**بسم الله الرحمن الرحيم**
**مباحث الالفاظ**
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد واله الطاهرين
اما بعد
فهذه البحوث من دروس سيدنا الاستاد الفقيه المتضلع والمرجع الديني الاعلى في عصره سماحة السيد علي الحسيني السيستاني ادام الله في عمره الشريف.
ويبدأ من مباحث الالفاظ حيث تعرض سيدنا الاستاد دام ظله خلالها – کالمعتاد – لبعض ما يتعلق بشأن فلسفة اللغة وتطور اللغات وسائر الشؤون العامة في الالفاظ. وينقسم البحث في الالفاظ الى عدة مباحث:
**المبحث الاول**
**في حقيقة الوضع والاستعمال**
ونحاول في هذا المبحث الاجابة على الاسئلة التالية:
1_ ما هو نوع الارتباط بين اللفظ والمعنی في مستوی الانطباع الفردي؟ هل هو نحو من انعکاس المعنی في اللفظ وحدوث الاتحاد والهوهوية بينهما ام هو مجرد لزوم واستتباع؟
2_ علی اي قانون يعتمد کل من الاحتمالين؟
3_ ايا منهما تدعمه الشواهد الخارجية؟
4_ ما هي المراحل التي تمرّبها الارتباط بين اللفظ والمعنی حتی تصل الی مرحلة العلقة الوضعية في انطباعات الافراد؟
5_ ما هي حقيقة ارتباط اللفظ بالمعنى في مستوى اللغة والاعتبار الاجتماعي؟
6_ علی ضوء الاجابة علی الاسئلة المذکورة ما هو الموقف تجاه الآراء في حقيقة العلقة الوضعية؟
7_ الی اي قانون تستند الدلالة التصديقيه؟ الی قانون التعهد والميثاق الاجتماعي ...ام الی اصول عقلائية واستکشاف خاص؟
ونحاول الاجابة على هذه الاسئلة ضمن الامور التالية. وهناك اسئلة اخری تتعلق بالوضع ربما نتعرض للجواب عنها في المباحث التالية کالبحث عن حقيقة اسماء الاشارة والموصولات.
الامر الاول: فيما يمکن ان نفسر به الارتباط الموجود بين الاصوات اللغوية ومعانيها في مرحلة التصور.
وبعبارة اخری ما هو وجه الترابط بين الوجود الذهني للّفظ والوجود الذهني للمعنی ونعبر عنه بالدلالة الاخطارية؟
هناك وجهان في تفسير هذا الارتباط:
الوجه الاول: ما يستفاد من کلمات جمع من متأخري الاصوليين ويظهر أنهم اعتبروه اصلاً موضوعياً وهو أن الترابط هنا نحو من الاستلزام والاستتباع بمعنی ان الوجود الذهني للّفظ يستلزم الوجود الذهني للمعنی فالاول ملزوم والثاني لازم له.
وعليه فلو اوجدنا تصور اللفظ في ذهن السامع بسبب من الاسباب وجد تصور المعنی في ذهنه بالملازمة والاستتباع هذا مع تغاير الصورة الذهنية للّفظ مع الصورة الذهنية للمعنی کما أن الوجود الخارجي للّفظ مغاير للوجود الخارجي للمعنی الا انه ليس بينهما ملازمة واستتباع وانما اللزوم بين اللفظ والمعنی لزوم ذهني ومختص بأبناء اللغة الواحدة.
الوجه الثاني: ان الترابط هنا هو ترابط الوحدة والهوهوية بمعنی أن للالفاظ في اذهان ابناء اللغة حيثيتين احداهما حيثية کونها ألفاظا اي بما ان ماهية اللفظ قد تحققت في صورتها الذهنية والاخری حيثية وجود المعنی في الذهن بنفس وجود اللفظ.
وهذه الفکرة هي السائدة في المنطق والفلسفة حيث إنهم يعدون للشيء وجودات اربعة: العيني والذهني واللفظي والخطي. فاللفظ وجود مثالي للشيء وعليه فاذا وجد اللفظ في الخارج فقد وجد المعنی خارجاً بوجه واذا وجد اللفظ في الذهن تحقق المعنی في الذهن بالعرض.
وتوضيحه حسب تقريرنا کمايلي:
إن الالفاظ لها ماهية تکوينية يعبر عنها في الفلسفة انها من قبيل الکيف المسموع وبهذا اللحاظ تتصف الکلمة بعوارضها کقولنا (زيد ثلاثي) مثلاً ولها ماهية اعتبارية معنوية وهي في الواقع انعكاس للمعنى في اللفظ فاللفظ يتخذ له ماهية اخری بلحاظ کون المعنی منعکساً فيه وکونه مرآة للمعنی. وبهذا اللحاظ يعتبر تصور اللفظ تصوراً للمعنی بوجه لا انه مستتبع له ومغاير له. والشيئ يتصور تارة بنفسه وتارة بوجهه.
والحاصل ان للالفاظ اللغوية ماهية مزدوجة. وهذا نظير الاوراق النقدية حيث انها بلحاظ ماهيتها التکوينية ليست الا قراطيس منقوشة ملوّنه ولا يتدخل في هذه الماهية اعتبار الدولة لها او اسقاطها. ولکنها بلحاظ ماهيتها الاعتبارية نقود يتوسل بها الی تبادل السلع وتعتبر مقاييس لمالية الاشياء وهنا يتدخل الاعتبار والاسقاط وجوداً وعدماً في هذه الماهية.
وقد بيّـنّا في موضعه کيفية تحقق هذه الماهية باستبطان الصفات المعتبرة بکثرة الاستعمال علی نحو التطبيق مع لحاظ تلك الخصوصيات.
ومثله ايضاً مفهوم (حاتم) فان له ماهية تکوينية (الرجل الخاص) وله ماهية اعتبارية اکتسبها بکثرة الحمل الشايع وارادة مفهوم الجواد مبالغة في التشبيه بذلك الرجل المشهور بجوده. وكثيرامّا يتغير مفهوم بالحمل الاولي بكثرة حمل مفهوم آخر عليه بالحمل الشايع بمعنى استيجابه لاندماج مفهوم في مفهوم آخر. وهذا هو السر في اندماج المعاني في الالفاظ اللغوية.
ومن هنا حکي عن بعض الفلاسفة ان الانتقالات الذهنية کثيراً ما تکون بالالفاظ الذهنية. وهذا تفسير للترابط بين اللغة والفکر. والمراد به أن المعاني تتصور تارة بما لها من الواقع الموضوعي واخری في إطار الالفاظ الذهنية. وربما ينشأ من ذلك بعض أنحاء المغالطات حيث يتقيد الفکر بما توحيه اليه اللغة من واقع الاشياء.
وبعض النظريات الحديثة تؤيد ما ذکرناه فقد ورد في کتاب (طبيعة الانسان في ضوء فسلجة بافلوف) ما هذا نصه:
(والکلمة من ناحية حدوثها الاجتماعي منبّـه شرطي لفظي بقدر ما هو تجريد عن الظواهر الطبيعية والاجتماعية وتعميم لها وتعبير عنها. معنی هذا ان نشاط المنظومة الاشارية الثانية مرتبط ارتباطاً عضوياً بقدرة الانسان علی الاتصال شفوياً وعن طريق الکتابة بالاشخاص الآخرين وبقدرته علی التفکير ايضاً عبر الکلمات اي عن طريق التجريد والتعميم. التجريد الذي يعني قيام الاسماء او الصفات مقام مسمياتها وموصوفاتها. او بعبارة اشمل قيام الالفاظ مقام الاشياء التي تدل عليها. اي انتزاع المسميات او تجريدها او تحريرها لغوياً ونظرياً من ارتباطاتها وعلاقاتها المألوفة ووضعها في علاقات لفظية اخری جديدة. والتجريد هذا هو من خواص المنظومة الاشارية اللغوية وهو مقتصر علی الانسان وحده ويحصل عن طريق الصور الذهنية....الخ)([[1]](#_ftn1))
الامر الثاني: في بيان القانون الذي يستند اليه کل واحد من الارتباطين المذکورين:
اما الارتباط بالنحو الاول فيستند الی قانون تداعي المعاني. وهو ــ بوجه عام ــ ينشأ اما من التشابه او التضاد او کثرة التقارن في الاحساس. وقد ثبت بالتجربة تأثير کثرة التقارن في الاحساس في تداعي المعاني حتی بالنسبة الی الحيوانات.
والترابط الناشئ من کثرة التقارن في الاحساس قد يکون بين لفظين كما في الاشعار المعروفة حيث ينتقل السامع الی اللفظ او الشطر التالي بسماعه لسابقه. وقد يکون بين اللفظ والمعنی کما هو المدّعی فيما نحن فيه وقد يکون بين مفهومين وهو اساس تحقق اللزوم البيّن بالمعنی الاخصّ.
واما الارتباط بالنحو الثاني فالاساس الطبيعي له هو ما اشرنا اليه من ان الحمل الشايع سواء کان بنحو هو هو او ذو هو يستوجب مع التکرار اندماج ما هو الاوسع مفهوماً في ما هو الاضيق کاندماج مفهوم الجواد في مفهوم حاتم. وهو الاساس في تکوين الماهيات الاعتبارية کما ذکرنا وسيتضح في مبحث الحقيقة الشرعية.
ويمکن ان يجعل هذا اساساً لما اشتهر بين قدماء الاصوليين وذهب اليه الشيخ الانصاري قدس سره من عدم استقلال الاحکام الوضعية مفهوماً وانها منتزعة من الاحکام التکليفية وقد اوضحنا في مباحث الاستصحاب کيفية استبطان الاحکام الوضعية للاحکام التکليفية.
الامر الثالث: في ملاحظة الشواهد وانها تعين الوجه الثاني. وبهذا الصدد نلاحظ مايلي:
++الشاهد الاول++: الترابط بين اللغة والفکر. فالانسان حينما يفکر حول الموضوعات انما يتصورها في اطار ما يدل عليه اللفظ في لغته الخاصة.
واشار الی هذا المعنی المحقق الطوسي في شرح الاشارات عند قول الشيخ ابن سينا: (وربما أثّرت احوال في اللفظ في احوال في المعنی) فذکر ما هذا لفظه:
(الانتقالات الذهنية قد تکون بالفاظ ذهنية وذلك لرسوخ العلاقة المذکورة في الاذهان فلهذا السبب ربما تأدّت الاحوال الخاصة بالالفاظ الی توهّم امثالها في المعاني وتتغير المعاني بتغيرها. والاغلاط التي تعرض بسبب الالفاظ مثلما يكون باشتراك الاسم مثلا انما يسري الی المعاني لاشتمال الالفاظ الذهنية ايضاً عليها).[[2]](#_ftn2)
وتوضيح ما اشار اليه ان الانتقالات الذهنية قد تکون بصور الاشياء المنعکسة عن واقعها الموضوعي وقد تکون بصورها في اطار الالفاظ الذهنية وبوحي من اللغة الخاصة فاذا اراد الانسان التفکير في مسألة رياضية مثلا فانه يتصور الاعداد حسبما توحي اليه لغته ففي غالب المجتمعات البشرية يتصور العدد بصورة بسيطة الی العشرة فاذا زاد عليها يتصور بصورة مرکبات لغوية والعطف والاضافة. وهناك بعض المجتمعات البدائية لا تملك التعبير البسيط عن عدد ازيد من خمسة.
ومن الواضح ان الانسان يتصور الاعداد علی ما يوافق منهجه اللغوي. والصورة الذهنية للعدد تتبع الاطار الذي تصفه اللغة الخاصة. وکذلك اذا اراد التفکير في قضية قانونية فانه يتصور المفاهيم القانونية حسب محتوی اللفظ المخصوص في لغته.
وينجلي ذلك بوضوح في ترکيب القضايا المرکبة غير المأوّلة ــ علی بعض المسالك في حقيقة الوجود الرابط ــ فربما یقال: ان التفکير العربي في القضية الذهنية يتمثل في الهوهوية والاتحاد بين الموضوع والمحمول تبعاً لما تمليه اللغة عليه من الحمل من دون رابط. والتفکير الفارسي واليوناني يتمثل في الربط بين شيئين احدهما موضوع والآخر محمول تبعاً لوجود الرابط في القضية اللفظية حسب اللغتين.
ومن هنا اضطر مترجمو الفلسفة الى العربية من استعارة کلمة (هو) للدلالة علی الرابط اذ لم يجدوا فيها ما يعبّر عنه وليس ذلك لفقر في اللغة العربية وانما هو اختلاف في التفکير.
والحاصل ان الربط بين االلغة والفکر وثيق جداً. والتصورات والتصديقات الذهنية تتشکل بالتناسب مع الالفاظ اللغوية وليس ذلك الا لما ذکرناه من ان الالفاظ هي بنفسها وجودات للمعاني بوجه وان المعاني قد تتجلی في صورة الفاظ لغوية ولا يناسب ذلك القول بالتغاير بين الالفاظ ومعانيها في الذهن.
++الشاهد الثاني++: الاستعمالات التفهيمية اي موارد إلقاء المعاني وتصويرها للسامع بمعونة الالفاظ.
ونلاحظ في هذه الموارد ان الالفاظ تلاحظ باللحاظ الآلي فهي مما به ينظر الی الشيئ لا ما فيه ينظر ولا تلاحظ بنحو الاستقلال بل بما هي مرآة للمعاني فالمتکلم يوجد المعاني بايجاد اللفظ الذي يکون محتوياً له علی مسمع الغير ليلتقطه بالسماع ويتصوره بتصور لفظه فهو يجرد اللفظ في اللحاظ عن خصوصية نفسه وينظر اليه فانياً في المعنی.
