلام في صحته وان الأحكام هل هي صادرة من الانبياء عليهم السلام فالاطاعة في الشريعة هي اطاعة الرسول أم ان الانبياء وان كانت لهم الولاية في جعل الأحكام الموقتة إلا أنهم من جهة أخرى مبلغون عن الله تعالى وان الشريعة السماوية واحدة بخطوطها الأصلية ومشرعها هو الله تعالى؟ وقد عرفت تفصيل ذلك في المقدمة الاولى. وما ذكره المحقق الخراساني يستلزم مالا يلتزم به ولا يمكن الالتزام به فإن مقتضى ذلك ان تكون الاوامر والنواهي الواردة في القرآن الكريم صادرة عن النبي الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع أن كون القرآن بتمامه منزلا من الله تعالى من ضروريات الدين.
واما الشق الثاني فلو سلمنا ان الحكم المجعول من قبل الله تعالى الممتد الى هذا الزمان يحتاج الى امضاء من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فاستكشاف الامضاء من أدلة الاستصحاب لا معنى له فإن الاستصحاب لا يتكفل إلا التوسعة في الكشف وبقاء المتيقن وأما امضاء الحكم المحتاج الى الامضاء فلا ربط له بالاستصحاب فإن مرجع التوقف على الامضاء الى ان المتيقن جزء الموضوع ولا شك ان استصحابه لا يثبت الجزء الآخر.
والصحيح ان الأحكام الالهية لا معنى لتوقفها على امضاء النبي فإن مقتضى الشق الثاني أن يكون الأحكام من قبل الله تعالى ولا يعقل توقفها على امضاء النبي الذي هو عبد من عبيده وذلك لان معنى التنفيذ والامضاء قد يكون جعل الحكم المماثل فإذا قال الشارع يجب الوفاء بالنذر كان مرجعه الى جعل الوجوب لما أوجبه الناذر على نفسه وان عبر عنه بالامضاء فإن اُريد من الامضاء في المقام هذا المعنى فهو راجع الى الشق الأول وان اريد به التنفيذ والامضاء بالمعنى الحقيقي بأن يكون الحكم غير نافذ المفعول الا به فهو غير معقول في أحكام الله تعالى.
ثم ان الشيخ الانصاري سلك طريقاً آخر لاستصحاب الشرايع السابقة ليسلم من هذه الاشكالات وهو أن أحكام الشريعة السابقة ثابتة في حق مدرك الشريعتين قطعاً إما بنحو الفعلية إذا تحقق الموضوع والشرائط وإما بنحو التعلق بالشخص كما ذكرناه في الاستصحاب التعليقي فاذا شك في بقاء الحكم له بعد ورود الشريعة اللاحقة يستصحب ويثبت ذلك بالنسبة إلينا أيضاً بضميمة قانون الإشتراك في التكليف.
والجواب عنه: ان الإشتراك ثابت في الأحكام الواقعية والظاهرية إلا انه لا يفيد في المقام لا بلحاظ الأحكام الواقعية ولا بلحاظ الأحكام الظاهرية. أما الأول فلان اثبات الحكم الواقعي بالنسبة إلينا باستصحاب مُدرك الشريعتين له لايتم الا على القول بالأصل المثبت فإن الملازمة ليست شرعية إذ لم يرد دليل شرعي يجعل ثبوت الحكم لمُدركهما موضوعاً لثبوت الحكم لنا. وأما الثاني فلان مقتضى الإشتراك حينئذ ليس إلا أن كل من تحقق لديه ما تحقق لمدرك الشريعتين من شرائط استصحاب الحكم ثبت له الحكم والمفروض عدم تحقق الشرائط لنا.
التنبيه العاشر
في أصالة تأخر الحادث
مورد هذا البحث ما اذا ترتب اثر على تأخر شيء عن شيء فهل هناك اصل يثبت هذا التأخر؟ حكي عن بعض القدماء أن أصالة تأخر الحادث اصل عقلائي برأسه كما ادعي ذلك في أصالة العدم أيضاً. ولكن هذا مما لا شاهد عليه. فلابد من البحث في جريان الاستصحاب واثبات تأخر الحادث به.
ويلاحظ هنا أن التقدم والتأخر أمران اضافيان فصدق كل منهما يتوقف على ملاحظته بالقياس الى امر آخر. والمقيس إليه قد يكون زماناً وقد يكون زمانياً والثاني على قسمين:
الأول: أن يكون المقيس والمقيس إليه كلاهما دخيلين في الحكم ونصطلح له أصالة تأخر الحادث في الموضوعات المركبة. الثاني: أن يكون أحدهما دخيلاً فقط ونصطلح له أصالة تأخر الحادث في الموضوعات البسيطة. فالأول كاسلام الوارث فإنه إذا تقدم على موت المورث أو القسمة ورث المال وإلا فلا والموضوع هنا مركب من اسلام الوارث وموت المورث أو القسمة. والثاني كالشك في تقدم الحدث على الطهارة وتأخره في مسألة تعاقب الحالتين فإن الموضوع للحكم بصحة الصلاة هو الطهارة ولعدمها هو الحدث لا ان المجموع منهما موضوع الحكم. وفي هذين القسمين قد يكون الأمران مجهولي التاريخ وقد يكون أحدهما معلوم التاريخ والآخر مجهوله.
ولابد ان يتقدم البحث عن تفاصيل هذه الاقسام بحث آخر وهو أن الأثر إذا كان مترتباً على العنوان الإنتزاعي من التقدم والتأخر والتقارن سواء كان المقيس إليه زماناً أو زمانياً هل يمكن اثباته بالاستصحاب أم لا. وهذه التقسيمات التي ذكرناها لا دخالة لها في مثل ذلك اصلاً بمعنى أنه لا يختلف الحكم في هذا المبحث بين كون المقيس إليه زماناً أو زمانياً والموضوع مركباً أو بسيطاً . وإنما هذه التقسيمات تختص بما إذا كان الأثر مترتباً على ذات الشيئين المشكوك فيهما التقدم والتأخر أو التقارن.
وعليه فالبحث في مقامين أحدهما في موارد ترتب الأثر على العنوان الإنتزاعي والآخر في موارد ترتب الأثر على ذات المقيس والمقيس إليه.
والوجه في تقسيم البحث الى مقامين ما ذكرناه في مبحث الأصل المثبت من عدم امكان اثبات العناوين الانتزاعية باستصحاب منشأ الانتزاع أو مصححه فلابد من اجراء الاستصحاب في نفس العنوان الانتزاعي ولذا احتجنا الى المقام الأول وأما لو قلنا بأن استصحاب منشأ الانتزاع أو مصححه يكفي في اثبات العنوان الانتزاعي فلا حاجة الى البحث عن المقام الأول بل يكفي المقام الثاني عن ذلك.
المقام الأول: في ما إذا شك في التقدم والتأخر والتقارن وكان موضوع الأثر نفس الامر الانتزاعي وله ثلاث صور:
الصورة الاُولى: أن يكون أحدها مأخوذاً بنحو كان التامة موضوعاً للحكم كما إذا قال المشرع: (إذا تحقق تقدم اسلام الوارث على موت المورث ورثه) ولا اشكال ــ بناءً على عدم جريان الأصل المثبت ــ في عدم جريان الأصل الوجودي فيه بل يجري فيه أصالة عدم تحقق التقدم بلا مانع. ومن هنا يعلم أن مفاد ليس التامة إذا كان موضوعاً للحكم جرى الاستصحاب فيه بلا اشكال.
نعم قد يكون هذا الاستصحاب موردا لمعارضة استصحاب اخر فيما إذا كان المورد مورداً للعلم الاجمالي كما إذا علمنا اجمالاً بأن أحد الوارثين من الوالد والولد مثلاً مات قبل الآخر ولا نعلم بالمتقدم فاستصحاب عدم تقدم أحدهما معارض باستصحاب عدم تقدم الآخر وحيث ان موضوع الارث هو عدم تقدم موت الوارث مثلاً فالأصلان يتساقطان ونحكم بعدم التوارث بخلاف ما إذا احتملنا التقارن فلا يقع التعارض بينهما.
وكذا إذا كان لكل من تقدم الشيء وتأخره أثر شرعي والمفروض العلم بعدم التقارن فاستصحاب عدم التقدم يعارض استصحاب عدم التأخر بلا فرق بين كون المقيس إليه زماناً أو زمانياً. ومثله ايضا إذا كان كل من التقدم والتأخر والتقارن موضوعاً للأثر.
والحاصل أن ما ذكرناه من جريان الاستصحاب العدمي بلا اشكال انما هو مع قطع النظر عن المعارضة في صورة العلم الاجمالي.
الصورة الثانية: أن يكون أحد العناوين الثلاثة موضوعاً للحكم بنحو كان الناقصة كما إذا قال المشرع: (إذا كان اسلام الوارث متقدماً على موت المورث يرثه) فلا اشكال هنا في عدم جريان الاستصحاب الوجودي لعدم تقدم الحالة السابقة وانما الكلام في جريان الاستصحاب العدمي وهو يبتني على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية بدعوى ان الاسلام قبل تحققه لم يكن متقدماً على الموت فنستصحب عدم التقدم بعد التحقق. وقد ذكرنا بعض الكلام فيه في البحث عن اللباس المشكوك في الفقه. والصحيح جريان الاستصحاب فيه.
الصورة الثالثة: ان يكون أحد العناوين موضوعاً للحكم بنحو الموجبة المعدولة المحمول كما إذا قال: (إذا كان موت المورث غير مسبوق باسلام الوارث فلا يرث) فالاستصحاب الوجودي بمعنى استصحاب عدم المسبوقية بنحو العدم النعتي يتوقف على جريان الأصل المثبت فإن النعتية ليست لها حالة سابقة وإنما الحالة السابقة للعدم المحمولي (المسبوقية لم تكن) وللسالبة بانتفاء الموضوع (الموت لم يكن مسبوقاً قبل تحققه) واثبات العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي أو السالبة بانتفاء الموضوع يتوقف على حجية الأصل المثبت. وأما الاستصحاب العدمي بمعنى استصحاب عدم كون الموت غير مسبوق فهو من الاستصحاب في الاعدام الازلية ويجري بناءً على ما هو التحقيق.
المقام الثاني: فيما إذا شك في أحد العناوين الثلاثة مع كون الأثر مترتباً على ذات المستصحب دون الأمر الانتزاعي والبحث فيه كما أشرنا اليه يقع في ثلاث مباحث:
المبحث الأوّل: أن يكون المقيس إليه هو الازمنة التفصيلية وله قسمان:
القسم الأول: أن يكون الزمان بنفسه دخيلاً في الحكم كما إذا كان الأثر مترتباً على تحقق الاسلام قبل يوم عرفة مثلاً.
القسم الثاني: أن لا يكون الزمان بنفسه دخيلاً بل باعتبار تحقق جزء من الموضوع فيه كما إذا علمنا بتحقق جنابة وشككنا في تقدمها على يوم الجمعة وتأخرها عنه لا لخصوصية ودخالة ليوم الجمعة بل لتحقق الصلوات المشروطة بالطهارة فيه وهي موضوع الأثر.
والاستصحاب جار في القسمين بلا اشكال. وقد ذكر صاحب الكفاية في هذا المقام مطلباً نحن في غنىً عن البحث عنه بعد تقديم المقام الأول وهو أن هذا الاستصحاب هل يثبت أحد العناوين الثلاثة إذا ترتب عليها أثر شرعاً أم لا؟ وقد تمسك في اثباتها بوجوه مرّالكلام في توضيحها أولاً بحيث لا يرد عليه بعض الاعتراضات وفي الجواب عنها ثانياً في مبحث الأصل المثبت.
المبحث الثاني: أن يكون المقيس إليه امراً زمانياً والموضوع مركباً وهو على قسمين فإن الحادثين قد يكونان مجهولي التاريخ وقد يكون أحدهما مجهول التاريخ والآخر معلومه.
القسم الأول: أن يكون الحادثان مجهولي التاريخ ولهذا القسم صور أهمها صورتان نذكرهما بعكس الترتيب الذي في الكفاية لسبب:
الصورة الاُولى: أن يكون الموضوع مركباً من وجود أحدهما وعدم الآخر ويكون العدم ملحوظاً بنحو العدم المحمولي وليس التامة فهل يمكن اجراء الاستصحاب العدمي واحراز الموضوع بضميمة احراز الجزء الآخر بالوجدان أم لا؟
اختلف الشيخ والمحقق الخراساني في ذلك وتبع كلا منهما جماعة فذهب الشيخ واتباعه إلى جريان الاستصحاب في نفسه لولا التعارض وذهب المحقق الخراساني واتباعه الى عدم جريانه في نفسه. فالكلام في جهتين:
الجهة الاُولى: في امكان احراز الموضوع باستصحاب الامر العدمي واحراز الجزء الآخر بالوجدان كما إذا كان الموضوع موت المورث وعدم اسلام الوارث ونحن نعلم بكليهما الا اننا نشك في المتقدم منهما والمتأخر فهل يجري استصحاب عدم الاسلام في نفسه الى زمان الموت أم لا؟ فذهب الشيخ الى جريانه وتبعه جماعة ثم حصلت شبهة لدى الاعلام في ذلك فقيل ان أول من ابدى الشبهة الميرزا الشيرازي وقيل هو الشيخ راضي قدس سرهما وهو من اساتذة السيد صاحب العروة والمحقق الخراساني.
الجهة الثانية: في ان الاختلاف بين قول الشيخ والمحقق الخراساني هل له ثمرة عملية أم هو بحث علمي بحت؟ بمعنى ان هذا الاستصحاب مورد للمعارض دائماً فاما ان لا يجري أو يجري ويسقط بالتعارض.
أما الكلام في الجهة الاولى فقد ذكر الشيخ واتباعه انا نعلم بعدم تحقق الاسلام وموت المورث في زمان ولنفرضه يوم الخميس مثلاً ثم علمنا بتحققهما يوم السبت مثلاً إنما الشك في تقدم أحدهما على الآخر فلا نعلم ان الاسلام حدث يوم الجمعة والموت يوم السبت ام العكس فإذا كان العكس تحقق الموضوع المطلوب وحينئذ فنجري استصحاب عدم الاسلام الى الزمان الواقعي الذي مات فيه المورث والموت محرز بالوجدان فيتحقق الموضوع.
ونفى المحقق الخراساني واتباعه جريان هذا الاستصحاب في نفسه ولبيان وجهه عدة تقارير:
التقرير الأول: ما ذكره المحقق الخراساني بنفسه وهو أن الاستصحاب لا يجري لعدم اتصال زمان اليقين بالشك. وحيث ان كلامه مجمل في المقام كسائر الموارد فلا بد من توضيحه ونحاول هنا تقريره على وجه يندفع بعض اعتراضات المتأخرين عليه التي منها ما اورده السيد الخوئي في مباني الاستنباط ومنها ما أورده السيد الحكيم في المستمسك في الجزء الثاني – مبحث الوضوء.
وتوضيح ذلك يتم بالتنبيه على امور ثلاثة:
الامر الأول: أن لدينا في هذا المقام ثلاثة أزمنة: زمان العلم بعدم تحقق شيء منهما وهو يوم الخميس في المثال السابق. وزمان الشك في أنه زمان حدوث الاسلام أو الموت وهو يوم الجمعة فيه. وزمان العلم بتحققهما وهو يوم السبت. ووعاء التعبد بالاستصحاب العدمي أي عدم الاسلام مردد بين الجمعة والسبت للعلم بعدمه يوم الخميس والمطلوب هو استصحاب عدم الاسلام الى زمان الموت واقعاً وزمانه مردد بين الجمعة والسبت.
الامر الثاني: أن من شرائط جريان الاستصحاب اتصال زمان اليقين بالشك وليس المراد اتصال زمانهما بالمعنى الظاهر من اللفظ فقد ذكرنا في محله أن الشك واليقين زمانهما واحد وانما الاختلاف في زمان متعلقهما بل المراد اتصال زمان القضية المتيقنة بالمشكوكة بمعنى أنه لا يفصل بين الزمان الذي نعلم الآن بتحقق المستصحب فيه والزمان الذي نشك في بقائه فيه علم وجداني أو تعبدي بخلاف القضية المتيقنة أي علم بعدم بقاء المستصحب. وذلك لانه حينئذ ليس من نقض اليقين بالشك بل نقض له باليقين كما إذا علمنا بعدالة زيد يوم الخمس وشككنا فيها يوم السبت ولكن علمنا أو قامت البينة على عدم عدالته يوم الجمعة فلا يمكن استصحاب العدالة السابقة. وهكذا الكلام فيما إذا احتملنا تحقق قضية متيقنة وجدانا أو تعبداً بين الزمانين وذلك لان التمسك بقوله عليه السلام (لا تنقض..) حينئذ تمسك بالعام في الشبهة المصداقية له ولا يقول به أحد.
انما الكلام في امكان الشك في تحقق القضية المتيقنة بينهما وهذا هو الذي يدعيه المحقق الخراساني وهذا ما نبينه في الامر الثالث.
الامر الثالث: أن هناك مسالك مختلفة في العلم الاجمالي وقد ذكرناها في عدة مواضع منها في مبحث استصحاب الفرد المردد. ومسلك المحقق الخراساني فيه ــ بناءً على تفسيرنا لعبارته أن العلم الاجمالي له كشفان: كشف ذاتي يذعن به العقل وكشف عقلائي. أما الكشف الذاتي فهو متعلق بالجامع الانتزاعي اي عنوان (أحدهما) وهذا المكشوف لا يترتب عليه أثر لا عند الشرع ولا عند العقلاء فان الاثر مترتب على النجس في الشرع مثلاً لا على عنوان أحدهما والنجس ليس إلا أحد الاناءين واقعاً. وأما الكشف العقلائي فحقيقته أن العلم وان تعلق ذاتاً بالجامع الانتزاعي (أحدهما) ألا أن هذا العنوان لم يلاحظ بنحو الموضوعية بل بنحو المرآتية بخلاف المأخوذ في الواجب التخييري على مسلكنا فان عنوان أحدهما مأخوذ على نحو الموضوعية. وأما في هذا المقام فهذا العنوان حدّ للعلم لا للمعلوم بمعنى أن العقل ينتزعه ويجعله مرآة والمرئي به هو الواقع وانما يعيّن الواقع ويكشف عنه بضميمة الاشارة العقلائية فالمكشوف ذاتاً وان كان الجامع إلا أن العقلاء يعتبرون هذا العلم بضميمة الاشارة كاشفاً عن الواقع بنفسه. ومن هنا ذكر الشيخ في ذيل حديث قاعدة الحلية (كل شيء حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) أن المعرفة بالشيء قد تكون بعينه وبعنوانه الواقعي وقد تكون بعنوان آخر يشير إليه. ومن هنا أيضاً ذكر المحقق الخراساني في أقسام الوضع والموضوع له أن تصور الموضوع له حال الوضع قد يكون بذاته وقد يكون بوجهه. وهذا مذكور في المنطق أيضاً. وهو المراد من قولهم: الكلي وجه للفرد. وقولهم: تصور الشيء بوجهه تصوره بوجه.
والحاصل أن الفرق بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي هو أن الموضوع في الأول متصور بذاته وفي الثاني بوجهه وعنوانه فالمكشوف بالعلم الاجمالي بحسب الكشف العقلائي هو نفس الواقع. ويعبر عن هذا الكشف بالكشف الناقص.
وبناءً على هذا فالشبهة المصداقية في المكشوف بالكشف الذاتي غير معقول ولكنه بالنسبة للمكشوف بالكشف العقلائي ممكن نظير ما يقال من اشتباه الحجة باللاحجة وأما اشتباه العلم الوجداني باللاعلم فغير معقول. والمدعى في المقام هو الشبهة المصداقية للمعلوم بالعلم الاجمالي بحسب الكشف الناقص.
قال المحقق الخراساني: (الأمر السابع: أنه قد عرفت كون القطع التفصيلي بالتكليف الفعلي علة تامة لتنجزه لا يكاد تناله يد الجعل اثباتاً أو نفياً فهل القطع الاجمالي كذلك؟ فيه اشكال لا يبعدان يقال: إن التكليف حيث لم ينكشف به تمام الانكشاف وكانت مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة جاز الاذن من الشارع بمخالفته احتمالاً بل قطعاً).
والمستفاد من هذه العبارة أن العلم الاجمالي من هذه الجهة حكمه حكم الامارة وكشفه كشف ناقص فيمكن أن يلغيه الشارع ويمكن أن ينفذه.
بعد تبين مبنى صاحب الكفاية نطبقه على ما نحن فيه ونقول: إنا نعلم اجمالاً بحدوث الاسلام إما يوم الجمعة وإما يوم السبت وهذا الحدوث مكشوف لنا قطعاً ولكنا لا نعلم وقت هذا المكشوف فان كان وقته الواقعي يوم الجمعة كان هو المكشوف بالعلم الاجمالي وان كان وقته يوم السبت كان هو المكشوف وموضوع البحث هو الحدوث لا التحقق حتى يقال: انه يوم السبت معلوم تفصيلاً فالعلم الاجمالي منحل.
وحينئذ فالمراد في المقام هو استصحاب عدم الاسلام المعلوم يوم الخميس الى الزمان الواقعي لحدوث الموت فان كان الوقت الواقعي له هو يوم الجمعة امكن الاستصحاب لاتصال زمان اليقين بالشك فان زمان اليقين هو يوم الخميس وزمان الاستصحاب هو يوم الجمعة. وأما إذا كان وقته الواقعي يوم السبت لم يمكن الاستصحاب لان زمان اليقين الذي هو يوم الخميس لم يحرز اتصاله بزمان الاستصحاب وهو يوم السبت لاحتمال تحقق القضية المتيقنة بحدوث الاسلام يوم الجمعة وذلك للعلم الاجمالي بحدوثه إما يوم الجمعة وإما يوم السبت وقد عرفت أن الحدوث متيقن ومكشوف ولكنه مشكوك الوقت وهو بوقته الواقعي مكشوف بضميمة الاشارة العقلائية فيحتمل أن يكون المكشوف أي القضية المتيقنة يوم الجمعة ويحتمل أن يكون يوم السبت وعلي الاحتمال الأول لا يتصل زمان اليقين بزمان الشك ولابد في جريان الاستصحاب من احراز الاتصال وإلا كان تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية.
وبهذا البيان تبين أن الاعتراض عليه بانه يبتني على سراية العلم الى الاُمور الخارجية والمحقق في محله خلافه كما في المستمسك غير وارد عليه. وكذلك الاعتراض بأن ذلك يبتني على امكان الشبهة المصداقية في الصفات النفسية وهو غير معقول كما في مباني الاستنباط.
والجواب عما ذكره المحقق الخراساني بهذا التوضيح الذي ذكرناه هو منع المقدمة الثالثة فإن الكشف العقلائي المدعى في العلم الاجمالي ممنوع ولا أقل من منع اطلاقه. والمعلوم بالعلم الاجمالي هو الكلي وهو لا يحكي الا عما يطابقه لا عما ينطبق عليه. وجعله مرآة لشيء وضم الاشارة الوهمية اليه لا يوجب كونه مكشوفاً. وإلاّ لكان الجاهل البسيط عالماً فان كل جاهل بسيط يعلم اجمالاً بتحقق أحد الأمرين أو الاُمور من الحقائق العلمية والحوادث التاريخية. ويلزم منه أيضاً وجوب الاحتياط لو تردد الامر بين الحرمة والاباحة مثلاً لكون الحرمة مكشوفاً واقعاً مع أن تنجز العلم الاجمالي يتوقف على كون الطرفين تكليفاً الزامياً.
التقرير الثاني: وهو يتوقف على مقدمتين:
المقدمة الاُولى: أن الاستصحاب إذا كان مجراه جزءاً من الموضوع فلابد في جريانه من كون الجزء الآخر محرزاً بالوجدان أو بالتعبد والافاحراز جزء الموضوع بنفسه لغو لا أثر له.
المقدمة الثانية: أن الجزء الآخر في محل الكلام ليس له محرز فإن المحرز لموت المورث إما أن يكون العلم التفصيلي وإما أن يكون العلم الاجمالي. أما العلم التفصيلي فهو محقق في المقام الا ان ظرف الموت المعلوم بالعلم التفصيلي هو يوم السبت وهو يوم العلم بتحقق الاسلام أيضاً فليس هو زمان الاستصحاب فلا يفيد فيما ذكرناه من احراز الجزء الآخر في وعاء الاستصحاب. وأما العلم الاجمالي بحدوث الموت إما في يوم الجمعة وإما في يوم السبت فهو إنما يفيد إذا كان كل من طرفي الترديد مورداً للأثر وإلا فهو ليس إلا كالشبهة البدوية كما إذا علمنا باباحة شيء وحرمة آخر. وهو في المقام ليس كذلك فان الموت لو كان يوم السبت لا أثر له إذ لا فائدة في احراز الجزء الآخر خارج وعاء الاستصحاب كما عرفت نعم طرفه الآخر وهو الموت يوم الجمعة له هذا الأثر. إذن فعدم جريان الاستصحاب انما هو لعدم تحقق شرطه.
والجواب عنه: ان المقدمة الثانية ممنوعة فان الجزء الآخر لوحظ فيها القياس الى الازمنة التفصيلية وهو خارج عن محل البحث.
توضيح ذلك: أن تقسيم الزمان قد يكون بملاحظة الاسامي التي جعلت لقطع خاصة منه كيوم الأحد والسبت مثلاً وقد يكون بملاحظة الحوادث الواقعة فيه كزمان ميلاد المسيح عليه السلام وزمان هجرة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم فنقول مثلا: ان زمان ميلاد المسيح قبل زمان الهجرة وان لم نعلم تفصيلاً وقت شيء منهما والأول يسمى بالزمان التفصيلي والثاني بالزمان الاجمالي. وحينئذ فإذا استصحبنا عدم الاسلام الى زمان موت المورث كان هذا الزمان بملاحظة هذا الحادث معلوماً عندنا وقابلاً للتعريف فيكون وقوع الموت في ذلك الزمان معلوماً بالوجدان فنستصحب عدم الاسلام الى ذلك الزمان الواقعي وهو زمان حدوث الموت.
التقرير الثالث: ان المعتبر في الاستصحاب هو صدق البقاء على التعبد بتحقق شيء أو عدمه واما إذا لم يصدق البقاء فلا يكون استصحاباً وان امكن ذلك بأمر تعبدي آخر. وعليه فلابد في استصحاب عدم الاسلام في المقام ان يصدق عليه الحكم ببقاء عدم الاسلام المتيقن السابق فان كان موت المورث في يوم السبت لا يصدق الحكم بالبقاء واقعاً لتخلل الاسلام بين يوم الخميس ويوم الموت الذي هو يوم السبت. و ان كان موت المورث في يوم الجمعة كان استصحاب عدم الاسلام الى يوم الجمعة ابقاءاً للمتيقن السابق وحيث إنا لا نعلم زمان الموت فصدق البقاء مشكوك فلا يجري الاستصحاب.
والجواب عنه هو الجواب عن الوجه السابق فان هذا الاشكال أيضاً يبتني على ملاحظة الازمنة التفصيلية وأما استصحاب عدم الاسلام الى زمان الموت واقعاً يصدق عليه الابقاء بلا اشكال. ومورد البحث قياس المستصحب الى أمر زماني لا الى نفس الزمان التفصيلي.
التقرير الرابع: وهو مطابق لما ذكره السيد الحكيم ونسبه الى المحقق العراقي ونحن نذكره بتصرف وتوضيح.
وهو أن الاستصحاب يتكفل لبيان امتداد الشيء ولا يثبت تقارن الشيئين ابتداءً إلا أنه قد يفيده إذا كان التعبد بالامتداد كافياً في ثبوت المقارنة.
توضيح ذلك: أنا إذا شككنا في مقارنة الأمرين فتارة لا نشك في الامتداد اصلاً كما إذا علمنا ببقاء الطهارة خمس ساعات مثلاً وشككنا في تحقق الصلاة في هذه الساعات الخمس وعدمه فالشك في المقارنة موجود ولكن لا شك في الامتداد وهنا لا اشكال في عدم إمكان اثبات المقارنة بالاستصحاب. وتارة يكون الشك في المقارنة ناشئا من الشك في الامتداد كما إذا شككنا في بقاء الطهارة الى زمان الصلاة ولا شك في كفاية الاستصحاب حينئذ في اثبات واقع المقارنة لما ذكر في مباحث الاستصحاب في الاُمور الزمانية من امكان اثبات المعنى الحرفي إذا لم يكن مفاده أزيد من التجمع الزماني والمفروض أن واقع المقارنة هو الموضوع لا عنوانها. وتارة يكون الشك في المقارنة مقارناً للشك في الامتداد ولكنه ليس ناشئاً منه فلا يكفي في ثبوتها اثبات الامتداد وحينئذ لا يجري الاستصحاب.
وما نحن فيه من هذا القبيل فان عدم الاسلام مشكوك في مقدار امتداده وفي مقارنته لموت المورث ولكن مقدار امتداد عدم الاسلام المحتمل لو اثبتناه بالاستصحاب لا يكفي في ثبوت المقارنة إذ غاية امتداده نهاية يوم الجمعة ويحتمل حدوث الموت يوم السبت فالامتداد لا يثبت المقارنة وأكثر من هذا المقدار لا يمكن استصحابه للعلم بتبدله بالوجود.
والجواب عنه: أن ما ذكر صحيح إلا أن المقام من القسم الثاني وذلك لان المفروض أن المقيس إليه هو الزمان الاجمالي والحاق ما نحن فيه الى القسم الثالث يبتني على القياس الى الازمنة التفصيلية ولذا ورد في الاشكال ان غاية امتداده نهاية يوم الجمعة مع أن المعتبر كما ذكرناه في الجواب عن الاشكال الثاني والثالث هو لحاظ زمان تحقق الموت اجمالاً ولا دليل على اختصاص الاستصحاب بالتعبد بالبقاء بالنظر الى الازمنة التفصيلية وكما يشمل (لا تنقض اليقين بالشك) صورة العلم بعدم الاسلام يوم الخميس والشك فيه يوم الجمعة كذلك يشمل صورة العلم به قبل موت زيد بيوم مثلاً والشك فيه قبيله بساعة وإن لم نعلم ساعة موته فان الملاك وهو صدق نقض اليقين بالشك موجود في المقامين ولا دخالة للعلم بالزمان تفصيلاً في ذلك. وكذلك يشمله الدليل العقلائي.
تكملة:
ذكرنا في تقرير اشكال المحقق الخراساني كيفية امكان الشك في اتصال القضية المتيقنة بالمشكوكة على مسلكه وقد ذكر المحقق النائيني وجهاً في تصوير ذلك ومحصل ما ذكره أنه لو كان لنا إناءان نعلم تفصيلاً بنجاستهما ثم حصل لنا علم اجمالي بطهارة أحدهما فهو على ثلاث صور:
الصورة الاُولى: أن يكون العلم بالطهارة مجملاً من جميع الجهات كما إذا اخبرنا من نعلم صدقه بطهارة أحدهما. وحينئذ فلا مانع من اجراء استصحاب النجاسة في كل منهما مع قطع النظر عن المعارضة.
الصورة الثانية: أن يكون العلم بالطهارة مبينا من جميع الجهات قبل عروض الاجمال كما إذا رأينا إصابة المطر لأحدهما معيناً ثم اشتبه بالآخر فحصل العلم الاجمالي.
الصورة الثالثة: أن يكون العلم بالطهارة مبيناً من جهة ومجملاً من جهة كما إذا علمنا بإصابة المطر للاناء الشرقي ولم نميزه حال العلم ثم اشتبه الشرقي بالغربي.
وفي هاتين الصورتين لا يجري استصحاب النجاسة لانهما موردان للشبهة المصداقية لقوله عليه السلام: (لا تنقض اليقين بالشك).
والكلام هنا في تفسير كلام المحقق النائيني في هذا المقام. وقد ذكر الاعلام من تلامذته لذلك وجهاً ونحن نذكر وجهاً آخر.
أما ما ذكروه فهو أن زمان اليقين ليس متصلاً بزمان الشك لفصل زمان العلم بالطهارة على أحد الوجهين بينهما والمعتبر في جريان الاستصحاب أن لا يفصل بين وعاءي اليقين والشك زمان لا يكون زمان العلم ولا الشك وهذا الشرط غير حاصل في المقام لان كلا منهما وان علمنا بنجاسته سابقاً إلا انه يحتمل أن يكون متعلق العلم بالطهارة في الزمان المتوسط فلا يحرز اتصال زمان اليقين بالشك واجراء الاستصحاب حينئذ تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
ولو كان هذا هو مقصوده فيرد عليه اعتراضان:
الاعتراض الأول: أن القطع بكون المستصحب متعلقاً للعلم بخلاف الحالة السابقة في أحد الازمنة المتوسطة لا يضر بالاستصحاب فضلاً عن احتماله فإذا علمنا بعدالة زيد يوم الخميس ثم علمنا بفسقه يوم الجمعة وشككنا يوم السبت بنحو الشك الساري في بقاء عدالة يوم الخميس بمعنى اننا نحتمل الاشتباه في فسق يوم الجمعة فلا اشكال في جريان الاستصحاب ولا يضر هذا القطع المتوسط لعدم بقائه في وعاء الاستصحاب والمقام من هذا القبيل فان القطع بالطهارة قد ارتفع بحصول الاشتباه بينهما.
الاعتراض الثاني: ان هذا لو تمّ فانما هو في الصورة الثانية دون الثالثة إذ لم يمرّ في هذه الصورة زمان نقطع بطهارة هذا الاناء الذي هو مورد الاستصحاب ولا فرق بين العلم بطهارة الاناء الشرقي مع عدم تمييزه والعلم بطهارة أحدهما مع عدم تمييزه كما في الصورة الاُولى. ووضوح الاعتراض الثاني يشهد أن هذا ليس مقصود المحقق النائيني قدس سره.
وأما ما يظهر لنا من ملاحظة كلماته في ابواب متفرقة هو أن مراده أمر آخر وراء ذلك.
بيانه ان مسلك المحقق النائيني في العلم الاجمالي هو أنه على قسمين:
الأول: أن يكون متعلق العلم هو عنوان أحدهما ولا يكون للعلم ارتباط بالخارج.
الثاني: أن يكون العلم الاجمالي مرتبطاً بالخارج بوجه.
ومثال القسم الأول الصورة الاُولى من الصور الثلاث التي ذكرناها ومثله ايضا ما إذا تواتر اجمالاً وجود عالم في الدار مثلاً بأن اخبرنا به جماعة كثيرة وكل منهم اخبرنا بوجود أحد من العلماء غير ما ذكره الآخرون فمقتضى تجمع الإحتمالات في المحور الواحد المعبر عنه بالتواتر الاجمالي هو العلم بوجود عالم في الدار ولكن هذا العلم لا يتعلق بأمر واقعي في الخارج بل بالعنوان الاجمالي.
والقسم الثاني هو مورد اشتباه المعلوم بغيره والصورة العلمية فيه مرتبطة بأمر واقعي في الخارج ولابد من الالتزام حينئذ بانكشاف الواقع وذلك لان الصورة العلمية في هذه الصورة ليست كالصورة السابقة متعلقة بالعنوان الاجمالي ابتداءً بل هي مرتسمة عن الواقع الخارجي وحاكية عنه وانما نشأ الاجمال من اشتباه ذي الصورة بغيره فيصح عقلاً أو عرفاً القول بان ما اعلم بنجاسته قد اشتبه علي ولا يمكن لي تمييزه والعلم الاجمالي في القسم الاول يحقق قضية منفصلة مانعة الخلو تقول اما هذا نجس أو ذاك ولا مانع من نجاستهما. وفي القسم الثاني يحقق قضية منفصلة حقيقية وهي أن الاناء الذي رأيت المطرقد أصابة إمّا هذا أو ذاك ولا يمكن الاجتماع لوحدة المعلوم كما لا يمكن الخلو.
وبهذا البيان يعلم الوجه في تحقق الشبهة المصداقية في المقام ويعلم أيضاً امكان تحقق العلم الاجمالي في موارد الدوران بين الاقل والأكثر في قبال من زعم عدم امكانه بدعوى أن الاقل متيقن وما زاد عنه مشكوك فإن ذلك انما يتم في الصورة الاُولى وأما إذا علمنا بان كل آنية في الجانب الشرقي قد أصابه المطر ولم نعلم انها ثمانية أم عشرة لا يصح القول بأن طهارة الثمانية معلومة وطهارة الزائد عليها مشكوكة فان مقتضى تعلق العلم الاجمالي حينئذ بالواقع ان ثمانية أوانٍ متعينة ممتازة قد أصابها المطر لا أن عدد الثمانية متيقن وما زاد مشكوك.