وهذا شاهد ايضاً علی اکتساب الالفاظ ماهية اعتبارية هي نفس المعاني بوجه والا فلو کانت مغايرة لها ووسائل لاخطارها لکانت منظوراً اليها نظراً استقلالياً بداعي ايجاد الصور الذهنية للمعاني.
اذن فقانون التلازم لا يمکنه تفسير هذه الظاهرة لعدم توافقه مع کون الالفاظ غير ملحوظة بالاستقلال اصلاً وفانية في المعاني فناء العنوان في المعنون بعد وضوح ان الحکاية لا تکون الا مع اتحاد ماهوي بالمعنی العام بين الامرين والا فکل شيء لا يقبل الحکاية عن کل شيء. وکون الالفاظ منظاراً للمعاني انما هو بلحاظ الماهية الثانوية المکتسبة کما ذکرناه.
الشاهد الثالث: الاستعمالات غير التفهيمية وهي التي لا تصدر بداعي اخطار المعاني في ذهن الغير حتی تناسب قانون اللزوم الذهني ولها موارد نذکر بعضها:
أ_ مورد التلقين النفسي. حيث يتلفظ الانسان بما يرفع عن نفسه الخوف من المرض او من ضرر متوقع مستدعياً بذلك تأثير التلفظ بالفاظ خاصة بما تستبطن من المعاني وهذا من طرق العلاج النفسي.
ومن الواضح أنّه لا يمکن الالتزام في موارد التلقين النفسي بان التلفظ باللفظ بداعي التوصل به الی اخطار المعنی اذ المفروض ان السامع هو المتکلم الذي لم يتلفظ باللفظ الامع سبق تصور المعاني والحکم ايجاباً او سلباً فالتوصل الی اخطارها يکون من قبيل تحصيل الحاصل. بل الداعي هنا هو رسوخ المعنی في الذهن والايقاع النفسي به بسبب تکرر ايجاده في الذهن بوجوده اللفظي. وتعدد الوجود اللفظي في الذهن بسبب تکرر السماع قهري. واما لو فرض وجود المعنی في الذهن باستتباع تصور اللفظ فلا يعقل تعدد المعنی وهو يتضح بالتأمل.
ب_ المناجاة مع الله تعالی. فلا معنی للاخطار لدی العالم بالضمائر وليست فائدة التلفظ هناك الا ايجاد المعاني الذهنية في صوره الالفاظ بغية امتداد ما هو ثابت في النفس الی الخارج واتحاد الخضوع المستقر في النفس مع الوجود اللفظي. وهذا لا ينطبق عليه قانون التلازم.
ج_ التکلم مع غير العاقلين کمخاطبة القمر والکواکب والديار والاطلال والظبيات ونحوها مما ورد فی الشعر والنثر. ومن الواضح ان ذلك لا يناسب قانون التلازم اذ لا معنی لاخطار المعاني في هذه الموارد. وليست هذه المخاطبات الا لايجاد الأحاسيس والعواطف الکامنة في النفس في مرحلة الوجود اللفظي. وقد يتوصل بذلك الی حلّ العقد النفسية حيث يستوجب إخفاء التأثرات النفسية کبتاً وتعقداً مما يسبب امراضا خطيرة.
د_ التغني بلغة لا يفهمها المستمعون. فيلاحظ انهم لا ينفعلون عن المعاني المبرزة بل عن کيفية الصوت ولکن المتغني يتأثر بالمعاني فليس استعمال هذه الالفاظ بداعي اخطار المعاني لعدم التمکن منه لدی الجاهلين باللغة فهذا ايضاً ايجاد للمعاني في صورة الوجود اللفظي.
4_ الاصوات الدالة علی بعض المعاني بالطبع حيث لا ينطبق عليها عنوان استعمال اللفظ في المعنی کدلالة التأوه وصوت السعال علی الالم ووجع الصدر فقانون التلازم بين الصوت والمعنی ينطبق في هذه الموارد مع انها ليست من قبيل اللفظ والمعنی ولا يصدق بينهما علاقة الوضع. وهکذا اصوات الحيوانات الحاکية عن حاجة فيها او الم. فلوصح تفسير العلقة الوضعية بقانون تداعي المعاني من ناحية کثرة التقارن في الاحساس لصح الالتزام بالدلالة الوضعية في هذه الموارد لشمول العلة لها.
5_ دلالة الالفاظ علی لوازم معانيها البينة بالمعنی الاخص فانه لا اشکال في انها تنشأ من قانون التلازم بين المعنی الموضوع له ولازمه ومع ذلك فلا تصدق عليها دلالة اللفظ علی المعنی الموضوع له وليس بين اللفظ وهذا المعنی علاقة الوضع.
الی غير ذلك من الشواهد الکثيرة.
الامر الرابع: في بيان ما يتوقف عليه تحقق العلقة بين اللفظ والمعنی التي اشرنا اليها:
يمرّ اللفظ فی موارد التعيين کما في الاعلام الشخصية قبل تحقق العلقة بينه وبين المعنی علی کلا الفرضين بمرحلتين: احداهما مرحلة اعتبار اللفظ دالاً علی المعنی المخصوص والاخری تکرر استعماله مقروناً بقرينة من اشاره ونحوها ليدل علی المعنی المخصوص الی ان يتحقق العلقة الذهنية بينهما.
وتتحقق المرحلة الاولی في الغالب باعتبار ادبي حيث يعتبر الواضع التلازم بين اللفظ والمعنی او الهوهوية بينهما الا انه لا يعدو إعتباراً ادبياً اذ لا يتحقق التلازم والهوهوية بمجرد اعتبار المعتبر . وربما يکون الاعتبار في هذه المرحلة بوجه آخر وان کان الانسب هو اعتبار الهوهوية بناءاً علی انها هي التي تحقق الربط بين اللفظ والمعنی في النتيجة کما ان الانسب اعتبار التلازم بناءاً علی المسلك الآخر.
وعلی کل حال فهذا الاعتبار الادبي مقدمة إعدادية لتحقق العلقة بين اللفظ والمعنی. ومن هنا قيل ان المجاز قنطرة الحقيقة فقولنا: (هذا ماء) قبل تحقق العلقة الوضعية استعمال مجازي ومع العناية والاعتبار اذ هو من قبيل اعطاء حد شيء لشيء آخر حيث ان کلمة الماء مغايرة لطبيعة الماء وقد حملناها عليه فلابد من اعتبار وعناية ليصح الحمل. وکذلك اعتبار الملازمة بينهما مع انه لا ملازمة بینهما واقعاً.
والمصحح لهذا الاعتبار والداعي اليه هو جعل المقدمه التمهيدية لتحقق الهوهوية وارتفاع المغايرة بينهما او لتحقق الملازمة بينهما واقعاً نتيجة لتکرر الاستعمال مع القرينة. ولا يُستغنى عن القرينة قبل تحقق العلقة بينهما اذ لا يکفي مجرد الاعتبار في کون الحمل حقيقة ولا في تحقق الملازمة الواقعية. والاستعمال المتکرر الموجب لتحقق الهوهوية لابد من ان يکون علی وجه الحمل المشعر بالاتحاد وأما الاستعمال الموجب لتحقق الملازمة فيکفي ان يکون علی وجه الاقتران في الاحساس.
ولابد في هذه الاستعمالات من القرينة حتی بالنسبة الی العالم بالمرحلة الاولی التي نعبر عنها بالوضع اذ مجرد العلم باعتبار الهوهوية او الملازمة ونحوهما کاعلان التسمية لا يوجب کون الاستعمال حقيقياً ولا يوجب تبادر المعنی من حاقّ اللفظ باحد النحوين السابقين.
وبعد تحقق هاتين المرحلتين يتحقق التلازم بين اللفظ والمعنی بموجب قانون تداعي المعاني أو يکتسب اللفظ بوجوده الذهني ماهية اعتبارية فيکون هو المعنی بوجه بموجب قانون اکتساب الماهيات الاعتبارية واند ماجها.
وهذه المرحلة الثالثة يعبر عنها بالعلقة الوضعية باعتبار تحققها نتيجة للوضع الذي هو المرحلة الاولی کمامر فالعلقة الوضعية تقابل العلقة الطبيعية کدلالة التأوه علی الالم فانها لا تتبع الوضع الذي هو فعل اختياري.
الامر الخامس: ان العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنی في الالفاظ اللغوية قد تلاحظ علی مستوی الترابط الذهني لدی الفرد واخری علی مستوی الاعتبار الاجتماعي.
وبعبارة اخری تارة نبحث عن العلقة والربط بين اللفظ والمعنی ذهنا الموجب لانسباق المعنی لدی الذهن عند سماع اللفظ وأن تصور المعاني بالفاظ ذهنية هل هو بنحو اللزوم والاستتباع او بنحو الهوهوية کما نبحث عن اسباب حصول هذا الربط. وهذا ما مربيانه في الامور المتقدمة. واخری نبحث عن العلقة والربط بين طبيعي اللفظ وواقع المعنی في لغة من اللغات. وهذا امر اعتباري ويمکن ان يقال: ان وجود الربط علی النحو الاول لدی افراد المجتمع مصحح لاعتبار الربط علی النحو الثاني اجتماعياً وبهذا اللحاظ یصح القول ان اللغة ظاهرة اجتماعية.
وينبهنا علی الفرق بينهما امران:
الاول: ان الربط علی النحو الاول متقوم باللفظ والمعنی لدی الفرد في منطقة اللاشعور من الذهن وهو امر واقعي. وکثيراً ما يتوقف استکشافه والاذعان به علی عملية شعورية کالتبادر وصحة الحمل کما سيأتي توضيحه في بعض المباحث الاتية واما الربط علی النحو الثاني فهو امر اعتباري اجتماعي يتقوم بطبيعي اللفظ وواقع المعنی ولذلك يقال ان الموضوع له اللفظ لغويا ليس المعنی بوجوده الذهني.
الثاني: ان الربط علی النحو الاول يتعدد بتعدد الفرد الذي تحقق لديه سببه وينعدم بانعدامه او انعدام سببه لديه کما لو عرض له النسيان واما الربط علی النحو الثاني فهو امر لا يتعدد بتعدد الافراد بل هو واحد بوحدة المجتمع اللغوي ولا ينکمش بقلة الافراد ولا ينعدم بانعدام الفرد او نسيانه للغته او بعارض آخر نظیره. بل لا ينعدم بانعدام المجتمع لتقومه بالاعتبار.
الامر السادس: نظرة الی المسالك التي تری الوضع وسيلة لتحقق الدلالة الاخطارية علی ضوء الامور المتقدمة وتعرض اجمالي لبعض ما اورد عليه ونتعرض لمسلکي جعل الملازمة والهوهوية.
اما المسلك الاول فمن القائلين به من کان محط نظره المرحلة الاولی وهي العمل الصادر من الواضع مباشرة. ولذلك عبر عن الوضع بانه جعل للملازمة الاعتبارية. ومنهم من نظر الی المرحلة الاخيرة فعبّر بالملازمة الواقعية المجعولة وليس المراد جعل الملازمة التکوينية ابتداءاً اذ هو غير معقول بل المراد التسبب الی تحقق الملازمة التکوينية فيما بعد. والتعبير بوضع الملازمة في المرحلة الاولی انما هو بلحاظ المشارفة او السببية الناقصة.
فهذان القولان يرجعان في الواقع الی مسلك واحد وان اختلف التعبير ولا وجه لعدهما مسلکين کما في بعض التقريرات.
وقد يناقش في هذا المسلك بانه لو ابتنی علی افتراض کون الوضع هو الملازمة الواقعية – کما قيل – ففيه انّ الجعل ان کان بالنسبة الی الجاهل بالوضع فلا ملازمة لديه بين اللفظ والمعنی وجداناً. وان کان بالنسبة الی العالم به فلابد من ان يکون الوضع المعلوم لديه سابقاً علی هذا الجعل فکيف يفسر الوضع به کما هو المفروض؟!
ولو ابتنی علی افتراض کون الوضع هو الملازمة الاعتبارية ففيه أنّ الاعتبار ان کان بالنسبة الی العالم بالوضع فلا معنی له اذ لابد في الاعتبار من ان يکون مخالفاً للتکوين والعالم بالوضع قد تحققت لديه الملازمة تکويناً فلا معنی لاعتبار الملازمة بالنسبة اليه. وان کان بالنسبة الی الجاهل بالوضع فلا اثر للاعتبار اذ لا تتحقق لديه الملازمة مادام جاهلاً. فاعتبار الملازمة علی کل تقدير لغو لا فائدة فيه.
وقد تبين مما ذکرنا الجواب عن هذه المناقشة اما بالنسبة للافتراض الاول فالجواب ان المجعول ليس هو الملازمة الواقعية بنفسها بل هو امر يستتبع بالتکرر ملازمة واقعية في النتيجة وهذا الجعل انما هو بالنسبة الی من يتکرر لديه الاستعمال حتی تتحقق لديه الملازمة ولا دخالة للعلم بالوضع (المرحلة الاولی) في ذلك بل يتوقف حصول الملازمة لدی العالم به علی تحقق المرحلة الثانية.
واما بالنسبة للافتراض الثاني فالجواب ان العالم بالوضع (المرحلة الاولی) لا تتحقق لديه الملازمة التکوينية وانما تتحقق بعد مروره بالمرحلتين فاعتبار الملازمة ليس الا محققاً للمرحلة الاولی من الوضع والداعي اليه هو ترقب مروره بالمرحلة الثانية (التکرر) حيت تتحقق الملازمة التکوينية.
واما المسلک الثاني المبتني علی کون الوضع هو جعل الهوهوية بين اللفظ والمعنی فربما يناقش فيه بانه معنیً دقيق لا يفهمه الا الاوحدي من الناس مع ان الوضع امر اعتيادي قد يصدر من الصبيان بل المجانين بل بعض الحيوانات.
والجواب عنه ان الحيوانات انما تتأثر بقانون تداعي المعاني والاستجابة للمنبه الشرطي. واما الصبيان او عامة الناس فانهم يستخدمون وضع الالفاظ ولکن لا يتوقف ذلك علی معرفة حقيقة الوضع فانهم لا يعرفون کثيراً من الحقائق التي يباشرونها في شتی ميادين الحياة ولا يمنع ذلك من مباشرتها وانما نشأت هذه الدقة من التفسير والتشريح لحقيقة الوضع. فالمعنی الحرفي - مثلا - يستعمل في جميع المحاورات حتى بين الصبيان مع انه بتفسيره التحليلي الدقيق لا يفهمه الا المتخصصون. وکذلك حقيقة الانشاء والامر ونحوهما.
بل الواقع أن اعتبار الهوهوية بين اللفظ والمعنی امر بسيط للغاية وقد ورد في الکتب الفلسفيه ان بعضاً من البشر البدوي کانوا يعتبرون انفسهم غرباناً مع اعتقادهم بانهم بشر کما کانوا يعتبرون انفسهم معدومين.
وقد استشهد بذلك بعض معارضي الفلسفة القديمة بان قانون امتناع اجتماع النقيضين ليس امراً بديهياً فطرياً وانما تبلور ذلک بعد رقي الحضارة البشرية. ولکن الصحيح ان اولئك البشر ما کانوا يزعمون امکان اجتماع النقيضين خارجاً وانما کان ذلك ناشئاً من اعتبار صفة مناقضة للواقع الخارجي.
ويتبين بذلك ان اعتبار الوحدة والهوهوية بين شيئين امر بسيط يفهمه البشر البدوي. ولولا ذلك ما وجد المجاز والکناية في المجتمعات البدوية اذ ليس ذلك الا اعطاء حد شيء لشيء آخر. بل یعتبر ذلك من الامور الطبيعية التي لها جذور عميقة في النفس البشرية ويظهر ذلك بملاحظة الاحلام حيث تتجلّی فيها الحقائق بصور اخری مثالية ولذلك يعبّر شرب اللبن بکسب العلم والمعرفة فکأن غذاء الجسم مثال لغذاء الروح.
الامر السابع: في بيان منشأ تحقق الدلالة التصديقية التفهيمية في الالفاظ:
ان ما قدمناه من الامور کانت تتعلق بالدلالة الاخطارية الانسية التصورية في الالفاظ وهناك دلالة اخری للالفاظ يعبر عنها بالدلالة التصديقية التفهيمية وهي عبارة عن حکم السامع واذعانه بان المتکلم اراد تفهيم المعنی واخطاره. وتأتي بعد ذلك مرحلة اخری نحکم فيها بان المراد الجدي للمتکلم هو بعينه المراد الاستعمالي وليس هذا موضع البحث عنها.
وهناك طريقان لتوجيه الدلالة التصديقية:
الطريق الاول: ان التلفظ کسائر افعال الانسان تابع لاغراضه ودواعيه والداعي للتلفظ قد يکون مجرد التدريب والتمرن علی التلفظ الصحيح. وهنا لا يصدق عنوان الاستعمال.
واما في موارد صدقه فقد يکون استعمالاً في غير مورد التفهيم کما ذکرناه من محادثة النفس وتکرار المعلومات للحفظ ومناجاة الرب ومخاطبة الديار والاطلال.
وقد يکون استعمالاً تفهيمياً فالداعي _ في الغالب _ هو اخطار المعنی وهو العلة الغائية للتلفظ. والعلة الغائية هو ما يکون في مرحلة الوجود الخارجي معلولاً للشيء وفي مرحلة الوجود الذهني علة لفاعلية الفاعل. فاذا صدر من الانسان فعل لغرض منشود فلابدّ من أن يکون بين الفعل والغرض علاقة السببية ولو باعتقاد الفاعل.
ويتبين کون المتکلم في مقام التفهيم بملاحظة القرائن الحالية الکثيرة في شتی الموارد ککون الانسان مشتغلا بالخطابة او التدريس او الامر والنهي او الاخبار او غير ذلك مما لا يخفى على السامع وبذلك يندفع احتمال کونه في مقام التدريب او غير ذلك مما لا يناسب الاستعمال التفهيمي. وحيث انه يتکلم مع من يفهم اللغة فعلاقة السببية بين الکلام وفهم المعاني محفوظة فنحکم بانه اراد تفهيم المعنی واخطاره ببال السامع.
اذن فاستکشاف هذا الغرض من التکلم کاستکشاف سائر الاغراض المتعارفة من الافعال فاذا وجّه الانسان فوهة مسدسه نحو احد في مقتل منه کقلبه مثلاً واطلق النار او حاول الاطلاق نحکم بانه اراد قتله وهکذا في سائر الافعال.
نعم يتوقف هذا الاستکشاف علی إحراز عدم کون المتکلم ناسياً او غافلاً او نائماً او في مقام التدريب ولو بمعونة القرائن کما هو الغالب.
ويستند هذا الطريق علی الربط السببي بين اللفظ والمعنی او تحقق الهوهوية بينهما في ذهن السامع علی المسلکين السابقين.
الطريق الثاني: دعوی أن ابناء اللغة الواحدة ملتزمون ومتعهدون بما يستوجب الحکم بارادة التفهيم من الکلام.
واختلفت کلمات اصحاب نظرية التعهد في صيغتها فادّعى بعضهم انها عبارة عن التعهد بأن لا يتلفظ المتکلم باللفظ المخصوص الا عند إرادة المعنی المخصوص. وذکر بعضهم صيغاً اخری له.
وکيف کان فعلی أساس هذا التعهد نحکم بان المتكلم اراد معنی اللفظ عند استعماله. وبهذه النظرية يتحدد الموقف في تفسير الوضع في اصل اللغة وذلك بتقريب ان معنی الوضع لغة هو الجعل کما يقال: (وضع القانون) والمناسب لمعناه في هذا المقام هو الجعل الاعتباري للتعهد المذکور ويباشره کل متکلم امام أبناء لغته.
وذلك لان الانسان بما انه مدني بالطبع مضطر الی مثل هذا التعهد والقرار لضمان الاعتماد علی محاوراته مع افراد المجتمع اذ لا يمکن الاکتفاء بالاشارة في تفهيم جميع المقاصد. واما الانس الذهني والتلازم ونحو ذلك فامور مترتبة علی هذا التعهد.
وتبين بذلك ان کل مستعمل يعدّ واضعاً بنفسه، الا أن المستعمل الاول حيث كان هو البادئ بهذا التعهد يعبر عنه بالواضع واما الموضوع فهو اللفظ بقيد استعماله في مورد التفهيم اذ لا اثر لجعل العلقة الوضعية بالنسبة الی غير هذا المورد کاللفظ الصادر من النائم مثلاً ولا وجه للجعل ازيد من مقدار الحاجة.
ولا ترد علی هذا التقريب المناقشة بالاستعمالات المجازية بدعوی ان المراد فيها ليس هو المعنی الموضوع له فهي مع کثرتها موارد لنقض هذا التعهد.
وذلك لأنّ الحق _ کما سيأتي _ أن الاستعمالات المجازية ليست في غير المعاني الموضوع لها لشواهد سيأتي ذکرها في محله ومنها انه لولا ذلك لم يصح الاضراب في قولنا زيد شجاع بل اسد فالصحيح ان اللفظ يستعمل دائماً في المعنی الموضوع له اللفظ وانما العناية والتجوز في تطبيق المعنی علی المورد فالفرق بين المجاز والحقيقة هو عدم تطابق المراد الجدي للمراد الاستعمالي في الاول.
هذا ومن الممکن دفع المناقشة حتی علی تسليم کون الاستعمالات المجازية في غير ما وضع له اللفظ ولا مجال لذکره.
ولابد في صحة هذه النظرية بالنسبة الی استکشاف المراد من اثبات نقطتين:
النقطة الاولی: ثبوت هذا التعهد العقلائي فيما بين ابناء اللغة الواحدة.
النقطة الثانية: اثبات عدم تخلف المتکلم عن تعهده المذکور أثناء المحاورة باصل عقلائي يتکفل ذلك.
اما في النقطة الاولی فنلاحظ فيها امرين:
الاول أن هذا التعهد غير موجود في الواقع الخارجي لانه لو كان فهو امر وجداني يشعر به كل متكلم مع أننا لا نجد في انفسنا أثراً له.
الثاني: انه علی افتراض وجوده إمّا أن يكون بصيغة ايجابية بأن يقول المتكلم (اتعهد ان اتلفظ بهذا اللفظ عند ارادة تفهيم هذا المعنی) او بصيغة سلبية بان يقول: (اتعهد ان لا اتلفظ بهذا اللفظ الاّ عند ارادة تفهيم هذا المعنی).
اما الصيغة الايجابية فتتضمن موضوعاً وهو التلفظ وموضوعاً عليه وهو ذمة المتکلم وموضوعاً لاجله وهو ارادة التفهيم وذلك باعتبار أن الوضع عبارة عن جعل القرار والتعهد.
وعليه فلو کان نص القرار منحصراً في العقد الا يجابي لم يمکن اکتشاف ارادة التفهيم اذ لا يتضمن القرار نفي سائر الاهداف والمقاصد وانما يتضمن عدم التوسل بغير هذا اللفظ عند ارادة التفهيم ولا يوجب ذلك عدم ارادة المقاصد الاخری من التلفظ.
هذا مضافاً الی ان الواقع الخارجي لا يوافق ذلك اذ لا نجد احداً يلتزم بان لا يتوصل الی التفهيم بالاشارة ونحوها من المبرزات للمقصود.
واما الصيغة السلبية للقرار فهي التي توجب کشف ارادة التفهيم وذلك باعتبار تضمنها لنفي سائر الاهداف من التلفظ لكون النص متضمنا بأنه لا يتلفظ الا للتفهيم.
ولا أثر للقرار الايجابي في ذلك بل لو صرّح بخلافه لم يضرّ في اکتشاف ارادة التفهيم فلو قال اني لا اتعهد بان اتلفظ في مورد التفهيم بل يمکن ان اتوسل اليه بالاشارة ولکني اتعهد بأن لا اتلفظ الا عند التفهيم کفى ذلك في الاستکشاف المذکور.
هذا ولکن القرار السلبي وان افاد اکتشاف ارادة التفهيم الا ان موضوع القرار هو عدم التلفظ والذي يجب ان يکون موضوع القرار هو التلفظ عند اصحاب هذه النظرية حيث انهم فسروا الوضع بجعل القرار وجعلوا متعلقه هو التلفظ. اذن فالقرار السلبي الذي يفيد في استکشاف ارادة التفهيم لا يحقق وضع اللفظ والقرار الايجابي الذي يحقق وضع اللفظ لا يفيد الاستکشاف.
اضف الى ذلك ان القرار السلبي مخالف للواقع ايضاً ولا يمکن لاحد ان يتعهد به فقد تبين مما قدمناه ان دواعي المستعملين لا تنحصر في ارادة التفهيم وقد ذکرنا عدة موارد ليس الاستعمال فيها تفهيميا کالتلقين النفسي ومناجاة الرب والتلفظ بارادة نفس اللفظ وغيرها مما لا يمکن فيها دعوی ارادة التفهيم ويبقی من موارد التکلم ما يصدق عليه عنوان المحاورة مع من يفهم لغته حيث تدل القرائن علی ارادة التفهيم نظراً الی ضرورة تعليل افعاله بالاغراض کما تقدم والمفروض انتفاء سائر الاغراض المترتبة علی التلفظ.
هذا مضافاً الی ان متعلق الوضع لابد من ان يکون نفس اللفظ وما يحاوله اصحاب هذه النظرية هو تعلق الوضع بالتلفظ.
واما النقطة الثانية فلم يقم باثباتها اصحاب النظرية والظاهر انه ليس هناك اصل عقلائي يتکفل اثباتها الا الاعتماد علی شرف الانسان وإبائه عن نقض عهوده ومواثيقه. ومن الواضح ان ذلک يمنع من الوثوق والاعتماد في کثير من المحاورات حيث ينتفي الاعتماد علی المتکلم.
مضافاً الی انه لو ثبت ذلك باصل عقلائي فغايته الاعتماد علی ميثاق المتکلم وذلک لا يصنع دلالة عقلية کما هو المدعی.
فتبين مما ذکرناه فساد هذه النظرية اساساً فلا يبقی مجال لدعوی امکان تفسير حقيقة الوضع بها.
مضافاً الی ان دعوی التعهد لو صحت في المستعملين فلا تصح في الواضع اي المستعمل الاول وذلك لان اساس هذا القرار هو ثبوت الربط الذهني بين اللفظ والمعنی وهو مفقود في استعمال الواضع فکيف يمکن منه التعهد وليس ذلك الا کتعهد المستعملين تجاه من لا يفهم لغتهم وهو قرار باطل قطعاً.