ومن هنا يعلم الوجه في ما ذكره القدماء من وجوب القطع بالفراغ أو الظن اذا شك في مقدار الفوائت من الصلاة للعلم الاجمالي بوجوب احد المقدارين أو المقادير ولا ينحل العلم بالتيقن بالاقل لارتباط العلم بالواقع الخارجي وسبق العلم بمقداره أولاً ثم عرض الاجمال من جهة الكثرة. وقد حكم بذلك جماعة من المتأخرين واحتاط بعضهم منهم المحقق البهبهاني في حاشية المدارك والسيد بحر العلوم في المصابيح وصاحب العروة والمحقق النائيني ولعل السيد البروجردي احتاط في ذلك أيضاً.
وتبين بذلك ان هذه الفكرة ليست مختصة بالمحقق النائيني بل لها جذور في فقه القدماء. وقد بيّن المحقق المذكور هذا الوجه في مسألة قضاء الفوائت وفي مسألة وجوب الفحص عن المخصص إذا كان ما احرز من الاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال لعدم انحلال العلم الاجمالي نظراً الى ان المعلوم بالاجمال معنون بما هي مدونة في الكتب المعتبرة وقد بينا ان مثل هذا العلم الاجمالي لا ينحل بالعلم التفصيلي بالاقل. ومثّل لذلك مثالاً خارجياً وهو أن المدين اذا سجل ديونه في قائمة ولم يجمعها وتيقن انها بالغة الفاً مثلاً وشك في الزايد فمقتضى عدم تحقق العلم الاجمالي جواز اتلاف القائمة وكفاية دفع المتيقن.
والحاصل أن اساس الفكرة عند المحقق النائيني هو أن المعلوم بالاجمال إذا كان مسبوقاً بعلم تفصيلي ولو بعنوان يمنع من جريان الاستصحاب في نفسه من جهة عدم اتصال زمان اليقين بالشك.
وقد تبين بما ذكرنا ان هناك وجوها من الفرق بين هذين القسمين من العلم الاجمالي:
الأول: ان القسم الأول يتقوم بمنفصلة مانعة الخلو والقسم الثاني يتقوم بمنفصلة حقيقية.
الثاني: ان اشتباه المعلوم بالاجمال بغيره ممكن في القسم الثاني دون الأول فإن نسبة الصورة العلمية إليهما في الأول على سواء.
الثالث: أن الترديد بين الاقل والاكثر في المعلوم بالاجمال في القسم الأول غير معقول لانحلال العلم الاجمالي لتيقن الأقل والشك في الأكثر ولكنه معقول في القسم الثاني فان المعلوم بالاجمال معين بعنوانه ومشكوك في كميته كما إذا علم بإصابة المطر لكل اناء شرقي وشك في كميته. ومن هنا ذهب المحقق النائيني الى وجوب القطع بالفراغ في قضاء الفوائت كما ذكرنا.
الرابع: أن قيام الحجة التفصيلية على ثبوت الحكم الالزامي في مقدار المعلوم بالاجمال يوجب انحلال العلم الاجمالي في القسم الأول دون القسم الثاني فان قيام البينة على نجاسة أحد الاناءين في القسم الثاني لا يوجب تعين المعلوم بالاجمال الذي هو معلوم بعنوانه بخلاف القسم الاول إلا اذا قامت البينة على أن هذا الاناء هو الاناء الذي علمت نجاسته أولاً أو قامت على نجاسة هذا وعدم نجاسة الآخر. والحاصل أنه لابد في انحلاله من تبدل المعلوم بالاجمال الى المعلوم بالتفصيل.
وهناك وجوه اخرى من الفرق غير هذه الوجوه.
ولو فرضنا عدم ارادة المحقق النائيني هذا الوجه الذي ذكرناه كما هو مقتضى فهم تلامذته فيما رأينا فلا أقل من كون هذا الوجه محتملاً في نفسه.
وتفصيل الجواب عن هذا الوجه قد ذكرناه في موارد متعددة ومحصّله أن العلم الاجمالي لا يكشف إلا عن الجامع ولا ربط له بالواقع أصلاً وكون منشئه هو العلم التفصيلي لا يستوجب ذلك لامرين:
الأول: ما أوضحناه مراراً من أن الصورة الارتسامية لا تحكي عما أخذت منه وانما تحكي عما تطابقه. وكذلك جميع الصور فاذا أخذت صورة من آلة مصنوعة لترسم على كل علبة من علبها فان الصورة حينئذ لا تحكي عن تلك الآلة المصوَّرة وانما تحكي عما في العلبة. وكذا الصورة الارتسامية في الذهن المأخوذة من زيد مثلاً انما يحكي عن الكلّي إلاّ أنّ الكلي قد يكون ذا أفراد متعددة وقد ينحصر في فرد ولذلك يتوقف العلم بالجزئيات بما أنها جزئيات على ضمّ الاشارة الوهمية مع التمييز والا فالصورة صورة للكلي وما أخذ منه ليس إلا مقدمة وجودية لها.
وعليه فالعلم الاجمالي وان كان منشؤه الصورة الارتسامية عن أمر واقعي إلا أنه لا ربط لها بالعلم فان الصورة بعد التصوير لا يحكي إلاّ عن الجامع وانما تحكي عن الواقع ما دام التمييز وذلك بضم الاشارة أيضاً وأما بعد التمييز فلا تعتبر الصورة علماً تفصيلياً لانقطاع الارتباط النفسي بين الصورة والواقع الخارجي كما انه لا يحكي عما يطابقه أيضاً اذا انقطع الارتباط النفسي بينه وبينها وانما يحكي عن الكلي.
الثاني: ان العلم الاجمالي ــ كما ذكرناه في محله ــ يتحقق اذا كان حدّ العلم مغايراً لحدّ الواقع فحدّ العلم هو العنوان الانتزاعي (أحدهما) ولا يمكن أن يكون هذا العنوان حدّاً للواقع وهذا العنوان الانتزاعي قد يكون متعلق العلم ابتداءً بنفسه وقد يكون العلم به ناشئاً عن تعلق العلم بامر واقعي واشتباهه بغيره فالمعلوم بالاجمال هو عنوان أحدهما والعلم بالواقع ليس الامبدأً لوجوده فلا ربط للعلم الاجمالي بالواقع وكون أحدهما الواقعي مبدأً لتعلق العلم بعنوان أحدهما لا يوجب اختصاصه به وكونه مرآة له.
والذي يوضح ذلك انا لو رأينا قطرة دم مثلاً أصابت أحد الاناءين بعينه ثم اشتبه بالآخر وكان ما أصابه في الواقع ماء رمان مثلاً ولكن قطرة من بول أصابت أحدهما لا بعينه ونحن لم نعلم به فلا يقال أن العلم الاجمالي مخالف للواقع لأن مبدأ حصوله مخالف له بل هو مطابق للواقع لانه لا يحكي إلا عن الجامع الانتزاعي وهو يتحقق بتحقق كل واحد من الفردين.
هذا تمام الكلام في الجهة الاُولى من المسألة.
الجهة الثانية: في بيان الثمرة لخلاف الشيخ والمحقق الخراساني. اذ قد يقال بان هذا البحث ليس له ثمرة عملية لان استصحاب عدم موت المورث مثلا الى زمان اسلام الوارث لو كان جاريا في حد ذاته فانه معارض دائما باستصحاب عدم اسلام الوارث الى زمان موت المورث. وهذا ما ذكره الشيخ قدس سره وذهب كثير من الاعلام الى تحقق الثمرة للخلاف وان لم يذكر بعضهم هذه المسألة مستقلةً إلا أنه يظهر ذلك من مطاوي كلماتهم.
ومرجع البحث الى أن إجراء الأصل العدمي في كل موضوع مركب من أمرين عدمي ووجودي واحراز الموضوع بضميمة احراز الجزء الآخر بالوجدان هل هو معارض دائماً باصل في الجانب الآخر أم في خصوص ما اذا كان للاصل الآخر أثر مضاد لأثر هذا الأصل؟ فذهب الشيخ الى الأول وذهب الآخرون الى الثاني وأن هناك موارد ليس فيها تعارض أما مورد المعارضة فمثاله الشك في تقدم موت كل من المتوارثين وتأخره كالأب والإبن فإن لعدم موت كل منهما الى زمان موت الآخر أثر وهو إرثه من ماله. وأما عدم المعارضة فله أمثلة كثيرة:
منها: الشك في تقدم موت كل من الأخوين وتأخره مع كون أحدهما ذا ولد دون الآخر فإن استصحاب عدم موت ذي الولد الى زمان موت الآخر له أثر وهو الارث وأما استصحاب عدم موت الآخر لا أثر له لأن طبقته متأخره عن طبقة الولد فلا يرث.
ومنها: ما إذا أجاز المرتهن في بيع الراهن داره مثلاً ثم رجع في اجازته وشك في تأخر الرجوع عن البيع فيصح أو تأخر البيع عنه فلا يصح فقالوا بجريان استصحاب عدم رجوع المرتهن الى زمان البيع ولا يعارضه استصحاب عدم البيع الى زمان الرجوع.
ومنها: الشك في تقدم الصلاة على الحدث وتأخره عنه فنستصحب عدم تحقق الحدث الى زمان الصلاة فتترتب عليه صحتها ولا اثر لاستصحاب عدم الصلاة الى زمان الحدث.
ومنها: أنه لو كان الماء قليلاً ثم لاقى النجاسة وأصبح كراً وشككنا في المتقدم منهما والمتأخر فاستصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة يوجب الحكم بنجاسة الماء بلا معارض.
ونحن نجعل مورد البحث هذا المثال الأخير.
أما على مسلك المحقق الخراساني فاستصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة لا يجري في نفسه فلابد من ملاحظة الاُصول المتأخرة عنه رتبة كقاعدة الطهارة. وأما بناءً على مسلك الشيخ فقد يقال بأن هذا الاستصحاب يجري ولابد من الحكم بالنجاسة. ولكن المستفاد من كلامه هو سقوط هذا الاستصحاب بالتعارض مع استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية وهذا الأصل ينفي موضوع النجاسة. والكلام في أن هذا الأصل ونظائره من الاُصول النافية في موضوعات الأحكام ومتعلقاتها هل يجري دائماً فيعارض الأصل المثبت للتكليف أم هو مختص ببعض الموارد كما ذكرنا.
ولابد قبل البحث من ذكر مقدمة:
وهي أن موضوع الحكم كالنجاسة في محل البحث أو متعلق الحكم كالصلاة إذا شك في تقدم الحدث عليها وتأخره من الاُمور المركبة والتركب في المقام على قسمين:
القسم الأول: أن يكون موضوع الحكم أو متعلقه عنواناً متحداً بالوحدة الاعتبارية ملحوظاً فيه نحو ترابط بين الاجزاء لا مجرد تجمعها في الزمان.
القسم الثاني: أن يكون موضوع الحكم نفس الاجزاء بوصف تجمعها في الزمان سواء كانا عدميين أو وجوديين أو مختلفين.
أما في القسم الأول فقد ذكرنا سابقاً أن إثبات العنوان الانتزاعي المأخوذ موضوعاً بنحو كان التامة أو ليس التامة بإجراء الاستصحاب في أحد الاجزاء واحراز الآخر بالوجدان أو التعبد غير ممكن إلا على القول بالأصل المثبت بل يجري استصحاب عدم هذا العنوان.
وأما في القسم الثاني فلا إشكال في الجملة في امكان احراز الموضوع باجراء الاستصحاب في أحد الجزءين واحراز الآخر بالوجدان كما انه لا اشكال في امكان نفي الموضوع باستصحاب نقيض احد الجزءين في الجملة أيضاً ولذا قلنا إن استصحاب الطهارة الى زمان الصلاة يكفي في الحكم بصحتها لأن المطلوب هو التجمع الزماني فقط ووقوع الصلاة حال الطهارة من لوازم هذا الاستصحاب لا من لوازم المستصحب حتى يتوقف على حجية الاصل المثبت. وفي هذا القسم لا تجري أصالة عدم المركب فان المركب ليس امراً آخر وراء الاجزاء بخلاف القسم الأول فان المركب الاعتباري يجري فيه استصحاب العدم. وكما تتعدد الاجزاء في هذا القسم كذلك نقائضها، وكما يكفي في احراز الموضوع احراز أحد الجزءين بالوجدان والآخر بالأصل كذلك يكفي في احراز عدمه استصحاب أحد نقيضيهما فيكفي في الحكم ببطلان الصلاة استصحاب عدم الطهارة إذا كانت مسبوقة بالعدم وكذلك يكفي في الحكم بطهارة الماء القليل استصحاب عدم الملاقاة. وذلك لأن الصلاة في الأول والنجاسة في الثاني مركب من أمرين واستصحاب العدم في أحدهما يكفي في نفي المركب.
وفي محل البحث استصحابان: استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة واستصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية. ومقتضى الأول ثبوت النجاسة باحراز أحد جزءي موجبها وهو الملاقاة بالوجدان واحراز الآخر وهو القلة بالاستصحاب. ومقتضى الثاني الطهارة بنفي أحد جزءي الموضوع وهو الملاقاة بمعنى أنه يثبت عدم تحقق الملاقاة في طول مدة القلة، إلا أن الكلام في جريان الأصل الثاني ومنشأ الشبهة أنّ الملاقاة الموجبة للنجاسة هل أخذت بنحو صرف الوجود موضوعاً لها أو بنحو مطلق الوجود.
والضابط في رفع الشك في مثل هذه الموارد هو ملاحظة القرائن في تعيين أحدهما وذكرنا سابقاً أن الشيء لو أخذ متعلقاً للأمر فلابد من أن يكون بنحو صرف الوجود إذ لا يمكن ايجاد جميع افراد الطبيعي فان الطبيعي كلما أخذت فيه القيود لا يخرج عن كونه كلياً قابل الانطباق على افراد متعددة وكلما تحقق في الخارج من افراده لا يوجب ضيقاً في مفهومه بحيث لا يمكن تحقق فرد آخر يقبل الانطباق عليه فلابد ان يكون المطلوب هو ايجاد فرد منه فقط وهذا واضح. وكذا الحال لو كان الطبيعي مورداً للإخبار فان قولنا ضرب زيد لا يمكن ان يحمل على مطلق الوجود لعدم امكان تحقق جميع افراده. والأمر بالعكس في النواهي فانها تحمل على مطلق الوجود لنفس القرينة العقلية فان الممكن هنا هو ترك المجموع والا فترك بعض الافراد ضروري كما ذكرنا.
وقد يتوهم ان المتعين في ايجاب الملاقاة للنجاسة هو صرف الوجود فان أول الملاقاة توجب النجاسة والملاقاة الثانية لا توجب شيئاً فإن المتنجس لا يتنجس فالمؤثر هو صرف الوجود. ولكن من الممكن أخذ الطهارة في موضوع التنجس وحينئذ تؤخذ الملاقاة بنحو مطلق الوجود فنقول: كل طاهر إذا لاقى نجساً في أي وقت يتنجس فيكون خروج صورة ملاقاة المتنجس للنجاسة خروجاً موضوعياً. وأما الملاقاة فتعتبر بنحو مطلق الوجود أي يكون المؤثر منها كل نحو من الملاقاة وارداً أو موروداً قليلاً أو كثيراً الى غير ذلك من انحاء الملاقاة وفي كل زمان من الازمنة ومع كل نجس من الاعيان النجسة أو المتنجسة.
والظاهر أن المتعين هو أخذ مطلق وجود الملاقاة. وذلك لأن منشأ القول بتعين صرف الوجود هو الكبرى المتقدمة (المتنجس لا يتنجس) وهي لا تقتضي كون الملاقاة بنحو صرف الوجود موجبة للنجاسة إذ قد تكون الماء القليل نجساً قبل الملاقاة من جهة اُخرى كالتغير. ويتصور ذلك بوجهين: (أحدهما) أن يكون الماء القليل جزءاً من كرّ سابقاً فينحصر تنجسه في التغير فاذا تنجس به ثم انفصل عنه فهو متنجس من غير جهة الملاقاة. (الثاني) أن يكون الماء وإن كان قليلاً قد تغير بالمجاورة بناءاً على كونه موجباً للنجاسة كما هو الاحوط. وبعد ملاحظة كون الموضوع مطلق وجود الملاقاة لا يبقى مجال للاشكال في الاستصحاب بأنه من الأصل المثبت لامكان اجراء استصحاب عدم تحقق كل ملاقاة في كل زمان من الأزمنة الى زمان تحقق الكرية.
ولو تنزلنا عن ذلك وسلمنا أن الموضوع هو صرف وجود الملاقاة فهل يجري استصحاب عدمها الى زمان الكرية أم لا؟
قد يتوهم عدم جريانه من جهة أن ما يمكن اجراء الأصل فيه هو حصة واحدة من الملاقاة وهي الملاقاة بين الحدين (من زمان القلة الى زمان الكرية) وحيث ان سائر الحصص مقطوعة العدم يثبت عدم تحقق صرف وجود الملاقاة وهذا من أوضح مصاديق الأصل المثبت، ولذا قالوا بعدم امكان نفي صرف وجود الكلي في استصحاب القسم الثاني من الكلي مع أن الفرد الطويل يجري فيه أصالة العدم وغيره مقطوع العدم.
والجواب عنه أنا نستصحب عدم صرف وجود الملاقاة الى زمان الكرية ولا نريد اثبات عدم صرف الوجود باستصحاب عدم الفرد من الملاقاة. وما ذلك الا نظير استصحاب عدم الملاقاة الى زمان معين حيث يكون أصل الملاقاة مشكوكاً. وهذا الاستصحاب جار بلا شبهة وما نحن فيه مثله أيضاً لا فرق بينهما من جهة لزوم المثبتية وعدمه.
ثم ان السيد الخوئي ‹أيده الله› اعترض على الشيخ في استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية بوجهين أحدهما نقضي والآخر حلّي:
أما النقضي فهو أن لازم ذلك عدم صحة الصلاة إذا شك في بقاء الطهارة لمعارضة استصحاب الطهارة الى زمان الصلاة باستصحاب عدم الصلاة مع الطهارة أو في زمان الطهارة وهذا لا اشكال في فساده من جهة أنه مورد صحيحة زرارة. وأما الحلي فبان متعلق الاستصحاب لو كان عدم الملاقاة بذاتها فهو متيقن الحدوث وإن كان عدم الملاقاة بوصف كونها في زمان القلة فلا أثر له إذ المفروض أن الموضوع ليس امراً خارجاً عن ذات الجزءين (الملاقاة والقلة) فلا يعتبر عنوان التقيد والتوصيف والاجتماع فلابد من كون مجرى الاستصحاب ذات الملاقاة وقد عرفت إنه لا يجري.
وقد ذكر هذا الاشكال رداً على الشيخ في مبحث خيار العيب إذا شك في تقدم العيب على الفسخ وتأخره.
والجواب أما عن النقض فبان الصلاة في مورد صحيحة زرارة معلومة التاريخ والشيخ قدس سره لا يقول بجريان استصحاب العدم في معلوم التاريخ فلا يكون هذا نقضا عليه. ولكن سيأتي ان استصحاب العدم في معلوم التاريخ جار أيضاً ولكن جريانه في مورد الصحيحة يتوقف على العلم بوقوع حدث مجهول التاريخ ليستصحب عدم وقوع الصلاة الى زمان الحدث وهو غير مفروض في مورد السؤال في الصحيحة فالاستصحاب في مورد الصحيحة لا يجري الا في الطهارة. نعم لو كان المفروض تحقق حدث مجهول التاريخ وتحقق صلاة معلوم التاريخ فاستصحاب الطهارة أو عدم الحدث الى زمان الصلاة يعارَض باستصحاب عدم الصلاة الى زمان الحدث بناءاً على مسكنا لصحة التعبد بامتداد عدم الصلاة في زمان الطهارة الى اول زمان تحقق الحدث.
وأما الجواب عن الحلّ فبالنقض والحل.
أما النقض فبان استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة مورد لهذا الاشكال أيضاً فان متعلق الاستصحاب إن كان عدم ذات الكرية فهو معلوم التحقق وإن كان عدم الكرية مقيداً بزمان الملاقاة فلا أثر له إذ المفروض كون الموضوع ذا جزءين.
وأما الحلّ فبان متعلق الاستصحاب هو عدم ذات الملاقاة الى زمان الكرية ولكن وعاء الامتداد ليس هو وعاء اليقين بحدوث الملاقاة وحدوثها قبل تحقق الكرية مشكوك وليس المستصحب هو الملاقاة مقيدة بالقلة حتى يرد الاشكال بالخروج عن محل الكلام.
هذا تمام الكلام في الصورة الاُولى من مجهولي التاريخ في الموضوعات المركبة وكان المفروض فيها أن الموضوع مركب من وجود شيء وعدم آخر بنحو العدم المحمولي ومفاد ليس التامة.
الصورة الثانية: أن يكون الموضوع مركباً من وجود شيء وعدم آخر بنحو العدم النعتي ومفاد ليس الناقصة كما لو فرضنا كون الموضوع للنجاسة هو الملاقاة بوصف كونها في زمان عدم الكرية فيقع الكلام في امكان اثبات الموضوع بالاستصحاب تارة وفي امكان نفيه به تارة اُخرى.
أما اثبات الموضوع به فلا اشكال في عدم امكانه فإن عدم الكرية وإن كانت له حالة سابقة إلا أنها بنحو العدم المحمولي ومفاد ليس التامة واجراء الأصل في العدم المحمولي لاثبات العدم النعتي من الاُصول المثبتة وقد مرّ الكلام في عدم جريانها وانها تبتني على القول بأن هذه الفروق من التكثرات الادراكية وأن الحقيقة فيها أمر واحد فلا مانع من استصحاب العدم بنحو السالبة المحصلة وان كان الموضوع من قبيل الموجبة المعدولة المحمول مثلاً وكذا العكس. ولكن قد بينا هناك فساد هذا القول ونظائره.
واما نفي الموضوع بالاستصحاب فلا مانع منه بناءً على جريان الاستصحاب في الاعدام الازلية كما هو الحق فإن الملاقاة قبل تحققها لم تكن موصوفة بوقوعها في زمان عدم الكرية فنستصحب هذا العدم بعد تحققها أيضاً.
ثم ان السيد الخوئي ‹أيده الله› نسب الى صاحب الكفاية القول بعدم جريان الأصل النافي في المقام وأظهر عجبه منه إذ هو قائل بالاستصحاب في الاعدام الازلية. ولابد من ملاحظة أن نسخ الكفاية تختلف في ذلك ففي النسخة المحشى بحاشية المشكيني لم يتعرض للاصل النافي أصلاً وفي نسخة حقائق الاُصول تعرض له وقال بجريانه فلعل السيد الخوئي لاحظ النسخه الاولى فقط واستظهر من عدم التعرض القول بعدم الجريان.
وإلى هنا انتهى كلامنا في مجهولي التاريخ من الموضوعات المركبة.
القسم الثاني: أن يكون أحد الحادثين معلوم التاريخ والآخر مجهوله وله صورتان:
الصورة الاُولى: أن يكون الموضوع مركباً من أمر وجودي وآخر عدمي على وجه النعتية والكلام فيها هو الكلام في الصورة الثانية من القسم الأول، فراجع.
الصورة الثانية: أن يكون الموضوع مركباً من أمر وجودي وآخر عدمي من دون لحاظ الاتصاف بينهما فيكون الامر الوجودي مأخوذاً بمفاد كان التامة والامر العدمي مأخوذا بمفاد ليس التامة والمفروض أن أحدهما معلوم التاريخ والآخر مجهوله. والكلام تارة في استصحاب عدم الجزء المجهول التاريخ واُخرى في عدم الجزء المعلوم تاريخه.
ومثال الاول انا لو فرضنا أن زمان الكرية معلوم ولنفرضه أول الزوال مثلا وزمان الملاقاة مردد بين كونها قبل الزوال أو بعده فهل يجري استصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية أم لا؟ فيكون البحث في استصحاب عدم الجزء المجهول تاريخه.
والأكثر يقولون بجريانه. والوجوه التي ذكرناها في تقرير عدم جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ لاتجري هنا الا الوجه الأول. وذلك لان الوجه الثاني يبتني على عدم احراز الجزء الآخر لا بالتفصيل ولا بالاجمال والمفروض في المقام أنه معلوم بالتفصيل. والوجه الثالث يبتني على كون المورد من الشبهة المصداقية للبقاء والمقام ليس من هذا القبيل للعلم بزمان الاستصحاب تفصيلاً. والوجه الرابع يبتني على كون الامتداد غير مثبت لعنوان المقارنة وهو يثبتها في المقام للعلم بتاريخ الآخر تفصيلاً. وأما الوجه الاول فيجري في المقام كما هو واضح بالمقايسة ولكن المحقق الخراساني الذي هو صاحب الوجه الأول لم يذكره في هذا القسم وقال بجريان استصحاب مجهول التاريخ هنا. وأما بناءاً على مسلكنا فهو جار هنا بطريق اُولى.
وأما استصحاب عدم الجزء المعلوم التاريخ أي عدم الكرية في المثال السابق الى زمان الملاقاة فالأكثر على عدم جريانه. وهؤلاء بعضهم قالوا بعدم جريان الاستصحاب في مجهولي التاريخ أيضاً لاحد الوجوه المتقدمة هناك فذكروا نفس الوجوه في المقام أيضاً فان الملاك في تلك الوجوه موجود هنا أما الوجه الأول فواضح وأما سائر الوجوه فلان مرجعها جميعاً الى عدم العلم التفصيلي بالزمان الذي ينتهي فيه أمد الاستصحاب وهو موجود في المقام لعدم العلم بزمان الملاقاة تفصيلاً. وإنما الكلام مع من كان يقول بجريان الاستصحاب هناك فذهب بعضهم الى عدم الجريان هذا وبعضهم الى جريانه وهو الاقوى.
والوجه في جريانه هو ما ذكرناه من الجواب عن الاشكالات الاربعة التي ذكرناها في استصحاب مجهولي التاريخ وهو أنا لا نحتاج في الاستصحاب إلا الى العلم بالزمان الذي نستصحب فيه الشيء بوجه والزمان هنا وإن لم يكن معلوماً بالقياس الى الازمنة التفصيلية للعلم تفصيلاً بحصول الكرية أول الزوال ولكنه معلوم بالقياس الى الحادث الآخر فلا مانع من اجراء الاستصحاب فنشير الى الزمان الواقعي الذي وقع فيه الملاقاة ونستصحب عدم تحقق الكرية إليه. واليقين والشك قد يتعلقان معا بأمر واحد ولكن من جهتين مختلفتين فيمكن مثلا أن نعرف زيداً بشخصه ولا نعرفه بانه ابن عمرو او بكر مثلا.
وقد ذكر المحقق النائيني وجوهاً للاشكال في ذلك ونحن نذكرها ونذكر كلّ وجه يمكن أن يقال في المقام.
الوجه الأول: هو النقض بمورد صحيحة زرارة كما تقدم وقد بينا انه يختص بالقول بجريان الاستصحاب في معلوم التاريخ وذكرنا أيضاً ان جواب السيد الخوئي لا يرفع الاشكال. والمحقق النائيني اشار الى هذا النقض في طيّ كلماته. والجواب عنه ظهر مما تقدم.
الوجه الثاني: ان مقتضى ما ذكرناه في توضيح كلام المحقق النائيني في تصوير الشبهة المصداقية لليقين عدم جريان هذا الاستصحاب وذلك لان عدم الكرية قد انتقض يقيناً بحصول الكرية في أول الزوال ويحتمل أن تكون الملاقاة قد حصلت بعد الزوال فاستصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة لا يجري لاحتمال عدم اتصال اليقين بالشك فالتمسك بقوله عليه السلام (لا تنقض..) تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
وتقدم الجواب عنه أيضا.
الوجه الثالث : ما ذكره المحقق النائيني على ما في تقريرات الشيخ محمد على الكاظمي وهو ــ بتوضيح منا وزيادة ــ أن المستصحب ان كان عدم الكرية في زمان الملاقاة بنحو القيدية فليست له حالة سابقة وان كان بنحو الظرفية بان يشار الى الزمان الواقعي للملاقاة فهو استصحاب لعدم الكرية بالنظر الى الزمان وانما جعلت الملاقاة مشيرة إليه. وحينئذ فيشكل بعدم حصول زمان نشك فيه ففيما قبل الزوال نعلم بعدم الكرية وفيما بعده نعلم بالكرية فأمد الاستصحاب هو الزمان التفصيلي وعنوان الملاقاة مشير إليه كالعنوان المعلوم بالاجمال المشير الى الامر الواقعي والازمنة التفصيلية ليس فيها مورد للشك في الكرية ولا يمكن للمعلوم بالاجمال أن يعين أمراً واقعياً والا لخرج عن كونه مجملاً فلو جرى هذا الاستصحاب لجرى في الفرد المردد فان الفرد الواقعي هناك معلوم بالعنوان الاجمالي.
والحاصل أن هذا العنوان الذي جعلتموه مشيراً الى الزمان الذي ينتهي فيه أمد الاستصحاب ان كان معيّناً ومبيّنا له فلابد من القول بجريان الاستصحاب في الفرد المردد أيضاً وإلاّ فكيف يمكن الاستصحاب الى أمد مجهول.
والجواب عنه تارة بالنقض واُخرى بالحل.
أما النقض فباستصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة في مجهولي التاريخ وهو يقول به فإن نفس الإشكال وارد هناك بلا فرق الافي كون زمان الكرية أيضاً مجهولاً ومن الواضح أن هذا لا يقتضي كون هذا العنوان الاجمالي معرفاً ومعينا للواقع.
وأمّا الحلّ فبأنّ استصحاب الفرد المردد إنما يقال فيما إذا كان المتيقن معلوماً بعنوان اجمالي والمتيقن في المقام معلوم بالتفصيل وإنما الترديد في زمان بقائه فلا ربط له باستصحاب الفرد المردد. ثم أن الزمان أيضاً ليس معلوماً بعلم اجمالي فان العلم الاجمالي هو المتعلق بالعنوان الانتزاعي (أحدهما) والزمان فيما نحن فيه معلوم تفصيلاً ولا ترديد فيه إلا أن المعرف للزمان تارة يكون اسامي لقطع منه وتارة يكون الحوادث الواقعة فيه كميلاد المسيح عليه السلام وهجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم.
وقد يتوهم امكان ادخال البحث في استصحاب الفرد المردد بتقريب آخر وهو ان المعلوم مردد بين عدم الكرية المنتهية فيما قبل الزوال وعدم الكرية المنتهية فيما بعده فالمتيقن مردد بين الفردين والمستصحب هو عنوان أحدهما مع ان أحد فرديه مقطوع الزوال والآخر مقطوع البقاء.
والجواب عنه أولاً ان الاختلاف في الغاية لا يكثر الافراد فلا يقال للموجود الواحد باعتبار انتهائه الى غاية إنه مغاير لنفسه باعتبار انتهائه الى غاية اُخرى. وثانياً أن الكلام في عدم الكرية ولا ميزفي الأعدام فلو فرضنا امكان تكثير الفرد بالغاية فهو مختص بالموجودات ولا يمكن القول به في الاعدام.
فظهر مما ذكرنا ان الاستصحاب يجري في معلوم التاريخ أيضاً.
وتحصل أن استصحاب عدم الكرية الى زمان الملاقاة واستصحاب عدم الملاقاة الى زمان الكرية يجريان ويتعارضان في جميع الصور ويتساقطان طبعاً فيصل الدور الى قاعدة الطهارة.
هذا تمام الكلام في المبحث الثاني وهو أن يكون المقيس إليه امراً زمانياً والموضوع مركباً.
المبحث الثالث: أن يكون المقيس إليه أمراً زمانياً والموضوع بسيطاً بمعنى أن الموضوع ليس مركباً من وجود أحد الأمرين وعدم الآخر كما إذا كانا متضادين كالطهارة والحدث إذا شك في المتقدم منهما والمتأخر فإن الموضوع للأثر هنا ليس مركباً من وجود أحدهما وعدم الآخر بل كل منهما موضوع للأثر فالمراد استصحاب أحدهما معينا ليترتب عليه أثره. وكذلك في الطهارة والنجاسة الخبثيتين.
وأصول الاقوال هنا ثلاثة:
القول الأول: أن الأصلين يجريان ويتعارضان ويتساقطان من أجل عدم امكان التعبد بالضدين فيصل الدور الى الأصل المتأخر كقاعدة الاشتغال في المثال الأول إذا أراد الصلاة وكاصالة البرائة إذا أراد مسّ كتابة القرآن وكقاعدة الطهارة في المثال الثاني. وهذا هو المشهور.
القول الثاني: التفصيل بين معلوم التاريخ ومجهوله. فاذا كان أحدهما معلوم التاريخ جرى استصحابه دون مجهول التاريخ وإذا كانا مجهولي التاريخ لم يجر شيئ منهما ففي الأول يرجع الى حكم معلوم التاريخ وفي الثاني الى الاُصول المتأخرة. وهذا هو الذي ذكره المحقق الخراساني تبعاً للميرزا الشيرازي أو الشيخ راضي قدس الله اسرارهم.
القول الثالث: ما ذكره المحقق الحلي قدس سره وهو البناء على ضد الحالة السابقة.
وهنا أقوال فرعية يظهر الكلام فيها ضمناً.
وقبل البحث لابد من الاشارة الى الفروق بين هذا المبحث والمبحث السابق. والفرق الاساس بينهما هو أن الترديد المانع من جريان الاستصحاب أو المتوهم مانعيته في البحث السابق إنما هو في وعاء التعبد وظرف الشك وهو في هذا المبحث في وعاء اليقين والقضية المتيقنة. ففي المبحث السابق كان المستصحب عدم الاسلام الى زمان موت المورث وحيث إن زمان الموت لم يكن معيناً حدث الترديد في وعاء الاستصحاب وكان هذا الترديد مؤثراً في عدم جريان الأصل الآخر. ولكن الترديد هنا في القضية المتيقنة فإذا كان متطهراً وشك في زمان حدوث الحدث هل هو قبل الزوال أو بعده فان المتيقن مردد بين زمانين.
ويتفرع على هذا فروق بين المبحثين.
الفرق الأول: أن شبهة كون الاستصحاب من استصحاب الفرد المردد لم يكن لها وجه في المبحث السابق ولكنها واضحة في هذا المبحث فان مرجع استصحاب الفرد المردد الى كون القضية المتيقنة معلومة بالاجمال. وهو كذلك في المقام لأن الترديد هنا في القضية المتيقنه كما ذكرنا بخلاف المبحث السابق.
الفرق الثاني: ان الاستصحاب هنا ملحوظ بلحاظ الازمنة التفصيلية لأن المراد استصحاب الوضوء الى الزمان الحاضر وهو زمان الصلاة ولكنه في المبحث السابق ملحوظ بلحاظ زمان الحادث الاخر.
الفرق الثالث: ان الاشكال في المقام مختص بمجهول التاريخ سواء كان الامران مجهولي التاريخ أم كان أحدهما معلومه وذلك لأن الترديد الذي هو منشأ الاشكال إنما هو في وعاء المتيقن والترديد في هذا الوعاء مختص بمجهول التاريخ ولكن الاشكال في المبحث السابق مختص بمعلوم التاريخ لأن الترديد في وعاء التعبد الذي هو ظرف تحقق الحادث الآخر فالاشكال يختص بما اذا كان الحادث الاخر مجهول التاريخ وهو مورد العلم بتاريخ المستصحب واما استصحاب مجهول التاريخ فلا اشكال فيه للعلم بوعاء تعبده وهو زمان الحادث الآخر الذي هو معلوم التاريخ إلا اذا كانا مجهولي التاريخ فلا يختص الاشكال بأحدهما.
والصحيح من الاقوال هو الأول لعدم الاشكال في جريان استصحاب كل من الطهارة والحدث كما سيأتي والمفروض ان كلاً منهما معلوم الحدوث ومشكوك البقاء.
وأما القول الثاني فلتقريبه وجوه:
الوجه الأول: ان الاستصحاب لا يجري في مجهول التاريخ لانه من قبيل استصحاب الفرد المردد لما عرفت من أن وعاء القضية المتيقنة مردد بين وعاءين فهو معلوم بالاجمال ولا يجري فيه الاستصحاب اما مطلقا أو فيما إذا كان أحدهما مقطوع الارتفاع.
توضيحه: أن الشك بعد ما كان في زمان حدوث الحدث مثلاً فاما ان نقصد استصحاب نفس الحدث الواقعي أو أحد الحدثين. أما الأول فليس بمتعلق لليقين لأن متعلقه هو الأمر الجامع بينهما وقد ذكرنا مراراً انه لا يحكي عن الواقع. وأما الثاني فهو مورد للاشكال الذي نقلناه عن المحقق النائيني في التنبيه الذي افردناه للبحث عن استصحاب الفرد المردد وهو أنه لا يبقى الشك في المعلوم بالاجمال إذا كان أحد الفردين مقطوع الارتفاع بل الشك في بقاء أحدهما معينا فلا تتحد القضيتان.