**المبحث الثاني**
**في المعنى الحرفي**
++تحديد محل البحث++:
الکلمة تنقسم في اکثر اللغات الی اسم وفعل وحرف. وهناك بعض اللغات المتخلفة لا تحتوي علی الحرف. واما اللغة العربية ففيها انواع کثيرة من الحروف کالحروف الجارة والمشبهة بالفعل وادوات النداء والتحضيض وغيرها.
ومورد الکلام هنا هو الحروف التي تقابل الاسماء والافعال دون الحروف التي تشکل جزءاً من الاسم او الفعل کحروف المضارعة التي تبدأ بها الافعال المضارعة والحروف التي تشکل هيئة اسم الفاعل والمفعول کالالف والواو. فهذه الحروف تؤثر في تشکيل هيئة من مجموعة حروف يختلف بموجبها اسم عن اسم آخر او فعل عن فعل آخر.
ومدار البحث التقليدي في الدراسات الاصولية هو حروف الجر فحسب ويحکم علی سائر الحروف بالتبع. ولکنّا نحاول في در استنا هذه تسوية الحروف في البحث وملاحظتها بنظرة شاملة.
++دور البحث في الفقه والاصول:++
لهذا البحث دور هام في الدراسات الاصولية والفقهية. فمن موارد حيويته مورد اجراء الاستصحاب في الموضوعات المرکبة التي يحرز جزء منها بالوجدان وجزء آخر بالاصل حيث إنّ الهئية الترکيبية لا يجري فيها الاستصحاب الا أن الصيغة الشرعية المعبرة عن الموضوع اذا ورد فيها التعبير عن تلك الهيئة بالحرف فان استصحاب الجزءين کاف في اثبات الحکم ولا يتوقف ذلك علی لسان الاثبات اذا أثبتنا في هذا المبحث أن المعنى الحرفي ليس مستقلا في اللحاظ.
والمثال على ذلك ما ورد في الحديث المشهور (لا صلاة الا بطهور)[[3]](#_ftn3) حيث يکفي إجراء الاصل في الطهور واحراز الصلاة بالوجدان ولا حاجة الی اثبات المعنی الحرفي المعبر عنه بالباء.
وکذلك أصالة تأخر الحادث فان کان التأخر او التقدم او التقارن قد عبر عنها في الدليل الشرعي بهذه الالفاظ کان الاصل مورداً لشبهة الاثبات وان عبّر عنها بالحروف لم تتطرق الشبهة الى الاصل.
ومن موارده ايضاً مبحث الواجب المشروط حيث يبحث عن امکان تقييد الهيئة مع کونه معنى حرفياً وقد قيل ان المعاني الحرفية جزئية والجزئيات لا تقبل التقييد وعلی هذا الاساس التزم بعضهم برجوع کل قيد الی المادة. کما قد يعلل ايضاً عدم تقييدها بکونها مأخوذة على وجه المرآتية کما هو الشأن في جميع المعاني الحرفية.
اذن فمبحث المعنی الحرفي مضافاً الی کونها بحثاً لغوياً وعلمياً له اثر عملي في الفقه وله دور کبير في تحديد الموقف في بعض المباحث الاصولية.
++المسالك في تحقيق المعنی الحرفي++:
اصول المسالك فيه ثلاثة:
المسلك الاول: انکار کون الحروف موضوعة لمعنیً من المعاني. ونسب ذلك الی الشيخ الرضي نجم الائمة واختاره من المتأخرين المحقق الا يرواني.
تقريبه: ان الحروف بجميع انواعها مقومة لهيئة الاسم او الفعل كالحروف التي ذكرنا أنها كذلك وعزلناها عن مورد البحث . فليس شيء منها موضوعاً او مستعملاً في معنیً کما لا يدعی الوضع او الاستعمال في تلك الحروف فهي تشبه الاعراب التي تعين دور الکلمة في ترکيب الجملة من کونه فاعلاً او مفعولاً ونحو ذلك فهذه الحروف محققة للدال الواحد لا لتعدد الدال والمدلول.
ولکن بنظرة شاملة للحروف نجد أن منها ما لا يمکن فيه هذه الدعوی کادوات التنبيه والتحضيض والترجي والتمني والنداء والردع ونحو ذلك مما لا تولد هيئة الدال الواحد بل تدل بالاستقلال علی معنیً ولا نجد بالوجدان فرقاً مدلولياً بين جملة (ليت الشباب يعود يوماً) وجملة (أتمنی الشباب ان يعود يوماً).
بل وکذلك في مثل (زيد في الدار) اذ لا تؤثر کلمة (في) في تشکيل هيئة الدال الواحد بل هي بنفسها تدل علی الظرفية. وخصوصاً في مثل (زيد علی السطح) وذلك للشبه المحسوس بين (علی) والمشتقات الاسمية. وهناك نظرية تدعي ان الحروف وجدت بالنحت او الاشتقاق عن بعض الاسماء وهذا واضح في مثل (علی) حيث يبرز فيها الاشتقاق من العلو.
اذن فهذا المسلك بهذا البيان غير قابل للاذعان الا انه يمکن إبداء احتمال في بعض الحروف ودعوى انها لم توضع لمعنیً لا علی ما ورد في هذا البيان من کونها مولدة لهيئة الدال بل بدعوى انها تستعمل بداعي ايجاد امر مترتب علی نفس التلفظ بهذه الالفاظ من دون استعمالها في معنیً.
ومثال ذلك ما يمکن ان يقال في ادوات النداء بانها ليست الا اصواتاً للتنبيه للقريب او البعيد وتسميتها بادوات النداء انما هي من جهة انها تستعمل بداعي ايجاد النداء. والنداء کما في المفردات للراغب: (رفع الصوت وظهوره وقد يقال ذلك للصوت المجرد).
وهذا الاحتمال وان لم يکن بعيداً في نفسه الا ان الجزم به مشکل بل يمنعه بعض الشواهد فان حروف النداء قد تحذف ويبقی اثرها الاعرابي کقوله تعالی (يوسف اعرض عن هذا)[[4]](#_ftn4) فلو کانت مجرد اداة للتنبيه لم يکن وجه لاعتباره محذوفاً ومؤثراً في الاعراب. ويشهد له ايضاً الاتيان بها في اثناء الکلام اذ لا معنی حنيئذ للتنبيه.
ويمکن ان يجاب عن ذلك بان الاعراب ليس بالتأثير والتأثر والاتيان بها في اثناء الکلام يمکن ان يکون للتنبيه علی ما بعدها من الکلام والاهتمام به.
وکيف کان فلو تمت هذه الدعوی في بعض الحروف کادوات النداء الا انه لا يؤيد هذا المسلك المبتني علی کون الحروف باقسامها مولدات للهيئة الدالة علی المعنی.
المسلک الثاني: ان الفرق بين الحروف والاسماء المشابهة لها في المعنی ليس فرقاً جوهرياً وانما هو فرق لحاظي والمراد بالاسماء ما يعمّ الافعال وبعنوان عام يراد بها المفاهيم المستقلة. وقد نسب هذا القول ايضاً الی الرضي نجم الائمة واختاره من المتأخرين صاحب الکفاية.
وتقريب ذلك يتم في ضمن بيان مقدمات ثلاث:
++المقدمة الاولی++: ان الصور العلمية في الذهن البشری لها نحو من التکثر لا تتبع التکثر الواقعي سواء کان من العلوم الفعلية او الانفعالية.
ونقصد بالعلم الانفعالي ادراك الامور الخارجية فانها لا تنعکس في الذهن بصورة معينة بل تنعکس الصور المتعددة عن الواقع الخارجي الواحد وينشأ هذا التکثر من عمل الذهن کالتجزئة والتحليل والترکيب ونحوها من الشؤون اللحاظية في الذهن.
ونقصد بالعلم الفعلي ما يخترعها الذهن ابتداءاً کالاعتبارات القانونية فانها ليست من الامور الخارجية التي تلتقطها عدسة الذهن البشري وانما هي من صنعه وانشائه.
وفي کلا القسمين تکثرات ادراکية فالذهن لا يتخلی عن إبداعه في الصور العلمية حتی فيما يتصور انها من العلوم الانفعالية.
وبتقرير آخر ان الصور العلمية في الذهن البشري تختلف علی وجهين:
الوجه الاول: ان يکون منشأ التعدد تعدد الواقع فالکثرة الادراکية في هذه الصورة تابعة لکثرة المدرَك.
الوجه الثاني: ان يکون المدرَك امراً واحداً في الخارج وتتعدد الصور الذهنية. وهذه الکثرات الادراکية التي لا تتبع الواقع الخارجي من مبدعات الذهن البشري وهي علی نوعين:
النوع الاول: ان تکون احدی الصور مطابقة للواقع فهي صورة اصلية للشيء والصور الاخری اختراعية نسبتها الی الاصلية نسبة العنوان والمعنون بل قد لا يکون في الذهن صورة واقعية عن الشيء اصلاً وکل ما فيه من الصور اختراعية نظير الوجود بناءً علی نظرية اصالة الوجود فان مفادها أنه حقيقة عينية لا تقبل الوجود الذهني واما مفهومه في ذهننا فهو من اختراعنا الذي يعتبره الذهن عنواناً لحقيقة الوجود في الواقع. ولا يمکن ان تنعکس الصورة الواقعية للوجود في الذهن فان حقيقة الوجود لا تنفك عن المنشأية للآثار والصورة الذهنية لا تملك هذه الصفة وهذا بخلاف الماهية حيث يتصورها الذهن بصورة مطابقة للاصل.
وهکذا العدم فان الصورة التي يخترعها الذهن لا يمکن ان يقال عنها انها مطابقة للواقع اذ ليس للعدم واقع خارجي. فالعدم مفهوم ينشئه الذهن بالمقابلة مع مفهوم الوجود.
النوع الثاني: ان تکون جميع الصور المختلفة حاکية عن الواقع الخارجي الا انها تختلف باللحاظ فقد يکون الاختلاف باللحاظ الاجمالي والتفصيلي وقد يکون باللحاظ التبعي والاستقلالي وقد يکون باللحاظ المرآتي والاستقلالي.
فالانسان مثلا واقع خارجي واحد الا انه قد يتصور بمفهوم اجمالي بعنوان (الانسان) وقد يتصور بمفهوم تفصيلي بعنوان (الحيوان الناطق) على حدّ تعبير المنطق القديم. وتوابع الدار عند شرائها قد تلاحظ بعنوان تبعي کما هو المتعارف عند شراء الدار وقد تلاحظ بعنوان استقلالي کما اذا صرّح بها في المعاملة. ومثلها ايضاً الشروط الضمينة الارتکازية التي قد يصّرح بها وقد تلاحظ تبعاً.
والحاصل ان الذهن لا يتقيد بالصورة الواقعية للشيء الذي ينعکس فيه بل يصنع له صوراً أخرى مثلا اذا کان زيد اعمی فالصورة الاقرب الی الواقع هي ما تشکل القضية السالبة المحصلة فنقول زيد ليس ببصير.
وعلی اساس هذه الصورة لا تحتاج القضية _ کما قالوا _ الی وجود الموضوع خارجاً. ولکن الذهن يصنع لهذه القضية السلبية صورة ايجابية تتضمن حمل مفهوم ايجابي فتتوقف علی وجود الموضوع فنقول: (زيد اعمى).
وقد يصنع لهذا المفهوم صورة سلبية تحمل علی زيد في قضية ايجابية حيث نقول (زيد هو اللابصير) الی غير ذلك من التکثرات الادراکية عن قضية حاکية عن واقع خارجي واحد.
ومن هذا القبيل لحاظ الشيئ لا بشرط وهو المصحح للحمل ولحاظه بشرط لا المانع من الحمل کما سيأتي توضيحه في مبحث المشتق ومبحث الاطلاق والتقييد.
ويمکن ان يعدّ من هذا القبيل التعبير عن مفهوم جملة: (ان زيداً عالم) بجملة: (ان احد الرجلين زيد وعمرو عالم) وذلك رعاية لمصلحة مترتبة علی الاجمال والابهام. فعنوان (احد الرجلين) کلي انتزاعي ابتدعه الذهن. وکل من الجملتين صادق ومعبر عن الواقع الخارجي الا ان التعبير الاول يحکی عن انطباع عن الواقع أسلم من التصرف الذهني بالقياس الی التعبير الثاني وان کان لا يخلو عن التصرف الذهني ايضاً بلحاظ عنوان (عالم) الانتزاعي.
وقد تختلف انطباعات الواقع الواحد حسب اختلاف اللغات ولذلك يختلف التعبير فقد يعبر عن بعض الآلات والادوات في اللغات الراقية بالفاظ بسيطة ولکنها لم تجد في لغة أخری ما يعبّر عن ذلك المعنی فيصنع الذهن منها انطباعاً ترکيبياً بالتقييد والمعنی الحرفي ويعبّر عنه بلفظ مرکب.
ومن هذا القبيل ايضاً اختلاف اللغة العربية عن الفارسية واليونانية في انطباع القضايا الحملية حيث يتصورها العرب بنحو الهوهوية والاتحاد الوجودي ويتصورها الآخرون بنحو ثبوت شيء لشيء. وکلا هما صحيح معبّر عن واقع خارجي. هذا علی بعض الاقوال في حقيقة الوجود الرابط کما سيجيئ بيانه.
واما الصور الفعلية في الذهن اي ما يخترعه ابتداءاً کالاعتبارات القانونية فهي ايضاً قد تتکثر في الصورة وان اتحدت في الواقع فالوجوب مثلاً قد يعبر عنه بفعل الامر فالصورة هنا علی وجه المعنی الحرفي حيث يستفاد الوجوب من الهيئة وقد يعبر عنه بعنوان الوجوب فيکون معنى اسمياً الی غير ذلك من الاختلاف في الانطباع فالتعبير.
المقدمة الثانية: في بيان ان الاختلاف فيما بين الحروف والاسماء المشابهة لها في المعنی هل هو من قبيل الاختلاف الادراکي او الواقعي سواء کان واقعاً خارجياً ام اعتبارياً؟
ثم بناءاً علی کونه من الاختلاف الادارکي الناشئ من اختلاف اللحاظ بالطبع فما هي نوعية الاختلاف؟ هل هو من قبيل اختلاف اللحاظ الاجمالي والتفصيلي او التبعي والاستقلالي او المرآتي والاستقلالي؟
فالکلام في هذه المقدمة من جهتين:
اما في الجهة الاولی فاساس نظرية المحقق الخراساني هو ان الاختلاف بين الحروف والاسماء المشابهة ليس اختلافاً واقعياً وانما هو اختلاف في الادراك. وذلك لانا لانجد فرقاً بينها من حيث المغزی والمفاد بل کثيراً ما يصح جعل الاسم مکان الحرف (المراد بالاسم المفهوم المستقل) فلانجد فرقاً بين جملة (ليت الشباب يعود يوما) وجملة (اتمنی ان يعود الشباب يوماً) وکذا فيما بين لعل وارجو، وکاف التشبيه وکلمة (يشبه)، والهمزة و(استفهم). فالصورة والتعبير مختلفان الا ان الواقع واحد.
وقد يصح جعل الاسم مکان الحرف من دون تغيير في صياغة القضية کقولك جاءني زيد اي ابالحسن و(اعني اباالحسن) واخذت من الدراهم واخذت بعض الدراهم. وقوله تعالی:( ولا تأکلوا اموالهم الی اموالکم)[[5]](#_ftn5) و(مع اموالکم).
وقد بالغ بعض الباحثين فانتقد علی النحاة عدّهم الحرف نوعاً خاصة من الکلمة في قبال الاسم والفعل وسيأتي ذکره.
والسرّ في اختيار التعبير الحرفي هو قانون انتخاب الاسهل فبينما يمکن التعبير عن وجود زيد في الدار بالاحتواء والظرفية ونحو ذلك يلجأ الانسان الی اختصار الطريق والتعبير عنه بـ (في) فلا يقول الدار يحتوي زيداً او زيد داخل الدار او الظرفية بين زيد والدار متحققة. بل يقول: زيد في الدار.
وهکذا في الامور الاعتبارية فالملك معنیً اسمي وقد يعبر عنه باللام ولا شك ان الواقع الاعتباري امر واحد وانما يختلف الانطباع والتعبير.
وقد يناقش في هذه الناحية من نظرية المحقق الخراساني بأن الاسماء لا يصح جعلها مکان الحروف فلا يقال: زيد الظرفية الدار وهذا دليل المغايرة بل التغاير بينهما اقوی من التغاير بين المعنى الحقيقي والمجازي حيث يستعمل اللفظ في غير ما وضع له لمجرد علاقة تصحح الاستعمال وحيث لم يصح الاستعمال هنا حتی مجازاً نکتشف شدة المغايرة بينهما.
اما عدم جواز الاستعمال المذکور بنحو السالبة الکلية فقد تبين بطلانها بما قدمناه من الامثلة علی موارد الاستعمال حتی مع الابقاء علی صياغة الجملة واما بدونه فالجواز اوضح اما الاستعمال المجازي فمن العجيب النقض به ممن يذعن بانه ليس استعمالاً في غير ما وضع له وان التجوز والعناية انما هو في التطبيق وإعطاء حدّ شيء لشيء آخر بداعي التأثير في الاحساس استمداداً من تأثير المصداق الحقيقي.
هذا مع ان عدم صحة الاستعمال لا يدل علی اختلاف الواقع اذ قد لا يصح استعمال احد المترادفين مکان الآخر کالبشر والانسان حيث ان الاول يستعمل في قبال الملك والثاني في قبال الجن ــ کما قيل ــ مع ان وحدة المفهوم والدقة في وجه المغايرة اوجب توهم الترادف بينهما بحسب التفاهم العرفي.
واما في الجهة الثانية فالمحقق الخراساني ذهب الی کون الاختلاف باللحاظ التبعي والاستقلالي دون اللحاظ الاجمالي والتفصيلي والاکان تغاير الانسان والحيوان الناطق کتغاير الاسم والحرف، ودون اللحاظ المرآتي والاستقلالي کما توهمه المفسرون لنظريته وذلك لما ورد في الکفاية من التعبير بالآلي والاستقلالي ففسروا اللحاظ الآلي بالمرآتي فکلما کان المفهوم مما به ينظر کان حرفياً وکلما کان مما فيه ينظر کان اسمياً.
وقد اعترض الاعلام عليه بناءاً علی هذا التفسير بوجوه عديدة:
فمن تلك الاعتراضات ان المرآتيه مفقودة في المقام بالوجدان فاذا قلنا زيد في الدار لم تکن (في) مرآة لملاحظة شيئ آخر کما تلاحظ المرآتية بين اللفظ والمعنی وبين الصور الذهنية والواقع الخارجي.
++ومنها++ ان لازم ذلك ان تکون بعض الاسماء حروفاً حيث تلاحظ مرآة ومثل لذل بقوله تعالى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)[[6]](#_ftn6) حيث اخذ التبين علی وجه المرآتية، والموضوع هو نفس طلوع الفجر.
وفي المثال نظر حيث ان التبين لم يؤخذ علی وجه الطريقية مضافاً الی ان ذلك علی تقدير کونه طريقياً ليس من قبيل اللحاظ المرآتي بل من قبيل مخالفة المراد الجدي للمراد الاستعمالي.
الی غير ذلك من الاعتراضات ما بين صحيح وفاسد.
ولکن الصحيح ما ذکرنا من ان مراده من الآلي اللحاظ التبعي فقد يلاحظ المعنی علی وجه الاند کاك في الغير کما ان الانسان اذا اراد الحصول علی نتيجة مّا فانه لا يلاحظ الوسائل والاسباب لحاظاً استقلالياً بل بالتبع وبما انها توصل الی المطلوب فشبه اللحاظ التبعي بلحاظ الآلة. فالظرفية مثلاً قد تلاحظ بنحو الاستقلال کما اذا وقعت موضوعاً او محمولاً في القضية وقد تلاحظ بنحو التبع والاندکاك في الطرفين.
المقدمة الثالثة: في ان هذه الشؤون الموجبة للتکثر الادراکي اي اختلاف اللحاظ ليست من الشؤون الدخيلة في الموضوع له والمستعمل فيه بل هي من شؤون العلقة الوضعية بمعنی ان الترابط الذهني ثابت بين کلمة من مثلاً ومعنی الابتداء اذا لوحظ تبعاً وبين کلمة الابتداء ومعناه اذا لوحظ مستقلاً. فالترابط بين کل منهما وذات المعنی علی نحو القضية الحينية اي من دون کون اللحاظ مرئياً ودخيلاً في المعنی.
وتوضيحه مذکور في الکفاية وکتب القوم مفصلاً فلا حاجة الى تفصيل القول فيه.
هذا والمقدمة الاولی والثالثة مما لا اشکال فيهما واما المقدمة الثانية بجهتيها فتحقيقها يتوقف علی عرض المسلك الثالث ودراسته وکذا سائر الاحتمالات.
المسلك الثالث: ان المعنی الاسمي يختلف عن المعنی الحرفي اختلافاً جوهرياً فکل من الحرف والاسم المشابه له موضوع لمعنیً مخالف للآخر بالذات.
ولهذا المسلك تقارير عديدة ولکنا نتعرض للتقرير المنسوب الی الفلاسفة والذي اختاره المحقق الاصفهاني وهو ان الحروف موضوعة لأنحاء النسب بخلاف الاسماء والافعال. وقالوا ان النسبة ليس لها تقرر ما هوي في قبال المنتسبين فهي من هذه الجهة يشبه الوجود الرابط فکما ان الوجود الرابط وجود لا في نفسه کذلك النسبة.
قال المحقق الاصفهاني: (الحق المصرّح به في کلمات اهل التحقيق انهما متفاوتان في ذاتهما وان الفرق بينهما کالفرق بين الوجود في نفسه والوجود لا في نفسه اعني الوجود الرابط في قبال الوجود المحمولي فکما ان الوجود الرابط ثبوت شيء لشيء وهو الثبوت المتوسط وليس ثبوت شيء بحيث يضاف اليه ويحمل عليه کذلك نسبة الشيء....). ([[7]](#_ftn7))
وانما نقلنا هذه العبارة مع ان تحقيق مراده سيأتي ان شاء الله تعالى دفعاً لما قد يتوهم انه ذهب الی ان الحروف موضوعة للوجود الرابط. ومن التأمل في هذه العبارة يظهر انه انما شبّه معاني الحروف وهي انحاء النسب بالوجود الرابط.
والمراد بالوجود الرابط في مصطلح الفلاسفة ثبوت شيء لشيء المعبّر عنه بمفاد کان الناقصة في قبال الوجود المحمولي وهو ثبوت الشيء المعبّر عنه بمفاد کان التامة وهو اعم من الوجود الرابطي والوجود النفسي.
والاول مختص بوجود الاعراض حيث انها وان کانت موجودة في نفسها الا ان وجودها لغيرها والثاني وجود الجواهر التي لا تتقوم بموضوع. والوجود الرابط عباره عن الوجود لا في نفسه وهذا غير النسبة.
وقد صرّح المحقق الاصفهاني في تعليفته علی الکفاية في مبحث أصالة عدم التذکية بان الوجود الرابط مختص بالهليات المرکبة الايجابية والنسبة عامة توجد في الهليات البسيطة واما في السوالب فتسلب النسبة لا الوجود الرابط.
وهنا ينبغي التعرض لما اعترض عليه قدس سره بناءاً علی ما نسب اليه من القول بان الحروف موضوعة للوجود الرابط وقد تبين مما قدمناه وسيتضح عند تحقيق قوله انه لا يقول بذلك وأن منشأ التوهم تشبيهه النسبة بالوجود الرابط کما صنعه بعض من تقدمه من الفلاسفة. ومع ذلك فالاعتراض غير وارد في نفسه.
الاعتراض الاول: ان الوجود الرابط في قبال الوجود المحمولي امر موهوم لا واقع له. وذلك لان دليل القائلين بتحقق الوجود الرابط هو انا قد نقطع بوجود کل من المحمول والموضوع ومع ذلك لا نقطع بثبوت المحمول للموضوع وغير المقطوع به غير المقطوع به وتعدد القطع والشك يدل علی تعدد المتعلق فثبوت المحمول للموضوع امر وراء ثبوت المحمول وثبوت الموضوع.
وهذا الدليل غير تام فان غاية ما يدل عليه ان ما تعلق به القطع مغاير لما تعلق به الشك ولکن حيث ان الشك والقطع صفتان نفسيتان فمتعلقاهما امران ذهنيان وتغاير الامرين في الذهن لا يدل علی التغاير الخارجي. ومن هنا قد نقطع بتحقق الانسان في الدار ونشك في تحققه ضمن زيد مع انه علی تقدير تحققه في ضمنه موجود واحد في الخارج اذا الکلي الطبيعي يتحقق بعين تحققات افراده فالتغاير انما هو في الصورة المدرکة لا في الخارج. فالوجود الرابط ليس وجوداً خارجياً في قبال الوجود المحمولي والالزم مغايرة الکلي لفرده خارجاً.
وهذا الاعتراض انما يرد لو ادّعي ان الوجود الرابط امر خارجي له واقعية خارجية في قبال الوجود المحمولي ففي قولنا (زيد قائم) ثلاثة وجودات في الخارج وجود الموضوع (زيد) ووجود العرض (قيام) والوجود الرابط. الا انه سيأتي في تحقيق مذهب الفلاسفة في المعنی الحرفي ان غاية ما يمکن ان ينسب اليهم هو ان الوجود الرابط له واقعية بالتبع لا انه امر متأصل مستقل في قبال الطرفين کما ان الطبيعي موجود بتبع وجود زيد. والوجود الواحد خارجياً ينسب الی الطبيعة المشترکه فيقال انه وجود الانسان وينسب الی الماهية الشخصية فيقال وجود زيد. فالوجود الرابط عندهم ليس له واقع مستقل في قبال الوجود المحمولي بل هو موجود بالتبع علی احتمال او موجود بالعرض وسيأتي توضيح ذلك ايضاً ان شاء الله تعالى.
الاعتراض الثاني: ان الوجود الرابط علی افتراض واقعيته ليس مما يوضع بازائه اللفظ وذلك لان الوجود لا يقبل التصور والوجود الذهني وانما الموجود في الذهن هو صور الماهيات فانها توجد تارة في الخارج واخری في الذهن واما واقع الوجود فحقيقته متقومة بالمنشأية للآثار فکيف يمکن ان تتحقق في الذهن حيث تنسلخ منه تلك المنشأية واذا لم يمکن تصوره لم يمکن ان يوضع له لفظ.