والجواب عنه أولاً: أن الترديد من حيث الزمان لا يوجب تعدد الهوية الشخصية واستصحاب الفرد المردد يختص بما اذا كانا فردين دون ما اذا كان المعلوم فرداً واحداً وكان الشك في عوارضه.
وثانياً: أن الأثر مترتب على الكلي في المقام لا على الفرد فهذا الاستصحاب داخل في القسم الثاني من الكلي إذ الفرق بينه وبين استصحاب الفرد المردد ان الأثر على الأول مترتب على الجهة الجامعة وعلى الثاني على الفرد.
والحاصل أن الاستصحاب في المقام إما انه من استصحاب الشخص ان قلنا بعدم تعدد الهوية الشخصية أو القسم الثاني من الكلي ان قلنا به.
الوجه الثاني: أن الاستصحاب في مجهول التاريخ مورد للشبهة المصداقية لقوله عليه السلام (لاتنقض..) وذلك لان الحدث واقعاً ان كان قبل الزوال في المثال السابق فهو منتقض بضده وهو متيقن أيضاً وان كان بعده فهو غير منتقض وحيث انه محتمل للأول فيحتمل كونه مورداً لنقض اليقين باليقين فلا يجري الاستصحاب.
والجواب أولاً بالنقض في استصحاب معلوم التاريخ فإن نفس الاشكال وارد هناك لأن الحدث لو كان متأخراً فالطهارة المعلومة التاريخ منقوضة قطعاً بالحدث وهو متيقن أيضاً.
وثانياً بالحل وهو أن منشأ هذا التوهم أن ما ينطبق عليه عنوان المعلوم معلوم فالحدث قبل الزوال وهو مكشوف بالعلم يحتمل نقضه بالأمر المتيقن. وليس كذلك فان ما ينطبق عليه عنوان المعلوم ليس معلوماً والشيء يحكي عما يطابقه لا عما ينطبق عليه والمعلوم هنا هو عنوان أحد الحدثين وهذا العنوان وان صدق على كل واحد منهما إلا انه لا يكشف عنه بل يكشف عن نفس العنوان الانتزاعي وهو مشكوك البقاء وليس مورداً لاحتمال انتقاضه بالمتيقن. بل هو كذلك حتى لو قلنا بان المعلوم هو طبيعي الحدث لا العنوان الانتزاعي فإنه أيضاً لا يحكي عن الفرد وانما يحكي عن الكلي.
الوجه الثالث: ان ظاهر (لا تنقض) أو منصرفه هو خصوص الموارد التي لا يكون فيها ترديد في القضية المتيقنة بلحاظ الازمنة التفصيلية. وقد عرفت أن ما نحن فيه الترديد في نفس القضية المتيقنة. ومفاد الاحاديث أن ما تيقنت بحدوثه في زمان معين لا تنقضه بالشك. وليس لنا فيما نحن فيه زمان معين نشير اليه ونحكم بوقوع الحادث فيه.
والجواب عنه ان دعوى الانصراف والظهور لا وجه له ولا يسمع دعوى الانصراف بلا شاهد مع اطلاق الدليل. ومقتضى الادلة من الروايات وبناء العقلاء عدم الفرق بين الأزمنة التفصيلية والاجمالية بالنسبة لحدوث المتيقن. مضافاً الى أن هذا لا يمكن الالتزام به فاذا شك في زمان الوضوء انه في أي ساعة توضأ مع العلم بان وضوءه لا يلبث أكثر من ساعة فيحتمل ان يكون وضوءه قبل وقت الصلاة بساعة ونصف فلا يكون متطهراً أو قبل نصف ساعة فهو متطهر ولا اشكال حينئذ في استصحاب الوضوء مع أنه غير متيقن في شيء من الازمنة التفصيلية لا بالنسبة الى الزمان المتقدم بساعة ونصف ليحكم بانتقاضه ولا بالنسبة الى المتقدم بنصف ساعة ليحكم ببقائه. وكذا لا اشكال في الاستصحاب اذا أراد الصلاة وهو لا يعلم بزمان حدوث وضوئه أصلاً مع احتمال الانتفاض.
الوجه الرابع: ان حقيقة الاستصحاب هو ابقاء ما كان أو التوسعة في الكشف بقاءً وعنوان البقاء لم يعلم صدقه في استصحاب مجهول التاريخ فان الحدث في المثال السابق إذا كان قبل الزوال فهو منتقض بالوضوء جزماً وانما احتمال البقاء في صورة كونه بعده وحيث إن كلا منهما محتمل فلا نعلم بصدق عنوان البقاء عليه. وبعبارة اُخرى: المستصحب كلي الحدث وله فردان أحدهما مقطوع الارتفاع والآخر على تقدير حدوثه غير متصل بزمان حدوث الأول للعلم بالطهارة وقت الزوال.
والجواب عنه: ما مر بيانه من أن الترديد بين الزمانين لا يوجب تعدد الهوية الشخصية فالاستصحاب شخصي والشك في بقاء الفرد من جهة الشك في تحققه في أحد الزمانين والقطع ببقائه على تقدير وبزواله على تقدير آخر فهو محتمل البقاء ومنشأ الشك الشك في زمان حدوثه.
وأما القول الثالث فلبيانه وجهان، اجمالي وتفصيلي:
أما البيان الاجمالي الذي أشار إليه المحقق الحلي قدس سره فهو أنا لو علمنا بالحالة السابقة على المتعاقبين فنحن نعلم بانتقاضها فإذا علمنا بالحدث السابق فلا اشكال في انتقاضه سواء تقدم الحدث أو الطهارة وأما الطهارة منهما فهي حالة مقطوعة الحدوث ومشكوكة البقاء فيستصحب وأما الحدث مشكوك الحدوث لاحتمال وقوعها عقيب الحدث السابق.
وأما البيان التفصيلي فهو أن ضد الحالة السابقة يجري فيه الاستصحاب سواء كان معلوم التاريخ أو مجهوله وأما الحالة الموافقة لها فلا يجري فيها الاستصحاب سواء كانت معلومة التاريخ أو مجهولته. أما ضد الحالة السابقة كالوضوء في المثال السابق فاذا كان مجهول التاريخ وكان تاريخ الحدث معلوماً جرى استصحاب الوضوء وذلك لانه من قبيل استصحاب القسم الاول من الكلي ان قلنا بأن الزمان لا يوجب تعدد الهوية ومن قبيل استصحاب القسم الثاني ان قلنا بايجابه له. وإنما لم نقل بالاستصحاب الشخصي لأن الاثر مترتب على الجهة الجامعة . وأما اذا كان الوضوء معلوم التاريخ فلا اشكال في جريان استصحابه لانه من القسم الأول وليس فيه ترديد بين الفردين.
وأما الحالة الموافقة للحالة السابقة فلا يجري فيها الاستصحاب أما اذا كانت مجهولة التاريخ كما اذا توضأ أول الزوال وشك في أن الحدث كان قبل الزوال أو بعده فلانه من القسم الثاني من القسم الرابع من استصحاب الكلي الذي ادعاه السيد الخوئي ‹أيده الله› وانكرناه بعد تقسيمه الى قسمين وهو أن يعلم بوجود كلي في ضمن فرد وانتفاء ذلك الفرد ثم علمنا بتحقق عنوان كلي آخر وشككنا في تحققه في ضمن ذلك الفرد الأول فيكون زائلاً أو في ضمن فرد آخر فيكون باقياً.
والوجه في دخول المسألة في هذا القسم هو أن الحدث الحاصل يحتمل انطباقه على نفس الحالة السابقة على الحالتين بان يكون النوم الحاصل مثلاً تحقق عقيب الحدث السابق فالحدث الكلي المتحقق انما ينطبق على الحدث السابق والنوم اللاحق لا يوجب حدثاً. والمفروض أن الحدث السابق معلوم الارتفاع.
والاستصحاب في هذا القسم لا يجري لوجهين:
الوجه الأول: ان المستصحب لو كان الحدث المتقيد بالنوم فهو لا أثر له بل الاثر لذات الحدث وان كان المستصحب هو ذات الحدث فهو معلوم بالاجمال للشك في زمان حصوله وانه قبل الزوال أو بعده وهذا العلم الاجمالي منحل للعلم بالحدث قبل الزوال إما بالنوم وإما بالحالة السابقة على الحالتين. نعم الحدث المتقيد بالنوم معلوم اجمالاً وغير منحل إلا انه ليس موضوعاً للأثر.
والجواب أن المستصحب هو ذات الحدث الا انه معلوم تفصيلا بعنوانه والنوم هو العنوان المعرّف له فليس الحدث معلوماً بالاجمال لما ذكرناه مراراً من أن المعلوم بالاجمال هو المتقوم بالعنوان الانتزاعي كأحدهما وهو هنا متقوم بالعنوان المعرّف فهذا معلوم تفصيلاً ولكن المعلوم تفصيلاً قد يكون مبيّنا بجميع جهاته وخصوصياته وقد يكون مبيّناً بعنوانه. والمقام من هذا القبيل.
الوجه الثاني: ان حقيقة الاستصحاب هو الابقاء تعبداً فلابد من أن يكون المتيقن أمراً قابلاً للبقاء التعبدي وليس في المقام حدث مقطوع به غير الحدث السابق على الحالتين وهو غير قابل للبقاء للعلم بارتفاعه والحدث الآخر غير معلوم لاحتمال تعاقب الحدثين.
والجواب ان الاستصحاب ليس تصرفاً في الاُمور الخارجية تعبداً بل هو تصرف في الصور النفسية وتوسعة للمنكشف والحدث بعنوان السابق على الحالتين معلوم تحققه وزواله والحدث بعنوان النوم معلوم تحققه ومشكوك زواله. وهذا المقدار كاف في الاستصحاب.
وأما الحالة الموافقة للحالة السابقة إذا كان معلوم التاريخ كما إذا علم بكونه نائماً وقت الزوال وشك في وقت الوضوء فالوجه في عدم جريان الاستصحاب فيها هو الوجه الثاني فان الحدث الواقعي المعلوم هو الحدث السابق على الحالتين ولم يعلم حدث غيره بل يمكن نفي غيره بالأصل فيحكم بانتفاء الكلي. وأما الوجه الأول فلا يأتي هنا لعدم الترديد.
والجواب عنه ظهر مما قدمناه. والحكم بانتفاء الكلي لانتفاء أحد فرديه قطعاً والآخر بالأصل لا يتم الا على القول بالأصل المثبت كما مر بيانه في استصحاب القسم الثاني من الكلي. فتبين بذلك البيان التفصيلي لكلام المحقق والجواب عنه.
ثم إن بعض الاعاظم وافق المحقق إلا فيما كان الموافق للحالة السابقة معلوم التاريخ فقال بجريان الاستصحاب حينئذ فيهما وتعارضهما ووافق المشهور في النتيجة.
والاشكال انما هو في تقريبه لعدم جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ وهو أنه ان اريد استصحاب الفرد من الحدث فهو لا يجري لدورانه بين ما هو مقطوع الارتفاع وما هو مشكوك الحدوث وان اُريد استصحاب الكلي فهو لايجري لعدم اتصال الفرد الأول بالثاني وانفصالهما بتحقق الوضوء بينهما فلا يصدق الابقاء.
والظاهر ان ما ذكره يرجع الى الوجه الرابع للقول بعدم الجريان في مجهول التاريخ مطلقاً وقد مر ذكره فالجواب عنه هو الجواب المتقدم مضافاً الى ان الاشكال لا يختص بمجهول التاريخ الموافق للحالة السابقة بل يجري في المخالف لها أيضاً فلا وجه للتفصيل الذي ذكره. ولا يحتمل أن يكون مراده استصحاب القسم الثاني من القسم الثالث من الكلي فانه يختص بما اذا شككنا في الفرد الثاني مع العلم بتحقق الفرد الأول . والمقام من قبيل استصحاب القسم الثاني من الكلّي .
التنبيه الحادي عشر
إذا خصص عام في قطعة من الزمان بالنسبة لبعض الافراد وشك في ما بعد أن ذلك الفرد محكوم بحكم العام أو الخاص فهل هو مورد للتمسك بعموم العام أو استصحاب حكم المخصص.
مثال ذلك قوله تعالى (اوفوا بالعقود) فان مفاده لزوم كل عقد في كل آن. وقد خصص ذلك بأدلة الخيار الدالة على عدم لزوم العقد في فترة من الزمان فمنها ما تدل على تخصيصه من أول الامر كدليل خيار المجلس ومنها ما تدل عليه بعد مدة كدليل خيار العيب والغبن بناء على أن ظهور العيب والغبن شرط شرعي لثبوت الخيار فالكلام في أنه بعد زوال الخيار هل يتمسك بعموم اوفوا بالعقود فيكون لازماً أو يستصحب حكم المخصّص فيكون جايزاً؟
والكلام انما هو بناء على جريان الاستصحاب في الاحكام الكلية وأما بناء على رأي السيد الخوئي ‹أيده الله› من عدم جريان الاستصحاب فيها فلاوجه للبحث أصلاً. ولابد أن يختص البحث بما اذا لم يكن الزمان مقوّماً في دليل التخصيص والا فلا اشكال في عدم جريان الاستصحاب لعدم اتحاد القضيتين.
ومن هنا يعلم أن محور البحث هو جواز التمسك بالعموم اللفظي في مثل ذلك وليس البحث بحثاً استصحابياً غاية الأمر انه في صورة عدم جواز الرجوع الى العموم يصل الدور الى الاصول العملية والاستصحاب في مقدمتها فان تم اركانه جرى والا فالمورد مجرى لسائر الاصول المتأخرة فمحل البحث هو مباحث العام والخاص وانما نذكره هنا تبعاً للاعلام .
وكيف كان فقد ذهب المحقق الثاني قدس سره الى جواز التمسك بالعام حينئذ مطلقاً وتبعه جمع من المحققين. وفي المقام تفاصيل تنشأ من انحاء الاعتراض على المحقق الثاني ونحن نقتصر بذكر الاعتراضات ومنه يعلم وجوه التفصيل.
أما بيان وجه ما ذهب اليه المحقق الثاني فهو أنه في مثل ذاك يستفاد من العموم كاوفوا بالعقود شمولان شمول افرادي وشمول ازماني فمفاده وجوب الوفاء بكل عقد مستمراً أي في كل زمان. ومنه يعلم ان الشمول الازماني متأخر رتبة عن الشمول الافرادي واذا ورد تخصيص لبعض الافراد في بعض الازمنة فتختلف الموارد فقد يكون مورداً للتمسك بالعموم الافرادي وقد يكون مورداً للتمسك بالاطلاق الازماني. فاذا كان المخصص وارداً في أول أزمنة تحقق موضوع العام كخيار المجلس وشككنا في أن عدم وجوب الوفاء بعقد البيع هل يختص بما قبل الافتراق أم هو مستمر كان مرجع البحث الى ان عقد البيع هل هو خارج عن دليل اوفوا بالعقود بلحاظ الشمول الافرادي أم لا؟ وذلك لان عقد البيع اذا قلنا باستمرار عدم لزومه فلازمه عدم شمول دليل وجوب الوفاء له اصلاً فيكون تخصيصاً افرادياً. وإن قلنا باختصاص عدم اللزوم بما قبل الافتراق فلازمه التقييد الازماني للعام وأما أصل وجوب الوفاء فهو ثابت للبيع الا انه يبتدئ من زمان الافتراق. وفي مثل ذلك يرجع في زمان الشك الى العموم الافرادي فيحكم على البيع باندراجه تحت وجوب الوفاء وتحقق لزوم العقد بعد الافتراق وذلك لان التخصيص الازماني مقطوع به فيبقى الشك في التخصيص الافرادي وخروج البيع عن دليل اللزوم رأساً فنتمسك بأصالة العموم فيه.
ويلاحظ أن التمثيل بخيار المجلس انما يتم بناءً على ثبوته بالاجماع لا بدليل (البيعان بالخيار ما لم يفترقا فاذا افترقا وجب البيع) فانه يدل على الانقطاع.
وأما اذا كان المخصص وارداً في خلال ازمنة تحقق موضوع العام كخيار العيب والغبن بناءً على أن ظهورهما شرط في الخيار شرعاً فان العقد لازم حينئذ قبل الظهور وجايز بعده ثم نشك في أنه مستمر أم يختص بأول الزمان بمعنى أن يكون الخيار فورياً فيسقط بعدم المطالبة وهذا يختص بالتقييد الازماني وليس هنا تخصيص افرادي فان العقد داخل في وجوب الوفاء في فترة من الزمان قطعاً وهو قبل ظهور العيب والغبن. وفي مثل ذلك يرجع في زمان الشك الى الاطلاق الازماني.
وقد اعترض عليه بوجوه:
الاعتراض الأول: ما ذكره الشيخ قدس سره من أن الزمان قد يكون مكثراً للفرد وقد لا يكون فعلى الأول لا اشكال في الرجوع الى الاطلاق اللفظي وعلى الثاني لا يصح ذلك فاذا قال المولى أكرم كل عالم في كل يوم وعلمنا بعدم وجوب اكرام زيد العالم في يوم من الايام ثم شككنا في وجوبه بعده فالقول بعدم وجوب الاكرام حينئذ تخصيص زائد في العام الدال على أن وجوب كل يوم فرد من افراد الوجوب واما اذا كان من قبيل اوفوا بالعقود الذي لم يلاحظ فيه كون الزمان قيداً فلا وجه للتمسك بالاطلاق فان خروج الفرد في زمان أو الى الابد لا يوجب زيادة تخصيص في العام.
والجواب عنه ان هذا الكلام لا يتم في شيء من الوجهين السابقين. أما الصورة الاولى فلان الامر فيها دائر بين التخصيص الافرادي وعدم التخصيص رأسا كما عرفت واما الصورة الثانية فلان دخول الفرد في العام قطعي الا ان الامر دائر بين تقييد في الاطلاق الازماني كثيراً أو قليلاً وأما تخصيص العام فلا يوجد هنا قطعاً .
ولعل مراد الشيخ الفرق بين العموم الاستغراقي والمجموعي فيجوز التمسك بالاول في صورة الشك دون الثاني وان اوفوا بالعقود من الثاني. وقد ذكرنا في محله عدم الفرق بينهما من جهة اصالة العموم لان مرجعها الى اصالة التطابق بين المراد الجدي والمراد الاستعمالي وهو جار فيهما وانما الفرق بينهما كثرة الحكم بالانحلال في الأول ووحدته في الثاني.
الاعتراض الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني بعد ذكر تفاصيل لا يرتبط بالبحث وبعد تسليم قول الشيخ في ما اذا كان الزمان مكثراً وتسليم قول المحقق الثاني في ما اذا كان الزمان غير مكثر وكان مورد التخصيص من أول ازمنة تحقق موضوع العام فينحصر اعتراضه في صورة كون الزمان غير مكثر وكون التخصيص متخللاً بين أزمنة الموضوع كمورد خيار العيب والغبن بناءً على اشتراط ظهورهما.
وحاصل ما ذكره في الكفاية وحاشية الرسائل يتوقف بيانه على مقدمة وهي أن كثرة الحكم تابعة لتكثر الموضوع ولا يعقل تكثر الحكم بدون تكثر الموضوع فدليل اوفوا بالعقود لا يمكن أن يتكفل لاثبات فردين من اللزوم لعقد واحد وانما يثبت احكاماً متعددة بحسب تعدد العقود فلكل عقد لزوم واحد.
وحينئذ فالمفروض في محل البحث ثبوت اللزوم للعقد في أول الامر فهذا فرد من اللزوم لفرد من العقد ثم يأتي وعاء التخصيص وعدم اللزوم فان ثبت بعد ذلك لزوم آخر بعد انتفاء اللزوم الاول فلابد ان يتكفله دليل آخر ولا يمكن اثباته بالدليل الاول والالزم اما وحدة المتعدد واما تعدد الواحد وذلك لانه اما ان يعتبر هذا العقد الواحد متعدداً ليثبت لكل منهما فرد من اللزوم وإما أن يعتبر هذا الحكم المتعدد واحداً وهو غير ممكن اذ لا يمكن ان يكون هذا اللزوم استمراراً وجودياً للّزوم الاول لتخلل النقيض ولا يمكن ان يتخلل نقيض الشيء الواحد بين اجزاء وجوده والانفصال مساوق للتعدد كما أن الاتصال مساوق للوحدة الشخصية وهكذا الكلام فيما اذا قال: اكرم كل عالم في يوم السبت ثم علمنا بعدم وجوب اكرام زيد وقت الزوال وهذا الاشكال لا يجري فيما اذا كان التخصيص من أول الامر لعدم لزوم تخلل النقيض فلا مانع من التمسك بالأصل اللفظي هناك.
والجواب عنه: ان الموارد على قسمين ففي مثل المثال الثاني أي أكرم كل عالم في يوم السبت ــ بمعنى أن يكون إكرام كل عالم في مجموع هذا اليوم واجباً فلو تركه في آن من آناته عصى فاطاعته واحدة وعصيانه واحد ــ نلتزم بأنه اذا ورد تخصيص على إكرام عالم وقت الزوال فالقول بوجوب اكرامه بعده لا يستلزم تعدد الحكم. ولا ينافي الوحدة هنا تخلل النقيض وذلك لان الاحكام المترابطة ــ بمعنى أن يكون الحكم الواحد متعلقاً بامور كثيرة ــ ليست الوحدة فيها منافية لكثرة المتعلق بل وحدتها تابعة لوحدة الملاك والحكم الجزائي المترتب عليها. ولذا لو صرّح من أول الامر بوجوب الاكرام قبل الزوال وبعده بساعة بنحو يكون المجموع موضوعاً للحكم لا يتوهم فيه تعدد الحكم لتخلل النقيض كالأمر بالصلاة مع تفرق اجزائها وأوضح منه الامر بالحج فالوحدة هنا وحدة تنشأ من وحدة الحكم وانفصال وعاء العمل لا يوجب تعدد الحكم وانما يوجب الانفصال التعدد اذا كانت الوحدة وحدة اتصالية. هذا كله فيما اذا كان الحكم امراً متعلقا بالذمة.
واما اذا كان الحكم من اوصاف الموجود الخارجي كالعقد المتصف باللزوم فلا يمكن الالتزام بما ذكرناه في القسم السابق من وحدة الحكم بوحدة الملاك بل الحكم هنا متعدد الا انا نلتزم بتعدد الحكم ووحدة الموضوع ولا دليل على وجوب وحدة الحكم اذا اتحد الموضوع وانما يقال ذلك من جهة عدم اقتضاء الموضوع الواحد أكثر من حكم واحد غالباً فاذا اقتضى الوضع الالتزام بتعدد الحكم مع وحدة الموضوع كما فيما نحن فيه فلا مانع عقلي من الالتزام به. والمقتضي له في المقام هو الجمع بين الادلة فان مقتضى اوفوا بالعقود هو ثبوت اللزوم لكل عقد في جميع الازمنة ومقتضى دليل الخيار هو عدم اللزوم في زمان فلولا دليل الخيار كان اللزوم امراً واحداً لان الاتصال الوحداني مساوق للوحدة الشخصية الا ان مقتضى الجمع بين الدليلين هو الالتزام بتحقق فردين من اللزوم.
الاعتراض الثالث : ما ذكره بعض الاعاظم وحاول دفعه وهو مختص بالقسم الاول مما ذكرنا أي ما اذا كان التخصيص من أول الأمر.
وحاصله أن التمسك باصالة العموم في هذه الصورة يشكل بمعارضة لازم اصالة الاطلاق وذلك لان مفاد العموم الا فرادي هو ثبوت اللزوم لكل فرد من افراد العقد ومفاد الاطلاق الازماني ان كل ما ثبت له لزوم فهو مستوعب لجميع الأزمنة ولازمه بعكس النقيض ان كل ما لم يثبت له لزوم في جميع الازمنة فليس له لزوم اصلاً فمقتضى العام هو ثبوت اللزوم بعد زمان التخصيص ومقتضى الاطلاق بلازمه عدم اللزوم ولوازم الاصول اللفظية حجة.
وهذا نظير ما يقال من ان مقتضى عكس النقيض هو ترجيح التخصص اذا دار الامر بينه وبين التخصيص فاذا قال كل عالم يجب إكرامه كان عكسه كل من لم يجب إكرامه فليس بعالم فاذا ورد لا تكرم زيداً نحكم بموجب هذا العكس أنه ليس بعالم أيضاً.
والجواب عنه على ما ذكروه هناك أن التمسك بأصالة العموم انما هو في مورد الشك في المراد لا الشك في كيفية الارادة.
وهو ذكر هذا الجواب أخيراً مضافاً الى جوابين آخرين في المقام.
ولكن هذا الجواب لا يصح في المقام حتى لو قلنا به في مسألة دوران الامر بين التخصيص والتخصص مع أنه هناك أيضاً غير مفيد.
والفرق بين المقامين ان الشك هناك في كيفية الارادة كما ذُكر والا فخروج زيد عن وجوب الاكرام معلوم بخلاف المقام فإن الشك في المراد فإن مقتضى العام هو ثبوت اللزوم ومقتضى الاطلاق بلازمه عدم اللزوم.
وأما جوابه الثاني فهو أن اللازم في المقام لا يمكن التمسك به لانه فرع ثبوت الملزوم وهو غير ثابت فانه عبارة عن استيعاب اللزوم لجميع الازمنة إذا ثبت لزوم في وقت والمفروض العلم بعدم الاستيعاب لخروج أول الازمنة عن اللزوم قطعاً كما هو المفروض بل يلزم من وجود اللازم عدم الملزوم قال: لانه موضوعه ومع رفعه يرفع الحكم فيلزم من وجوده عدم الوجود .
ولكن هذا الجواب لا ينطبق أيضاً لان الملازمة بين الأصل والعكس انما هو ملازمة بين القضيتين من حيث الكبرى لابعد الانطباق في الخارج وليس المقصود التمسك باصالة الاطلاق وتطبيقه في المقام ثم التمسك بلازمه بل نتمسك بلازمه ابتداءً ولا حاجة في ثبوت موضوع اللازم خارجاً من ثبوت موضوع الملزوم لان الملازمة ليست الابين الكبريين.
والاشكال ليس بمهم اصلاً حتى يحتاج الى تجشم الاجابة عنه لان مقتضى الاطلاق الازماني هو الاستيعاب لجميع الازمنة بعد ثبوت أصل اللزوم وعكسه عدم اللزوم أصلاً إذا لم يكن مستوعباً لجميع الازمنة بعد ثبوت أصل اللزوم والمفروض في المقام عدم ثبوت أصل اللزوم من أول الامر وليس مقتضى الاطلاق هو ثبوت الاستيعاب وان لم يثبت اللزوم ابتداءً أي قبل تحقق موضوعه فلا منافاة بين العام والمطلق بلازمه.
هذا مضافاً الى ما ذكرناه في مسألة التخصيص والتخصص من أن بناء العقلاء في التمسك بأصالة العموم وأصالة الاطلاق هو ثبوت الحكم في الموارد المشكوكة لا نفيه عن بعض الموارد والاُصول العقلائية لابد من الاخذ بها بحدودها العقلائية فالاخذ بعكس النقيض فيها خارج عن حدود الأصل العقلائي فمقتضى أصالة الاطلاق هو استيعاب اللزوم لجميع الازمنة إذا ثبت أصله وأما انتفاء أصله إذا انتفى الاستيعاب فليس مورداً لنظر العقلاء في هذا الأصل.
الاعتراض الرابع: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره وقد بناه على خمس مقدمات مع تطويل وتفصيل ولا يهمنا في المقام الا ذكر مقدمتين منها.
الاُولى: المقدمة الرابعة وهي أن استمرار الحكم على قسمين فقد يكون الاستمرار فوق دائرة الحكم وقد يكون تحتها أما الأول فكقول المولى الخمر حرام بالحرمة المستمرة ومعنى كونه فوق دائرة الحكم أن الحكم مأخوذ في موضوع الاستمرار فمرجعها الى قضيتين المحمول في الاولى موضوع في الثانية (الخمر حرام ــ الحرمة مستمرة) فالاستمرار من شؤون الحكم. والثاني كقوله : الخمر في كل زمان حرام ومعني كونه تحت دائرة الحكم أن الاستمرار أخذ في موضوع الحكم بمعنى أنه لاحظ شرب الخمر مستمراً وحكم عليه بالحرمة ونعبر عن الاول أيضاً بالاستمرار الأصلي للحكم وعن الثاني بالاستمرار التبعي له وذلك لانه بالاصالة استمرار في مرحلة الموضوع.
الثانية: المقدمة الخامسة وهي ان بين هذين القسمين فرق ثبوتي وفرق اثباتي. أما الفرق الثبوتي فهو أن جعل أصل الحكم واستمراره في القسم الأول لابد أن يكون بجعلين ولا يمكن جعلهما بجعل واحد وهو في القسم الثاني لابد ان يكون بجعل واحد.
بيان ذلك: أن المجعول في القسم الأول متعدد فان المحمول في القضية الاُولى وهي الخمر حرام موضوع في القضية الثانية وهي الحمرة مستمرة فلابد من كون الجعل أيضاً متعدداً بخلاف المجعول في القسم الثاني فانه امر وحداني وهو نفس الحرمة وانما الاستمرار أخذ في الموضوع.
وأما الفرق الاثباتي فهو أن رفع الشك بالتمسك بالأصل اللفظي في القسم الأول غير ممكن إذا كان الشك في أصل الحكم فاذا شككنا في أصل الحرمة لايمكن التمسك بالعموم فان مقتضى الحكم باستمرار الحرمة هو أن الحرمة متى ما وجدت فهي مستمرة لأن مرجع القضايا الحملية الى القضايا الشرطية والقضية الشرطية انما تدل على تحقق التالي بتحقق المقدم ولاتدل على تحقق المقدم وعليه فاذا شككنا فيما نحن فيه في أصل تحقق اللزوم بعد خيار المجلس لا يمكن التمسك بالأصل اللفظي لاثباته وهذا بخلاف القسم الثاني فان القضية المجعولة حينئذ هو (شرب الخمر في كل زمان حرام) وهو لا يتوقف إلا على تحقق الموضوع فمتى ما تحقق تبعته الحرمة فاذا شككنا في تحقق الحرمة نتمسك بالأصل اللفظي لاثباته.
قال: و(اوفوا بالعقود) من القسم الاول بمعنى انه يدل على ثبوت اللزوم لكل عقد ثم الاستمرار لكل لزوم وذلك لانه ليس له متعلق كشرب الخمر حتى يكون الاستمرار مأخوذاً في الموضوع فليس هنا فعل للمكلف حتى يلاحظ في كل زمان ويحكم عليه باللزوم. قال: وهذا مراد الشيخ قدس سره وقد غفل عنه من اعترض عليه.
هذا وقد علق السيد الخوئي ‹أيده الله› على الفرق الثبوتي المذكور انه كلام متين الا انه يختص بما إذا كان الشك في النسخ ومرحلة الجعل فإن الجعل الأول لا يمكن أن يتكفل بيان استمرار الحكم أيضاً بل لابد من بيانه بجعل آخر كقوله عليه السلام (حلال محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم حلال الى يوم القيمة...). وأما في مرحلة المجعول فلا مانع من جعل الحكم المستمر كما هو الحال في جعل الملكية المستمرة والزوجية الدائمة.
ولكن الظاهر أن جعل استمرار الحكم بجعل مستقل لا يمكن مطلقا كما ذكره المحقق الاصفهاني قدس سره وان اختلفنا معه في الوجه والبيان.
وذلك لان الجعل الثاني ان كان اخباراً عن الاستمرار فمعناه ان الحكم بالجعل الأول مجعول مستمراً إلا أن الجعل الثاني لبيان ذلك وان كان انشاءً فهو ليس انشاءً للاستمرار واقعاً بل هو انشاء لحكم جديد في أمد جديد فاذا قال آجرتك هذا الدار سنة ثم قال مددت الاجارة لسنتين فهذا الجعل الثاني وان كان بحسب الظاهر انشاءً للتمديد والاستمرار الا انه بحسب الاعتبار الادبي ونحن لا نمنع الجعل الادبي ولكنه بحسب الاعتبار القانوني ليس الا جعلاً لاجارة جديدة مدتها سنة ثانية. وبذلك ظهر وجه النظر في الفرق الثبوتي.
وأما الفرق الاثباتي ففيه انه لا يفيد فيما ذكره أما إذا كان التخصيص من أول الامر وأردنا اثبات أصل اللزوم بعد زمان الخيار فلأنّ المرجع في التمسك بالأصل اللفظي لاثبات اللزوم ليس قضية (اللزوم مستمر) حتى يتوهم أن القضية لاتثبت موضوعها بل هو قضية (كل عقد لازم) وأما إذا كان التخصيص في الوسط فالمرجع لاثبات اللزوم وان كان هو الاطلاق الازماني الا أن اصل الثبوت معلوم قبل تحقق الخيار فالأصل لاحاجة إليه لاثبات أصل اللزوم وإنما نحتاج إليه لاثبات استمراره في جميع الأزمنة حتى فيما بعد ورد التخصيص أو التقييد.
هذا في الحكم الوضعي وأما الحكم التكليفي فقد بينا سابقا أنه فيما قبل التخصيص وما بعده أمر واحد لا تعدد فيه في قبال قول المحقق الخراساني فالأمر فيه أوضح.
فظهر أن الحق ما ذكره المحقق الثاني قدس سره من أن المرجع هو العام في جميع الموارد إلا أنه لو فرضنا ان العام صرّح فيه بالاستمرار الزماني ولكن بقيد الاتصال فاذا ورد مخصص في الوسط لا يمكن الرجوع الى العام لعدم امكان اثبات الاتصال وهذا بخلاف الاطلاق اذ لا يثبت الا أصل الاستمرار الزماني.
التنبيه الثاني عشر
في بيان المراد بالشك
الظاهر أن المراد بالشك هو ما يقابل اليقين لا خصوص الإحتمال المساوي لاحتمال الخلاف فكل احتمال لم يصل الى حد اليقين شك في المقام وعليه فيجري الاستصحاب وان ظن بالخلاف.
ولكن يمكن ان يتوهم ان هذا ينافي ما ذكرناه في وجه حجية الاستصحاب. وذلك لان الوجه الأول مما تمسكنا به هو بناء العقلاء وقلنا ان بناءهم يعتمد على الإطمينان الاحساسي والمصالح الاجتماعية فيدور الاستصحاب مدار الإطمينان فلا يكون حجة إذا كان الظن على خلافه والوجه الثاني الذي تمسكنا به هو الأخبار وهي تشتمل على لفظ اليقين والشك والمتبادر من الشك هو الإحتمال المتساوي الطرفين.
والجواب عنه يعلم مما ذكرناه هناك من الفرق بين الإطمينان الاحساسي والإطمينان الادراكي فإن الإطمينان الادراكي يعتمد على غلبة درجة الإحتمال رياضياً والإطمينان الاحساسي لا يعتمد الاعلى الانفعال النفسي وإستقرار النفس وبينهما عموم من وجه فإن النفس قد لا يفارقها القلق مع العلم بالأمر وقد يطمئن النفس لدرجة ضعيفة من الإحتمال حسب المحاسبة الرياضية.
وعليه فلا منافاة بين حصول الإطمينان الاحساسي بالاستصحاب مع عدم حصول الظن بل وحصول الظن بالخلاف. نعم لو كان الإحتمال المخالف للاستصحاب موجباً للاطمينان الادراكي الشخصي لا يجري الاستصحاب لان الإطمينان الشخصي حجة عندنا كما سيأتي في بيان معارضة الاستصحاب مع الامارات العقلائية.
وأما ما ذكر من أن الشك في الأخبار محمول على الإحتمال المتساوي الطرفين فالجواب عنه أن هذا مصطلح المنطقيين والا فالمصرح به في كتب اللغة ان الشك في قبال اليقين كما في الصحاح والقاموس ومجمع البحرين بل في الاخير انه متفق عليه بين أهل اللغة.
هذا مضافاً الى ان نفس الروايات تشهد على ذلك ففي صحيحة زرارة الاولى: (قلت فان حرك في جنبه شيء وهو لا يعلم ؟ قال: لا ) وهذا امارة غير معتبرة على النوم موجبة للظن به ومع ذلك حكم الإمام عليه السلام بعدم الاعتناء به. ثم إنه عليه السلام جعل اليقين غاية للحكم فما لم يصل الإحتمال المخالف الى درجة اليقين يجري الاستصحاب.