والجواب عنه اولاً: ان ما ذکر من عدم قبول الوجود للتحقق في الذهن انما هو في الوجود المحمولي وذلك عند القائلين باصالة الوجود وهم لا يقولون باصالة الوجود الرابط بل باصالة الوجود المحمولي فقط بل يوجد في کلماتهم بان الوجود الرابط لا يشترک مع الوجود المحمولي الا في مجرد الاسم في خصوص اللغة العربية قال في الاسفار: (الحق ان الوجود الرابط غير الوجود المحمول بالنوع بل الاتفاق بينهما في مجرد اللفظ).([[8]](#_ftn8))
وثانياً: ان الوجود المحمولي مع انه لا يتحقق في الذهن أصلاً يوضع له اللفظ ولا مانع منه وذلك لان تصوره بنفسه وان کان غير ممکن الا انه لا مانع من تصوره بعنوانه الإبداعي. فالاشياء المتصورة قد تکون الصورة الذهنية منعکسة عن واقعها الماهوي وقد تکون باختراع الذهن وجعلها عنواناً لها وعليه فلا مانع من جعل الحروف للوجود الرابط. وسيجيء توضيح ذلك في مبحث اقسام الوضع ان شاء الله تعالى.
الاعتراض الثالث: ان الوجود الرابط يختص بالجواهر والاعراض. والحروف لا يختص استعمالها بذلك فقد يستعمل في واجب الوجود کقولنا: (الوجود لله واجب) وفي ممتنع الوجود کقولنا: ( الوجود لاجتماع النقيضين ممتنع) مع ان الوجود الرابط لا يعبّر الا عن حيثية تقوم العرض بالجوهر.
ولکن لم يعلم مأخذ هذا القول وهو اختصاص الوجود الرابط بالجواهر والاعراض. قال السبزواري في تعليقته على شرح منظومته: (وهو اضعف مراتب الوجود کالمعنى الحرفي غير ملحوظ بالذات وکما يتحقق في الموجودات بالوجود النفسي يتحقق في العدمي مثل زيد اعمى وامي بل في الممتنعات مثل شريك الباري محال واجتماع النقيضين مغاير لاجتماع الضدين)([[9]](#_ftn9)) وسيأتي بيان ذلك ان شاء الله تعالى.
ولنرجع الآن الی بيان المسلك الثالث حسب التقرير الصحيح فنقول:
إنّ اساس هذا المسلك يبتني علی کون الفرق بين المعنی الحرفي والمعنی الاسمي هو الفرق بين العنوان والمعنون. ويلاحظ ان المراد بالمعنی الاسمي في هذا المسلك هو النسب التي خصصت لها الحروف حيث يقال: ان (من) وضعت للنسبة الابتدائية و(الی) للنسبة الانتهائية وهکذا.
فالمدروس في هذا المسلك هو الفرق بين (من) والنسبة الابتدائية ونحو ذلك ولکن المدروس في مسلک المحقق الخراساني _ علی ما تقدم _ هو الفرق بين الحروف ونفس الابتداء والانتهاء والاستعلاء والظرفية ونحو ذلك ولو مع النسبة ضمناً.
والفرق الذي يعترف به اصحاب المسلک الثالث هو الفرق بين العنوان والمعنون بمعنی ان واقع النسبة الظرفية مثلاً هو ما تمثله کلمة (في) واما کلمة النسبة الظرفية فهي صورة مخترعة يبتدعها الذهن ويجعلها مرآة لتصوير واقع النسبة الظرفية. فالنسبة الظرفية بالمعنی الاسمي نسبة ظرفية بالحمل الاولي لا الحمل الشايع و(في) تمثل النسبة الظرفية بالحمل الشايع.
فهذا الفرق ناشئ ــ کالفرق في المسلك الثاني ــ عن التکثر الادراکي للمفهوم الواحد الا ان هذا التکثر الذهني من القسم الاول اي مما له صورة ذهنية مطابقة للواقع الخارجي وصورة او صور اخری مخترعة لا تطابق الواقع بخلافه في ذلك المسلك حيث کان الواقع يتجلّی بصورتين کل منهما تطابق الواقع الا انهما يختلفان في التبعية والاستقلالية.
والتعبير الاسمي العنواني في هذا المسلك له نظائر کثيرة منها ما اذا قلت: الفعل اما ثلاثي واما رباعي. فان الفعل هنا فعل بالحمل الاولي ولکنه بالحمل الشايع اسم اخذ عنواناً لمصاديق الفعل الخارجية التي تنقسم الی ثلاثي ورباعي.
اذن فالموضوع له کلمة (في) مثلا هو واقع النسبة الظرفية وکلمة النسبة الظرفية التي هي تعبير اسمي تحکي عن عنوان النسبة لا واقعها.
والکلام هنا في تشخيص واقع النسبة التي تحکي عنها التعابير المذکورة.
يقول اصحاب هذا المسلك ان هذه النسب تشبه الوجود الرابط کما ان الوجود الرابط بالحمل الشايع قد يشبه المعاني الحرفية وذلك لانه عبارة عن الوجود لا في نفسه في قبال الوجود المحمولي کما تقدم فهو غير مستقل بنفسه بل متقوم بطرفيه وعدم الاستقلال الذي هو الاساس في المعنی الحرفي يتصف به جميع النسب المذکوره. فالنسبة هي المفهوم الذي لا يستقل بالذات.
ومعاني الحروف کلها من هذا القبيل فهي مما لا يخبر عنه ولا يخبر به ومن هنا کان التشابه والارتباط قوياً بين النسب (المعاني الحرفية) والوجود الرابط بل نسب الی هولاء – کما تقدم – ان المعنی الحرفي هو الوجود الرابط. وربما يقال: ان النسب موجودة بالوجود الرابط.
وتفصيل القول في الوجود الرابط ان فيه ثلاثة اقوال:
القول الاول: ما يتراءی من کلمات اکثر الفلاسفة وهو انه في قبال الوجود المحمولي. قالوا: ان الوجود ان کان في نفسه لنفسه فهو الجوهر ويعبر عنه بالوجود النفسي وان کان في نفسه لغيره فهو العرض الذي لا يتقوم بنفسه وانما يتقوم بموضوع ويعبر عنه بالوجود الرابطي ويجمعهما الوجود المحمولي. وان کان لا في نفسه يعبر عنه بالوجود الرابط وهو ثبوت شيء لشيء.
القول الثاني: ما ذهب اليه المحقق النائيني ومن تبعه وهو انه ليس للوجود الرابط واقع في قبال الوجود المحمولي وما يعبر عنه به هو نفس الوجود الرابطي. وذلك لان وجود العرض ان لوحظ مع قطع النظر عن تقومه بغيره کما اذا قلت: (البياض موجود) عبر عنه بالوجود المحمولي وان لوحظ مع تقومه بغيره کما هو واقعه عبّر عنه في الفلسفة بالوجود الرابط وهذا ليس الا الوجود الرابطي بنفسه.
ويلاحظ انا لانجد عند قولنا (زيد قائم) مثلا غير زيد وقائم وليس هناك واقع ثالث وهذا التعبير لا يمثّل الا تقوّم القيام بزيد وهو نفس الوجود الرابطي وحقيقة العرض. والوجود الرابط امر موهوم اذ ليس له في الخارج واقع غير طرفي القضية. والذهن لا يحكي الا عما في الواقع فليس له واقع خارجي ولا ذهني.
هذا مضافا الى ما تقدم من الاشكال في الوجود الرابط وبطلان دليله.
وقد يضاف الى ذلك ــ كما في بعض التقريرات ــ ان كل ممكن زوج تركيبي من الوجود والماهية فان كان للوجود الرابط ماهية ووجود كان شيئا مستقلا كالوجود المحمولي وهو ما تنكرونه. واليه ذهب المحقق اللاهيجي ايضا.
القول الثالث: ان الوجود الرابط ليس الا امراً اختراعياً ذهنياً في روابط المفاهيم المستعملة في القضايا علی اساس الانطباع في بعض الحضارات البشرية.
توضيح ذلك: ان بعض انحاء التفکر البشري يلاحظ القضايا الهليّة المرکبة الايجابية علی اساس ثبوت شيء لشيء ويعبرون عنه بالوجود الرابط الا انه اختراع ذهني وخاص ببعض انحاء الفکر البشري کالفکر اليوناني والفارسي حيث تحتوي الجملة الايجابية المرکبة عندهم علی کلمة (است) و(استين) بينما لا تحتوي الجملة العربية علی ذلك.
والفرق هو أن الانطباع العربي يعتمد علی تحقق الهوهوية بين الموضوع والمحمول بمعنی ان زيد وقائم مثلاً موجودان بوجود واحد في الخارج او ان القائم موجود بوجود زيد ومن هنا نشأت استعارة کلمة هو عند الترجمة العربية للفلسفة للتعبير عن است واستين. والفرق ليس في إطار الاستعارة بل الفرق في الاتجاه الفکري والانطباع عن الواقع الخارجي فان اللغة مرآة لتفکير المجتمع. اذن فالوجود الرابط لا واقع له في کيفية التفکير العربي اصلاً.
ولابد من تقييم الاقوال الثلاثة:
اما القول الثالث فالا لتزام به مشکل والظاهر عدم الاختلاف في اصل الانطباع الذهني عن واقع القضية الخارجية وأنّ کلمة (است) في الفارسية تحکي عما تحکي عنه الهيئة في اللغة العربية وهو نفس الهوهوية بين الموضوع والمحمول باحد الوجهين وانما الفرق في کيفية التعبير.
وقد يقترب التعبيران کما في القضايا المأولة نحو (زيد علی السطح) حيث ان التقدير هو تعلق الجار والمجرور بکلمة (کائن) وهو يفيد نفس المعنی الذي تفيده كلمة (است) في الفارسية.
واما القول الثاني فلابد فيه من ملاحظة ان وجود العرض هل يغني عن افتراض وجود الرابط کما هو الاساس في هذا القول ام لا؟
من الواضح انه لا يغني عن ذلك اذ الوجود الرابط يتحقق فيما ليس المحمول من الاعراض کقولك (الله العالم) و(اجتماع النقيضين مغاير لاجتماع الضدين).
هذا مضافاً الی ان المحمول قد يکون قائماً بالموضوع قيام صدور لا حلول کقولك (زيد ضارب) ولا يتصور هنا وجود العرض للجوهر مع ان الوجود الرابط لابد منه لارتباط المحمول بالموضوع.
والحاصل ان ارتباط العرض بالجوهر لا يغني عن ارتباط المحمول بالموضوع وهذا واضح.
اضف الی ذلك ان الوجود الرابط من شؤون الموضوع دون المحمول وقيام العرض بالجوهر من شؤون العرض الذي هو المحمول حسب الفرض.
ومن هنا ذکر السبزواري في حاشية المنظومة([[10]](#_ftn10)) في بيان ان المعقول الثاني باصطلاح الحکيم قد يکون اتصافه في الخارج وعروضه في الذهن ان الوجود المحمولي للصفة وان کان في الذهن الا ان المصحح للحمل هو ان الوجود الرابط للصفة في الخارج وهذا لا يکون الا مع تقوم الوجود الرابط بالموضوع اذ المفروض ان الصفة بوجودها المحمولي لا وجود لها في الخارج.
واما القول الاول فاساسه ان الوجود الرابط في قبال الوجود المحمولي بقسميه النفسي والرابطي. وهذا هو المشهور بين الفلاسفة الا ان الکلام في تفصيل هذا الاجمال وبيان حقيقة هذه المقابلة وهنا احتمالان:
الاحتمال الاول: ان الوجود الرابط له وجود واقعي ولکنه لا في نفسه بل بتبع وجود الموضوع بعکس ما استلزمه کلام المحقق النائيني من جعله من شؤون المحمول حيث اعتبره مرتبطاً بالاعراض. وهذا الاحتمال هو المستفاد من کلام السبزواري في بعض حواشيه على شرح منظومته في الفلسفة.
الاحتمال الثاني: ان لا تکون له واقعية وراء الادراك النفسي فهو امر إبداعي نفسي وحقيقته هو الحکم بوقوع النسبة الايجابية في القضايا المرکبة التامة وهذا ما يمثله کلمة (است) في الترکيب الفارسي للجملة في قبال کلمة (هست) المعبّرة عن الوجود المحمولي. ولکن اللغة العربية تعبّر عنهما بکلمة واحدة وهي (کان) الا انها تعتبر في الاولی ناقصة وفي الثانية تامة. وهذا هو الموافق للتحقيق.
ولعل هذا هو المقصود مما ورد في الاسفار من ان الوجود الرابط لا يشترك مع الوجود المحمولي الا في اللفظ. وذلك لاشتراکهما في التعبير العربي بالکون.
وفي کلتا اللغتين قد يلاحظ الوجود الرابط في إطار المعنی الاسمي وقد يلاحظ في إطار المعنى الحرفي فالاول في الفارسية يعبر عنه بـ (است) وفي العربية بـ (کان) موجوداً او مقدراً نحو زيد علی السطح. والثاني يعبر عنه في الفارسية بوضع فتحة او کسرة في آخر الخبر حسب اللهجة العامية وفي العربية بهيئة المبتدأ والخبر ونحوها کزيد قائم.
وتحصل من مجموع ما ذکرنا ان غرض المحقق الاصفهاني ليس الا تشبيه المعنی الحرفي بالوجود الرابط من ناحية عدم کونه وجوداً في نفسه وليس مراده ان الوجود الرابط هو المعنی الحرفي.
ونظيره تشبيه المعنی الحرفي في بعض کلماته ــ کما في الاصول علی النهج الحديث ــ بوجود الممکنات بالنسبة الی الله تعالی کما ان الفلاسفة قد يشبهون الممکنات او الوجود الرابط بالمعنی الحرفي وقد مرت الاشارة الى عبارة السبزواري المشتملة علی ذلك.