وفي صحيحته الثانية: (فإن ظننت انّه قد أصابه ولم اتيقن ذلك فنظرت فلم أرفيه شيئاً) . فإن عدم الرؤية اعم من أنه باق على ظنه أو أنه قد إرتفع فيشمل صورة بقاء الظن بالخلاف وقد حكم الإمام عليه السلام بجريان الاستصحاب. واوضح منه ذيلها : (فانك لا تدري لعله شيء اوقع عليك) ومن الواضح أنه احتمال موهوم أبداه الإمام عليه السلام لإجراء الاستصحاب.
هذا تمام الكلام في تنبيهات الاستصحاب.
الخاتمة
ويقع البحث في الخاتمة عن اُمور:
الأمر الأول: ان المعتبر في الاستصحاب هو وحدة القضيتين المتيقنة والمشكوكة وهذا مما لا كلام فيه سواء كان مستند الاستصحاب بناء العقلاء أو الأخبار فان بناء العقلاء على البقاء وصدق عنوان النقض يختصان بصورة كون المشكوك فيه هو نفس المتيقن.
ولكن الشيخ الانصاري قدس سره اعتبر احراز بقاء الموضوع أيضاً تبعاً لبعض من تقدم عليه والبحث يقع في جهتين:
الجهة الاُولى: في اعتبار احراز بقاء الموضوع.
الجهة الثانية: في أن الميزان في الوحدة المعتبرة هل هو النظر العرفي أو النظر الدقيق العقلي أو لسان الدليل.
أما في الجهة الاُولى فلا بد اولا من بيان المراد بالموضوع فانه يطلق تارة في قبال المحمول وتارة بمعنى المحل المستغني عن الحال كقولهم العرض يتقوم في وجوده بالموضوع وتارة بمعنى المعروض وهو المراد هنا فان موضوع الاستصحاب قد لا يكون موضوع القضية في قبال المحمول الذي هو المعنى الاول كما إذا ترتب الأثر على عدالة زيد فيستصحب ولكن الموضوع الذي لابد من احرازه في الاستصحاب هو نفس زيد وهو معروض المستصحب مع أن موضوع القضية عدالة زيد. والفرق بينه وبين المعنى الثاني ان الموضوع هناك موضوع للعرض وفي المقام قد لا يكون عرض أصلاً بل يكون المستصحب عارضاً للموضوع والعارض غير العرض فقد يطلق على الوجود أيضاً كما قال في المنظومة (ان الوجود عارض المهية) فالموضوع هنا هو معروض المستصحب.
واعتبر الشيخ تقرره في وعائه سواء كان ذهنا كموضوع الوجود فإن وعاء عروضه الذهن كما قال (ان الوجود عارض المهية تصورا واتحدها هوية) أو خارجاً كقولك زيد قائم فان الموضوع هنا هو زيد الخارجي.
والذي يمكن ان يستدل به على هذا الاعتبار اما مطلقا أو في الجملة وجوه:
الوجه الأول: ما يستفاد مما ذكره المحقق العراقي وهو أن الشيخ لا يقول بجريان الاستصحاب في الشك في المقتضي وإذا شك في بقاء الموضوع لم يحرز المقتضي.
والجواب عنه: هو ما ذكرناه من الجواب عن التفصيل بين الشك في المقتضي والشك في الرافع مع غض النظر عما في الاستدلال من الاشكال على فرض تسليم أصل التفصيل.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني بنحو الإحتمال وهو أن الآثار المترتبة على قسمين فان بعضها يتوقف على وجود الموضوع كوجوب الاكرام والاقتداء وبعضها لا يتوقف عليه كجواز تقليده فان حجية الرأي لا يتوقف على بقاءه ففي هذا القسم يجوز الاستصحاب اذا شك في بقاء الموضوع بخلاف القسم الأول إذ لا معنى لاستصحاب العلم مثلاً لاثبات وجوب الاكرام مع فرض الشك في بقاء زيد.
وهذا الكلام وان كان صحيحاً في نفسه إلا انه لا يكون دليلاً لمدعى الشيخ اذ هو يدعي اعتبار احراز بقاء معروض المستصحب واما اعتبار وجود ما يتوقف عليه ترتب الاثر فهو خارج عما نحن فيه ولا يختص بمعروض المستصحب فاذا كان المترتب على استصحاب بقاء زيد وجوب اكرام عمرو توقف الاستصحاب على وجود عمرو لتوقفه على الاثر الشرعي المتوقف على وجوده. فهذا الوجه لا يفيد اذ النسبة بينه وبين المدعى عموم من وجه فإن مفاده هو وجوب احراز ترتب الاثر وهو قد يتوقف على معروض المستصحب وقد لا يتوقف.
الوجه الثالث: ان المستصحب على قسمين: القسم الأول ما لا يكون معروضه مأخوذاً في لسان الدليل كما اذا كان الأثر مترتباً على العدالة بنحو كان التامة وحيث ان وجودها يحتاج الى معروض فنقول لابد في الاستصحاب حينئذ من بقاء الموضوع وهو زيد فاعتبار بقاء الموضوع حينئذ منشؤه عدم امكان تحقق العدالة بدونه لانها من الاعراض المتقومة بالموضوعات فاستصحاب العدالة مع عدم احراز بقاء زيد غير معقول فان تحققه بدون موضوعه غير معقول وتحققه في ضمن موضوع آخر غير معقول أيضاً لاستلزامه انتقال العرض من موضوع الى آخر وهو مستحيل لاستلزامه كون العرض آناما بلا موضوع وهو آن الانتقال مضافا الى اختلاف القضيتين حينئذ لتغاير العرض القائم بزيد مع العرض القائم بغيره وقد تقرر لزوم اتحادهما.
والجواب عنه: ان الاستصحاب اما توسعة في الكشف بقاءً أو ابقاء لما كان. اما على الاول فالاستصحاب تصرف في الصور الذهنية لا الاُمور الخارجية وحقيقته الحكم بتوسعة الانكشاف فكما كان الشيء منكشفا حدوثاً كذلك هو منكشف بقاءاً فالعدالة المتيقنة سابقاً منكشفة بالاستصحاب لا انها باقيةبالاستصحاب فالاستصحاب توسعة في اليقين لا ابقاء للعدالة.
واما بناء على كونه ابقاءً لما كان فلا حاجة ايضاً الى احراز بقاء موضوع المستصحب فان المتوقف على الموضوع هو وجود العرض تكويناً اما لكون الموضوع من علل قوام العرض وإما لكونهما وجوداً واحداً ينسب الى الجوهر تارة والى العرض الذي هو حدّ من حدود الجوهر اخرى كما ان الماهيات الطولية المتحققة في ضمن فرد واحد وجودها من هذا القبيل بمعنى ان الوجود الواحد ينسب الى الماهية الشخصية تارة والى كل ماهية مما هي فوقها تارة اخرى وهذا هو الحق كما ذكرناه في باب المشتق.
وكيف كان فالمتوقف على الموضوع هو وجود العرض تكوينا لا وجوده اعتباراً. ولذا قلنا ان الاستصحاب لا يثبت لوازم الوجود مطلقا لانها لازمة للشيء بوجوده التكويني لا الاعتباري فالحكم ببقاء العدالة اعتباراً لا يتوقف على بقاء زيد.
القسم الثاني: ان يكون العرض مأخوذاً في لسان الدليل بنحو كان الناقصة. وحينئذ فقد يكون طرف النسبة ذات الموضوع كما اذا قال: الرجل اذا كان عادلاً فاكرمه وقد يكون طرف النسبة صفة من الصفات كما اذا قال: اذا كان العالم عادلاً فاكرمه.
اما في الصورة الاولى فلا اشكال في توقف الاستصحاب على بقاء الموضوع وذلك لانه جزء الموضوع للاثر الشرعي اذ المفروض ان موضوع الاثر الشرعي هو وجود الرجل واتصافه بالعدالة سواء كان الشك في العدالة من جهة الشك في بقائه او من جهة اخرى بحيث لو كان باقياً أيضاً لشك في عدالته الا أن الكلام في ان الاستصحاب هل يفيد في احراز بقاء ذات الرجل أم لابد من احرازه بالوجدان؟ فاذا أردنا استصحاب العدالة لابد من احراز الموضوع بالوجدان ولا يكفي فيه الاستصحاب.
قد يقال ان استصحاب بقاء وجود الرجل لا يفيد في المقام و ذلك لان استصحاب العدالة بدون احراز الرجل لا يفيد لعدم اتحاد القضيتين فأن القضية المعلومة هي ثبوت العدالة للرجل الموجود لان الاعراض لا تعرض ذوات الماهيات بل تعرض الماهيات الموجودة والقضية المشكوكة هي ثبوت العدالة لذات الرجل لان وجوده مشكوك فيه فثبت أنه لابد من احراز وجود الرجل ولابد من احرازه بالوجدان فان احرازه بالاستصحاب لا يفيد في اتحاد القضيتين لان اتحادهما ليس من آثار استصحاب وجود الرجل شرعاً فلا يتم الا على القول بالأصل المثبت هذا مضافاً الى ان استصحاب جزء الموضوع المركب انما يصح فيما اذا كان الجزء الآخر محرزاً اما بالوجدان أو بالاصل في عرض هذا الجزء لا في طوله فان احراز العدالة بالاستصحاب لو كان مع احراز ذات الرجل بالوجدان ترتب عليه الاثر وأما لو كان مع احراز ذات الرجل بالاستصحاب فان جري كل منهما في عرض الآخر ترتب الاثر ايضاً واما ان كان جريان احدهما متفرعاً على جريان الآخر لم يترتب الاثر لان الاستصحاب الأول بلا اثر في حين جريانه لان الأثر للمركب فلا يجري حتى ينضم إليه الأصل الآخر في رتبته ويترتب الأثر. والمقام من هذا القبيل فان استصحاب عدالة الرجل متوقف على وجوده فلابد من احراز وجوده بالوجدان واما اجراؤه مقدمة لاستصحاب العدالة فهو من الأصل المثبت فان بقاء العدالة ببقاء الرجل أو اتحاد القضيتين ببقاء الرجل ليس من آثاره الشرعية. وكذلك الكلام في احراز العدالة باستصحاب ذات الرجل اذا كان منشأ الشك في بقائها الشك في بقائه.
والجواب عنه ــ مع قطع النظر عما في هذه التقسيمات من الاشكال ــ أنه لا مانع حينئذ من استصحاب الموضوع المركب وهو الرجل الموجود العادل والمفروض انه بقيد كونه عادلاً له حالة سابقة. ونظير هذا الاشكال وارد في استصحاب العدم الازلي ومن هنا ذهب بعض الاعاظم الى عدم جريانه.
بيانه ان المرأة في قولنا (المرأة اذا لم تكن قرشية ترى الدم الى خمسين) طرف لنسبة سلبية ناقصة ونسبة ايجابية تامة ولحاظ النسبة الاولى لا يتوقف على وجود المرأة لان السلب اعم من سلب الموضوع ولكن لحاظ النسبة الثانية يتوقف على وجودها. وعليه فالموضوع في هذه القضية هو المرأة الموجودة فاذا أردنا اثبات عدم القرشية باستصحاب عدمها الازلي لم يمكن لان القضية المتيقنة هي ماهية المرأة التي ليست بقرشية والمشكوكة التي هي موضوع الاثر موضوعها المرأة الموجودة فلا يمكن اثبات السالبة بانتفاء المحمول باستصحاب السالبة بانتفاء الموضوع. وهذا عكس ما نحن فيه فان موضوع المتيقنة هناك هو ذات المرأة وموضوع المشكوكة هو المرأة الموجودة وفيما نحن فيه بالعكس فموضوع المتيقنة هو الرجل الموجود وموضوع المشكوكة هو ذات الرجل والوجه في عدم الجريان في المقامين واحد وهو عدم اتحاد القضيتين بلحاظ أخذ الوجود في أحدهما.
ويلاحظ أن ما ذكرناه هنا من الجواب لا يجري في استصحاب العدم الازلي فان الموضوع المركب ليس له حالة سابقة ولكنا دفعنا الاشكال في محله بتعدد اللحاظ بمعنى ان المرأة في النسبة السلبية تلاحظ بلا قيد الوجود وفي النسبة الايجابية بقيده فالموضوع هو ماهية المرأة لا بقيد الوجود الا اننا حين نحكم عليها برؤية الدم نلاحظها موجودة.
ولكن بعض الاعاظم التزم بالاشكال في استصحاب العدم الازلي واجاب في المقام بان الوجود بحسب الفهم العرفي ملحوظ بنحو الحيثية التعليلية أو القضية الحينية لا بنحو الحيثية التقييدية. وهذا الجواب لو تم كان دافعاً للاشكال في استصحاب العدم الازلي أيضاً فان الموضوع هناك ليس المرأة الموجودة بنحو التقييد بل بنحو الحيثية التعليلية أو القضية الحينية فتتحد القضيتان الا ان هذا الجواب محل تأمل فان موضوع الاعراض عقلاً وعرفاً هو الماهية الموجودة لا نفس الماهية كما ذكر في الفلسفة أيضاً. والفلسفة القديمة عندنا انعكاس للمفاهيم العرفية لا علم بحقائق الاشياء كما زعموا. وقد ذكروا ان اللوازم منها ما هو لازم للماهية ومنها ما هو لازم للوجود بل ذهب بعضهم الى أن لازم الماهية هو لازم الوجودين.
وأما في الصورة الثانية وهي كون صفة في لسان الدليل محمولاً على صفة اُخرى كقوله: اذا كان العالم عادلاً فأكرمه والمفروض الشك في بقاء كل منهما فيمكن فرضها بنحو لا يجري فيها الجواب السابق وذلك بأن يقال ان الرجل كان عادلاً ولكنه في أول أزمنه تحقق العلم مشكوك العدالة وهو الآن مشكوك العلم أيضاً فالموضوع المركب لم يكن متحققا في زمان أصلاً. ولا يمكن استصحاب العدالة مستقلاً واستصحاب العلم مستقلاً ليترتب عليه الأثر وذلك لان العدالة المعلومة كانت وصفاً لذات الرجل لا للعالم وموضوع الأثر هو العالم العادل واستصحاب عدالته وعلمه بدون الارتباط لا يثبت العنوان المرتبط الا بالأصل المثبت. ولو فرضنا كون كل منهما مسبوق الوجود فيأتي فيه الاشكال المتقدم.
والجواب عنه : أن العالم في المثال ليس معروض المستصحب واقعاً وان كان في ظاهر القضية موضوعاً فان العرف لا يرى العلم والعدالة أمرين طوليين أحدهما يعرض الآخر بل يراهما عرضيين يعرضان ذات المتصف بهما ولولا ذلك لم يجر الاستصحاب في كثير من الموارد فاذا شككنا في بقاء الاطلاق في الماء بالمعنى الاعم اذ يحتمل انقلابه الى غير الماء بسلب الاطلاق فالذي نعلم به هو الغسل بهذا المايع واستصحاب اطلاقه لا يثبت انا غسلنا المتنجس بالمايع المطلق الابالاصل المثبت. وكذا اذا لاقى شيء شيئاً متنجساً بالاستصحاب فيمكن أن يقال ان الملاقى هو الجسم واستصحاب نجاسته لا يثبت ملاقاة الجسم المتنجس.
والجواب هو ما ذكرنا من أن العرف لا يرى في هذه الموارد عناوين طولية مقيدة بل عناوين عرضية مركبة وهذا الجواب هو الظاهر من كلمات المحقق النائيني قدس سره.
ولكن بعض الأعاظم لم يرتض هذا القول وقال ان مورد النزاع هو ان العالم بما أنه عالم اذا كان عادلاً كذا.
وهذا النحو من التقييد مع انه لم يذكر في الكلمات ولم يرد في الادلة لم يعلم لاعتباره وجه صحيح ثبوتاً ولم يعلم ان المراد به الحيثية التعليلية أو التقييدية.
فظهر مما ذكرنا ان اعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب كما ذكره الشيخ بجميع شقوقه لا وجه له.
الجهة الثانية: في أن المعتبر في اتحاد القضيتين هل هو النظر العرفي او لسان الدليل او الدقة العقلية؟ والمراد بالدقة العقلية المفاهيم الفلسفية القديمة ويمكن أن يضاف إليه طرق الاستكشاف الحديثة والاتحاد يحصل بين القضيتين باتحاد الثابت والمثبت له ولا يقدح الاختلاف في العوارض. وحيث ان الغالب من موارد الاختلاف بين لسان الدليل والنظر العرفي هو الشبهات الحكمية والغالب من موارد الاختلاف بين الدقة العقلية والنظر العرفي هو الشبهات المصداقية عندنا فنقسم المبحث الى مبحثين:
المبحث الأول: في موارد الاختلاف بين لسان الدليل والنظر العرفي.
والبحث في مقامين:
المقام الأول: في الفرق بينهما في تشخيص المثبت له. ويتلوه البحث عن أن مقتضي الادلة هو اعتبار لسان الدليل في ذلك أو النظر العرفي.
لا اشكال في أن لسان الدليل وهو قضية لفظية يكشف عن قضية لبية . فربما يكون الموضوع في القضيتين واحد وقد يختلف الموضوع فيهما ويستكشف ذلك بالمناسبات والقرائن. فاذا قال مثلاً (الرجل اذا كان مجتهداً يجوز تقليده) فلسان الدليل مركب من ثلاث اجزاء: الموضوع والمحمول والشرط، فالقضية ثلاثية، فان كان المعتبر لسان الدليل كان الموضوع هو الرجل والشرط ليس الا ما علق عليه الحكم بمعنى ان ارتباط المحمول بالموضوع لا يتحقق الا في هذه الصورة. وكذلك اذا قال (الخبر اذا كان المخبر به ثقة يجب الأخذ به). ولكن العرف لا يوافق التثليث بل يحكم بموجب المناسبات والمرتكزات العقلائية ان الموضوع هو الرجل المجتهد وخبر الثقة لا عنوان الرجل أو الخبر باعتبار انه يرى ان الحكم باتّباع الرأي لا يناسب الرجولية وانما يناسب المجتهد والحكم بوجوب الأخذ لا يناسب الا الوثوق بالمخبر.
وقد يتوافق النظر العرفي ولسان الدليل بمعنى ان العرف يرى ان الموضوع في القضية اللفظية هو الموضوع في القضية اللبية كما اذا قال (التراب احد الطهورين) أو قال (المجتهد يجوز تقليده) فان الموضوع في لسان الدليل هو التراب والمجتهد ولا يرى العرف هنا مناسبة توجب الحكم على خلاف أصالة التطابق بين القضية اللفظية واللبية.
ولكن بعض الاعاظم جعل مورد التوافق مورداً للاختلاف بدعوى أن التراب لو تبدل الى خزف أو آجر فان كان المعتبر هو لسان الدليل فالموضوع ليس باقياً لعدم صدق التراب وأما لو كان المعتبر هو النظر العرفي فهو باق وذلك لأن الاختلاف في نظر العرف ليس في الصورة النوعية بل في العوارض فان الخزف ليس الا التراب المطبوخ المتماسك. ثم ذكر مورداً آخر للاختلاف وهو أنه لو قال مثلاً (أكرم كل عالم) وشككنا في بقاء وجوب الاكرام بعد سلب العلم منه بالنسيان مثلاً فمقتضى التقيد بلسان الدليل هو عدم وجوب الاكرام لعدم صدق الموضوع ومقتضى النظر العرفي هو بقاء الوجوب بدعوى أن الموضوع في نظرهم هو ذات زيد بعد صدق عنوان العالم فنقول هذا كان واجب الاكرام سابقاً والآن أي في ظرف الشك يجب اكرامه أيضاً.
ولكن الصحيح ان العرف لا يري بقاء الموضوع في الموردين اما في المثال الأول فما ذكره من أن الصورة النوعية لم تتبدل وانما تبدلت العوارض وان كان صحيحاً في نفسه الا ان المعتبر في بقاء الموضوع ليس بقاء الصورة النوعية وذلك لان بعض الامور وان لم تكن مؤثرة في الصورة النوعية الا انها مقومة للعنوان وقد ذكرنا تفصيل ذلك في مبحث الاستحالة من المطهرات. ومحصّله ان المعتبر في الاستحالة هو تبدل الصورة النوعية والمعتبر في البيع والاستصحاب هو بقاء العنوان المقوم وبينهما عموم مطلق فمثلاً اذا باع عبداً فبانت جارية فالاختلاف بينهما ليس اختلافاً في الصورة النوعية الا أن مقتضى اختلاف الاغراض المعاملية فيهما يوجب اختلاف العنوان المقوم للبيع فالبيع باطل لا جايز بخيار تخلف الشرط وكذلك في الدجاج والديك حيث تختلف الاغراض في تربيتها كما في القرى والارياف. وكذلك في الاستصحاب فاذا تغير العنوان المقوم لا يحكم بوحدة القضيتين عرفاً كتبديل التراب بالخزف نعم يحكم ببقاء الاستقذار العرفي والنجاسة الشرعية فان زواله يتوقف على تبدل الصورة النوعية كاستحالة الدم لبنا والمني حيواناً. والحاصل ان بعض الاُمور يعتبر مقوماً للعنوان وان لم يكن زواله مغيراً للصورة النوعية كاختلاف الجبن واللبن أو العبد والجارية وهذا هو الملاك في وحدة القضيتين في الاستصحاب أو وحدة المبيع والمقبوض وبعض الاُمور يوجب زواله تغير الصورة النوعية كاستحالة الدم لبنا وهذا هو الملاك في الطهارة.
واما في المثال الثاني فلما ذكرناه في مبحث الأصل المثبت من أن الأثر ليس للفرد وانما هو للكلي وان الذي يجب اكرامه هو العالم ووجود زيد في الخارج بالاضافة الى كل حد من حدوده وجود لذلك الحد وهو بالاضافة الى هذا الحد (العالم) يجب إكرامه . فان العالم اينما وجد وباي وجود تحقق يجب اكرامه.
ولكن يمكن ان يكون ما ذكره هنا ناشئا عما ذكره هو من الفرق بين العموم الاستغراقي والمطلق الشمولي خلافاً لغيره فقال: ان الموضوع في مثل أحل الله البيع هو نفس الطبيعة الا أنه بلحاظ الوحدة في الكثرة ولكنه في مثل أكرم العلماء هو نفس الافراد والكثرات. فلو أراد ذلك فيما نحن فيه فالجواب عنه ــ مضافا الى الاشكال في نفس المبنى كما ذكرنا تفصيله في محله ــ انه حتى لو فرضنا كون الموضوع هو الكثرات الا أنه ليس الملحوظ فيه الافراد بما هي هي بل باعتبار تحقق الطبيعة فيها.
المقام الثاني: في أن المدار في تشخيص المثبت له هو النظر العرفي لا لسان الدليل. وربما يتوهم ان المناط هو ظاهر لسان الدليل نظراً الى ان الشارع المقدس نهى عن نقض اليقين بالشك وهو دليل الاستصحاب فلابد في تحقق الاستصحاب من ملاحظة ما يراه الشارع نقضاً لليقين وعليه فالمعتبر هو ملاحظة ما جعله الشارع موضوعاً للحكم بموجب لسان الدليل.
والجواب عنه بوجهين اجمالي وتفصيلي:
اما الوجه الاجمالي فهو أنا لا ننكر وجوب ملاحظة ما جعله الشارع موضوعاً الا ان المدعى ان الدخيل في الاطاعة والعصيان هو القضية اللبية لا اللفظية واستكشافها يتوقف على مراعاة القضية اللفظية بضميمة القرائن الحالية والمناسبات والمرتكزات العقلائية.
وأما الوجه التفصيلي فهو أن دليل حجية الاستصحاب على ما ذكرنا هو بناء العقلاء والاخبار. والاول يبتني على الاطمينان الاحساسي والاستصحاب تصرف في الصور النفسية فما يثبت به بقاءاً هو ما أثر في النفس ثبوتاً وما وجده الانسان باحساسه وشعوره موضوعاً في مرحلة الثبوت هو الموضوع في مرحلة البقاء ولا اشكال في أنه في مثل (الرجل اذا كان عالماً فاكرمه) هو ذات الرجل بوصف العلم.
وأما الأخبار فان قلنا بأنها امضاء لحكم العقلاء وارشاد اليه فالكلام هو الكلام لان الملاك حينئذ هو الحكم المرشد إليه. وأن قلنا بأن الحكم فيها تأسيسي فلا اقل من الالتزام بأن العقلاء يرون المناسبة بين الحكم والموضوع واليه يشير قوله عليه السلام (ولا ينبغي لك ان تنقضي اليقين بالشك) ان لم نقل بأنه اشارة الى الارشاد الى الحكم العقلائي. وعليه فيدور الحكم حسب حدود التناسب العقلائي الملحوظ بين الحكم والموضوع ويكون نقض اليقين بالشك تابعاً لما يراه العقلاء نقضاً فليس امراً تعبدياً محضاً.
المبحث الثاني : في مواردالاختلاف بين النظر العرفي والدقة العقلية. والبحث في مقامين أيضاً:
المقام الأول: في الفرق بينهما وهو يظهر في موارد:
أحدها: ما ذكرناه في استصحاب الاُمور التدريجية وهو أن الوحدة قد تكون حقيقية وقد تكون اتصالية وقد تكون اعتبارية عرفية فالاُولى كالوحدة الشخصية والثانية كالزمان والحركات غير المنفصلة فانها أيضاً كالوحدة الحقيقية من جهة أن الاتصال الوحداني مساوق للوحدة الشخصية والثالثة كالتكلم والسفر اذا اعتبر واحداً من جهة وحدة الغرض مع تخلل الانفصال حقيقة ففي مثل ذلك يعتبر عند العرف أمراً واحداً وبالدقة العقلية اُموراً كثيرة منفصلة بعضها عن بعض. وقد ذكرنا هناك الضابط في تشخيص الوحدة العرفية.
فمن هذه الجهة يكون النظر العرفي في الوحدة بين القضيتين أوسع من النظر العقلي وقد يكون بالعكس كما اذا قال المولى أكرم العالم فوجب اكرام زيد لكونه عالماً ثم شككنا في بقاء وجوب الاكرام فان استصحابه يجري بناءً على النظر الفلسفي وذلك لاتحاد القضيتين فان القضية المشكوكة هي زيد يجب اكرامه وهي عين القضية المتيقنة والعالم حد وسط لثبوت وجوب الاكرام لزيد ولا يمنع ذلك من تعلق الحكم واقعاً بزيد. ولا ينافي ذلك كون العارض ذاتياً لما ذكره السبزواري في حاشية الاسفار من أن مطلق الواسطة في العروض لا تنافي كون العارض ذاتياً والا يلزم ان لا يكون موضوع العلم مبحوثاً عنه في العلوم لأن موضوعات المسائل واسطة في العروض لثبوت محمولاتها لموضوع العلم. ومن هنا قال المحقق الخراساني ان الأثر لو كان للكلي يمكن اثباته للفرد بالاستصحاب وليس ذلك من الأصل المثبت. وذكرنا وجه الضعف فيه في مبحث الأصل المثبت من جهة منع ذلك عرفا وان وافق النظرة الفلسفية.
فتحصل ان مثل هذه الواسطة في نظر العرف يمنع من وحدة القضيتين وفي نظر الفلسفة لا يمنع فما قيل من أن النظر العرفي أوسع دائماً غير صحيح. وقدمرّ تفصيل هذا المطلب في مبحث الاصل المثبت حيث منعنا جريان الاستصحاب حتى في الوسائط الخفية.
ولعل بعض الاعاظم حيث ادعى في المبحث السابق مساعدة النظر العرفي لكون الموضوع ذات زيد كان نظره الى هذه النظرة الفلسفية.
ولكن الاعلام ذكروا للفرق بين النظر العرفي والنظر العقلي عدة موارد.
منها: ما ذكروه من ان النظر العقلي لو كان هو الملاك لم يجر الاستصحاب في شيء من الاحكام الشرعية لوجهين:
أحدهما ما ذكره السيد الخميني «أيده الله» وهو أن ما يدركه العقل أو يجعل في لسان الدليل علة للحكم هو الموضوع بحسب النظر العقلي الدقيق لان الحيثيات التعليلية مرجعها الى الحيثيات التقييدية مع ان الموضوع بحسب النظر العرفي هو ما يجعل في لسان الدليل موضوعاً مثال ذلك: ان يقول الشارع الخمر حرام ويكشف العقل بالدوران والترديد ان الاسكار هو العلة فهو الموضوع حقيقة أو يقول الشارع الرجل اذا كان عالماً فأكرمه فالعالم هو الموضوع حقيقة. والمراد بالحيثيات التعليلية ما يكون موضوع الأثر هو المتحيث وتكون الحيثية علة للحكم وبالحيثيات التقييدية ما يكون موضوع الأثر فيها نفس الحيثية.
والجواب عنه: هو ما ذكرناه في مبحث الأصل المثبت ان قولهم الحيثيات التعليلية مرجعها الى الحيثيات التقييدية انما هو في الأحكام العقلية العملية فان قيل ان العقل يحكم بأن ضرب الولد حسن لانه تأديب كان مرجعه ان التأديب حسن بل التأديب أيضاً حسن لانه احسان فالحكم العقلي الاولي ان الاحسان حسن. وأما الاحكام العقلية النظرية فليست الا انعكاساً عن الخارج وهي من المدركات العقلية لا منشئاتها كالقسم السابق وحينئذ فالادراك إنما يصح اذا كان مطابقاً للواقع فان جعل الشار ع الحكم على موضوع بعلة فالادراك الصحيح ان ينعكس الموضوع موضوعاً والعلة علة فان انعكس كان خطأً لا ادراكاً فلابد ان يميز بين الاحكام العقلية العملية التي هي من افعال العقل ومنشئاته والاحكام العقلية النظرية التي هي من انفعالاته وادراكاته.
الوجه الثاني ما ذكره السيد الخوئي «أيده الله» وهو ان الموضوع اذا كان مقيداً في لسان الدليل ثم زال القيد تغير الموضوع لتغاير ما هو بشرط شيء مع ما هو بشرط لا فان قال الماء اذا كان متغيراً كذا ثم زال التغير لا يمكن استصحاب حكمه. والفرق بينه وبين الوجه السابق ان الحيثية التقييدية هناك هو الموضوع في نظر العقل لا المتحيث والقيد هنا ليس موضوعاً وانما التقيد جزء الموضوع كما في المنظومة (تقيد جزء وقيد خارجي).
والجواب عنه : ان هذا انما يبتني على ما ذكره المحقق النائيني في مبحث الواجب المشروط وهو أن القيود كلها ترجع الى الموضوع وان الحيثية التعليلية لا معنى لها. وهذا غير صحيح لأن القيد يرجع الى الحكم والعلة واسطة في ثبوته. وانكاره يبتني على ما ذكره المحقق النائيني من أن العلية اذا كانت ذاتية لزم ان تكون النجاسة المعلولة من الامور الذاتية لا الاحكام الشرعية واذا كانت بجعل الشارع لزم الجعل التأليفي بين الشيء وخارج المحمول الى آخر ما ذكره في مبحث الواجب المشروط وذكرنا الجواب عنه. وقد ذكرنا هناك ان هذه القيود ليست علة في الواقع حتى يبحث عن ذاتيته وجعليته وانما هي ظروف لجعل الحكم.
ومنها ما ذكره بعض الاعاظم وهو مورد تبدل الصورة النوعية فان العرف والعقل يختلفان فيه فاذا مات الكلب مثلاً فان الصورة النوعية بالنظر الدقيق العقلي غير باقية وشيئية الشيء بصورته لا بمادته والصورة النوعية الكلبية هي النفس الكلبية وهي غير باقية وانما الباقي جماد والقول بانه جثة الكلب مبني على المسامحة لانتفاء المضاف اليه وهو النفس الكلبية ولكن العرف يرى ان الكلب هو هذا الجسم وان حياته من العوارض فيرى الموضوع باقياً. نعم اذا تبدل الى ملح أو تحجر تنتفي عنه الصورة الكلبية عرفاً أيضاً.
والجواب عنه: انه لم يقم برهان على أن الصور النوعية هي النفوس حتى في الحيوانات والاختلاف بين الحقائق ليس مبتنياً على اختلاف الفصول والاجناس على ما يذكر في الفلسفة القديمة. والعلم الحديث قد اثبت ضعف الفلسفة القديمة عن تشخيص حقائق الكون. وفي رواية سليمان المروزي ان الله خلق خلقا مختلفاً باعراض وحدود.
هذا مضافاً الى ان موضوع الدليل انما يحمل على المعنى العرفي لا على مصطلح الفلاسفة أو غيرهم فالنزاع يجب أن يكون في هذا المقام لا في وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة وخصوصاً في النجاسة فانها تعرض الجسم قطعاً حتى في نظر العقل ولا يتوهم ان يحكم العقل بأن معروض النجاسة هو النفس الكلبية.
ومنها: ما يقال من ان الشارع اذا حكم بنجاسة الدم مثلاً ثم زال عين الدم وبقي اللون فالعرف يحكم بعدم بقاء الموضوع لان الدم من الجواهر واللون من الاعراض. ولكن الفلسفة تقيم البرهان على ان هذا اللون هو عين الدم وذلك لاستحالة انتقال العرض من موضوع الى آخر فلا يتقوم اللون بالثوب مثلاً بدون وجود الاجزاء الدموية للزوم تحقق العرض بلا موضوع آناًما.
والجواب عنه: ان الفلسفة كما تقول باستحالة هذا تقول أيضاً بامكان تأثير العرض في شيء فيمكن ان يكون الباقي اثراً للعرض لا عينه فلا يلزم انتقاله من موضوع الى آخر كما أن الشمس توجب اسوداد وجه القصّار مع أن اشعة الشمس ليس فيها سواد فيمكن أن يكون اللون الباقي من تأثير الدم لا نفس لونه كما أنه يمكن أن يكون اللون الاحمر الباقي بعد غسل الحناء من تأثيره في البشرة لا بقاء العرض.
ومنها: ما يمكن أن يقال: أنه إذا قال المولى: الماء المتغير بالنجاسة نجس فالعرف يحكم بأن الموضوع هو الماء المتغير. ولكن الفلسفة لا تقبل ذلك فإن العرض لا يتقوم بالعرض والمتغير من الاعراض فلا يكون جزءً من مقوم العرض الآخر وهو النجاسة.
والجواب عنه: أن العرض قد يتقوم بالعرض نظير الكيفيات المختصة بالكميات. مضافاً الى أن النجاسة ليست من الاعراض بل هي من الاعتباريات وهي تعرض الاعراض كما تعرض الجواهر.
المقام الثاني : أن الميزان لتشخيص الموضوع هل هو النظر العقلي أم العرفي؟
يمكن أن يتوهم ان الميزان هو النظر العقلي لأن الالفاظ موضوعة للمعاني النفس الامرية فحكم العقل هو الميزان ولا يعتنى بما يراه العرف مصداقاً. فالنقض المنهي عنه هو ما يراه العقل نقضاً لليقين.
والجواب عنه: أن الاستصحاب يبتني على أحد أمرين بناء العقلاء والأخبار. أما الأول فليس فيه لفظ ومعنى وإنما هو بناؤهم على بقاء الحالة السابقة لامور نفسية واجتماعية فليس هنا عنوان النقض أو الوحدة أو غيرهما فالوحدة المعتبرة هنا من جهة أن الاطمينان الاحساسي الذي هو الاساس في الاستصحاب إنما يؤثر في بقاء الحكم للموضوع الذي رآه موضوعاً أولاً وشعرت به نفسه وتأثرت به.
وأما الأخبار فالوارد فيها كلمة النقض وهنا محل الكلام في أن المراد به المعني العرفي أو العقلي وحيث إن اللغة ظاهرة اجتماعية فلابد في فهم المراد من الالفاظ من مراجعة فهم المجتمع. ولكن ذكرنا سابقاً أن هذه الجملة وردت مورد الكنايات والاعتبارات الادبية فلا عبرة بكلمة النقض ولا بكلمة الوحدة كما توهم أما الوحدة فلانها لم ترد في رواية واما النقض فلما ذكرنا من أنه كناية عن اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء وهذا الاستعمال من قبيل الاستعارة بالكناية فقد شبّه اليقين بالحدوث باليقين بالبقاء في النفس وهذا استعارة تخييلية ثم ذكر أحد لوازم كون اليقين يقيناً بالبقاء وهو عدم جواز نقضه بالشك لانه نقض لأمر متماسك الاجزاء وهي الحدوث والبقاء بأمر غير متماسك وهو الشك فالمجعول حقيقة هو المكني عنه وهو اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء. ولا معنى للرجوع الى العرف في فهم معنى النقض كما لا معنى له في فهم معنى كثير الرماد اذا قيل زيد كثير الرماد بل المعتبر المعنى المكني عنه وهو الجود. وقد ورد جملة اليقين لا ينقض بالشك في كلمات الادباء كصاحب بن عباد فهي جملة مشهورة يؤتى بها كناية عن ما ذكرناه.
قاعدة اليقين
الأمر الثاني مما يذكر في الخاتمة تبعاً للشيخ قدس سره هو الكلام حول قاعدة اليقين. وقد ذكرنا في اوائل مبحث الاستصحاب الفرق بينه وبينها وبين قاعدة المقتضي والمانع. وأن الذي يميز قاعدة اليقين عنهما هو أن الشك فيه متعلق بعين ما تعلق به اليقين حتى من جهة الحدوث والبقاء ولذا يعبر عنها بالشك الساري.
وهذه القاعدة في مرحلة الاثبات ترتبط بقاعدة الفراغ وبالاستصحاب بمعنى الاشتراك في الادلة فالبحث في مقامين:
المقام الأول: في ارتباطها بأدلة قاعدة الفراغ.
والكلام في جهتين:
الجهة الاُولى في بيان المراد من قاعدة الفراغ التي ترتبط بهذه القاعدة وبيان النسبة بينهما. والجهة الثانية في امكان الاستدلال على هذه القاعدة بأدلة قاعدة الفراغ.
أما في الجهة الاُولى فنقول: قاعدة الفراغ لها معنيان:
الأول قاعدة الفراغ الحقيقي. وهي أن يشك بعد العمل في صحته مع احراز الفراغ من العمل إما بالقطع كما اذا اتينا بالجزء الأخير وإما بفوات الموالاة فيما تعتبر فيه الموالاة مع الشك في الاتيان بالجزء الاخير وإما بحصول المنافي للعمل مع الشك في اتيان الجزء الاخير ايضا. وبأحد هذه الاُمور يحصل الفراغ الحقيقي.
الثاني: قاعدة الفراغ البنائي وهي أن يشك في صحة العمل بعد الفراغ مع القطع بصحته اثناء العمل.
وبينهما عموم من وجه. فاذا قطع بالفراغ الحقيقي مع عدم حصول القطع بالصحة اثناء العمل جرت القاعدة الاولى فقط. واذا شك في الجزء الاخير من دون قطع بالفراغ بحصول المنافي أو فوات الموالاة مع العلم بالصحة اثناء العمل كما اذا شك في صحة الغسل من جهة الشك في الجزء الاخير فلا يعلم بالفراغ لعدم اعتبار الموالاة وعدم العلم بالجزء الاخير والمفروض أنه كان عالماً بالصحة والتمامية اثناء الغسل فتجري القاعدة الثانية فقط.
واختلف الفقهاء فبعضهم يقولون باعتبار القاعدة الاُولى فقط وهو الاقوى وذهب آخرون الى اعتبار الثانية فقط ومنهم المحقق العراقي والسيد الحكيم قدس سرهما وذهب جماعة الى اعتبارهما معاً ومنهم الشيخ الطوسي في النهاية وصاحب الجواهر قدس سرهما.
والذي يرتبط بقاعدة اليقين منهما هو القاعدة الثانية والنسبة بينهما عموم مطلق لاختصاص قاعدة الفراغ البنائي بالشك الساري في صحة العمل بعد العلم بها وشمول قاعدة اليقين لها ولسائر موارد الشك الساري من مفاد كان وليس الناقصتين والتامتين.
وأما في الجهة الثانية فنقول: هناك روايتان استدل بهما على قاعدة الفراغ البنائي وهما رواية محمد بن مسلم ورواية فقه الرضا.
أما الاولى فهي ما رواه الصدوق بسنده عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام أنه قال (ان شكّ الرجل بعد ما صلىّ فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف انه كان قد اتم لم يعد الصلاة وكان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك). ورواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلاً من كتاب نوادر المصنفين لمحمد بن على بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم إلا أن فيه: (أقرب منه الى الحفظ).
والكلام تارة في سندها واخرى في دلالتها:
أما سند الصدوق الى محمد بن مسلم فهو ضعيف في المشيخة لانه هكذا: علي بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن أحمد بن أبي عبدالله البرقي عن محمد بن خالد البرقي عن علاء بن رزين عن محمد بن مسلم. وعلي بن أحمد وابوه لم يوثقا.
ولكن المحدث النوري صحح السند بدعوى أن هذين الرجلين ليس لهما كتاب فالمستند إما أن يكون كتاب المحاسن للبرقي أو كتاب علاء بن رزين وللصدوق الى كتابيهما طرق صحيحة.
والجواب عنه: أن هذا كما انه محتمل كذلك يحتمل نقله عن كتاب محمد بن مسلم المسمى بأربع مائة مسألة وليس له اليه طريق غير هذا الطريق. مضافاً الى أن كتب البرقي أي اجزاء المحاسن كثيرة بعضها مشهورة وبعضها غير مشهورة فيمكن أن يكون المستند لهذه الرواية تلك الاجزاء غير المشهورة التي لا يصح التعويل عليها. وأما كتاب علاء بن رزين فنسخه متعددة ومختلفة بالزيادة والنقيصة ولعل هذه الرواية ليست الا في النسخة الواصلة إليه من هذا الطريق.
ويمكن دفع هذه الاحتمالات بقول الصدوق في أول الفقيه انه لا ينقل الا عن الكتب المشهورة فان كان من المحاسن كان من اجزائه المشهورة وان كان من كتب علاء كان من النسخ المشهورة وأما كتاب محمد بن مسلم فهو غير مشهور فلا ينقل عنه.
والجواب أنه يقول بعد دعوى نقله عن الكتب المشهورة وعدّها (وغيرها من الاصول والمصنفات التي طرقي اليها مذكورة في الفهرست) وبناء على هذه الجملة فلا يختص النقل بالكتب المشهورة. هذا مع انا نلاحظ نقله من الكتب غير المشهورة كثيراً كتفسير علي بن إبراهيم وكتاب العلل لفضل بن شاذان وقد اثبتنا عدم صحة اسناد الكتاب اليه.. الى غير ذلك.
واما نقل ابن ادريس فالكلام فيه من جهات ثلاث:
الجهة الاولى: النظرة العامة في كل ما يرويه في مستطرفاته وقد توهم صاحب الوسائل أن كلها متواترة لانه لا يعمل بالخبر الواحد والجواب عنه واضح فانه لم يظهر منه العمل بهذه الاخبار مضافاً الى انه لا يقتصر في العمل بالاخبار المتواترة. وهو لا ينقل الروايات مسندة وليس له طريق اليها وانما ينقلها بطريق الوجادة استنباطا منه ان الكتاب لفلان.
وقد يتوهم امكان اثبات صحتها من جهة كونه اهل خبرة في تشخيص خطوط المؤلفين.
والجواب عنه: انه كونه من أهل الخبرة في الحديث والرجال غير معلوم وقد حكى صاحب مفتاح الكرامة في باب صلاة الاستخارة عن العلامة انه قال بعد نقل عبارة عن ابن ادريس فيها اشتباهات رجالية كثيرة (انه قليل الاطلاع في الحديث والرجال) وهو كذلك فانه ينقل عن أبان بن تغلب ويوصفه بانه صاحب الباقر والصادق عليهما السلام ويروي في ضمن احاديثه ما يرويه هو عن معمر بن خلاد عن الرضا عليه السلام مع انه توفي في زمان الصادق عليه السلام ونظيره كثير في كتابه. والعجب من صاحب الوسائل انه كيف اعتمد على مثل هذا الكتاب واعجب منه انه صحح من عند نفسه في بعض الموارد وأبدل اسم أبان بن تغلب الى ابان بن عثمان.
الجهة الثانية: النظرة الخاصة في رواياته عن كتاب نوادر المصنف لمحمد بن على بن محبوب ويمكن القول بجواز الاعتماد عليها بالخصوص نظراً الى انه يقول: وجدتها بخط جدي أبي جعفر الطوسي قدس سره . ويؤيد ذلك ان السيد بن طاوس قدس سره وهو من أهل الخبرة نقل في كتاب الاقبال كثيراً عن كتاب نوادر المصنفين أو المصنف مدعيا أيضاً انه بخط جده أبي جعفر الطوسي وربما يوجب ذلك الاطمينان باعتباره. نعم يمكن الخدشة في ذلك أيضاً بان المعروف في كتب الرجال ان كتاب ابن محبوب اسمه الجامع ولم يذكروا له كتاباً باسم نوادر المصنفين او نوادر المصنف الا أن تعدد الاسم ممكن.
الجهة الثالثة: في الكلام في خصوص هذه الرواية بعد الفراغ عن صحة السند الى محمد بن على بن محبوب فانه يرويها عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم. والاشكال انما هو في نقل ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم فان الاول من الطبقة السادسة ووفاته في سنة 217 والثاني من الطبقة الرابعة ووفاته حوالي سنة 150 فلا يمكن نقله عنه. وهذا لا يختص بهذه الرواية فنقل ابن أبي عمير عنه كثير ولا يختص به أيضاً فكثيراً ما ينقل رجال الطبقة السادسة غيره عن محمد بن مسلم فلابد من الالتزام بحذف الواسطة فتكون الرواية مرسلة.
ويمكن أن يقال بأن وسائط ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم رجال موثقون كأبي أيوب الخزاز وحماد في غير هذه الرواية مع أنه لو كان غير معلوم الحال لابد من الاعتماد عليه بناءً على أن مراسيله معتبرة.
والجواب عنه: ان ذلك انما يصح في المراسيل بابهام الواسطة وأما في موارد حذف الواسطة فيحتمل كون الواسطة متعدداً ونحن لا نقول بوثاقة مشايخ مشايخه.
وكيف كان فاعتبار الرواية محل تأمل.
أما الكلام في دلالتها فالظاهر انها لا تدل على قاعدة الفراغ البنائي فضلاً عن قاعدة اليقين التي هي أوسع منها وذلك لان موردها هو خصوص ما اذا كان يقينه حين انصرف انه قد اتم صلاته فلا يشمل غير مورد قاعدة الفراغ الحقيقي ومبنى الفراغ البنائي على الصحة ان شك بعد اليقين بها وإن لم يكن متيقنا بالتمام. وأما ذيلها فهو بمنزلة التعليل ولا يظهر منه بيان قاعدة كلية فلا يستفاد منه كبرى قاعدة الفراغ فكيف بقاعدة اليقين.
ويمكن أن يقال: ان مستند فتاوى الائمة عليهم السلام اصول علم يرثونها كابر عن كابر كما صرحوا به في عدة روايات والاصل المعتمد عليه هنا احدى القاعدتين.
والجواب عنه: أن هذا المورد مورد انطباق قاعدة الفراغ الحقيقي أيضاً فيحتمل أن تكون هي الاصل في ذلك.
وأما الرواية الثانية فهي رواية فقه الرضا (وكل سهو بعد الخروج من الصلاة فليس بشيء ولا اعادة فيه لانك قد خرجت على يقين والشك لا ينقض اليقين).
وهذه الرواية من حيث الدلالة لا اشكال فيها فان قوله والشك لا ينقض اليقين ظاهر في قاعدة الفراغ البنائي. واما من حيث السند فيمكن تصحيحها بعمل الاصحاب وقد نقل الشيخ في الرسائل عبارة جمع من القدماء المطابقة لهذه العبارة مما يدل على اعتمادهم عليها وان كان الشيخ لم ينقل عبارة فقه الرضا واكتفى بالرواية الاولى. ولكن المفيد قال في المقنعة: (فان عرض له شك فيه بعد فراغه منه وقيامه من مكانه لم يلتفت الى ذلك وقضى باليقين عليه). وهذه العبارة نقل لمفاد هذه الرواية. وقال الشيخ الطوسي بعد نقل قاعدة الفراغ الحقيقي: (فان انصرف من حال الوضوء وقد شك في شيء من ذلك لم يتلفت اليه ومضي على يقينه). وقد ذكر المحقق في نكت النهاية ان هذا اشارة الى قاعدة الشك الساري.. الى غير ذلك من عباراتهم الدالة على اعتمادهم على هذه الرواية مضافاً الى ما ذكرنا مراراً من اعتماد جمع من الاصحاب على هذا الكتاب في فتاواهم كعلي بن بابويه وابنه الصدوق والشيخان والسيد المرتضى قدس الله اسرارهم. وقد ذكرنا انه نفس كتاب التكليف للشمغاني كما ذكره السيد حسن الصدر في رسالة أفردها بهذا الصدد باسم (فصل القضا في كتاب فقه الرضا). وتفصيل الكلام في مبحث الاجماع.
ولكن ذكرها هناك مفصلاً عدم الاعتماد على هذا الكتاب وعدم كونه رواية عن المعصومين عليهم السلام وانما هو ما استفاده الشلمغاني من الروايات.
المقام الثاني: في ارتباط هذه القاعدة بالاستصحاب وأدلته. والبحث في جهتين:
الجهة الاولى: في البحث عن النسبة بين مجرى هذه القاعدة والاستصحاب والظاهر أن النسبة بينهما عموم من وجه ففي مورد تصادقهما قد يكونان متخالفين في الحكم وقد يكونان متوافقين. فاذا علمنا بعدالة زيد في يوم الجمعة وبقائها الى يوم السبت وشككنا يوم الاحد في بقاء عدالته يوم السبت بنحو الشك الساري فتجري فيه القاعدتان ونتيجتهما حكم واحد وهو بقاء العدالة لاستصحابها من يوم الجمعة ولسبق علمنا بها يوم السبت. واذا علمنا بها يوم الجمعة وبعدمها يوم السبت وشككنا فيها يوم الاحد بنحو الشك الساري بالنسبة الى العلم بالعدم يوم السبت فبمقتضى استصحاب عدالة يوم الجمعة نحكم بعدالته يوم السبت وبمقتضى قاعدة اليقين وسبق العلم بالعدم يوم السبت نحكم بعدمها. فهذا مورد تصادقهما مع التخالف في النتيجة .
وأما موارد قاعدة الاستصحاب دون قاعدة اليقين فاكثر من ان تحصى وهي جميع موارد الشك في البقاء مع بقاء العلم بالحدوث. وأما افتراق قاعدة اليقين فقد انكره بعضهم وادعى بعضهم ندرتها ويمكن ان تذكر له عدة موارد:
منها موارد استصحاب العدم الازلي بناءً على عدم جريانه فاذا علمنا بأن هندا قرشية ثم شككنا فيه بنحو الشك الساري فقاعدة اليقين جارية وأما الاستصحاب فليس له مجرىً في المقام الا في العدم الازلي وعلي القول بعدم جريانه في الاعدام الازلية يبقى المورد خاصاً بقاعدة اليقين.
ومنها : مورد تعاقب الحادثين فإذا علمنا بالوضوء ثم شككنا فيه بنحو الشك الساري وعلمنا بتحقق وضوء وحدث ولم نعلم المتقدم منهما والمتأخر فالاستصحابان لا يجريان إما لعدم اتصال زمان اليقين بزمان الشك كما هو رأي المحقق الخراساني وإما للتعارض كما هو رأي الشيخ وأما قاعدة اليقين فلا مانع من جريانها الا انه يبتني على أن يكون دليلها مغايراً لدليل الاستصحاب كما يدعيه بعض وذلك لأن دليل الاستصحاب وهو (لا تنقض اليقين بالشك) لا يشمل مورد التعارض بالذات كما نحن فيه بمعنى أنه لا ينعقد له ظهور بالنسبة الى هذا المورد وذلك لأن عدم امكان التعبد بالضدين كالقرينة المتصلة لعدم الشمول وحينئذ يشمل المورد دليل قاعدة اليقين بلا مانع. ولا يتوهم أن قاعدة اليقين تعارض مجموع الاستصحابين وذلك لأن توهم التعارض الاُصول الطولية أي المختلفة بالرتبة انما يكون في مورد التعارض بالعرض أي موارد العلم الاجمالي فان حجية الاصول هناك مسلمة إلا أن تنجيز العلم الاجمالي مانع من التمسك بالاُصول ولكن المانع في المقام هو تعارض الاستصحابين بالذات المانع من شمول دليل حجيتهما للمورد كما بينا فلا مانع من جريان قاعدة اليقين. وأما إذا قلنا بأن دليلها هو نفس دليل الاستصحاب وأن المستفاد من (لا تنقض اليقين بالشك) كلتا القاعدتين فالتعارض انما هو بالذات. وعدمُ امكان التعبد بالضدين كما يمنع من انعقاد الظهور للاستصحاب في مورديه هنا كذلك يمنع من ظهور شمول قاعدة اليقين للمورد.
فتحصل أن مورد تعاقب الحادثين يصح أن يجعل من موارد افتراق قاعدة اليقين إذا قلنا بمغايرة دليله لدليل الاستصحاب.
ومنها : كل مورد شك فيما يتقن به أولاً بنحو الشك الساري من دون العلم بالحالة السابقة كما إذا علمنا بالوضوء أول الزوال ثم شككنا فيه ولم نعلم بالحالة السابقة أصلاً فإنه مورد قاعدة اليقين فقط.
الجهة الثانية: في أن أدلة الاستصحاب هل تدل على حجية قاعدة اليقين أم لا؟ وهذه الادلة على قسمين: القسم الأول ما يدور الأمر فيها بين إرادة قاعدة اليقين فقط وإرادة الاستصحاب فقط والقسم الثاني ما يدل على الاستصحاب قطعاً وانما البحث في أنه يدل على القاعدة أيضاً مع دلالته على الاستصحاب ام لا يدل.
أما القسم الأول فقد بحثنا عنه في اوائل بحث الاستصحاب ومنه ما روي عن امير المؤمنين عليه السلام (من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه) وقدمر الاشكال فيه سنداً ودلالة. ومنه رواية اسحاق بن عمار (اذا شككت فابن على اليقين، قلت هذا أصل قال: نعم). وقدمر الاشكال في دلالته وسنده أيضاً. ومنه ذيل صحيحة زرارة الثالثة (فان ظننت انه اصابه فنظرت فلم أر شيئاً قال: تغسله ولا تعيد. قلت ولم؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك وشككت ولا ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك) وقدمرّ الاشكال في دلالته أيضاً.
وأما القسم الثاني فهو جملة (لا تنقض اليقين بالشك) فانها تدل على حجية الاستصحاب قطعاً وإنما الكلام في اطلاقه وشموله بالنسبة الى قاعدة اليقين. فذهب الشيخ والمحققان النائيني العراقي الى عدم امكانه ثبوتاً. وذهب جماعة من أعاظم العصر الى عدم مساعدة القرائن المحتفة بالكلام لارادة الاطلاق منها وان امكن ذلك ثبوتاً. وهنا احتمال ثالث وهو التمسك بالاطلاق بعد دفع الاشكالات. وعليه فالبحث في مقامين: مقام الثبوت ومقام الاثبات.
أما في المقام الأول: فالظاهر أن جعل الكبرى الواحدة المتكفلة لبيان القاعدتين لا اشكال فيه ثبوتاً بأن يحكم الشارع مثلاً بعدم الاعتناء بالشك بعد اليقين سواء كان متعلق اليقين متحداً مع متعلق الشك حتى في الزمان أو مختلفاً معه من هذه الجهة فيشمل القاعدتين. وبعبارة اُخرى لا يعتنى بالشك بعد اليقين سواء كان سارياً او طارئاً ولا محذور فيه عقلاً.
ولكن قد بين الشيخ والمحققان النائيني والعراقي وجوهاً للمنع عن ذلك. وقد تصدى لدفعه السيدان الخوئي والخميني «أيدهما الله» بما لا نحتاج الى ذكره والبحث عن خصوصياته بعد صحة أصل المدعى.
إلا أنه يمكن ان يستدل لما ذكره الشيخ بما لم يذكره في وجوه المنع وهو أن اليقين على مسلكه مستعمل في المتيقن ولذا ذكر أن المصحح للتعبير بالنقض هو كون المتيقن أمراً مبرماً ومن هنا ذهب الى عدم شمول دليل الاستصحاب لموارد الشك في المقتضي على ما مر تفصيله في اوائل الاستصحاب وعليه فان اريد من الدليل كلتا القاعدتين لابد ان يراد به المتيقن بلحاظ الاستصحاب ونفس اليقين بلحاظ قاعدة اليقين فان مورد النقض وعدمه فيها هو نفس اليقين فيلزم منه استعمال اللفظ في اكثر من معنى.
والجواب عنه أولاً: ان استعمال اللفظ في أكثر من معنى ليس مستحيلاً بل هو واقع ولذا لم نتعرض في محله لجواب أدلة الاستحالة وانما اكتفينا بذكر موارد الوقوع وأدل دليل على امكان الشيء وقوعه. وقد ذكر المرحوم الشيخ محمد رضا أبو المجد في رسالة له في ذيل كتابه وقاية الاذهان موارد عديدة لهذا الاستعمال. ومنها قول الشاعر: (أيّ المكان تريد ثم من الذي تمشي إليه اجبته المعشوقاً) فان المراد بالمعشوق مكان وهو قصر المتوكل بسامراء وانسان وهو حبيبه. نعم هو مخالف للمتعارف فلابد من اقامة قرينة عليه.
وثانياً: ان هذا الاشكال يبتني على أن يكون المستعمل فيه في المجازات غير ما وضع له فيختلف المستعمل فيه في المقام وهو غير صحيح بل المستعمل فيه دائماً هو نفس الموضوع له إلا أن التطبيق في النفس مختلف في موارد الحقيقة والمجاز ولذا يصح الاضراب في قولنا (زيد شجاع بل اسد). ويصح التعجب في قوله (قامت تظللني من الشمس ــ نفس اعز عليّ من نفسي . قامت تظللني ومن عجب ــ شمس تظللني من الشمس) فلو كان المراد من الأسد الشجاع لم يكن وجه للاضراب ولو كان المراد من الشمس الجسم الانساني المشار إليه لم يكن وجه للتعجب.
أما المقام الثاني فالقرائن على اختصاص الأدلة المعبرة بـ (لا تنقض اليقين بالشك بموارد الاستصحاب أربعة:
القرينة الأولى: قوله عليه السلام (ولا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك ابدا) فانه اشارة الى أن القاعدة المراد تأسيسها قاعدة عقلائية فهو يمنع من انعقاد الاطلاق وذلك لما ذكرناه سابقاً من أن الاستصحاب أمر مرتكز عند العقلاء وأما قاعدة اليقين فليست قاعدة عقلائية.
والجواب عنه يتوقف على البحث في أن التناسب الملحوظ بين اجزاء الكلام هل يلاحظ باعتبار المعاني الاستعمالية أم المعاني الجدية؟
الصحيح أن الارتباط بين اجزاء الكلام إنما يلاحظ بحسب المعاني الاستعمالية سواء كان بلحاظ المعنى الجدي متناسباً أم لا؟ ولذا صح التعجب في الشعر السابق فانه لا يناسب المعني الجدي إذ لا عجب في تظليل جسم الانسان من الشمس وإنما يناسب المعنى الاستعمالي. وفي قولنا زيد كثير الرماد إنّما صح التعبير بالكثرة باعتبار المعنى الاستعمالي وأما المراد الجدي وهو الجود فلا يناسب الكثرة. وقد ذكرنا أن جملة لا تنقض اليقين بالشك من قبيل الاستعارات وأن المراد الجدي هو بيان اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء وإذا امكن إرادة المعنى الأعم فيعتبر في المرحلة السابقة على الاعتبار الأدبي اعتباران: احدهما أن اليقين بالشيء باقٍ بنحو التوسعة في الكشف فينشأ منه الاستصحاب والآخر أن الكاشف باق فتنشأ منه قاعدة اليقين ثم يعبر بانه لا ينبغي أن تنقض اليقين بالشك ولا يلاحظ في تناسب (ينبغي) مع كلمتي اليقين والشك التناسب من جهة المعنى الجدي وهو إرادة المعنى الأعم من القاعدتين بل يلاحظ من جهة المعنى الاستعمالي. واليقين في المرحلة الاستعمالية مستعملة في معناها الحقيقي فتناسبه كلمة (لا ينبغي) أي لا يتيسر لك ان تنقض اليقين وهو أمر مبرم بالشك وهو أمر غير مبرم وان لم يناسب المعنى الجدي باعتبار ان قاعدة اليقين قاعدة مستحدثة فان المعنى الجدي حتى في الاستصحاب لا يناسبه التعبير من جهة أخرى وهو النقض إذ من يخالف الاستصحاب لا ينقض اليقين حقيقة فان المفروض أنه شاك فعلاً وإنما يناسب التعبير بالنقض مع المراد الاستعمالي من كلمة اليقين ويراد بالمجموع ابراز الاعتبار النفسي وهو أن اليقين بالحدوث يقين بالبقاء اعتباراً.
فتحصل أن مناسبة لا ينبغي إنما تلاحظ مع المعنى الاستعمالي لليقين وهو حاصل.
القرينة الثانية : وهي ما ذكره المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل وتبعه أكثر من تأخر عنه. وبيان ذلك ان كل ما أخذ موضوعاً لحكم في قضية فانما يلاحظ بالفعل كما هو مقرر في المنطق ومعنى ذلك أن الموضوع لابد أن يكون موجوداً في حال الجري والنسبة. وعليه فإذا قال لا تنقض اليقين بالشك وأراد الاستصحاب فقط فاليقين والشك موجودان بالفعل إلا أن متعلق اليقين الحدوث ومتعلق الشك البقاء ولكنه إذا أراد قاعدة اليقين فاليقين غير موجود في زمان الجري وإنما كان موجوداً وانعدم.
والجواب عنه يظهر مما تقدم. وذلك لان اليقين وان لم يكن باقياً بحدوده التكوينية إلا أنه غير معتبر وإلا لم يصح التعبير حتى في الاستصحاب فانه ليس باقياً فيه أيضاً وإنما المعتبر بقاؤه بحدوده الاعتبارية أي بعد اعتباره في النفس في المرحلة السابقة باقياً بنحو التوسعة في الكشف أو ابقاء الكاشف أو المعنى الأعم من الأمرين وهو بهذه الحدود الاعتبارية باقية في المقامين .
القرينة الثالثة : ما ذكره الشيخ قدس سره وتبعه السيد الخوئي «أيده الله» وهو أن جعل قاعدة اليقين لغو بلحاظ نسبتها مع نسبة الاستصحاب.
توضيحه: أن دليل القاعدة لو كان مغايراً لدليل الاستصحاب امكن التمسك بقاعدة اليقين سواء كانت النسبة عموماً من وجه أو عموما مطلقاً ولا يلزم منه محذور اللغوية وذلك لأن النسبة ان كانت عموماً مطلقاً يبقى للاستصحاب موارد كثيرة وان كانت عموماً من وجه دخلت المسألة في التعارض بالعموم من وجه ومن مرحجات ذلك الباب أن يكون المجمع بحيث لو أدخل تحت أحدهما لم يبق للآخر مورد إلا نادراً فلابد من ادخاله تحت الآخر وقد عرفت ان مسلك القوم أن مورد افتراق قاعدة اليقين نادر فلابد من ادخال مورد الاجتماع أيضاً في دليل قاعدة اليقين إلا أن أدلة قاعدة اليقين المستقلة مخدوشة إما سنداً وإما دلالة كما مرّ. وأما ان كان دليل القاعدة متحداً مع دليل الاستصحاب كما هو المفروض وقلنا بأن النسبة بينهما عموم من وجه ففي مورد توافقهما لا أثر لقاعدة اليقين وفي موارد تخالفهما يتعارضان ويتساقطان فلا أثر أيضاً لها وفي مورد افتراقها يصح التمسك بها إلا أنها موارد نادرة وقد ذكر السيد الخوئي على ما في مباني الاستنباط أن حمل المطلق على الفرد النادر قبيح.
ولا يخفى أن ما ورد في مباني الاستنباط من تعارضهما في مورد التخالف وتساقطهما غير صحيح لما مر آنفا من أن عدم امكان التعبد بالضدين كالقرينة المتصلة الدالة على عدم شمول الدليل لموارد التعارض بالذات إذا كان الدليل المتكفل لبيان القاعدتين واحداً كما هو المفروض.
والجواب عن هذه القرينة أن قبح حمل المطلق على الفرد النادر إنما هو في ما إذا قلنا بأن المراد بالمطلق خصوص الفرد النادر من جهة شدة التخالف بين مقام الإثبات ومقام الثبوت بحيث يستهجن عرفاً ذكر المطلق وإرادة هذا الفرد كاستهجان تخصيص الأكثر . وأما إذا قلنا بأن المطلق يشمل الفرد النادر أيضاً فلا قبح فيه أصلا. والمدعى أن قوله عليه السلام (لا تنقض) يشمل بجامع واحد كلتا القاعدتين وقد ذكر السيد الخوئي نظير ذلك في (رفع مالا يعلمون) حيث التزم بما هو الصحيح من جريان استصحاب عدم التكليف وان بقي لجريان البراءة الشرعية مورد نادر لما هو المسلم عندهم من تقدم الاستصحاب على البراءة حتى في صورة التوافق وسيأتي الكلام فيه البحث الآتي ان شاء الله تعالى.
القرينة الرابعة: وهذا هو الوجه المختار ويتوقف بيانه على مقدمتين:
المقدمة الاُولى: أن مرجع التمسك بالاطلاق اللفظي الى التمسك باصالة التطابق بين القضيتين اللبية واللفظية بحسب الحدود بعد التطابق بحسب الموضوع فاذا ورد في القضية اللفظية (اعتق رقبة) لابشرط واحتملنا أن يكون الموضوع في القضية اللبية هو الرقبة لا بشرط فيطابق اللفظ أو بشرط شيء أو بشرط لا فأصالة التطابق يقتضي الأخذ بنفس الموضوع المذكور في القضية اللفظية فمبنى التمسك بالاطلاق اللفظي هو إحراز وحدة الموضوع بذاته في القضيتين ثم التمسك بأصالة التطابق من حيث حدود الموضوع بينهما. وكذلك الكلام في الإطلاق من جهة المحمول. وهذا بخلاف التمسك بالاطلاق المقامي فإنه لا يتوقف على احراز الماهية المشتركة كما ذكرنا في الاطلاق اللفظي فإذا قال: (أكرم زيداً واخاه وعمراً وأخاه وبكراً) فبقرينة كونه في مقام بيان تفصيل من يجب إكرامه نستكشف عدم وجوب إكرام أخي بكر. هذا والاطلاق المدعى في المقام هو من القسم الأول.
المقدمة الثانية: أن احدى الظواهر الاجتماعيّة المتأصلة هي بيان المقاصد بنحو الاستعارة والكناية. وهذا أمر مشترك في جميع الحضارات. والقضية اللفظية تخالف القضية اللبية في هذه الموارد إذ المفروض أن المتكلم لم يصرّح بمقصوده. وهذا أمر ترغب إليه النفوس البشرية وله اُصول في النفس ولا يختص ذلك بالكنايات الأدبية بل حتى التلقينات النفسية المذكورة في علم الطب النفسي من هذا الباب أيضاً فيصور الانسان المريض نفسه بمظهر الانسان الصحيح للتأثير في النفس. بل ومنه الاحلام أيضاً فانها عبارة عن تجلي الاُمور الواقعية في النفس بغير صورها الاصلية فيظهر العلم مثلاً بصورة شرب اللبن.
ثم ان الاعتبارات الأدبية تختلف بحسب اختلاف الحضارات البشرية فكان التعبير بالحمار مثلاً في بعض الحضارات السابقة دالاً على تحمل المشاق والصبر والمقاومة ومن هنا وصف مروان الخليفة الأموي بالحمار ثم اصبح هذا التعبير دالاً على البلادة والحمق. ومن هنا كانت التعابير الأدبية حاكية عن ثقافة المجتمع وحاكية عن وضعها الإجتماعي ولذا قيل إن قول الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام (أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى الى الطير) يدل على نوعية بيئته والمنطقة التي كان يعيش فيها وانها كانت منطقة جبلية وهي مكة المكرمة. وعليه فلا يلاحظ التناسب بين المعنى الحقيقي والكنائي بحسب ذوقنا وثقافتنا بل لابد من ملاحظة التناسب بينهما في زمان صدور الكلام وطريقة التعبير آنذاك.
إذا عرفت ذلك فنقول: قضية (لا تنقض اليقين بالشك) من هذا القبيل بمعنى أن القضية اللفظية مغايرة للقضية اللبية فإن المراد الجدي لم يتعلق بنفس اليقين والشك فإن من يخالف الاستصحاب أو يخالف قاعدة اليقين لا ينقض يقيناً بشك بل المراد الجدي إما هو بيان اعتبار اليقين باقياً وان شك فيه فيكون قاعدة اليقين أو بيان اعتبار اليقين بالحدوث يقيناً بالبقاء فيكون الاستصحاب أو بيان الأمرين بجامع. وانما يعلم هذا المراد الجدي بدلالة الاقتضاء بعد العلم بعدم إرادة المعنى الاستعمالي وهو النهي عن نقض اليقين بالشك أي الوسوسة والقلق النفسي كما في بعض الروايات.
اذا تبين أن القضية اللفظية هنا مخالفة للقضية اللبية تبين أن لا مجال للتمسك بالاطلاق اللفظي لاختصاصه كما عرفت بصورة اتحاد القضيتين موضوعاً ومحمولاً وكون الشك في أخذ كل منهما (لا بشرط) أو (بشرط شيء) أو (بشرط لا) .
وحينئذ فلابد أن يكون المراد الجدي أحد الاُمور الثلاثة: قاعدة اليقين أو الاستصحاب أو المجموع منهما ولابد في تعيينه من مواجعة التعابير المشابهة في المجتمع الذي صدر فيه هذا القول. ومن المعلوم أن الاستصحاب مراد من هذه الجملة بقرينة ورودها في موارد لا يحتمل الا الاستصحاب كما هو مورد روايات الباب فهو متيقن وإرادة غيره غير معلومة فلا وجه للقول به تمسكاً بالاطلاق أو بمجرد تناسبه مع إرادة المجموع أو إرادة خصوص القاعدة.
الأمر الثالث مما يذكر في الخاتمة
تقدم الامارات على الاُصول
والاقوال فيه ثلاثة:
القول الأول: التقدم مطلقاً كما هو الرأي المشهور بين المتأخرين.
القول الثاني: تقدم الامارة المخالفة دون الموافقة كما هو المستفاد من بعض كلمات صاحب الكفاية واخترناه سابقاً.
القول الثالث: التعارض وعدم تقديم أحدهما على الآخر كما هو ظاهر كلام السيد بحرالعلوم في مبحث استصحاب حكم المخصص على ما حكاه الشيخ.
ثم القائلون بالتقديم اختلفوا في انه من باب التخصيص أو الورود أو الحكومة. ولابد قبل البحث من توضيح هذه المصطلحات وله بيان اجمالي وتفصيلي.
أما البيان الاجمالي فهو أن الحكم إذا ثبت بدليل لفظي كقوله أكرم العلماء فقد يخرج منه بعض الافراد وقد يدخل فيه أفراد أخر. وكل من هذا الخروج والدخول له اقسام. فالخروج قد يكون تكوينياً وقد يكون تعبدياً. والتكويني قد يكون بلا معونة من التعبد وقد يكون بمعونة منه والتعبدي قد يكون بلسان المعارضة وقد يكون بلسان المسالمة.
فإن خرج فرد من العموم خروجاً تكوينياً بلا معونة من التعبد يعبّر عنه بالتخصص كخروج الجاهل من العامّ المذكور.
وان خرج بمعونة منه يسمى بالورود التضييقي كخروج الخبر الواحد مثلاً عن عموم القاعدة العقلية القاضية بقبح العقاب بلا بيان خروجاً تكوينياً لأنه بيان واقعاً إلا أن كونه بياناً يتوقف على دليل حجيته فهو بمعونة من التعبد.
وان خرج خروجاً تعبدياً بلسان المعارضة يعبّر عنه بالتخصيص كما إذا قال أكرم كل عالم ثم قام الدليل على ثبوت حكم مضاد أو مناقض لبعض أفراد العالم كقوله: لا يجب أكرام العالم الفاسق أو يحرم إكرام العالم الفاسق.
وان خرج خروجاً تعبدياً بلسان المسالمة يعبّر عنه بالحكومة التضييقية كما إذا قال في المثال السابق العالم الفاسق ليس عالماً. فالنتيجة العملية متحدة مع نتيجة التخصيص إلا أنه تعبير أدبي ونفي للحكم بلسان نفي الموضوع والسرّ في اختياره أن الحكم الأوّل قد تركز في اذهان المكلّفين اما بلحاظ التناسب العرفي الوثيق بين الموضوع والحكم واما بلحاظ الاهتمام به في الاعلام بحيث يصعب عليهم قبول نفيه عن بعض الأفراد بالصراحة فيختار الشارع الحكيم طريقاً لبيان مقصوده لا يجرح عواطفهم وشعورهم تجاه الحكم الأول.
وأما دخول فرد في العام فقد يكون تكوينياً بلا معونة من التعبد وهذا ليس له اسم خاص كما إذا أصبح الجاهل عالماً.