ولنعد الی واقع المسلك الثالث وهو ان الحروف موضوعة للنسب. ولابد من توضيح اجمالي للنسبة. وهي ايضاً امر إبداعي نفسي. والنسب الناقصة علی قسمين:
القسم الاول: النسب التحليلية وهي التي يحصل عليها الذهن بتجزئة مفهوم واحد. کتحليل الانسان الی حيوان وناطق بتجزئته الی ما به الاشتراك وما به الامتياز بالنسبة الی سائر الحيوانات. والنسبة الحاصلة من هذا التحليل تطلق عليها النسبة التحليلية وحيث ان الکلمة من الجوامد فليس في مرحلة الدال تعدد اصلاً وانما التعدد في المدلول وهو تعدد تحليلي کما ذکرنا.
وقد تحصل النسبة التحليلية مع التعدد في الدال کما في المشتقات فان کلمة ضارب وان کانت تحکي عن مفهوم واحد الا انه عند التحليل يحتوي علی نسبة الضرب الی من صدر منه. واللفظ هنا قابل للتحليل ايضاً فالمادة تحکي عن اصل الضرب والهيئة عن النسبة المذکورة.
القسم الثاني: النسب الا بداعية وهي التي يحصل عليها الذهن من الترکيب بين مفهومين کما اذا کان موضوع حکمه مرکباً من امرين ولم يکن هناك عنوان بسيط يحکي عن هذا المرکب ولا يمکن الترکيب من دون إبداع النسبة الرابطة بين المفهومين. وسيأتي ان شاء الله ان التقييد ثبوتاً مقوم للترکيب الذهني بايجاد النسبة الابداعية بين مفهومين.
والحروف تبرز هذه النسب الابداعية بمعنی ان المنتسبين لکل منهما وجود مستقل الا ان الذهن يبدع بينهما نسبة ارتباطية ناقصة للتحديد والتضييق والذي يمثل هذه النسبة الابداعية في اللفظ هو الحرف.
وهذه النسب قد تتکثر بالتکثر الادراکي فقولك زيد في الدار يمکن التعبير عنه بجملة (هيئة الظرفية والمظروفية متحققة بين زيد والدار) او بجملة (زيد داخل الدار) فکل من هذه التعابير يحکي عن واقعية واحدة الا انها لم تنعکس في الذهن بنحو واحد فاختلاف التعبير هنا يحکي عن اختلاف الانطباع الذهني.
ولذلك يلاحظ ان النسبة الابداعية الظرفية ملحوظة في التعبير الاول بنحو النسبة المتقومة بزيد والدار وهي ملحوظة في التعبيرين الآخرين في اطار اسمي فللنفس ان تلاحظ النسبة الابداعية الواحدة بشتى انحاء اللحاظ.
وقد تکون نسبة تحليلية قابلة لان تلحظ في اطار النسبة الابداعية مثلاً جملة (الدار مقتل زيد) فالمقتل هنا له نسبة تحليلية وهو المکان الذي قتل فيه زيد. فلو عبرنا عن هذه النسبة بقولنا (قتل زيد واقع في الدار) افاد نفس المعنی الا ان النسبة التحليلية اختفت وتمثلت بصورة نسبة ابداعية ظرفية بين قتل زيد والدار.
ومن هنا تبين ان الوجود الذهني للنسبة الابداعية ليس الا وجوداً بتبع وجود المنتسبين حيث انه ليس الا من مبدعات الذهن. واما وجودها الخارجي فهو مورد السؤال انه وجود بالتبع ام بالعرض؟
والمراد بالاول ان يکون الوجود متحققاً في الواقع الا انه بتبع وجود المنتسبين والمراد بالثاني ان يکون الموجود في الواقع هو نفس المنتسبين واسناده الی النسبة انما هو بالعرض والمجاز.
الشواهد تدل علی ان وجودها بالعرض والمجاز ولذلك تتحقق النسبة بين امرين احدهما في الخارج والآخر في الذهن کالامور الاعتبارية التي تحمل علی ما في الخارج فتقول هذا ملك زيد فاعتبار الملکية ليس الا في الذهن وزيد في الخارج ولا يمکن حنيئذ ان تکون النسبة امراً حقيقياً في الخارج. وهکذا الکلام في المعقولات الثانية باصطلاح الحکيم نحو زيد أب. کما ان هناك بعض النسب لا يحتمل فيها التکثر ولو بالتبع کقولك (الله عالم) فالنسبة ليس الا امرا ذهنياً لا واقعية لها الا بالعرض والمجاز اذ لا يمکن تحقق النسبة واقعاً بين الله وصفة العلم.
ولنعد الی صلب الموضوع وهو ان الحروف موضوعة للنسب فنقول:
ان الالتزام بذلك في بعض الحروف بعيد جداً وذلك في مثل حروف التمني والترجي والردع والتحضيص والاستفهام والتأکيد والتفسير ونحوها اذ غاية ما يمکن ان يقال انها موضوعة لمعان ذوات نسبة ولا يمکن دعوی وضعها لنفس النسب اذ لا نجد في انفسنا فرقاً من حيث المعنی بين هذه الحروف وما يعادلها من الاسماء فلا فرق بين ان تقول ليت الشباب يعود يوما او تقول اتمنی ان يعود الشباب يوماً. وهکذا بين (لعل) و(ارجو)، و(اي) و(اعني) ونحو ذلك.
اذن فلا تحکي هذه الحروف عن نفس النسب بل تحکي عن نفس ما تحکي عنه الاسماء المعادلة لها.
وقد حکي عن الفراء انه قد اجاز ان يقع ليت موضع تمنيت وبهذا علل کون ليت اقوی ادوات النصب واستشهد بموارد نصب اسمه وخبره وکذلك في إنّ.
وبذلک ظهر ضعف ما نسب الی المحقق العراقي من أن (ليت) وضع للنسبة بين المتمني والمتمنی و(لعل) للنسبة بين المترجي والمترجی، وهکذا. اذ مجرد امکان التعبير عن امر فرضي وتقديره موضوعاً له اللفظ لا يصحح الدعوی والا لأمکن ان يدعی ايضاً ان (ضرب) مثلاً موضوعة للنسبة الضربية بين الضارب والمضروب. فهل يصح بذلك ان يقال انه من الحروف ايضاً؟!
واما في باقي الحروف اي الحروف الاخطارية کالحروف الجارة فيمکن ان يقال انها موضوعة للنسب بالوانها المختلفة من الابتداء والانتهاء والظرفية والاستعلاء ونحو ذلك الا انه يبقی مجال للسؤال عن الفرق بين هذه الحروف والاسماء التي تحکي عن ألوان هذه النسب؟
ما الفرق بين (علی) والاستعلاء، و(من) والابتداء وهکذا؟ وبتعبير آخر ما هو الفرق بين جملة (سرت من البصرة) وجملة (إبتداء مسيري البصرة)؟
وهنا تتبين الفجوة في هذه النظرية حيث انها لاحظت نفس النسب الابداعية ولم تلاحظ الوانها المختلفة وما يحکي عنها.
فلو عکسنا النظرية وقلنا ان الحروف موضوعة لنفس ألوان النسبة فكلمة (من) للابتداء الذي له نسبة لا للنسبة الابتدائية وهکذا غيرها بقي السؤال ايضاً عن الفرق بين الابتداء المعبر عنه بالاسم والابتداء المعبر عنه بالحرف.
فان قلت: الفرق ان مدلول الحرف هو الابتداء ذوالنسبة وليس الاسم کذلك.
قلنا: ان للاسم ايضاً مدلولا ذا نسبة ولو تحليلية فقولنا ضرب مثلاً يحکي عن عدة نسب حيث انه يحتوي علی نسبة الضرب الی فاعل مذکر والی زمان ماض غاية الامر أن يقال ان مدلول الحرف نسبة ذات لون ومدلول الاسم لون ذو نسبة. ولکن مجرد ذلك لا يکفي في اختلاف المعنی اذ المفروض ان النسبة کيفما کانت مندكّة وموجودة بالعرض سواء افيدت بحرف او بهيئة في إسم. واما نفس الالوان فلا تختلف في الموردين.
وعليه فلابد من البحث عن الفرق في کيفية لحاظ المعنی واللون وهذا هو مسلك المحقق الخراساني فالحق ان الاختلاف بين الاسماء والحروف ليس في واقع المعنی بل في مجرد اللحاظ.
فالمسلك الثالث بجميع توضيحاته لا يعتمد علی اساس علمي صحيح فانه قاصر اولاً عن الشمول لقسم کبير من الحروف وهي الحروف الانشائية کالتمني واخواته وقاصر ثانياً عن بيان فرق واضح بين مفاد الاسماء والحروف في القسم الآخر وذلك لإهماله ملاحظة الجانب الاسمي من معاني الحروف حيث لوحظ فيه حکاية الحرف عن النسبة ولم يلاحظ فيه لون النسبة الذي هو الجانب الاسمي.
وهذا الاهمال ملحوظ في بعض النظريات الحديثة حول هذا الموضوع ايضاً فقد ورد في کتاب (فقه اللغة وخصائص العربية) کلام تحت عنوان (الفاظ المعاني، الفاظ الارتباط) ننقل شطراً منه:
قال: (انها في الاصل ألفاظ معان جردت من معانيها وفرغت من محتواها ونقلت من الفاظ معان الی ادوات وقد يکون هذا الانتقال واضحاً والصلة بين الاداة واصلها واضحة لقرب العهد بهذا الانتقال او لبقاء المادة الاصلية ووضوح الصلة في المعنی. وقد يکون الصلة بالاصل غامضة لبعد العهد او طروّ تبدل کبير في لفظ احدهما...).
ثم مثّل للقسم الاول ب كلمة (علی) من جهة بقاء مادة العلوّ فيها بصورتها الاصليه وللقسم الثاني بكلمة (ليت) و(ليس) ونحوهما.
ثم قال في ضمن کلامه: (ووصف علماء اللغة في هذا العصر ألفاظ المعاني بانها ملئ والفاظ الارتباط بانّها فارغة وذلک انها فرغت عن محتواها الاصلي الذي هو معناها الاصلي وبذلك اصبحت تدل علی وقوع ربط بين لفظين اي بين معنييها کالنفي في قولنا ليس الرجل حاضراً او العلو في المفتاح علی الارض).
ويتبين من هذا الکلام ان علماء اللغة في هذا العصر قد لاحظوا ايضاً دلالة الحروف علی نفس النسب المعبر عنها في کلامهم بالارتباط وزعموا فراغها عن محتواها الاصلي وهو المعاني الاسمية (ماوراء النسب).
ووقع عکس ذلك في بعض النظريات قال في كتاب (اسرار اللغة) بعد ذکر مناقشات علی النحاة في ذکر معاني الحروف:
(ولست ادري بل لعلّي ادري: لِمَ فرّق النحاة بين (علی) وکلمة (فوق) وبين (في) وکلمة (داخل) وبين (الی) وکلمة (نحو) فجعلوا الحروف اسماءاً وعلی أيّ أساس هذه التفرقة؟!).
المسلک الرابع: ويعتمد علی اهم اسس المسلك الثاني اي نظرية المحقق الخراساني في اعتبارها الفرق – باللحاظ الا ان اللحاظ في المعنی الحرفي في تلك النظرية هو اللحاظ التبعي وفي المعنی الاسمي هو اللحاظ الاستقلالي والذي نريد ابداءه في هذه النظرية هو ان اللحاظ في المعنی الحرفي اجمالي وفي المعنی الاسمي تفصيلي بمعنی ان المعنی قد يکون ملحوظاً بنحو الاندماج واللف وينظر اليه نظرة خفية لا تبرز معالمه من اللفظ وهو المعنی الحرفي وقد يکون ملحوظاً بنحو التفصيل والوضوح وهو المعنی الاسمي ومع ذلك فالمعنی واحد في الموردين.
فکلمة ضرب ــ مثلاً ــ تدل علی وقوع الضرب، وصدوره عن فاعل مفرد، مذکر، في الزمان الماضي. والمعنی الاول يستفاد من الکلمة بوضوح ومعالمه بارزة ولذلك تعد الکلمة ذات معنی اسمي واما سائر المعاني فلا تستفاد الا بنحو اللف والخفاء ولذلك تعد هذه المعاني مداليل للهيئة التي هي من قبيل الحروف بحسب المعنى. ولو صرح بهذه المعاني في اطار الاسماء اصبحت معاني اسمية. اذن فالفرق بين کونها حرفية واسمية هو کونها ملحوظة بالاجمال او التفصيل.
وهذا اللف قد يحصل من جهة ادغام المعنی الاسمي في النسبة کما في الحروف الجارة فلا يتجلی في الذهن منها الا نفس النسبة ويعد المعنی الاسمي لوناً لها فيقال نسبة ظرفية او ابتدائية وهکذا. وقد يحصل من جهة ادغام کل من النسبة والمعنی الاسمي في الآخر کما في حروف التمني والترجي.
ولعل هذا هو السبب في تعبير النحاة عن القسم الاول بالنسبة الظرفية او الابتدائية ونحو ذلك وعن الثاني بقولهم ليت للتمني ولعل للترجي من دون لحاظ انطواء النسبة فيها.
وسيأتي نظير ذلك في مبحث اسماء الاشارة.
وما مرّ من بعض الکتّاب المعاصرين من أنّ الحروف لها اصول اسمية قد افتقدتها بمرور الزمان وتطوّر التلفظ ليس ببعيد وربما يؤيد هذه النظرية وان لم تکن متوقفة عليه اذ لسنا بصدد البحث عن تکوّن الفاظ الحروف الا انه لا مانع من الالتزام به ولو اجمالاً.