وأما الدخول التكويني بمعونة من التعبد فيعبّر عنه بالورود على وجه التوسعة كأدلة حجية الحجج بالنسبة الى حكم العقل بحسن العقاب مع البيان.
وأما الدخول التعبدي المحض فيعبر عنه بالحكومة على وجه التوسعة كما إذا قال بعد قوله أكرم العلماء: المتقي عالم. وهذا أيضاً تعبير أدبي ينتخبه المشرع للتأثير في العواطف والمشاعر العمومية بالنسبة الى الحكم الأول والاستفادة منها في جعل الحكم الثاني فهو في الحقيقة جعل للحكم بلسان جعل الموضوع. ونظير هذا كثير في الاعتبارات الادبية ولا يختص بالتشريعيات فمنه قولك زيد أسد فان شهرة الاسد بالفتك وخوف الناس منه أصبح سبباً لتأثير هذا الاسم في مشاعرهم فيستفيد منها المتكلم للتعبير عن فتك أحد وشجاعته.
فتبين أن الحكومة التضييقية ليس إلا بياناً لأوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت وأن العموم ليس بمراد واقعاً ولكن الحكومة على وجه التوسعة جعل لحكم جديد ولكنه بلسان جعل الموضوع.
وأما البيان التفصيلي فيتم في ضمن مباحث:
المبحث الأول في الفرق بين التخصيص والحكومة على وجه التضييق والكلام في جهات:
الجهة الاولى: أن التخصيص يتوقف على وجود قضية لفظية يتكفل لبيان الحكم على عنوان عام ووجود قضية اُخرى أو دليل عقلي يتضمن بيان انتفاء الحكم عن بعض الافراد ولكن الحكومة على وجه التضييق على ثلاثة أقسام:
القسم الأول ما يشارك التخصيص في الظاهرة المذكورة وهو ما تبين من البيان الاجمالي ويسمى بالحكومة الواقعية.
القسم الثاني ما لا يتوقف على وجود قضية عامة ليتكفل الدليل الحاكم بيان أوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت بل قد لا يكون هناك عام أصلاً كقوله عليه السلام (كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (رفع ما لا يعلمون) بناءً على ما فسرناه به من أن الحكم الثابت في الواقع اذا لم يصل إليكم ما يثبته فوجوده كعدمه.
فالمعتبر في القسم الأول أن يكون هناك قضية عامة والمعتبر في الثاني أن لا يكون لنا دليل يثبت الحكم. وهذا القسم من الحكومة يسمى الحكومة الظاهرية وهي تنزيل الحكم الموجود في الواقع غير الثابت بدليل منزلة عدمه وهي مفاد هاتين القاعدتين (كل شيء حلال..) و(رفع مالا يعلمون). والسرّفي هذا التشريع أيضاً هو التأثير في المشاعر النفسية وذلك لأن محتمل الحرمة لو تكرر من المكلف إرتكابه بلا معذّر شرعي يستوجب تجرؤه على المحرمات المنجّزة فانشاء المعذر الشرعي في هذه الموارد لمنع جرأته على المحارم.
فظهر أن الفرق بين الحكومة الواقعية والحكومة الظاهرية أن الأولى تنفي الحكم واقعاً بلسان نفي الموضوع والثانية تنفي الحكم تنزيلاً فهو نفي لاثر الحكم ــ وهو التنجز ــ بلسان نفي الحكم.
وتبين بذلك أن لاوجه لما استشكله بعض الاعاظم على المحققين من أنه لا وجه لتقسيم الحكومة الى واقعية وظاهرية إذ لا أثر لهذا التقسيم ولابد في التقسيم من اختلاف الاقسام من حيث الآثار.
القسم الثالث: ما ليس فيه تنزيل كما كان في القسمين السابقين فإن القسم الأول تنزيل للعالم مثلاً منزلة الجاهل والقسم الثاني تنزيل للحكم منزلة عدمه فمرجعها في الحقيقة الى سلب حد الطبيعي عن بعض افراده اعتبارا بخلاف هذا القسم فإنه كالتخصيص نظير قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (لا ضرر ولا ضرار) فإن مفاده انتفاء الحكم الذي ينشأ منه الضرر على ما قويناه تبعاً للشيخ فليس فيه تنزيل لتقوّم الحكومة التنزيلية بوجود الحكم واقعاً والمفروض أن مفاده نفي الحكم واقعاً. والفرق بينه وبين التخصيص أن المخصص لا ينظر الى الدليل العام وفي الدليل الحاكم هنا يلاحظ الدليل المحكوم.
والحاصل أن القسم الأول والثالث من الحكومة التضييقية كل منهما يختص بظاهرة من ظواهر التخصيص دون الآخر وبذلك يظهر الفرق بين الثلاثة. فالقسم الأول يشارك التخصيص في إخراج فرد من افراد الطبيعي عن الحكم العام الثابت بقضيّة لفظية إلا أن أحدهما بلسان نفي الحكم والآخر بلسان نفي الموضوع. والقسم الثالث يشارك التخصيص في أنه نفي للحكم لا من جهة التنزيل إلا أن الدليل المخصص لا ينظر الى العام فإن قوله لا تكرم العالم الفاسق ليس فيه ملاحظة لقوله أكرم العلماء والدليل الحاكم يلاحظ الحكم الثابت بالدليل المحكوم فينفيه فان قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (لا ضرر ولاضرار) يلاحظ كل حكم ضرري من الأحكام الثابتة بالأدلة العامة فينفيه.
الجهة الثانية أن الحكومة التضييقية المشتملة على التنزيل قد يكون تصرفاً في عقد الوضع إما في موضوع الحكم كقوله الفاسق ليس عالماً وإما في متعلقة كقوله لا ربا بين الوالد والولد وقد يكون تصرفاً في عقد الحمل وهو ينحصر في القسم الثاني لما بيناه من أن القسم الثالث لا يشتمل على التنزيل نعم ان قلنا بأن القسم الثالث يشتمل على تنزيل أيضاً فقاعدة لا ضرر ولا حرج مثال للتصرف في عقد الحمل كما قيل. وأما التخصيص فليس إلا نوعاً واحداً.
الجهة الثالثة: أن المخصص قد يكون لفظاً وقد يكون دليلاً عقلياً بمعنى أن العقل قد يدرك بأن مقام الاثبات أوسع من مقام الثبوت فإذا قال الشارع (يجب الاستهلال) يدرك العقل بأن هذا الحكم لا يشمل المكفوفين فهو كاشف عن هذا الأمر وليس هذا تصرفاً في موضوع حكم الشارع. وهذا المخصص يسمى مخصصاً لبياً.
وأما الحكومة على وجه التضييق فلا اشكال في تحققها في الأدلة الشرعية وأما العقل فلا يعقل في أحكامها الحكومة التضييقية فإنها كما عرفت تعبير أدبي عن التخصيص والعقل ليس إلا مدركاً لواقع التخصيص وليس له اختلاف في التعبير حتى يلاحظ تناسب الحال ويصرّح تارة ويرمز أخرى.
إنّما الكلام في أن الأحكام العقلائية الممضاة من الشارع هل لها قابلية الحكومة على وجه التضييق أم لا ؟ وقد ذهب بعض الاعاظم أنها كالاحكام العقلية ليست لها قابلية الحكومة. ولذا اعترض على المحققين قولهم بأن الامارات مقدمة على الاُصول بالحكومة التضييقية مع أنّ حجيتها من باب بناء العقلاء.
ولكن الصحيح أن العقلاء لو سلمنا بناءهم على حجية خبر الثقة مثلاً واعتبروها كالعلم وامضى الشارع هذا الحكم العقلائي كان هذا الحكم حاكماً على دليل حجية الاستصحاب مثلاً. والمنع عن ذلك يستند الى الخلط بين حكم العقل وحكم العقلاء وقد عرفت وجه عدم حكومة الاحكام العقلية وأما الاحكام العقلائية فلا مانع من أن تكون مشتملة على اعتبار نفسي فهم يدركون أن العلم هو الاحتمال الجزمي 100% وأن خبر الثقة لا يفيد ذلك الجزم والقطع ولكنهم لمصالح اجتماعية يعتبرون في أنفسهم خبر الثقة علماً والتنزيل لا يتوقف على البيان اللفظي وإنما يتقوم بالاعتبار النفسي. وقد ذكرنا أن الكنايات والاعتبارات الأدبية مبرزة للإعتبارات النفسية وهي كما يمكن أن تبرز باللفظ كذلك يمكن أن تبرز بالفعل والاعتبارات الأدبية ليست إلا تجليا للاُمور بغير صورها الواقعية إما في منطقة اللاشعور كما في الاحلام إن لم تكن مرتبطة بما وراء الطبيعة ومن إلقاءات الملائكة وإما في منطقة الشعور كاعتبار خبر الثقة علماً. والانسان بما إنه موجود منطقي لا يعتقد بأنها علم لأنه يرى أن احتمال الخلاف فيها موجود ولكنه بما انه موجود احساسي يعتبرها علماً. والجري العقلائي ليس هذه الحركة المحسوسة في المجتمع فحسب وإنما هو مسبوق بعمل نفسي لابد من ملاحظته في كل مورد.
الجهة الرابعة: أن التخصيص يتوقف على ملاحظة النسبة بين المخصص والعام وأما الحكومة التضييقية فلا تتوقف على كون الدليل الحاكم اخص من المحكوم سواء في ذلك ما يشتمل على التنزيل وما لا يشتمل كدليل لا ضرر بناءً على ما ذكرناه في محله من أنه ليس تصرفاً في عقد الحمل كما ذكره المحقق النائيني واتباعه.
الجهة الخامسة: أن بعض الأدلة تأبى التخصيص بملاحظة شدة تناسب الحكم والموضوع فيها عرفاً أو تأكيد الشارع في بيانها كقوله تعالى (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا..) أو قوله صلى اللّه عليه وآله وسلّم (لا ضرر ولا ضرار) وكقوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). وفي هذه الموارد يلجأ الشارع الى الحكومة والحكومة لا مانع منها في هذه الموارد إذ لا تمس الشعور العرفي تجاه الحكم الأول.
وبهذا الوجه اجبنا عن الإعتراض الذي ذكره بعض الاعاظم ردّاً على الشيخ في قوله بأن (لا ضرر) نفي للتسبيب الى الحكم الضرري. فاعترض عليه بأن تعبير لا ضرر حينئذ يأبى عن التخصيص مع أنا نرى بالضرورة ورود التخصيص عليه كثيراً في أحكام الخمس والزكاة والجهاد وغيرها. فاجبنا عنه بأن هذا التعبير لا يأبى الحكومة على وجه التضييق لو سلمنا كون هذه الاحكام ضررية وتفصيله في محله.
الجهة السادسة: أن المحقق النائيني ذكر فرقاً آخر بين التخصيص والحكومة على وجه التضييق على ما نقل في أجود التقريرات وهو أنا لو شككنا في التخصيص يجوز التمسك بالعام وأما لو شككنا في الحكومة لا يجوز التمسك به لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذ لا فرق في ذلك بين احتمال انتفاء المصداق تكويناً أو تعبداً.
ولكن في هذا الوجه تأمل فإن الموضوع محمول على المصاديق التكوينية ولا فرق بين التخصيص والحكومة في بيان أوسعية مقام الاثبات عن الثبوت ولا أثر لاختلاف التعبير من هذه الجهة. والعرف يقضي بالتمسك بالعام ما لم يثبت الأوسعية المذكورة مطلقاً.
المبحث الثاني : في بيان الفرق بين الورود التضييقي والمجموع من التخصيص والحكومة التضييقية.
ذكرنا أن الورود التضييقي نفي للموضوع تكويناً بمعونة من التعبد وذلك لا يتوقف على كون الدليل المورود ذا مقامين مقام الاثبات ومقام الثبوت بخلاف التخصيص والحكومة التضييقية فإنهما يتكفلان لاثبات أوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت.
ويتفرع على ذلك أن الدليل المورود قد يكون قضية عقلية وقد يكون قضية شرعية فالأول كالمثال الذي ذكرناه وهو ورود أدلة حجية الحجج على دليل قبح العقاب بلا بيان والثاني كما إذا شرع في القانون أن كل مواطن له حق الانتخاب في المجلس التشريعي ثم شرع في قانون آخر أن كل من تجسس لدولة اجنبية مثلاً تسلب عنه الجنسية وحينئذ لا يحق له الانتخاب طبعاً إلا أن ذلك يتوقف على كون الموضوع في الدليل العقلي أو الشرعي المورود ملحوظاً بحدوده الاعم من الحدود الاعتبارية والتكوينية وإلا فلو كان موضوع قبح العقاب بلا بيان البيان التكويني أو موضوع حق الانتخاب المواطن التكويني لم يكن أثر للدليل المثبت للبيان أو النافي للمواطنة اعتباراً.
وأما التخصيص والحكومة التضييقية فيختصان بالأحكام التشريعية فإن الاحكام العقلية ليس لها مقامان بل مقام الثبوت فيها عين مقام الاثبات وهو حضورها في النفس ولذا قالوا إن الاحكام العقلية لا تقبل التخصيص فليس المراد منه أن الأحكام العقلية واسعة الشمول بل هي بسعتها وضيقها حاضرة عند النفس فلا معنى لتخصيصها.
المبحث الثالث: في الفرق بين الورود على وجه التوسعة والحكومة على وجه التوسعة.
الورود التوسعي كما ذكرنا عبارة عن ايجاد الموضوع تكويناً بمعونة من التعبد ولابد كما عرفت من كون الموضوع في الدليل المورود اعم من المعنى الاعتباري والتكويني. وأما الحكومة التوسعية فهي عبارة عن انشاء حكم جديد بلسان تحقق الموضوع ولابد في الحكومة على وجه التوسعة من كون الموضوع ملحوظاً بحدوده التكوينية والمحمول حكماً قابلاً لجعل المماثل له وكلاهما ممكنان في الأحكام الشرعية أما الورود كما إذا شرع في المثال السابق (أن كل من ولد على ارض الوطن يعتبر مواطناً). وأما الحكومة فامثلتها كثيرة. وأما في الاحكام العقلية فلا اشكال في امكان الورود فيها كأدلة حجية الحجج بالنسبة الى حسن العقاب مع البيان بناءً على أن الموضوع للحكم العقلي هو البيان بالمعنى الاعم من التعبدي والتكويني.
إنّما الكلام في امكان الحكومة في الاحكام العقلية فيما إذا كان الموضوع موضوعاً تكوينياً. وقد أنكره السيد الخوئي ↔أيده الله≈ على ما يستفاد من مباني الاستنباط حيث ادعى أن تقدم الامارات على الاستصحاب من باب الحكومة. ثم اعترض على نفسه بأن الشك مأخوذ في حجية الامارات كما هو مأخوذ في حجية الاستصحاب ايضا فما وجه تقديمها عليه؟ وأجاب بأن الشك في الاستصحاب مأخوذ في لسان الدليل فلا مانع من رفعه بدليل حجية الامارة ولكنه في الامارة مأخوذ بحكم العقل حيث يحكم بعدم امكان جعل الامارة لمن كان عالماً وجداناً بالخلاف. فلا يعقل تقدم دليل حجية الاستصحاب عليه وإلا تلزم الحكومة في الاحكام العقلية.
وفي هذا تأمل والحق التفصيل بين الاحكام العقلية فما كان منها لا تناله يد الجعل وكان الموضوع فيها ملحوظاً بحدوده التكوينية فلا يمكن فيها الحكومة ولا الورود كالمنجزية والمعذرية للقطع بناءً على اختصاصهما بالقطع التكويني وعدم امكان جعلهما تعبداً ابتداءً أما عدم امكان الورود فيها لأن الموضوع تكويني وأما عدم امكان الحكومة فيها لعدم امكان جعل المنجزية والمعذرية ابتداءً فانها من مختصات القطع ومن المدركات العقلية الواقعية فلا تخضع للتعبد ابتداءً ومن هنا اعترض على المحقق الخراساني في قوله بجعل المنجزية والمعذرية في الامارات. وأما إذا كان الحكم العقلي مما يمكن جعله تعبداً فلا مانع من الحكومة فيها. وله مثالان:
الأول: حكم العقل بتقييد موضوعات الاحكام الشرعية بالقدرة. وهو المعبر عنه بالمخصص اللبي فان العقل يدرك أن كل حكم شرعي واقعي لا يشمل العاجز لعدم امكان ايجاد الداعي والزاجر فيه وهو الغرض من جعل الاحكام الشرعية. ومرجع ذلك الى درك العقل تضييق الحكم الشرعي لئلا يشمل العاجز. ولا مانع حينئذ من اعتبار الشارع بعض القادرين عاجزاً كمن كان الحكم بالنسبة إليه حرجياً مثلاً فإن مرجع ذلك الى تحديد دائرة الحكم الذي انشأه أكثر مما حدّده العقل وهذا لا ينافي التحديد العقلي.
الثاني: حكم العقل في موارد جعل الحجية للامارات شرعاً بتقيده بعدم كون المكلف عالماً بالخلاف لعدم امكان تعبده بالامارة حينئذ ولا مانع في مثل ذلك من اعتبار الشارع من قامت عنده البينة مثلاً عالماً فان ذلك يرجع الى تضييق مورد حجية سائر الامارات أكثر من التضييق العقلي.
كما إنه لو كان الحكم العقلي في المثالين ايجابياً كما لو حكم بان الحكم الشرعي خاص بالقادرين اوحجية الامارات خاصة بالشاك.. فلا مانع ايضا من اعتبار الشارع من كان في حرج غير قادر ومن قامت عنده البينة غير شاك إذ لا فرق بين الصيغة الايجابية والصيغة السلبية والمناط هو المؤدى وإن كانت الحكومة في الأولين على وجه التوسعة وفي الثانيين على وجه التضييق.
فظهر مما ذكرنا امكان جعل الحكومة في حكم العقل بعدم امكان جعل الامارة للعالم بالخلاف فان موضوعه العالم بالمعنى الاعم من الوجداني والتعبدي وما نسب الى السيد الخوئي ↔أيده الله≈ في مباني الاستنباط من أن الموضوع هو العالم الوجداني وأن العقل يجوز جعل الامارة لمن كان عالماً بالخلاف تعبداً غير صحيح فإن ذلك يقتضي امكان التعبد بالنقيضين مع أنه يمكن الورود حينئذ.
ثم اعلم أن هذه الاُمور اُمور عقلائية وان لم تكن عندهم هذه المصطلحات فالمهم في تشخيص هذه المعاني الدقة في الترجمة الحرفية لافكار العقلاء فلا يهمنا إذا كان بعض ما ذكرناه مخالفاً لما ذكره الاُصوليون أو بعضهم فاننا لسنا بصدد ترجمة مصطلحاتهم مع اختلافهم في بيانها وإنما المقصود بيان هذه المعاني حسب مرتكزات العقلاء.
الى هنا انتهينا من توضيح هذه المصطلحات فلنشرع في بيان تقدم الامارات على الاستصحاب والبحث تارة في الامارات المخالفة لمؤدى الاستصحاب وتارة في الموافقة له فالبحث في مقامين:
المقام الأول: في الامارة المخالفة لمؤدى الاستصحاب ولها صور أربع:
الصورة الاُولى: ان تكون كل من الامارة والاستصحاب مما بنى على حجيته العقلاء كما هو المختار في الاستصحاب ومختار جماعة في خبر الثقة وفي هذه الصورة لابد من مراجعة العقلاء في كونهما مرتبين وان أيّاً منهما مقدم عندهم فإنا نرى أنهم يقدمون الاقرار على اليد والبينة على الاقرار فإذا كان الاستصحاب مثلاً معتبراً عندهم بشرط عدم قيام البينة أو اخبار الثقة فلا يبقى موضوع لحجية الاستصحاب في مورد خبر الثقة على خلافه.
ويدور أمر هذا التقدم بين الورود والتخصّص من جهة الترديد في الأمر المرتكز عند العقلاء فإذا كان مناط حكمهم أن اليقين بالحدوث يعتبر باقياً الى زمان قيام الحجة فهو من الورود لأن حجية الاستصحاب معتبرة حينئذ بشرط لا أي بشرط عدم قيام الحجة فبعد قيامها لا يبقى موضوع الاستصحاب تكويناً بمعونة من التعبد العقلائي وإن كان مناط حكمهم عدم الاعتناء بالاحتمال الادراكي المخالف لليقين فهو من التخصص لأن المفروض أن المخالف هنا امارة وليس مجرد الاحتمال الادراكي.
الصورة الثانية: أن يكون الاستصحاب حجة عقلائية والامارة حجة بالتعبد الشرعي كخبر الثقة على مسلك بعضهم والبينة على مسلكنا في بعض الموارد وفي هذه الصورة لا اشكال في ورود دليل حجية الامارة على الاستصحاب لأن موضوع حجيته هو عدم قيام الحجة.
الصورة الثالثة: أن يكون الاستصحاب حجة تعبدية والامارة حجة عقلائية بحيث يعتبرون تلك الامارة علماً عرفياً كموارد اليد والفراش مع عدم قيام المدعي أو التشكيك في النسب فيخبرون بموجبهما بل يحلفون وان كان الأخبار والحلف حراماً بغير علم إذ يرون الأمر معلوماً ولا يشمل دليل حرمة العمل بالظن هذه الموارد ولا يعتبر نقض اليقين بمثل ذلك نقضاً بالشك فدليل حجية الامارة عند العقلاء مقدم على دليل الاستصحاب بالورود.
وهذه الصور الثلاث ليست مورداً للنقاش وإنما الكلام في الصورة الرابعة وهي أن تكون الاستصحاب حجة تعبدية والامارة حجة تعبدية شرعية إما تأسيساً أو امضاءً لحكم العقلاء ولكن لا تكون من القسم السابق وهنا مورد الخلاف.
وقد ذهب المحقق الاصفهاني الى تقدم الامارة بالورود وتبعه بعض الاعاظم. وتقريبه أن المراد باليقين في أدلة الاستصحاب هو الحجة وبالشك هو اللاحجة فمفاد الأدلة (لا تنقض الحجة باللاحجة) إما بتنقيح المناط القطعي أو بمناسبة الحكم والموضوع ويدل على ذلك القرائن الخارجية والداخلية. أما الاُولى فهي أنه لا اشكال في جريان الاستصحاب في مؤديات الامارات ولو كان المراد باليقين خصوص العلم لم يجر الاستصحاب في موارد قيام سائر الحجج مع عدم العلم الوجداني. وأما الثانية فلان مورد بعض روايات الاستصحاب هو الطهارة الحدثية والخبثية ولا يحصل العلم الوجداني في اغلب مواردهما بل يبتني احرازهما على قيام الحجة كأصالة الصحة وقاعدة الفراغ وأصالة الطهارة وغيرها.
وقد ذكرنا الجواب عن ذلك في مبحث جريان الاستصحاب في مؤدى الامارات وحاصله أن العلم الوجداني او الاطمئنان على الاقل يحصل في موارد الطهارة الحدثية والخبثية قطعاً وان كان قابلاً للزوال بتشكيك المشكك وليس المراد باليقين الصفة الثابتة في النفس التي لا تزول بالتشكيك مضافاً الى ان الالتزام بذلك يستلزم عدم جريان الاستصحاب في ما إذا كان المتيقن جزءً من الموضوع لعدم صدق الحجة عليه بمعنى ما يحتج به المولى على العبد وبالعكس إذ لا أثر له في مرحلة اليقين وإنما الأثر في مرحلة الاستصحاب. وأما القرينة الخارجية فقد ذكرنا الجواب عنه مفصلاً هناك وبينا امكان جريان الاستصحاب في مؤدى الامارات مع إرادة الحجة من اليقين.
ويمكن تقريب الورود بوجه آخر هو الصحيح وهو أن قوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشك) فيه احتمالان:
الاحتمال الأول: ما ذكرناه مراراً من انه من قبيل الاستعارة بالكناية فالقضية الواقعية مستبطنة وهو أن اليقين بالحدوث يعتبر كاشفاً في مرحلة البقاء أيضاً ويكون المراد الاستعمالي من لفظ اليقين اليقين بحدوده الاعتبارية ومن الشك القلق النفسي وعبر به عن الاحتمال الادراكي وان كان قوياً والمعتبر حينئذ في حدود اعتبار الاستصحاب هو القضية الواقعية وهي مضمرة فلا يمكن الأخذ باطلاقها والقدر المتيقن منها أن الاحتمال غير المعتبر لا يعتنى به بالنسبة الى كاشفية اليقين في مرحلة البقاء. وقوله (فإن حرك في جنبه شيء وهو لا يعلم) يدل على عدم الاعتناء بالاحتمال غير المعتبر وان كان قوياً. وأما الاحتمال الناشئ من الامارة الشرعية أو العقلائية المعتبرة فلم يعلم شمول دليل الاستصحاب لعدم الاعتناء به وأن يكون اليقين كاشفاً عن البقاء حتى في قباله. فاذا قام الدليل المعتبر على خلاف الاستصحاب كان من الورود التضييقي لوصول اليقين الى حدّه التكويني بمعونة التعبد.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بقوله (لا تنقض) عدم الاعتناء بالاحتمال المخالف للحالة السابقة بما أنه احتمال إدراكي وأما إذا كان الاحتمال الادراكي مدعماً بالحجية التعبدية من الشارع فالدليل قاصر عن شموله فلابد من الالتزام بالورود أيضاً.
وهذا الوجه مما أشار إليه المحقق الخراساني في حاشيته على الرسائل ولكن المحقق الاصفهاني والسيد الخوئي اعترضا على هذا المسلك بوجهين:
الوجه الأول: أن عدم نقض اليقين لو كان بداعي الشك صح ما ذكر من الفرق بين كون الاحتمال مدعماً بالحجية وعدمه ولكن الممنوع هو نقض اليقين حال الشك سواء كانت هناك امارة شرعية أم لم تكن.
وزاد في مباني الاستنباط أنه لو كان كذلك لأمكن القول بعدم شمول الدليل إذا استدعى زيد مثلاً نقض اليقين بالشك.
الوجه الثاني: أن شاهد التعميم ظهور الروايات في حصر الناقض في اليقين لقوله عليه السلام (ولكن تنقضه بيقين آخر). وهذا الوجه يأتي على الاحتمال الأول أيضاً .
والجواب أما عن الوجه الأول فبأن ظاهر الباء السببية فالمفاد ان اليقين لا ينقض بسبب الشك وليس المناط حال الشك كما توهم. وأما استدعاء زيد فلا وجه لذكره لأن الكلام في عدم جواز نقض اليقين بما يليق به الناقضية. والحاصل أن اليقين محدود تكويناً بحصول الشك فيرتفع عند حدوثه إلا أن الاعتبار الشرعي أو العقلائي يقضي بعدم محدودية اليقين بهذا الحد التكويني فيبقى يقين اعتباري حتى بعد هذا الشك . وهذا الاعتبار في خصوص موارد الاحتمال الادراكي الخالص مسلم وأما في قبال الحجة الشرعية فلا دليل عليه .
وأما عن الوجه الثاني فبأن الظاهر أن منشأ التوهم هو توهم كون الجملة مبدوّة بـ(إنما) وهي اداة الحصر وقد نقل الرواية في أوائل مبادي الاستنباط هكذا (وإنما تنقضه بيقين آخر) مع أن الجملة في الرواية غير مبدوة بها وإنما هي مبدوّة بـ(لكن) وهي لا تفيد الحصر. وذكر خصوص اليقين ناقضاً في الرواية إنما هو من جهة خصوصية في مورد السؤال وهو أن قيام الامارة على انتقاض الوضوء أمر غير متعارف فينحصر ناقضه باليقين.
ثم ان الشيخ ذهب الى أن تقديم الامارات على الاستصحاب من باب الحكومة وتبعه عليه المحقق النائيني والسيد الخوئي وجماعة وهذا يبتني على كون الامارة علماً تعبداً. وقد مرّ اشكال السيد الخوئي فيه بأن الشك مأخوذ في دليلهما فلا وجه للتقديم ومرّ جوابه عنه. ومرّ جوابنا عن جوابه.
وهنا احتمال ثالث وهو أن يكون التقديم من باب التخصيص وهو مما لابد من الالتزام به بعد فساد القول بالحكومة والقول بأن المراد باليقين والشك الحجة واللاحجة وبعد عدم تسليم ما ذكرنا من الوجهين في الورود تمسكاً باطلاق الدليل وبعد العلم بأن حجية الامارات لو كانت مقتصرة على غير موارد قيام الاستصحاب على خلافها لم يبق لها الا موارد نادرة.
ويبقى الاشكال في هذا القول بأن التعبير في دليل الاستصحاب (لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك) آب عن التخصيص بمناسبة الارتكاز العرفي الموافق له. وهنا ملاحظة وهي أن إباء التعبير عن التخصيص إنما هو فيما إذا كان الممنوع النقض بسبب الشك وأما بناءً على ما ذكره السيد الخوئي من ان الممنوع النقض في حال الشك فهو أمر تعبدي لا يوافقه الارتكاز العرفي فلا مانع حينئذ من التخصيص.
هذا تمام الكلام في المقام الأول.
المقام الثاني: فيما إذا كانت الامارة موافقة للاستصحاب فهل تتقدم عليه أم لا؟
ظاهر من تقدم على الشيخ هو عدم التقدم ولذا كانوا يتمسكون بالأصل في عرض الدليل وانقلب الأمر بعد التحول الذي أوجده الشيخ في المباني الاصولية حتى ذكر المحقق الخراساني أن من مفاسد القول بالحكومة لزوم اعتبار الأصل والامارة في عرض واحد إذا كانا متوافقين فاعتبر هذا من المفاسد المسلّمة.
ولابد من ملاحظة ما ذكر في ملاك التقدم في صورة المخالفة لنرى هل يشمل صورة الموافقة أم لا؟
أما التخصيص فلاوجه للالتزام به في صورة التوافق لان التخصيص خاص بموارد تعارض الدليلين في مرحلة الجري العملي.
وأما الحكومة التضييقية فقد عرفت أن المحقق الخراساني يرى أن لازمها عدم التقدم حين التوافق إلا أن القائلين بها يقولون بالتقدم وذلك لأن الشك وهو أحد ركني الاستصحاب يرتفع بموجب دليل الامارة الذي اعتبرها علماً فلا يبقى موضوع الاستصحاب.
وأما قول المحقق الخراساني فيمكن تأييده بأن الحكومة على وجه التضييق تشترك مع التخصيص في بيان أوسعية مقام الاثبات عن مقام الثبوت ففيما لا يجوز التخصيص لا تجوز الحكومة فقوله (العالم الفاسق ليس بعالم) لا يكون حاكماً على قوله (لا تكرم الفساق) لعدم التخالف في مرحلة الجري العملي.
ولكن يمكن الخدشة فيه بأن الحكومة لو كانت دائرة مدار لزوم التخصيص صح ما ذكر وأما لو كانت دائرة مدار امكانه فلا فان التخصيص ممكن في المقام وان لم يكن لازماً إذ لا ريب في امكان تضييق الشارع دائرة اعتباره بمخصص متصل كما إذا قال (لا تنقض اليقين بالشك إلا فيما إذا كانت امارة موافقة أو مخالفة) وإنما الكلام في أنه إذا ورد مخصص منفصل فهل هناك ملزم للتخصيص أم لا؟
وللزوم التخصيص موردان:
المورد الأول: اشتمال الدليل الخاص بموضوع لحكم مناقض أو مضاد لما اشتمل عليه الدليل العام الشامل لذلك الموضوع فبقرينة عدم امكان التعبد بالضدين أو النقيضين نحكم بالتخصيص سواء كان في الأحكام الواقعية كاكرام العلماء أو الظاهرية كحجية الامارات.
المورد الثاني: اختلاف القضيتين من حيث المؤدّى والنتيجة بحيث يوجب تحير المكلف وان لم يكن موضوع القضيتين واحداً كما ذكرناه في وجه تخصيص دليل الامارة لدليل الاستصحاب بناءً على التخصيص فإن موضوع الدليلين مختلف فهو في الأول خبر الثقة مثلاً وفي الثاني اليقين إلا أنهما في مرحلة الجري العملي إذا تخالفا يوجبان تحير المكلف فنلتزم بالتخصيص لزوماً.
والحكومة دائماً من قبيل الأول إذ هو تصرف في الموضوع فلابد من وحدته في القضيتين فقوله (لا تنقض اليقين بالشك) بناءً على مسلك الحكومة محكوم بدليل الامارة من جهة رفع موضوعه وهو الشك فلا حاجة الى التخالف في مرحلة النتيجة والجري العملي كالصورة الثانية حتى يقال بعدم التخالف في محل الكلام.
وأما تقدم الامارة في موارد التخالف بناءً على الوجه الأول للورود فيقتضي عدم تقدمها عند التوافق وذلك لأن مبناه على أن المراد باليقين والشك الحجة واللاحجة فصدر الكلام يدل على أن الحجة لا تنقض باللاحجة على الخلاف وذيله على أنها تنقض بالحجة على الخلاف ومن الواضح عدم شموله لمورد تحقق الحجة على الوفاق.
وأما بناءً على كون الاستصحاب حجة عقلائية فلا مانع عند العقلاء من البناء على ثبوت الملكية لزيد مثلاً باعتبار البناء على الحالة السابقة وباعتبار كونه مقتضى اليد معاً ولا منافاة بينهما.
وأما تقدمها بناءً على الوجه الأول مما ذكرناهما في تقريب الورود فيمكن انكار جريان الاستصحاب في مورد الامارة الموافقة لأن توسعة القضية المضمرة في النفس ليشمل هذا المورد غير معلوم كمورد المخالفة.
وأما تقدمها بناءً على الوجه الثاني منهما فالتمسك باطلاق لا تنقض لدفع احتمال خلاف الحالة السابقة في مورد الموافقة محل تأمل.
وكيف كان فالصحيح عندنا هو حجية الاستصحاب عند العقلاء وأن الروايات مرشدة اليها فالحق هو تقدم الامارة عليه في صورة المخالفة وجريانه معها في صورة الموافقة.
الأمر الرابع
مما يذكر في الخاتمة
في بيان وجه تقدم الاستصحاب على سائر الاصول العقلية والشرعية فالكلام في مقامين:
المقام الأول : في تقدمه على الاُصول العقلية وهي ثلاثة البرائة العقلية والاحتياط العقلي والتخيير بناءً على كونه أصلاً مستقلاً كما هو الصحيح لاعلى ما ذكره السيد الخوئي من رجوعه الى البراءة. فهنا ثلاثة مباحث:
المبحث الأول في تقدمه على البراءة العقلية:
الجدير بالتقديم أن الاختلاف في جريان البراءة العقلية وعدمه ليس من جهة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان حتى يقال ان الاستصحاب بيان فان هذه القاعدة لا يختلف فيها العلماء وانما النزاع صغروي وهو أن احتمال التكليف هل ينجزه أم لا؟
وقد ذهب الى تنجيزه والقول بالاحتياط العقلي الشيخ المفيد والشيخ الطوسي قدس سرهما والمتأخرون يقولون بالبراءة العقلية.
والبحث في المقام طويل وتفصيله في محله إلا أنه لابد من بيان المسلك المختار وهو أن البشر بالنسبة الى مقاصده الشخصية إذا كان هناك محبوب لزومي أو مكروه لزومي وكان احتمال الوصول الى الأول والابتعاد عن الثاني بسلوك طريق خاص 100% أي يكون مقطوعا فلا اشكال في أنه يسلك ذلك الطريق لولا الموانع وأما إذا كان درجة الاحتمال اقل من ذلك فان كان المحتمل مهمّا كما إذا كان في الاناء سم مهلك فلا اشكال انه يبتعد عنه وان كان الاحتمال 5% ما لم يكن منشؤه الاوهام. وأما إذا كان المحتمل غير مهم إلا أنه لزومي أيضاً فإذا كان الاحتمال قوياً كما إذا كان بدرجة 90% يهتم به أيضاً. ومن هنا ظهر أن الاحتمال بنفسه قد ينجّز في المقاصد الشخصية وهذه المحاسبة بين أهمية المحتمل ودرجة الاحتمال قد يجريه الانسان في أعماله بصورة ارتكازية غير شاعر بالتفاصيل.
ثم ان امتثال الاوامر الالهية بالنسبة الى أفعال الانسان من قبيل الغايات والمقاصد فلابد فيه من ملاحظة هذا القانون إلا أن الكلام في الصغرى وهو أن الاوامر الالهية جميعها هل هي بمنزلة المقاصد المهمة جداً حتى يجب الاهتمام بها بالاحتمال الضعيف ما لم يكن موهوماً أو أنها من قبيل المقاصد المتوسطة الاهمية فنلاحظ ما كان منها قد دل الدليل على اهميتها جداً فينجزه الاحتمال الضعيف وما لم يدل الدليل على اهميته فلا ينجزه الا الاحتمال القوي وان لم يكن علماً.
ولتحقيق الامر لابد من ملاحظة ان وجوب الاطاعة في التكاليف المولوية الالهية هل هي من قبيل ربط الشخصية أو من قبيل استبطان الوعيد على الترك بنحو اللف والاندماج وقد ذكرنا تفصيل ذلك في مبحث الاصل المثبت وذكرنا ان الحق هو الثاني وأن التكاليف المولوية الالهية إنما يجب امتثالها لاندماج الاحكام الجزائية فيها بنحو اللف ويلاحظ في شدة الجزاء وخفته تناسب العمل للجزاء وقوة الدواعي النفسية اليه فربّ عمل بملاحظة مفسدته يستحق جزاءً ضعيفاً إلا أن تشديد الجزاء بملاحظة شدة ميل الانسان إليه ورب عمل يستحق جزاءً شديداً إلا أن عدم الرغبة اليه يقتضي جعل جزاء خفيف من جهة كفايته في ايجاد الرادع في نفس المكلف. ثم ان بعض الاحكام الجزائية لم تدون فالمحكم فيها هو العرف والعادة وبعضها مدونة كاحكام الحدود والديات وغيرها وكالعقوبات الاخروية فهذه الاحكام الجزائية تحدد الوعيد.
ثم ان العقل يحكم بأن المعتبر في موضوع الحكم الجزائي أن يكون المكلف مقصراً في عدم انفعاله بالأمر الالهي وهو يتحقق بكون الحكم قابلاً للتأثير فإذا كان معلوماً فلا اشكال في أنه يوجب تحقق وازع معاكس للدواعي النفسية في المكلف فيتحقق موضوع الحكم الجزائي إذا خالف الأمر لأن التقصير منه وكذا إذا كان المحتمل مقطوع الاهمية أو كان الاحتمال قوياً كما مرّ.
بناءً عليه فان كانت الاحكام الشرعية من قبيل ربط الشخصية فلابد من تنزيلها منزلة المقاصد المهمة للبشر وذلك لأن الحكم يرتبط بشخصية الباري جل وعلا فمخالفة كل حكم يعتبر هتكاً لمقامه الشامخ ولا فرق بين الاحكام حينئذ وأما إذا كانت من قبيل الوعيد على الترك كما هو الصحيح فإن قطعنا باهمية أحد التكاليف فالاحتمال ما لم يكن موهوماً ينجزه وإلا فلا بد من الاحتمال القوي.
فتبين أن الأصل الاولي في الاحكام الشرعية هو البراءة العقلية ما لم يعلم اهمية المحتمل أو يصل الاحتمال الى درجة قوية. وأما الأمر الاحتياط فقد يكون واجباً نفسياً وقد يكون لبيان اهمية المحتمل وقد يكون لتقوية الاحتمال. وأوامر الشارع المتعلقة بالاحتياط من قبيل بيان اهمية المحتمل ويمكن للشارع تقوية الاحتمال بجعل العلم التنزيلي فيتحقق موضوع الحكم الجزائي.
هذا هو حقيقة البراءة العقلية وحاصلها أن البراءة هي إدراك العقل لعدم تنجيز الاحتمال ما لم يصل الى درجة قوية تكويناً أو بتنزيل الشارع. وحيث ان الاستصحاب من موارد تقوية الاحتمال شرعاً وعرفاً فلا اشكال في تقدمه على البراءة العقلية.
وتفصيله أن البراءة العقلية ان كان المراد بها هو إدراك العقل لعدم منجزية الاحتمال فالاستصحاب المثبت للتكليف لا ينافيه أصلاً وان كان المراد بها هو النتيجة الحاصلة من عدم تنجيز الاحتمال وهو الترخيص في العمل باعتبار عدم تنجيز الاحتمال وعدم وجود دليل على التكليف فالاستصحاب وارد عليها لانه دليل على التكليف بمعونة من التعبد.
وأما الاستصحاب النافي للتكليف فربما يتوهم لغوية اعتبارها في مورد حكم العقل بالبراءة العقلية.
ولكن الصحيح أنه وان لم يؤثر في مرحلة العمل إلا ان الغاءه مناف للحكمة وذلك لوجوه ثلاثة: أولاً ان الاستصحاب كما ذكرنا مراراً له منشأ نفسي في المشاعر البشرية فالغاءه جرح لمشاعر هم بلا موجب وبلا فائدة مترتبة عليه وثانياً ان ابقاء الاستصحاب له مصلحة تربوية للمكلفين وهو أن ترك المكلف للتكليف المحتمل مع بقاء احتماله يوجب جرأته على المحارم الواقعية وأما لو كان تركه من جهة حكم العقلاء وامضاء الشارع بعدم وجود التكليف واقعاً فلا يترتب عليه هذه المفسدة وثالثاً أن الاستصحاب يوجب استقراراً لنفس المكلف واطمينانا له بعدم العقاب وذلك لأن العقل كما يدرك قبح العقاب بلا بيان كذلك يدرك اقبحية العقاب مع بيان عدم التكليف والاستصحاب بيان لعدم التكليف.
المبحث الثاني في تقدمه على الاحتياط العقلي:
والاحتياط العقلي يتحقق في موردين مورد العلم الاجمالي ومورد أهمية المحتمل.
أما مورد العلم الإجمالي فلابد من أن يكون محل الكلام فيه كون الاستصحاب في أحد الطرفين مثبتاً للتكليف وفي الآخر نافياً له وأما إذا كانا مثبتين أو نافيين فهو مورد البحث الآتي (تعارض الاستصحابين).
ولا بد من ملاحظة الوجه في لزوم الموافقة القطعية في العلم الاجمالي فالمشهور أن العلم الاجمالي ينجز وجوب الموافقة الاحتمالية لكشفه عن أحد الوجوبين مثلاً وهو بهذا الحد من الكشف ينجز متعلقه ولذا يقال ان العلم الاجمالي علة تامة للموافقة الاحتمالية ولكنه بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية له وجه آخر فذهب المحقق النائيني الى أنه من جهة تعارض الأصلين للزوم الترخيص في المخالفة القطعية من جريانهما وهو قبيح عقلاً لمعارضته مع وجوب الموافقة الاحتمالية الذي دل عليه العلم بكشفه الذاتي.
ولكن السيد الخوئي لم يرتض هذا القول لأن وجوب الموافقة القطعية لا يلازم وجوب الموافقة الاحتمالية ففي موارد عدم امكان المخالفة القطعية كما إذا حرم السير اما يمينا وإما شمالاً فالموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة ولا معنى لتنجيز العلم الاجمالي ما هو محقق بالضرورة فلو كان وجوب الموافقة القطعية ناشئاً من وجوب الموافقة الاحتمالية وجب القول بعدم وجوبها في هذا المثال ولا يلتزم به المحقق النائيني. هذا مضافاً الى أن الأصل في كل من الطرفين يرخّصه بحدّه فلا يعارض ما نجّزه العلم الاجمالي من الجامع بينهما فتارك الظهر والجمعة لا يعاقب بترك كل منهما ولكنه يعاقب بتركهما معاً.
ومن هنا ذهب السيد الخوئي الى أن السبب في وجوب الموافقة القطعية أن العقل لا يجوّز الجمع بين الترخيصين للزوم التضاد من حيث المنتهى لأن مقتضى العلم الاجمالي أن هذا ان لم يكن حراماً فذلك الحرام وبالعكس فلو رخص الشارع في كل منهما لزم ترخيص الحرام الواقعي ووقوع المكلف في حيرة من أمره لان احتمال التكليف في كل منهما ملازم لاحتمال العقوبة فالأصلان يتعارضان فإذا سقط الترخيصان كان احتمال التكليف ملازماً لاحتمال العقوبة فتجب الموافقة القطعية.
وقد ذكرنا في محله الجواب عن هذا الوجه مفصلاً . وان الصحيح في وجه تنجيز العلم الاجمالي للموافقة القطعية هو أن احتمال التكليف إذا كان مقوماً للعلم الإجمالي يعد من الإحتمالات القوية عند العقلاء. وقوة الاحتمال يتحقق بوجهين :
الأول: قوته بنفسه وذلك بتجمع الاحتمالات في محور واحد فإذا أخبرنا جماعة كلّ بانفراده بمجيء رجل من أقاربنا معيّن غير ما يعينه الآخرون فلا إشكال في عدم حصول العلم بمجيء كل منهم بعينه إلا أن احتمال مجيء رجل من أقاربنا على وجه الإجمال احتمال قوي يزداد قوة بكثرة الأخبار بمجيء رجل معين منهم وذلك لتجمع هذه الاحتمالات في المحور الواحد وهو الجامع بين الأخبار والسرّ فيه أن الاخبار بمجيء زيد مثلاً له احتمالان الصدق والكذب واحتمال مجيء عمرو له احتمالان أيضاً فمضروبهما أربعة احتمالات أحدها كذب المخبرين معاً وهذا الاحتمال ينفي مجيء رجل من أقاربنا على الإجمال وأما الاحتمالات الثلاث الآخر فيدل على مجيئه فإذا أخبرنا بذلك رجل ثالث في ضمن اخباره بمجيء بكر فمضروب الاحتمالات ثمانية سبعة منها تدل على مجيئه وواحدة تدل على عدمه وهو احتمال كذب الثلاثة معاً وهكذا يتضاعف احتمال مجيء رجل من أقاربنا ويبقى احتمال الخلاف واحداً حتى يصل الى درجة نطمئن بمجيئه أو نعلم به إذا كانت النسبة بحيث يعد هذا الاحتمال الواحد كالصفر. وهذا هو السبب في حجية التواتر الإجمالي . وهذا معنى تجمع الاحتمالات في محور واحد ونعبر عنه بالاطمينان الادراكي وهو حجة قطعاً وقائم مقام العلم الموضوعي والطريقي.
الثاني: أن يكون الاحتمال مقوماً للعلم الاجمالي .
توضيح ذلك : أنا إذا احتملنا كون هذا الاناء نجساً وكان احتمال عدمه مساوياً لاحتمال وجوده نعبر عنه بالشبهة البدوية واحتمال النجاسة فيه 50% ولكن إذا علمنا بنجاسة أحد الاناءين فلو لوحظ كل منهما على حدة كان احتمال النجاسة فيه 50% إلا أن مجموع الإحتمالين قد أوجد علماً بها وهذا يوجب قوة الاحتمال من جهة أن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على كل منهما 50% وهذا هو الفرق بينه وبين الشبهة البدوية . ومن هنا نلاحظ أن أطراف العلم كلما كثرت ضعف تنجيز الاحتمال حتى يصل الى درجة من الضعف يلحقه بالشبهة البدوية ويعبر عنه بالشبهة غير المحصورة ويلاحظ أن قوة الاحتمال في المورد الأول كان ينشأ من تجمع 100 شبهة بدوية مثلاً حتى يتجمع احتمالاتها في محور واحد ويوجب الاطمينان وهنا ينشأ العلم الوجداني من تجمع إحتمالين فقط.
والحاصل أن الاحتمالات المولدة للعلم الاجمالي ان كان منحصراً في عدد قليل ينجز كل منها متعلقه وان كان موزعاً في عدد كثير لا ينجز وذلك لأن احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل من الأطراف في الأول احتمال قوي وفي الثاني احتمال ضعيف يلحقه بالاوهام.
ومهما كان فإن قلنا بأن لزوم الموافقة القطعية من جهة تساقط الاُصول فما نحن فيه خارج عن ذلك ولا تجب فيه الموافقة القطعية لعدم تعارض الاستصحاب المثبت للتكليف في طرف والنافي له في طرف آخر ومقتضى العلم الاجمالي تنجز ما تعلق به وهو عنوان أحدهما فلا يجب إلا الموافقة الاحتمالية الحاصلة بموافقة الاستصحاب المثبت.
وأما بناءً على ما ذكرنا من أن وجوب الموافقة القطعية ليس الا من جهة تنجيز الاحتمال المقوم للعلم الاجمالي وأنه من الاحتمالات القوية عند العقلاء وهو يقوم مقام القطع الطريقي لا الموضوعي فحجيته تختص بما اذا لم يكن هناك منجز او معذر في احد اطراف العلم فالاستصحاب يرفع التعادل بين الاحتمالين في تقويم العلم الاجمالي فيرجح أحدهما وحينئذ فلا يعتني العقلاء بالإحتمال الآخر ولا اقل من الشك في الحجية المساوق للقطع بعدمها. وعليه فالاستصحابان يوجبان انحلال العلم الاجمالي ويسقطانه عن الحجية وبهما يعتبر أحد الاحتمالين علماً بالتكليف والآخر علماً بعدمه .
وأما مورد أهمية المحتمل فلابد من ملاحظة درجة الاهمية فقد يكون بحيث لا يعتنى فيها حتى بالحجج العقلائية وقد يكون بحيث يعتبر فيها الحجج العقلائية فإن كان من قبيل الأول كما يلاحظ أن قول الطبيب مع أنه حجة عقلائية لا يعتنى به في الأمراض الخطيرة بل لابد من تشكيل لجنة طبية ليحصل العلم وفي مثل ذلك لا اشكال في عدم تقدم الاستصحاب على الاحتياط العقلي .
وإن كان من قبيل الثاني فالاستصحاب مقدم لكونه حجة عقلائية.
المبحث الثالث في تقدمه على التخيير العقلي:
وللتخيير صور كثيرة نذكر احداها وهي دوران الأمر بين المحذورين في الواقعة الواحدة مع تساوي الاحتمالين قوة والمحتملين أهمية ولا اشكال في التخيير حينئذ اي حكم العقل بعدم استحقاق العقاب على الفعل والترك. والمشهور أن التخيير أصل برأسه ولكن السيد الخوئي ذهب الى انه يرجع الى البراءة العقلية نظرا الى أن الموافقة الاحتمالية للتكليفين حاصل لا محالة إذ لا يخلو المكلف من الفعل والترك والموافقة القطعية غير ممكن فالعلم الاجمالي في مثل ذلك لا يكشف عن الواقع عند العقلاء لتقومه باحتمالين متضادين فعدم تنجز التكليف من جهة قصور الكاشف لا قصور القدرة .
وبناءً على هذه النظرية فوجه تقدم الاستصحاب عليه واضح لما مر من تقدمه على البراءة العقلية.
والصحيح انه لا قصور في العلم الاجمالي هنا من حيث الكشف وانما لم يتنجز التكليف للقصور في القدرة وذلك لانه اذا دار الامر بين حرمة السير يمينا وحرمته شمالا لا تتنجز حرمة المخالفة القطعية لعدم القدرة اذ لا يمكن الجمع بينهما والموافقة الاحتمالية حاصلة لا محالة واذا دار الامر بين وجوب السير يمينا ووجوبه شمالا لا تتنجز وجوب الموافقة القطعية لعدم القدرة ايضا فاذا دار الامر بين المحذورين فلا تمكن المخالفة القطعية ولا الموافقة القطعية فلا يتنجز التكليفان لعدم القدرة لا لعدم الكاشف اذ لا فرق في كاشفية العلم الاجمالي بين هذا المورد وسائر الموارد.
فالكلام فيه من جهة تقدم الاستصحاب هو الكلام في سائر موارد العلم الاجمالي اي عدم التعادل بين الاحتمالين لوجود مثبت للتكليف في احدهما.
هذا تمام الكلام في الاٌصول العقلية وتقدم الاستصحاب عليها .
المقام الثاني : في تقدمه على الاصول الشرعية فمنها البراءة الشرعية وهي المستفادة من حديث (رفع ما لا يعلمون) والمراد الاستعمالي منه تنزيل الحكم الموجود أو المحتمل الوجود منزلة العدم. والاعتبار لابد من أن يخالف الأمر التكويني فلا يقال للأسد الواقعي هذا أسد تنزيلاً إلا أنه يكفي في مخالفته توهم الامر التكويني فيجوز تنزيل الحكم الموجود واقعاً والمتوهم الوجود ايضاً مقام عدمه. والمراد الجدي منه اعلام عدم الاهمية للأحكام الشرعية بمرتبة ينجزها الاحتمال حسب القانون الذي ذكرناه في البراءة العقلية.
إنما الكلام في أن المستفاد من ظاهر حديث الرفع هل هو رفع الحكم الذي لا يعلم وجوده وعدمه كما هو مقتضى فهم المشهور حيث اعتبروا أخذ الشك في موضوع الأصل أم أن ظاهره رفع الحكم الذي لا يعلم وجوده فاللسان مطلق بالنسبة الى العلم بعدمه إلا أن المخصص اللبي يخرجه وهو حكم العقل بأن الرفع التعبدي لابد أن يكون في مورد عدم العلم بالعدم وإلا فلا معنى لرفع الحكم الذي نعلم عدمه فعلى الأول يكون الاستصحاب حاكما بوضوح على دليل البراءة مطلقا.
وأما على الثاني فالاستصحاب المثبت للتكليف مقدم على حديث الرفع على وجه الحكومة لأنه علم تعبدي بوجود التكليف والمرفوع في الحديث هو ما لايعلم وجوده بحسب المراد الاستعمالي والملاك في الحكومة هو المراد الاستعمالي لا الجدي. وأما الاستصحاب النافي للتكليف فتقدمه على حديث الرفع بالحكومة يبتني على ما ذكرناه في تفسير هذه المصطلحات من أن الحكومة تصح في الأحكام العقلية وحيث ان المخصص العقلي لحديث الرفع يثبت ارتفاع التكليف الذي لا يعلم عدمه فالاستصحاب يقدم عليه لأنه علم تعبدي بعدمه .
هذا كله بناءً على دلالة حديث الرفع على الحكم الظاهري وأما لو كان مفاده أمراً آخر وراء ذلك فسيأتي تفصيله في البحث عن قاعدة الطهارة ان شاء الله تعالى.
وأما جريان استصحاب عدم التكليف وعدمه فقد بحثنا عنه مفصلاً في أول البراءة ومجملاً في الأصل المثبت.
ومن الاُصول الشرعية قاعدة الطهارة المستفادة من موثقة عمار (كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قَذُر وما لم تعلم فليس عليك) ().
وقد مر الكلام في تصحيح سنده في ضمن أدلة الاستصحاب. إنما البحث في تقدم الاستصحاب عليها والكلام تارة في استصحاب النجاسة وتارة في استصحاب الطهارة فالبحث في مقامين:
المقام الأول: في تقدم استصحاب النجاسة عليها . ولا إشكال في حكومته عليها إذا قرئ الحديث كما ضبطناه بأن يكون الغاية العلم بأنه قَذِر بنحو الصفة المشبهة لا الفعل الماضي بقرينة مقابلتها بالنظيف ووجه الحكومة واضح لأنه علم تعبدي .
وأما إذا قلنا بأن التناسب ووحدة السياق لايفيدان وثوقاً وأن هذه الكلمة فعل ماض فالغاية هو العلم بطروّ القذارة وهذا معلوم وجدانا والا فكيف يستصحب ويكفي في صدق الماضي طروّها سابقاً فالتقدم من جهة الورود إلا أن هذا الاحتمال مضافاً الى أنه خلاف الظاهر يرد عليه ــ بناءاً على مسلك القوم من أن الموضوع مشكوك الطهارة والنجاسة ــ أن المشكوك بوصف أنه مشكوك لم يعلم طرو القذارة عليه فإنه في زمان العلم بطرو القذارة لم يكن مشكوكاً .
المقام الثاني: في تقدم استصحاب الطهارة. ولا بد من مقدمة وهي أن مفاد هذه القاعدة هل هو حكم ظاهري ووظيفة عملية للشاك أم أنه حكم تنزيلي؟
المشهور أن الطهارة قسمان واقعية وظاهرية وكل منهما حكم شرعي إلا أن الثاني أخذ في موضوعه الشك كسائر الاحكام الظاهرية ولذا لا يقولون بالاجزاء إذا انكشف الخلاف لأنه حكم مادام الشك فإذا علمنا بالقذارة يجب ترتيب آثار القذارة من أول الأمر ولكن المحقق الخراساني أشار الى وجه آخر في مبحث الاجزاء واعترض عليه من تأخر عنه وهو الصحيح عندنا ولكن بتقريب منا وهو أن الحكم هنا تنزيلي بمعنى أن النجس الواقعي ما لم يعلم نجاسته منزل منزلة الطاهر فيعتبر طاهراً بنحو الاعتبار الادبي من جهة لحوق أحكامه به. والنتيجة أن النجاسة الواقعية باقية إلا أن الآثار المترتبة على النجاسة بعضها ذاتية لها وبعضها جعلية والتنزيل إنما هو بلحاظ الآثار الجعلية القابلة للرفع وأما الآثار الذاتية فلا يشملها التنزيل سواء قلنا بأن النجاسة والطهارة أمران تكوينيان كما قال الشيخ أم قلنا بأنهما أمران اعتباريان يستبطنان أحكاماً تكليفية هي كالمقوم لها كما شرحناه في مبحث الاحكام الوضعية فعلى المسلكين تختلف الآثار. والآثار الذاتية للنجاسة على مسلك الشيخ هي العلل التكوينية لحصولها والآثار التكوينية لها كتنجيس الملاقي بالرطوبة وعدم امكان مطهرية الماء النجس لأن فاقد الشيء لا يعطيه ومن الواضح أن التنزيل لا يؤثر في الآثار التكوينية فإذا نزل الشارع المتقي منزلة العالم لا يؤثر فيه من جهة حصول الكمالات النفسية.
والآثار الذاتية لها على مسلكنا هي الاحكام التي تعتبر كالمقوم بالنسبة لها على تفصيل ذكرناه في مبحث الاحكام الوضعية فتنجيس الملاقي بالرطوبة وعدم مطهرية الماء النجس من مقومات النجس الواقعي لا يمكن تحقق النجس من دون تحقق هذه الاحكام واعتبارها بدونها لغو لا معنى له فهذه الآثار لا تخضع للتنزيل وإنما الخاضع له سائر الاحكام كوجوب طهارة البدن والثياب والمسجد للمصلي. وهذا التنزيل يرتب هذه الأحكام في مورد عدم العلم بالنجاسة بنحو الحكومة الواقعية فالصلاة حينئذ واجدة للشرط واقعاً. ولكنه بالنسبة للآثار الذاتية بنحو الحكومة الظاهرية فيعقل فيها انكشاف الخلاف فلا نحكم بطهارة ما غسل بالماء المشكوك إذا تبين نجاسته. وعلى هذا فالتنزيل مزدوج .
أما تقدم الاستصحاب على القاعدة فبناءً على رأي المشهور من باب الحكومة لأن موضوعها الشك اوعدم العلم بالطهارة والنجاسة وأما بناءً على التنزيل فبالنسبة الى الآثار الذاتية التي قلنا فيها بالحكومة الظاهرية فالاستصحاب حاكم على القاعدة لأنه علم تعبدي ولا معنى للتنزيل الظاهري مع العلم بالوفاق بحكم العقل . وأما بالنسبة الى الآثار الجعلية التي قلنا فيها بحكومة القاعدة حكومة واقعية فالقاعدة تجري حتى مع العلم الوجداني بالخلاف لترتب الأثر على التنزيل وهو الاجزاء فإذا كان المكلف عالماً بالطهارة فصلى ثم علم بالنجاسة يحكم بأن صلاته محرزة للشرط واقعاً لقاعدة الطهارة . وكذلك فيمن صلى باستصحاب الطهارة فلا يتقدم الاستصحاب على القاعدة إذ لا يحكم العقل بعدم امكان التنزيل مع العلم أو قيام الحجة على الطهارة .
ومن هنا يظهران ما اعترض على المحقق الخراساني في مبحث الاجزاء غير وارد ومن الاعتراضات أن لازم التنزيل هو طهارة ما غسل بالماء المشكوك حتى بعد العلم بالنجاسة . وقد عرفت الجواب عنه بلحاظ ازدواجية التنزيل .
وإنما قلنا أن نظرية التنزيل هو الصحيح لوجهين :
الوجه الأول : أن تقسيم الأحكام الى ظاهرية واقعية غير صحيح لما ذكرناه في شرح حقيقة الأحكام في مبحث الأحكام الوضعية من أن الاعتبارات على قسمين أدبية وقانونية: والاعتبارات الأدبية عبارة عن إعطاء حد شيء لشيء آخر لغرض مترتب عليه بنحو يخالف المراد الجدي المراد الاستعمالي حتى لو سئل القائل عن كونه جادّاً في كلامه لأجاب بالنفي. والاعتبارات القانونية أمور متطورة عن الاعتبارات الأدبية بتوضيح ذكرناه هناك ومنها الأحكام الشرعية والعقلائية تكليفية ووضعية وهي أحكام متأصلة يتطابق فيها المرادان فإذا سئل المعتبر عن كونه جادّاً لأجاب بالاثبات .
ومورد الكلام أي قاعدة الطهارة من القسم الأول فلو سئل المعتبر عن كون الشيء المشكوك طهارته المحكوم بطهارته حسب القاعدة نظيفاً واقعاً وانه جادّ في اعتباره طاهراً لأجاب بالنفي. وهذا معنى الاعتبار الأدبي فقوله نظيف اعطاء له حد النظيف من جهة ترتب آثاره وأحكامه . فهذا ليس من سنخ الاحكام الواقعية لأنه ليس اعتباراً متأصلاً فإذا كان هذا الاعتبار في زماننا اعتباراً أدبياً فهو كذلك في زمان الشارع بطريق أولى لأن الاعتبارات القانونية تتطور عن الاعتبارات الأدبية ولا عكس.
الوجه الثاني: الاستشهاد بقوله عليه السلام (فإذا علمت فقد قذر وما لم تعلم فليس عليك) فإن ظاهر قوله (إذا) الحدوث عند الحدوث ولا يعقل تأثير العلم في حدوث القذارة الواقعية. والقذارة الظاهرية لا تجتمع مع العلم فلابد أن يكون المراد القذارة التنزيلية فالذيل شارح للصدر.
وقد يقال: إنه محتمل للوجهين فإنه لو لم يكن الشك مأخوذاً في موضوعه كان ظاهراً في الحكومة التنزيلية وحيث إنه أخذ في موضوعه فيحتمل جعل الحكم الظاهري أيضاً .
وبعد ما ذكرناه يعلم بطلان هذا القول لأن الشك لم يؤخذ في الموضوع وإنما جعل العلم غاية للتنزيل .
ومن هنا يعلم الحال في قوله عليه السلام (كل ما كان فيه حلال وحرم فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه).
الأمر الخامس
مما يذكر في الخاتمة
تعارض الاستصحابين
وفيه صور:
الصورة الاُولى : أن يكون بين الاستصحابين تناف بالذات بأن يكون أحدهما مثبتا للوجود والآخر مثبتاً للعدم كاستصحاب الجعل مع استصحاب عدم المجعول في الشبهات الحكمية بناءً على رأي السيد الخوئي ↔أيده الله≈ . وكمورد تعاقب الحادثين الذي مرّ الكلام فيه في أصالة تأخر الحادث فالمثال الأول للتناقض والثاني للتضاد والمراد به التضاد المعقول في الأحكام الشرعية لا المصطلح المختص بالأعراض وبيان مورده في مبحث اجتماع الأمر والنهي ومبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي.
وفي هذه الموارد ان قلنا بحجية الاستصحاب من باب بناء العقلاء والرؤية الاحساسية فلا يمكن رؤية النقيضين ولا مجال لحجية الاستصحابين . وان قلنا بحجيته تعبدا بقوله عليه السلام : (لا تنقض اليقين بالشك) فوضوح استحالة الجمع بين النقيضين يكون كالقرينة المتصلة المانعة من انعقاد الاطلاق فيه لشمول مورد التعارض بالذات .
الصورة الثانية : أن يكون التنافي من جهة عدم قدرة المكلف على الجمع بين مقتضى الاستصحابين فيكون من باب التزاحم وقصور القدرة كاستصحاب بقاء الوقت المقتضي لوجوب الصلاة واستصحاب نجاسة المسجد المقتضي لوجوب الازالة . والكلام في هذه الصورة هو الكلام في سائر موارد التزاحم .
الصورة الثالثة من صور التعارض:
أن يكون التنافي بالعرض بأن لا يكون بين المؤديين تناقض ولا تضاد إلا أن مؤدى أحدهما موضوع لحكم مضاد لمؤدى الآخر ويعبر عن الأصلين حينئذ بالأصل السببي والمسببي بشرط كون السببية شرعية كما إذا غسلنا الثوب المتنجس بماء مستصحب الطهارة فإن مقتضى استصحاب الطهارة في الماء هو ترتيب آثارها التي منها طهارة ما غسل به وهو مضاد لمؤدى استصحاب النجاسة في الثوب . قال الشيخ: المتسألم عليه بين المتأخرين هو تقدم الأصل السببي على المسببي ولكن يظهر من بعض كلمات الشيخ الطوسي والعلامة والمحقق ↔قدس الله اسرارهم≈ التعارض بينهما .
وقبل البحث لابد من ذكر مقدمة وهي:
انه لا اشكال في أن مركز التنافي هو مؤدى الاستصحاب المسببي وهو نجاسة الثوب وأما طهارة الماء فلا يتنافى فيها الأصلان وتوضيح ذلك يتوقف على ملاحظة أمرين :
الأمر الأول : أن استصحاب نجاسة الثوب لا يثبت نجاسة الماء إلا بالأصل المثبت بأن يتمسك بعكس النقيض للقاعدة الشرعية (كل ماء طاهر يطهر ما غسل به) وعكسه (كل ما لا يطهر ما غسل به فليس بطاهر) وعكس النقيض ليس من اللوازم الشرعية بل ذكرنا مراراً انه لا يتمسك به حتى بالنسبة الى الاُصول اللفظية فضلاً عن الاُصول العملية. ولذا قلنا بأن قولنا (كل عالم يجب إكرامه) لا يثبت أن زيداً الفاسق الذي لا يجب إكرامه ليس بعالم. فلو فرضنا عدم جريان استصحاب طهارة الماء لجهة من الجهات كتعاقب الطهارة والنجاسة فاستصحاب النجاسة في نفسه قاصر عن اثبات نجاسة الماء.
الأمر الثاني : أن استصحاب طهارة الماء يثبت جميع الآثار الشرعية لها ومنها طهارة ما غسل به فيثبت طهارة الثوب. والاستصحاب يثبت الأحكام الشرعية المترتبة على موضوعه إما بجعل الحكم المماثل كما ذكره الشيخ أو بالتلازم بين اعتبار اليقين بالشيء واعتبار أحكامه الشرعية .
فثبت بالأمر الأول عدم تأثير استصحاب نجاسة الثوب في اثبات نجاسة الماء وبالأمر الثاني تأثير استصحاب طهارة الماء في اثبات طهارة الثوب فينافي استصحاب نجاسة الثوب .
والوجه في تقدم الأصل السببي على المسببي على القول بحجية الاستصحاب من باب بناء العقلاء واضح للقطع بعدم بنائهم على الاذعان ببقاء مؤدى الأصل المسببي كما ذكره الشيخ فقال (ان العقلاء يبنون على بقاء زيد بعد غيابه فيرتبون آثار البقاء من ثبوت نفقة الزوجة ونحو ذلك ولا يعتنون بأصالة عدم وجوب النفقة مثلاً) وذكر ذلك أيضاً السيد الحكيم في حقائق الاُصول وإنما نستشهد بقولهما لتأييد المرتكز العقلائي وبنائهم على عدم الاعتناء بالاحتمال الادراكي المخالف إلا إذا كان مدعماً بحجة معتبرة كالأصل السببي في المقام. ولا أقل من الشك في الحجية المساوق للقطع بعدمها .
واما على القول بأن مدرك حجية الاستصحاب التعبد بقوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشك) فيختلف الأمر فيه وضوحاً وخفاءً بحسب المسالك .
فالمسلك الأول ما قويناه من أن المراد توسعة الكشف بقاءً في قبال الإحتمال الإدراكي المخالف وأما توسعته في قبال بقية الحجج فلا يدل عليه إما لأنه كناية عن قضية مضمرة جدية وهو توسعة الكشف والمراد الاستعمالي عدم نقض اليقين بالمعنى الاعتباري بالقلق والوسوسة، وإما لأن المراد عدم نقض اليقين بسبب الشك، لا في حال الشك. وعليه فلا يشمل دليل الاستصحاب هذا المورد لأنه نقض لليقين بالحجة وهو الأصل السببي.
والمسلك الثاني ما ذكره المحقق الإصفهاني وتبعه بعض الأعاظم من أن المراد لا تنقض الحجة باللاحجة. وعليه فلا يشمل دليل الاستصحاب مورد الأصل المسببي أيضا لأنه نقض بالحجة وهو الأصل السببي .
والعجب عمن سلك هذا المسلك في أصل حجية الاستصحاب ولكنه في المقام لم يستنتج هذه النتيجة الواضحة وإنما ذهب الى وجه آخر بعيد سيأتي الكلام فيه .
والمسلك الثالث أن يكون المراد نقض اليقين في حال الشك سواء كان في مورد الشك حجة شرعية أم لا؟ وبناءً على هذا يصح التنافي وينبغي أن يكون محل النزاع وكل الاشكال بناءً عليه وجهان :
الوجه الأول : ما ذكره الشيخ بنحو الاحتمال ولكن بعض الأعاظم بل جماعة منهم قبلوه وهو أن تقدم الأصل السببي على الأصل المسببي ليس بلا واسطة بل بواسطة الامارة فهي في الواقع مقدمة على الأصل المسببي. وذلك لأن الأصل السببي يحقق موضوع الكبرى المتلقاة من الشارع وهي في المثال السابق (كل ماء طاهر يطهر ما غسل به) وبعد تحقق موضوعها تحصل النتيجة بتطبيق الكبرى فيتقدم على الأصل المسببي .
والجواب أن النتيجة تابعة لأخس المقدمتين فإذا كانت الصغري استصحابية فالنتيجة نتيجة استصحابية وإن كانت الكبرى امارة فلا يتقدم على الأصل الآخر فالمقدم في الواقع هو الاستصحاب لا الامارة والكبرى المذكورة إنما هي دخيلة في كون السببية شرعية فلولاها لم يشمل الأصل السببي مورد الأصل المسببي أصلاً .
وبعض الأعاظم مع أن مبناه في معنى (لا تنقض اليقين بالشك) أنه بمعنى لا تنقض الحجة باللاحجة وقد عرفت أنه على هذا المسلك فالتقدم واضح ومع ذلك اختار هذا المسلك الشائك .
الوجه الثاني : أن الاستصحاب السببي حاكم على الاستصحاب المسببي. وذلك لأن الشك مأخوذ في الاستصحاب والاستصحاب المسببي يرفع الشك عن نجاسة الثوب تعبداً أمّا بناءً على التوسعة في الكشف فلأن اعتبار بقاء العلم بطهارة الماء ملازم لاعتبار بقاء العلم بطهارة الثوب فيرتفع الشك لا محالة تعبداً. وأمّا بناءً على جعل الحكم المماثل فللملازمة بين جعل طهارة الماء وجعل طهارة الثوب المغسول به. فعلى الأول يحصل القطع التعبدي بالطهارة الواقعية. وعلي الثاني يحصل القطع الوجداني بالطهارة الظاهرية . وهذا الوجه هو مختار السيد الخوئي ↔أيده الله≈ .
والجواب عنه : أن اعتبار الشاك عالماً لايصح إلا مع بقاء الشك تكويناً إذ لا معنى لاعتبار الأسد التكويني أسداً فلابد في الاعتباريات من مخالفتها للأمر التكويني فالشك مأخوذ في موضوع الحكم بأنه عالم وكذلك في جعل الطهارة الظاهرية بناء على جعل الحكم المماثل . نعم هو لا يتوقف على كون الثوب مسبوقاً بالعلم بالطهارة لأن الاستصحاب إنما يجري في طهارة الماء ولكن من حيث أخذ الشك في الموضوع لا فرق بين الطهارة الظاهرية للثوب المستفاد من استصحاب طهارة الماء وبين نجاسة الثوب الثابتة باستصحابها . غاية الأمر أن أخذ الشك في الثاني بحسب لسان الدليل وفي الأول بحكم العقل ولكن هذا الفرق لا يوجب تقدم أحدهما على الآخر لما ذكرناه في مبحث الحكومة من امكان الحكومة في الأحكام العقلية أيضاً فكما يمكن أن يكون استصحاب طهارة الماء حاكماً على استصحاب نجاسة الثوب كذلك العكس.
هذا ولكن الظاهر أن أصحاب القول بالحكومة يرون اعتبار العلم بطهارة الماء عين اعتبار العلم بطهارة الثوب وكذا اعتبار طهارة الماء عين اعتبار طهارة الثوب وعليه فالشك إنما أخذ في موضوع الحكم بطهارة الماء واستصحاب نجاسة الثوب لا يمكن أن يعارضه ولم يؤخذ في موضوع الحكم بطهارة الثوب . إلا أن القول بوحدة الحكمين مع تعدد موضوعهما واضح الفساد فإنه يكفي في تعدد الحكم تعدد الموضوع ويكفي في تعدد الاعتبار تعدد المعتبر. ولو سلمنا ذلك فلا وجه أيضاً لتقدم استصحاب طهارة الماء إلا القول بأن الشك في نجاسة الثوب مترتب على الشك في طهارة الماء والمعلول متأخر عن العلة أو للتقدم الزماني.
أما التقدم الزماني فلا وجه له مع أنه يمكن فرض تقارن الشكين وأما التقدم الرتبي فلا أثر له في الإعتبارات الشرعية .
فتحصل أن الصحيح هو تقدم الاستصحاب السببي على المسببي لقصور بناء العقلاء وهو العمدة.
بقي هنا سؤال :
وهو أن طهارة الماء لو ثبتت بقاعدة الطهارة فهل تتقدم على استصحاب نجاسة الثوب أيضاً وما وجهه ؟
أما على مسلك حجية الاستصحاب ببناء العقلاء وكذا استظهار لا تنقض الحجة باللاحجة أو لا تنقض اليقين بالاحتمال الإدراكي فالتقدم ووجهه ظاهران لقصور بناء العقلاء في مورد قيام الحجة وعدم نقض الحجة باللاحجة بل بالحجة وعدم نقض اليقين بالإحتمال الإدراكي المجرد بل بالمدعم بالحجة .
وأما على المسلك الأخير وهو لا تنقض اليقين في حال الشك فقد قال السيد الخوئي: إنه ربما يستشكل حينئذ بأن القاعدة ليست أصلا محرزاً للواقع بل هي جعل للوظيفة العملية .
وأجاب بأن دليل القاعدة ينظر الى ترتب جميع آثار الطهارة لا خصوص ما لم يكن مسبوقاً بالعدم ولا يختص بآثار طهارة الماء المختصة به كجواز الشرب بل يشمل الآثار التي تتعلق بموضوعات اُخرى كطهارة ما غسل به وإرتفاع الحدث وتلك الآثار مسبوقة غالباً بالعدم فإذا كان دليل القاعدة ناظراً إليها يتقدم على الاستصحاب العدمي الجاري فيها تقدم الحاكم على المحكوم بنحو الحكومة النظرية وهي القسم الثالث ممّا مرّ من أقسامها .
والجواب عنه أنه لو كان دليل قاعدة الطهارة مختصا بالماء امكن ان يقال ان القاعدة تقتضي ترتيب جميع آثار الطهارة بما فيها جواز التطهير ورفع الحدث مما يجري فيها استصحاب العدم والا لكانت فائدتها كالمعدومة لان جواز الشرب مسبوق بالثبوت ولكن مدرك قاعدة الطهارة روايتان :
احداهما موثقة عمار (كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر فإذا علمت فقد قَذُر وما لم تعلم فليس عليك) () وهذه الموثقة لا تختص بالماء بل هي عامة لجميع الأشياء المشكوكة الطهارة والنجاسة فلا تنفع فيما ذكر.
الثانية : رواية (الماء كله طاهر حتى يعلم انه قذر) وهذه الرواية مختصة بالماء فلا يحتمل اختصاص جعل الطهارة فيها بشرب الماء المسبوق بالجواز ولابد من أن يشمل جميع الآثار كما مرّ . إلا أن في سنده جعفر بن محمد والظاهر أنه الأشعري وهو لم يوثق وسائر أسانيده واضح الضعف .
نعم الرواية معتبرة على مسلك السيد الخوئي من قبول وثاقة من ورد في أسانيد كامل الزيارات وعلى مسلك من اعتمد على من لم يقع في مستثنيات نوادر الحكمة من رواته أو من نقل عنه الاجلاء.
وكل هذه الوجوه ضعيفة وقد فصلنا القول في توثيقات كامل الزيارات في المباحث الفقهية مبحث جواز الصلاة متقدماً على قبر المعصوم.
هذا كله مع أن الحكومة النظرية لا تثبت فيما إذا كان النظر الى المدلول بل فيما كان النظر الى لسان الدليل وفي ثبوته هنا خفاء .
الصورة الرابعة من صور التعارض:
ان يكونا متكفلين للترخيص في طرف العلم الاجمالي المتعلق بالحكم الالزامي. والكلام في تعارضهما اولاً ثم في تساقطهما او التخيير او الترجيح. مثاله ما إذا علمنا بنجاسة احد الاناءين وكانا مسبوقين بالطهارة. فالكلام في جهتين:
الجهة الاولى: في تعارض الاستصحابين. ولابد أولاً من تشخيص محل النزاع فنقول:البحث في تعارض الاستصحابين هنا يقع بثلاث اعتبارات:
الاول: باعتبار انهما اصلان مرخصان في طرفي العلم الاجمالي.
الثاني: باعتبار انهما اصلان محرزان.
الثالث: ان دليلهما لا تنقض اليقين بالشك.
والاخيران لا يختصان بالاستصحابين المرخصين بل يجريان في جميع موارد تعارض الاستصحابين لعدم الفرق من جهة الاحراز ومن جهة الدليل. ولذا ذهب المحقق النائيني إلى القول بالتعارض فيما إذا كان الاناءان مسبوقين بالنجاسة وعلم بطهارة احدهما من جهة انهما اصلان محرزان. وذهب الشيخ إلى ان الموجب لعدم الجريان هو مناقضة الصدر والذيل في الدليل. والبحث في هذين الاعتبارين يأتي في ضمن البحث عن صور اخرى والكلام هنا انما هو باعتبار انهما مرخصان وعليه فيشمل جميع الاصول المرخصة في اطراف العلم الاجمالي بالتكليف.
والمشهور في هذه المسألة عدم الجريان الا ان الاختلاف في بيان السّر في ذلك. وهنا عدة نظريات توضح كيفية تنجيز العلم الاجمالي للتكليف بحيث لا يمكن معه جريان الاصل المرخص.
النظرية الاولى: ان العلم الاجمالي بحرمة احد الشيئين مثلاً يكشف عن الحرام الواقعي بينهما وينجزه فالعلم الاجمالي يتقوم بمنفصلة حقيقية: اما هذا حرام او ذاك حرام لا يجتمعان ولا يرتفعان لان الحرام مشخص بموجب العلم الا انه مردد بينهما. وعليه ففي كل منهما يحتمل وجود التكليف المنجَّز لا ان الاحتمال منجِّز فتجب الموافقة القطعية ولا مجال لجريان الاصول.
وهذا القول يظهر من كلمات المحقق العراقي ويمكن تقريبه بوجهين:
الوجه الاول: ان الفرق بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي ليس الا في الصورة المنطبعة في النفس والا فهما يكشفان عن واقع خارجي واحد ففي الاول يعلم بصورة تفصيلية وفي الثاني بصورة اجمالية غير متميزة لا انه متعلق بامر كلي. والشاهد على ذلك ان المعلوم بالاجمال لو تعين وصار معلوماً تفصيلياً لا ينطبق على جزء تحليلي من الامر الخارجي بل على واقعه الخارجي بتمامه.
الوجه الثاني: ان العلم الاجمالي وان تعلق بالجامع الانتزاعي اي عنوان (احدهما) الا انه لم يؤخذ على وجه الموضوعية كما في الواجب التخييري بل اخذ على وجه المرآتية، فالواجب في الواجب التخييري هو احدهما واقعاً لا هذا بحده ولا هذا بحده ولكن الحرام المعلوم بالاجمال واقعاً اما هذا بحده واما هذا بحده. وعنوان احدهما اخذ مرآة للحرام الواقعي فهو حد للعلم لا للواقع ولكنه حيث اخذ مرآة عن الواقع فيضم اليه الاشارة الوهمية وبذلك ينكشف الواقع.
ونظير ذلك ما يقال في الوضع العام والموضوع له الخاص ان الكلي تصور للشيء بوجهه وعنوانه.
ويرد على هذين التقريبين اشكالان مشتركان وعلى كل واحد منهما اشكال مختص به.
الاشكال الاول المشترك: انه لو علمنا بنجاسة احد الاناءين بنحو اللابشرط اي غير مقيد بالوحدة وكان الاناءان في الواقع نجسين معا فلا اشكال في ان هذا العلم مطابق للواقع وليس جهلا مركبا لانه غير مقيد بالوحدة فاذا كان المقياس في مطابقة الواقع مطابقته لاحد الاناءين خارجاً كما هو المفروض فيقع السؤال في ان اياً من الاناءين هو الذي يكشف عنه العلم؟ ويلزم من الجواب الترجيح بلا مرجح بخلاف القول بان المقياس في مطابقة العلم للواقع مطابقته لعنوان احدهما فانه حاصل ولا مورد لهذا السؤال حينئذ.
الاشكال الثاني المشترك: ان لازم ذلك ان يكون كل جاهل بسيط عالماً لان كل احد يعلم بان زيداً مثلاً اما قائم او ليس بقائم للعلم بعدم ارتفاع النقيضين فلو كان هذا مناط العلم لم يبق جاهل اصلاً لانه لا يخلو الجهل من العلم الاجمالي بين الوجود والعدم.
الاشكال المختص بالاول: ان الصورة الاجمالية ليس له معنىً محصل وانطباق الكلي على الجزء التحليلي انما هو في الكليات الحقيقية لا الانتزاعية فعدم انطباقه على جزء تحليلي لا يدل على ان المنكشف هو الفرد لا الكلي.
الاشكال المختص بالثاني: ان الكلي لا يحكي عما ينطبق عليه بل عما يطابقه. والاشارة الوهمية بمجردها لا تكفي في الانكشاف كما ذكرناه مفصلاً في البحث عن استصحاب الفرد المردد. والحاصل ان كشف العلم الاجمالي عن الواقع الخارجي امر موهوم خصوصاً فيما إذا كان العلم حاصلاً من تجمع الاحتمالات في المحور الواحد كما إذا اخبرنا بمجيء رجل من اقاربنا بشخصه ثم اخبرنا بمجيء آخر ثم آخر وهكذا حتى تجمعت الاحتمالات في مجيء رجل منهم اجمالاً بحيث حقق علماً اجمالياً مع انه ليس مأخوذاً من واقع خارجي حتى يكشف عنه.
النظرية الثانية: ان المكشوف بالعلم الاجمالي هو العنوان الانتزاعي اي عنوان (احدهما) والواقع الخارجي ليس مكشوفاً اصلاً والكلام انما هو في ان العلم بهذا العنوان هل له قابلية التنجيز أم لا؟ وعلى تقدير تنجيزه له فهو انما يختص بالموافقة الاحتمالية. وتعارض الاستصحابين انما هو بلحاظ تنجز وجوب الموافقة القطعية. فهل ينجز بهذا المقدار ايضاً أم لا؟
اما في السؤال الاول فظاهر عبارة صاحب الكفاية عدم التنجيز لان عنوان (احدهما) عنوان انتزاعي والمنجَّز لابد من ان يكون حكماً واقعياً.
وللقول بتنجيزه كما ذهب اليه الآخرون وجهان:
الوجه الاول: ما يستفاد من بعض كلمات السيد الخوئي ايده الله في دوران الامر بين الوجوب التعييني والتخييري وهو ان العلم الاجمالي بحرمة احد الشيئين ينحل إلى علم بتعلق الحرمة باحدهما وشك في الخصوصيتين فتجري اصالة البرائة من التقييد ويبقى تحت التكليف عنوان احد الشيئين.
ويمكن ان يناقش فيه اولاً: بان متعلق العلم احد الوجوبين لا وجوب احد الشيئين وما اصطلح عليه الاصوليون من العلم بالتكليف والشك في المكلف به مبني على المسامحة فان تشخص الوجوب بتشخص متعلقه فالامر دائر بين الوجوبين.
وثانياً: ان هذا التحليل لا عقلي ولا عقلائي فاذا قيل: اكرم زيداً لا يتوهم انحلاله إلى اكرام احد الافراد مقيداً بكونه زيداً.
الوجه الثاني: ان احد الوجوبين امر انتزاعي تابع في التنجيز وعدمه لمنشأ انتزاعه فان حقيقة الامر الانتزاعي تابع لحقيقة منشأ الانتزاع فاحد العرضين عرض واحد الوجوبين وجوب ايضاً فهو منجز تبعاً لمنشأ انتزاعه.
هذا ما كنا نعتقده سابقاً وقد عدلنا عنه لعدم ملاءمته لبعض المباني التي قطعنا بها وذلك لانه انما يتم على مسالك القوم في التنجيز ولكنه لا يتم على مسلكنا فيه فانه عندنا عبارة عن ادراك العقل لتحقق موضوع الحكم الجزائي الذي يشتمل عليه الحكم التكليفي باللف والاندماج وهذا يختص بالاحكام المجعولة الشرعية لا الامور المنتزعة منها.
وكيف كان فلنفرض وجوب الموافقة الاحتمالية اصلاً موضوعياً ونركز البحث في وجوب الموافقة القطعية وعدم جريان الاصول المرخصة في الاطراف.
ولاثبات ذلك على هذه النظرية عدة مسالك:
المسلك الاول: ما ذكره المحقق النائيني من ان الترخيص في الاطراف يستلزم الترخيص في المخالفة القطعية وهو قبيح لان العلم الاجمالي كما ذكرنا علة تامة لوجوب الموافقة الاحتمالية وحرمة المخالفة القطعية.
واعترض عليه السيد الخوئي ايده الله (بالنقض) بما إذا لم يتمكن المكلف من المخالفة القطعية كما إذا حرم الضدان فان حرمة المخالفة القطعية غير منجزة لعدم التمكن مع ان الاطراف غير مرخص فيها. و(بالحل) بان الترخيص في كل من الاطراف بيان لعدم تنجيزه بحده وهو لا ينافي تنجز التكليف بالنسبة إلى احدهما غير معين فهذا لا يوجب تعارض الاصلين.
المسلك الثاني وهو يشكل النظرية الثالثة في تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية ما ذكره السيد الخوئي ايده الله، ولكي نتمكن من تدقيق النظر فيما قاله نقسمه إلى اربع مقدمات للنتيجة المطلوبة.
المقدمة الاولى: ان العلم الاجمالي يتركب من العلم بالجامع والعلم بالتلازم فانه متقوم بمنفصلتين مانعتي الخلو: (ان لم يكن هذا حراماً فذاك حرام وبالعكس) لان عنوان (احدهما) مأخوذ على وجه المرآتية فليس كالواجب التخييري الذي لا يكون الفرد فيه واجباً.
المقدمة الثانية: أن العلم بالجامع لا يقتضي اكثر من وجوب الموافقة الاحتمالية وهذا لا يقتضي عدم جريان الاصول كما مر بيانه في الاعتراض على نظرية المحقق النائيني قدس سره والعلم بالتلازم ليس قابلا للتنجيز بنفسه ولم يتعلق بالخصوصيتين فينجزهما.
المقدمة الثالثة: ان العلم بالتلازم يمنع عن الجمع بين الترخيصين فانه يوجب التضاد في مرحلة المنتهى اي تحير المكلف في النهاية، وذلك لان المفروض التلازم بين ترخيص كل منهما وحرمة الآخر من جهة والترخيص فيهما من جهة اخرى فلا يمكن ان يؤثر شيء منهما في ارادة المكلف. وعليه فلابد من الالتزام بعدم جريان الاصول المرخصة. ولا يأتي هنا ما ذكرناه من امكان الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي بحيث لا يلزم التضاد من حيث المنتهى.
المقدمة الرابعة: انه بعد تساقطهما يبقى احتمال التكليف مساوقاً لاحتمال العقوبة وذلك لاحتمال الحرمة مع عدم المرخص. واحتمال العقوبة متحد مع التنجز في النتيجة فان موجبات التنجز ليست الا اسباباً لايجاد احتمال العقوبة في نفس المكلف.
وقد ذكرنا تفصيل البحث في هذه المقدمات والنظر فيها في مباحث الاشتغال. وانما نذكر هنا مجمل القول في المقدمتين الاخيرتين.
اما المقدمة الثالثة فوجه النظر فيها انه بعد فرض عدم تنجيز العلم الاجمالي الاّ وجوب الموافقة الاحتمالية وعدم قابلية العلم بالتلازم للتنجيز فما هو الموجب لتحير المكلف؟! نعم الترخيص في الطرفين يوجب العلم بالترخيص في الحرام الواقعي ولكن هذا لا يعد محذوراً فان السيد الخوئي ايضاً ملتزم كغيره بالتخيير في دوران الامر بين المحذورين مع انه يلزم منه الترخيص في التكليف الالزامي المعلوم. وحيث قد تنجز عليه وجوب الموافقة الاحتمالية فلابد من ان يترك احدهما بموجب هذا المنجز ولا يقع في حيرة اصلاً ولا يزاحمه الترخيص في الاطراف كما ذكرنا في جواب المحقق النائيني الا ان هذا الترخيص مخالف لمرتكز العقلاء ولكن لا للزوم تحير المكلف بل لامر آخر سيأتي ان شاء الله تعالى.
واما المقدمة الرابعة ففيها أن احتمال التكليف لا يلازم احتمال العقوبة الا ان يتنجز بمعنى ان يدرك العقل تحقق موضوع الحكم الجزائي في حقه وهو لا يكون الا إذا وصل التكليف اليه بحيث لو كان من مقاصده الشخصية اوجد فيه انبعاثاً. وهو يعترف بهذا الامر في قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
المسلك الثالث وهو يشكل النظرية الرابعة في تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية وهو ما ذكرناه سابقاً واسندناه إلى المحقق الخراساني وكان مختارنا في الدورة السابقة وهو ان العلم الاجمالي له نوعان من الكشف: كشف ذاتي وكشف عقلائي. والمكشوف بالاول هو العنوان الانتزاعي (احدهما) والمكشوف بالثاني هو الواقع. وهذا متحد مع النظرية الاولى في النتيجة اجمالاً الا ان الفرق بينهما ان الكشف هناك عن الواقع كشف ذاتي فلا فرق بين موارده ويلزم منه عدة نقوض ولكنه هنا عقلائي تابع لنظر العقلاء وهو يختص بما إذا كان المعلوم بالاجمال حكماً الزامياً. وهنا فرق آخر وهو ان تبعية هذا الكشف لحكم العقلاء يستلزم موارد الشبهة المصداقية وتكون من اشتباه الحجة باللاحجة والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية فلا يلزم عليه النقض بلزوم الترجيح بلا مرجح كما ذكرناه هناك.
وقد ذكرنا سابقاً عدة شواهد لحكم العقلاء بان العلم الاجمالي يكشف عن الواقع نظراً إلى ان المكشوف ذاتاً هو عنوان احدهما ولكن حيث انه مأخوذ بنحو المرآتية فيمكن الاشارة الى ما ينطبق عليه العنوان واقعاً ويقال انه هو المعلوم. ويشهد له التعبير العقلائي بنحو الترديد فيقال: ان النجس المعلوم اما في هذا واما في ذاك.
ومن الشواهد قوله عليه السلام (كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) حيث يدل على ان المعرفة قسمان: معرفة للشيء بعينه ومعرفة له بوجهه وعنوانه. فيصدق على العلم بالعنوان الانتزاعي والكلي المنطبق على المعنون انه علم بالشيء.
ومنها ما ذكره المحقق الخراساني في ما كان الوضع فيه عاماً والموضوع له خاصاً ان تصور الكلي تصور للشيء بوجهه.
ومنها مساعدة ارتكاز بعض الاصوليين كما ذكرناه في بيان مسلك المحقق العراقي في المقام الا انه اعتبره كشفاً ذاتياً. وكما ذكره السيد الخوئي في بعض الموارد من ان الواقع في العلم الاجمالي منكشف الا انه غير متميز. وكما ذكره السيد الطباطبائي من امكان استصحاب الفرد المردد المشار اليه لان الاشارة تكشف عنه كما مر في استصحاب الفرد المردد.
ولكن عدلنا عن هذه النظرية اخيراً لعدم امكان تفسير الارتكاز العقلائي بها ولضعف هذه الشواهد. فان مقتضى ما ذكرنا من الاستشهاد بالرواية الغاء حجية العلم الاجمالي في قبال اجراء قاعدة الحل ومن الواضح انه ليس هو المرد بل المراد تأكيد معرفة الشيء. وكلمة (بعينه) و(بنفسه) من كلمات التأكيد اللفظي. واما ما ذكره الاعلام في مختلف الموارد فمنشؤه التزامهم بان الاحتمال ليست له قابلية التنجيز فلابد من كشف الواقع وحيث رأوا في ارتكازهم تنجز التكليف في هذه الموارد تشبثوا بهذه الوجوه لبيان ان الواقع مكشوف. ولكن الصحيح ان العلم ليس الاّ تجمع الاحتمالات فالاحتمال له خاصية الكشف الا انه ضعيف لا يدرك الا بالمحاسبة. واما ما ذكره السيد الطباطبائي فهو سهو منه كما مرّ تفصيله في مبحث استصحاب الفرد المردد.
المسلك الرابع وهو النظرية الخامسة هو ما قويناه اخيراً من منجزية الاحتمال إذا كان قوياً او كان المحتمل مهماً عند العقلاء وأن الاحتمال يقوى إذا كان مقوماً للعلم الاجمالي فاحتمال الوجود والعدم في كل من الطرفين شبهة بدوية لا اثر له وان كان بقوة 60% ولكن احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على كل منهما احتمال منجز لانه يحمل قوة العلم الموزعة على الاطراف وان كان 1% كما إذا تردد الاناء النجس المعلوم بين مائة اناء. ومن هنا تبين وجه عدم تنجيز الاحتمال في الشبهة غير المحصورة ويتبين المقياس في الفرق بينها وبين الشبهة المحصورة فان الاواني المتردد فيها الاناء النجس لو بلغ من الكثرة بمقدار اصبح احتمال الانطباق على كل واحد منهما ضعيفاً بحيث لا يهتم به العقلاء لا يكون منجزا كاحتمال 1/ 100000 مثلاً.
وتعارض الاستصحابين بناءً على المسلك الثالث من المسالك المتقدمة وبناءً على النظرية الاولى انما هو من جهة الشبهة المصداقية لنقض اليقين بالشك لاحتمال نقضه باليقين في كل من الطرفين. وعلى سائر المسالك واضح. واما على مسلكنا فلان الاستصحاب لا يجري إذا كان معاكساً لحجة عقلائية كما مر والاحتمال حجة عقلائية.
هذا تمام الكلام في الجهة الاولى واثبات تعارض الاستصحابين.
الجهة الثانية: في ان مرجعهما إلى التساقط او التخيير او الترجيح.
والمراد بالتساقط واضح. واما التخيير فالمراد به تقييد الاطلاق الاحوالي في كل منهما بان يكون الترخيص في كل منهما مقيداً بترك الآخر. والمراد بالترجيح ان يدعم احد الاستصحابين امارة معتبرة او غير معتبرة او اصل آخر فيجري دون الآخر.
والتخيير لا يعقل بناءً على النظرية الاولى والمسلك الثالث من المسالك المتقدمة اذ المفروض ان الواقع مكشوف وان في كل من الطرفين شبهة مصداقية لليقين فالاطلاق الاحوالي غير شامل حتى يتوهم التقييد. وكذا بناءً على مسلكنا لان الاستصحاب في كل من الطرفين معارض للاحتمال وهو حجة عقلائية. وكذا بناءً على المسلك الثاني مسلك السيد الخوئي فان الجمع بين الترخيصين يمنع من جريان الاستصحاب مطلقا.
انما الاشكال يقوى بناءً على مسلك المحقق النائيني فان الاستصحاب في كل منهما لا مانع منه الا استلزام الترخيص في المحرم الواقعي. وهنا يقوى شبهة التخيير لان كلاً من الاصلين لهما شمول افرادي واطلاق احوالي والاشكال بلزوم الترخيص في المحرم الواقعي انما يلزم بناءً على الاطلاق الاحوالي فنقيد اطلاق كل منهما بالآخر ولا يلزم المحذور. واذا دار الامر بين رفع اليد عن الشمول الافرادي والاطلاق الاحوالي يتعين الثاني لان الضرورات تتقدر بقدرها.
وقد حكي عن بعض الاعاظم انه قال: ان اول مسألة اسأل عنها صاحب العصر (عجل الله فرجه) إذا لقيته هو شبهة التخيير في الاصول. ومن هنا يتبيّن اهمية هذه الشبهة بناءً على هذه المقدمات.
وقد اجاب عنها المحقق النائيني ان الاطلاق في المقام محال اي الترخيص في كل من الطرفين مطلقاً. واذ استحال الاطلاق استحال التقييد.
وفيه اولاً: انه بعد تسليم ان بين الاطلاق والتقييد عدم وملكة فالقابلية معتبرة في جانب العدم بمعنى ان صدق العدم يتوقف على قابلية الملكة ولذا لا يقال اعمى الا لمن كان قابلاً للبصر ولكن البصر لا يتوقف على قابلية العمى والاّ لكان صدق العالم على الباري تعالى غير صحيح لعدم قابلية الجهل فيه. والتقييد هو الملكة والاطلاق عدمه فان كان التقييد مستحيلاً عند استحالته كان معناه ان الملكة تتوقف على قابلية العدم وهذا لم يقل به احد.
وثانياً: سلمنا ذلك. لكن القابلية بمعنى عدم لزوم محال من الاطلاق لا عدم كونه موافقاً للحكمة وهو المنتفي في المقام. واذا كان الاطلاق ممكنا وغير موافق للحكمة وجب التقييد فكيف يكون مستحيلاً.
وثالثاً: انّ كل واحد من الاطلاقين ممكن الا ان الجمع بينهما غير ممكن وهذا غير معتبر في جواز التقييد قطعاً.
واما الترجيح فقد نقل الشيخ عن الشهيد في تمهيد القواعد انه قال بترجيح احد الاصلين بتعاضده بالدليل الاجتهادي. ثم فصل الشيخ بان الاستصحاب ان كان حجة تعبدية محضة فلا وجه للترجيح لان الامارة مرتبطة بالحكم الواقعي والاستصحاب يثبت الحكم في مرحلة الظاهر فلا يؤثر شيء منهما في الآخر. وان كان حجة من باب الظن فلابد من الالتزام بالترجيح لما تسالموا عليه من الترجيح في الادلة الاجتهادية بل ادعى عليه بعضهم الاجماع صريحاً.
واصرّ بعض على لزوم القول بالترجيح لمسلك المحقق النائيني والسيد الخوئي من ان الاستصحاب اصل محرز لعين ما ذكره الشهيد من تقوية احد الاستصحابين بالامارة.
ولابد من ملاحظة ثلاث جهات ليتضح الامر في المقام:
الجهة الاولى: ان القول بالترجيح لا يتأتى بناءً على الكشف عن الواقع اما عقلاً او عقلائياً كما في النظرية الاولى والمسلك الثالث وذلك لان المقتضي لجريان الاستصحاب مفقود فالتساقط هو المتعين. وكذا بناءً على ما ذكرنا من حجية الاحتمال. وعليه فيختص احتمال الترجيح بمسلك المحقق النائيني ومسلك السيد الخوئي حيث منعا عن جريانهما للزوم محذور الترخيص في مخالفة الواقع او الجمع بين الترخيصين.
الجهة الثانية: ان الامارة المعاضدة لاحد الاستصحابين اما ان تكون حجة واما ان لا تكون وعلى تقدير كونها حجة اما ان تكون حجة في لوازمها غير الشرعية ايضاً واما ان لا تكون. فان كانت حجة في لوازمها فلا مجال للترجيح لان قيام الامارة على الطهارة في احد الاناءين مثلا تدل بالملازمة على نجاسة الآخر لان المفروض العلم بالملازمة بين طهارة احدهما ونجاسة الآخر وعليه فلا مجال لجريان الاستصحاب في الآخر في قبال الامارة. واما جريان الاستصحاب الموافق لها فقد مرّ الكلام فيه مفصلاً.
وان كانت حجة في غير لوازمها كقول ذي اليد بناءً على عدم حجية لسان الاثبات فيه او لم تكن حجة اصلاً كما إذا قلنا بان خبر العدل الواحد ليس حجة فحينئذ يحتمل ترجيح احد الاستصحابين بهما. الا انه في القسم الاول منهما يبتني على القول بجريان الاستصحاب الموافق للامارة واما ان قلنا بتقدمها على الاصل الموافق ايضاً فلا مجال لجريانه ولا وجه للترجيح.
الجهة الثالثة: ان الاستصحاب ان كان وظيفة للشاك في مورد العمل فلا وجه لتعاضده بالامارة الموضوعة لبيان الحكم الواقعي فالترجيح يختص بالقول بحجية الاستصحاب من باب الظن او القول بانه اصل محرز للواقع، ومن هنا اعترض بعضهم على المحقق النائيني بان مقتضى التزامه بان الاستصحاب اصل محرز القول بالترجيح فلا وجه للتساقط. وسيتضح الامر ان شاء الله تعالى.
ووجه الترجيح ان كان هو الاجماع الذي ادّعي فلا ينبغي ان يذكر وان كان هو تقوية احد الاستصحابين بالامارة كما قاله الشهيد فيردّه ان القوة والضعف لا يؤثران في الترجيح شيئاً والمرجح لابد اما ان يكون حجة شرعية او حجة عقلائية ممضاة. ولا فرق في حجية الاستصحاب سواء كان ببناء العقلاء أم الاعتبار الشرعي بين ان يكون الاحتمال المخالف قوياً أم ضعيفاً ما لم يصل إلى حد الاطمينان مع ان القوة المزعومة هنا انما هي في الاحتمال الادراكي والاستصحاب مترتب على احساس نفسي او ضرورة اجتماعية كما ذكرنا.
الصورة الخامسة من صور التعارض:
ان يكونا مثبتين لتكليف الزامي او ملزوم له في مورد العلم الاجمالي بالرخصة او بملزومها كما إذا كان الاناءان نجسين قطعاً ثم علمنا اجمالاً بطهارة احدهما فان استصحابي النجاسة فيهما يتعارضان. والمشهور هو جريان الاستصحابين وهناك ثلاث طرق لمحاولة المنع من جريانهما:
الطريق الاول: ما سلكه المحقق الاصفهاني وهو ان العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي في تأثيره في ارادة المكلف من الانبعاث والانزجار في الاحكام التكليفية والشعور بالحرية في الاحكام الترخيصية. فالعلم الاجمالي المتعلق بالرخصة فيهما له قابلية ايصال الحكم إلى مرحلة الفعلية. والفعلية على اصطلاحه هي المرحلة المساوقة للفاعلية اي قابلية التأثير في ارادة المكلف فالاباحة فيهما لا قصور فيها من حيث التأثير في نفس المكلف واستصحاب النجاسة في كل منهما يوجب المنع عن كل منهما فيتحير المكلف ويحصل التضاد من حيث المنتهى.
وقد فصلنا الجواب عنه في مبحث الاشتغال ومجمل القول ان العلم الاجمالي ليس له قابلية التأثير في الحكم الترخيصي وايصاله إلى مرحلة الفاعلية. وذلك لان العلم الاجمالي بالرخصة ان كان مقروناً بالعلم الاجمالي بالتكليف الالزامي فلا يمكن ان يعارضه ولا شك في ان الثاني يوجب عدم الاعتناء باحتمال الرخصة. وان كان مقرونا باحتمال الالزام في احدهما فالموجب لارخاء العنان والترخيص فيهما هو اجراء البراءة لا العلم باباحة احدهما اذ هو لا يجوّز الاقتحام مع احتمال الحرمة. واما كون العلم الاجمالي كالتفصيلي فواضح الفساد اذ لا يبقى بعد العلم التفصيلي بالاباحة مجال للتوقف واما العلم الاجمالي فلا يتعلق الا بالجامع واباحة كل من الطرفين وعدمها يتوقف على جريان الاصل في كل منهما.
الطريق الثاني: ما ذكره المحقق النائيني وهو ان الاصول المحرزة للتكليف لا يمكن ان تجري في الطرفين مع العلم بمخالفة احدهما. وكيف يمكن اجتماع العلم بالطهارة مع احراز نجاسة كل منهما تعبداً؟! فالاول علم تكويني بقضية موجبة جزئية. والثاني علم تعبدي بسالبة كلية. وهذا تناقض.
ويمكن ان يناقش فيه اولا بالنقض بما سيأتي تفصيله في الصورة السادسة وهو انه لو شك المكلف بعد الصلاة في صحة الوضوء فانه يبني على صحة صلاته ويتوضأ للصلاة الاخرى وهذا مما لا خلاف فيه. والحكم بصحة الصلاة يبتني على قاعدة الفراغ ووجوب الوضوء على استصحاب الحدث وكلاهما اصلان محرزان مع العلم بمخالفة احدهما للواقع.
وثانيا بالحل بانه لا تنافي بينهما فان العلم والشك يتقومان بالصور النفسية لا بالواقع فيمكن ان يكون الشيء بعنوان معلوماً وهو نفسه بعنوان آخر مشكوكاً فيه كما إذا علمنا بمجيء زيد ولم نعلم بمجيء ابن عمرو لعدم العلم بانه ابنه مع كون العنوانين متحدين في الخارج فلا مانع من الاحراز التعبدي للنجاسة في كل منهما بحدّه والعلم الاجمالي بطهارة احدهما غير معين. فان الاول علم احساسي او تعبدي ومتعلقه هذا بحده وهذا بحده والثاني علم تكويني ادراكي ومتعلقه عنوان احدهما.
الطريق الثالث: ما ذكره الشيخ من ان لازم جريان الاستصحابين اشكال اثباتي وهو لزوم التناقض بين صدر دليل لا تنقض وذيلها فان مقتضى الصدر عدم نقض اليقين بالشك ومقتضى الذيل نقضه باليقين ولا فرق بين اليقين الاجمالي والتنصيلي وهذا التناقض يوجب الاجمال في الدليل فلا يمكن التمسك باطلاقه فيما نحن فيه.
والجواب عنه بوجوه:
الاول: ان النقض لا يصدق الا بوحدة القضيتين ولذا اعتبرنا الوحدة في جريان الاستصحاب ولا يصدق الوحدة في نقض ما ثبت باليقين التفصيلي بما ثبت باليقين الاجمالي فان موضوع الاول كل من الاناءين بحدّه وموضوع الثاني عنوان احدهما. فان قيل: اليقين الاجمالي يكشف عن الواقع فيلزم الشبهة المصداقية لليقين. فالجواب ان هذا خلاف مسلك الشيخ ومختارنا كما مرّ.
الثاني: ان اليقين الاجمالي بالترخيص ــ كما مر في جواب الطريق الاول ــ ليس له اي تأثير في نفس المكلف حتى في ارخاء العنان ولابد في الناقض لليقين السابق من ان يكون له قدرة التأثير في فعلية التكليف وفاعليته فلا وجه لنقض اليقين السابق باليقين الاجمالي بالترخيص.
الثالث: ان هذا الاجمال لا يسري إلى سائر الروايات التي لم يرد فيها هذا الذيل فنتمسك باطلاقها.
الصورة السادسة من صور التعارض:
ان يعلم اجمالاً بمخالفة احد الاستصحابين للواقع مع عدم تعلقه بالزام او ترخيص كما في الصورتين الرابعة الخامسة، كما إذا توضأ المكلف بماء غفلة ثم شك في نجاسته فمقتضى استصحاب بقاء الحدث كونه محدثاً ومقتضى استصحاب الطهارة طهارة بدنه مع العلم بمخالفة احدهما للواقع اذ مع فرض طهارة الماء فهو متطهر ومع فرض نجاسته فهو نجس.
ولا خلاف في جريان الاستصحابين مع انه تفكيك بين المتلازمين ويمكن ان يتوهم ان العقلاء لا يلتزمون به فيشكل دعوى حجية الاستصحابين ببنائهم وكذا يستبعد العقلاء التعبد الشرعي بالتفكيك بين المتلازمين.
والجواب عنه يظهر مما ذكرناه في مبحث الاصل المثبت. ومحصل الكلام ان التفكيك بين المتلازمين في الامور الادراكية غير صحيح ولكن لا محذور فيه في الامور الاحساسية فانها لا تخضع للقوانين المنطقية فلا يجري فيها التلازم والتعاند والاندراج حتى يستكشف من الاحساس بشيء الاحساس بامر آخر فان تأثيرها يختص بالعواطف والمشاعر النفسية.
واما التعبد الشرعي فهو ايضاً لا يثبت الواقع حتى يترتب عليه لوازمه ويقبح التفكيك بين المتلازمين. بل العلم التعبدي وجعل الحكم المماثل تنزيلاً يتوقف على مخالفة الواقع او توهم المخالفة والاّ فلا وجه للاعتبار ادبياً كان او قانونياً. وعليه فلا مانع من العلم التنزيلي والتعبدي بالملزوم دون اللازم.
هذا تمام الكلام في الاستصحاب والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.