ومثل ذلك ما نشاهده من تطور الالفاظ في اللغات الدارجة حيث تفقد بعض الکلمات صورتها الاصلية وينحت منها حتی لا يبقی منها سوی حرف واحد. وقد وقع بعض هذه التطورات في عهود قديمة کما نجد في بعض الروايات التعبير عن مرکب (اي شيء) بـ (أيش) وقد تطور ذلك حتی صارت في بعض اللهجات في عصرنا الی حرف الشين المکسورة فقط. ونظير ذلك کثير.
وذکر جرجي زيدان في (فلسفة اللغة) ان الحروف منحوتة عن اصول اسمية الا ان اصول بعضها موجودة في اللغة العربية وبعضها موجودة في اللغات المقاربة او المشارکة مع العربية في اصل قديم کالعبرية والسريانية.
وهذا وان لا نلتزم به في جميع الموارد الا انه لا مانع منه في نفسه ولا مانع من الالتزام به علی سبيل الاجمال.
بقي شيء وهو ان المحقق صاحب الحاشية (هداية المسترشدين) قسّم الحروف الی قسمين انشائية واخطارية. وقد وقع ذلك مورداً للمناقشات بين القوم فذهب بعضهم الی ان الحروف باجمعها ايجادية ومنهم المحقق النائيني وذهب بعض آخر کالمحقق العراقي الی انها باجمعها اخطارية ولکن بعضاً آخر تلقوا هذا التقسيم بالقبول.
ولسنا الآن بصدد استعراض هذه الاقوال ودراستها الا اننا نتعرض اجمالاً لاحد التفاصيل المعروضة فعلاً علی ضوء هذا التقسيم.
ومجمل القول في عرض هذا التفصيل ان الحروف علی قسمين:
القسم الاول: ما يفيد مع مدخوله مفاد الجملة الانشائية وضابط هذا القسم انها مع مدخولها تشکل ترکيباً يصح السکوت عليه. ومفاد الجملة الانشائية هو إبراز قصد نفسي غير قصد الحکاية عن واقع خارجي ولهذا الاجمال تفصيل في محله. ومن هذا القسم حروف التمني والترجي والنداء وان کانت داخلة علی کلمة واحدة بالطبع ومنه ايضاً حروف التحضيض والردع ونحو ذلك فيصح السکوت على جملة (ليت زيداً قائم) مثلاً.
القسم الثاني: ما يفيد مع مدخوله مفاد الترکيب الناقص وضابطه انه لا يصح السکوت عليه. وذلك مثل الحروف الجارة فلا يصح السکوت علی قولك (من البصرة) او (الی الکوفة) ونحو ذلك. وهذا القسم موضوع لتضييق المفاهيم الاسمية.
توضيح ذلك: ان الاسماء موضوعة لنفس الماهيات بمفهومها الواسع وکثيراً مّا يحتاج الانسان في مرحلة التفهيم الی بيان حصّة خاصة من الماهية وهذا لا يتحقق الا بتضييق المفهوم الاسمي. والاداة التي تحقق ذلك هي الحرف.
فاذا اراد بيان ان الصلاة في المسجد مستحبة فکلمة الصلاة بنفسها تدل علی مفهوم واسع من حيث المکان والزمان ونحو ذلك وبيان الحصة الخاصة من حيث المکان الخاص يتوقف علی استخدام کلمة (في) کما ان جملة زيد في الدار ايضاً کذلك حيث ان متعلق في هو الثبوت فالخبر في الواقع (ثابت) وهو ذو مفهوم واسع فنضيقه باستخدام کلمة (في).
اما القسم الاول ففي بيانه نقطة ابهام وهي انه لم يتضح من هذه النظرية الفرق بين هذه الحروف والاسماء المعادلة لها التي تعطي نفس المعنی. فما هو الفرق – مثلاً – بين (ليت) واتمنی او (لعل) واترجی. وهکذا؟ وما هو السبب في اعتبار قسم منها حرفاً وقسم منها اسماً؟
اضف الی ذلك ان هناك حروفاً تشکل مع مدخولها ترکيباً يصح السکوت عليه ومع ذلك فهي لا تحتوي علی مضمون انشائي نحو (قد) و(إنّ) و(ما) ونحوها. فمن الواضح ان قولنا (قد جاء زيد) او (إنّ زيدا قائم) او (ما زيد بقائم) جمل تامة مع انها إخبارية لا تبرز مضموناً نفسياً غير الحکاية عن الواقع خصوصاً في ادوات النفي.
وربما يفرق بين (ليت) و(اتمنى) و(لعل) و(اترجى) ونحوها بان الموضوع له في ليت ولعل خاص والوضع عام فهذه الحروف مفهمة لنفس الواقع الموجود فعلاً والذي نبرزه بهذه الالفاظ. والموضوع له في الافعال نحو اتمنى وارجو عام کالوضع. وهذا يکشف عن جهة تغاير مفهومي بينهما.
وهذا غير صحيح اولاً لما سيجيء من المناقشة في تحقق هذا القسم من الوضع بان يکون الموضوع له خاصاً والوضع عامّا وأنه لا يمکن تحقق العلقة الوضعية بين اللفظ وکل فرد خاص من افراد المعنی.
وثانياً لانّا لا نجد فرقاً بين التعبيرين ولا دليل علی وجود هذا الفرق بينهما. ولعل منشأ توهم هذا الفرق ان هذه الحروف مختصة بالانشاء وهذه الافعال مشترکة بينه وبين الاخبار وحيث ان الانشاء ايجاد کما سيأتي بيانه فهو مساوق للتشخص في مرحلة الاستعمال. وهذا اظهر في الادوات من غيرها لما اشرنا اليه.
واما القسم الثاني فالبيان المذکور فيه مثار لسؤالين:
السؤال الاول: ان التضييق المذکور مما لا ينکر بالنسبة الی بعض الحروف الا ان الکلام في السرّ الذي يستوجب هذا التضييق. فالواقع ان هذا التضييق ليس من قبيل المفاهيم التي يدّعی وضع الحروف لها وانما هو من اغراض الاستعمال. ولا شك في ان التضييق نتيجة حاصلة من استعمال الحرف الا انه لم يظهر من هذه النظرية بيان المعنی الذي يعنيه الحرف.
فالتضييق انما يحصل نتيجة الربط الذي يفيده الحرف بين المفهومين ولکنه لا يقع تفسيراً للحرف وليس مورد البحث ما يحصل بالحرف بل ما هو معنی الحرف.
والظاهر ان القائل قد اختار المسلك الثالث في الواقع وعلی هذا الاساس ذهب الی التفصيل المذکور الا انه لم يقتنع بمضمونه المذکور من جهة اشتماله علی تفسير الحرف – حسب معتقد هذا القائل – بالوجود الرابط مع اعتقاده ان الوجود الرابط مختص بالاعراض. والحروف تستعمل في غير موارد الاعراض والجواهر کما مر تفصيله ومناقشته. ولذلك عدل عن ذلك التقريب.
وعليه فما ذکره من ان الحروف وضعت للتضييق يراد به انها تحکي عن العمل النفسي وليس لها مطابق في الخارج وهذا بعينه ما قيل في ذلك المسلك من انها تحکي عن النسب الخاصة.
السؤال الثاني: ان الحروف التي لا تفيد مع مدخولها جملة تامة هل کلها تستعمل في مورد التضييق کما هو المدّعی ام لا؟
الذي يتبين بملاحظة کتب النحو والاستعمالات ان هناك من الحروف ما لا يمکن فيه هذه الدعوی واليك نموذجاً منها:
1 - حروف التفسير نحو (اي) في جملة (جاءني زيد اي ابو عبد الله) فکلمة اي هنا لا تفيد مع مدخولها جملة تامة ومع ذلك فلا تفيد تضييق معنی زيد اذ هو علم شخص لا اسم لماهية ذات مفهوم واسع. وکذلك في تفسير الجمل کجملة (انقطع رزقه اي مات).
2 - بعض الحروف العاطفة کما في جملة (جاء زيد او عمرو) او (اکرم زيداً او عمراً) فان کلمة (او) هنا لو لم نقل بانها تفيد التوسعة فلا وجه لدعوی افادتها التضييق. وصاحب النظرية يعترف في مبحث الواجب التخييري أنّ الجامع الانتزاعي هو متعلق الوجوب فکلمة (او) في جملة (اکرم زيداً او عمراً) يفيد تحويل وجوب الاکرام عن تعلقه بشخص زيد الی تعلقه بالجامع الانتزاعي فهي اذن تفيد التوسعة. وهکذا الکلام في جملة (جاء زيد او عمرو) فانه يفيد الترديد لا التضييق.
3 - حروف الاضراب بانواع استعمالاتها فمنها ما هو لابطال المضرب عنه کقوله تعالی (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ)[[11]](#_ftn11) ومنها العاطفة كما في جملة (قام زيد بل عمرو) او (ما قام زيد بل عمرو).
4 - حروف الجواب نحو بلى ونعم. فمن الواضح انها لا تفيد تضييقا.
الی غير ذلك من الموارد الکثيرة التي تظهر بمراجعة کتب النحو.
**المبحث الثالث**
**في مفاد الجمل الخبرية والموضوع له فيها**
المشهور بين متاخري المنطقيين ان مدلول الهيئة في الجمل الخبرية هو وقوع النسبة اولا وقوعها فهو اذن امر موضوعي وليس نفسيا. وفي قبال ذلك مذهب جماعة من القدماء وهو ان المدلول امر نفسي وهو الحکم بوقوع النسبة اولا وقوعها. وذهب بعض المتأخرين الی ان المدلول امر نفسي الا انه قصد الحکاية. ولابد من البحث والتمحيص لتعيين ما هو الحق.
الذي يظهر في بادي الامر أنّ مدلول الجملة هو محکيّها وهو نفس وقوع النسبة او لاوقوعها. الا أن هناك مناقشات حول هذا القول هي السبب في اختيار بعض الاصوليين ان المدلول هو قصد الحکاية.
المناقشة الاولی: ان البحث حيث کان عن مدلول الجملة فلابد اولاً من تحقيق معنی الدلالة. وهي عبارة عن کون الشيئ بحيث يحصل من العلم به العلم بشيء آخر. فيطلق علی الاول الدال وعلی الثاني المدلول. وعليه فلابد من تشخيص المدلول في الجملة الخبرية علی ضوء هذا التعريف.
والعلم المأخوذ في التعريف اما تصور واما تصديق. فاذا قيل: زيد قائم فالعلم الحاصل اما علم تصوري واما علم تصديقي. ولا يمکن الالتزام بالاول لان المفيد للعلم التصوري هو خصوص الجمل التي تستعمل في تعريف الاشياء وهذه الجملة ليست کذلك فلا تفيد تصوراً غير حاصل. فلابد من ان يکون العلم الحاصل هنا علماً تصديقياً وهو عبارة عن الاذعان بنسبة ما.
وتلك النسبة التي يحصل العلم بها من العلم بجملة (زيد قائم) لا يمکن ان تکون هي النسبة الواقعية بين زيد وقائم اذ لا يکفي مجرد سماع هذه الجملة في إفادة العلم بتحقق النسبة خارجاً بل کثيراً ما لا يوجب الظن به بل قد يکون حين سماع الجملة قاطعاً بالخلاف. اذن فلا يمکن ان يکون مدلول الجملة هو وقوع النسبة اولا وقوعها. فلابد من ان يکون المدلول امراً نفسياً وهو عبارة عن قصد الحکاية.
نعم يبقی في المقام ان للجملة محکياً وهو عبارة عن نفس الواقع وليس امراً نفسياً ولکنه خارج عن حدود مدلول اللفظ بل هو ما يقصد حکايته. وقصد الحکاية هو المدلول. وما اشتهر من ان الجملة الخبرية تحتمل الصدق والکذب انما هو بلحاظ المحکي. واما بلحاظ المدلول فلا تحتملهما لما ذکرناه من انه عبارة عن قصد الحکاية.
فتحصل ان القول بان المدلول للجملة الخبرية هو وقوع النسبة اولا وقوعها ناش من الخلط بين مدلول القضية ومحکيها.
والجواب عن هذه المناقشة ان الدلالة لها معنيان:
المعنی الاول: ما ذکر من انها عبارة عن کون الشيء بحيث يحصل من العلم به العلم بشيئ آخر.
المعنی الثاني: کون الشيء بحيث يکون إخطاره مستلزماً لاخطار امر آخر أو يکون بنفسه إخطاراً لامر آخر بوجه، علی الاختلاف السابق في حقيقة العلقة الوضعية.
وهذا المعنی کما يتحقق في المفردات يتحقق في الجمل ايضاً. فکما ان اخطار کلمة (زيد) مستلزم لاخطار معناه او هو اخطار له بوجه کذلك اخطار جملة (زيد قائم) مستلزم لاخطار معناها وهو وقوع هذه النسبة او هو اخطاره بوجه. وهذه الدلالة يعبر عنها بالدلالة الانسية. وليست من باب حصول العلم بشيء بسبب العلم بآخر حتى يناقش فيه بما مر وليس هنا تصديق بالنسبة بل إن مجرد اخطار الجملة في الذهن يستوجب مجرد اخطار وقوع النسبة او هو هو بوجه فلا اشکال في تحقق هذا الاخطار باخطار الجملة ولا اشکال ايضاً في انه مدلول الجملة الا ان الکلام في ان المدلول بالدلالة الوضعية هل هو هذا المدلول او هو عبارة عن قصد الحکاية اي الامر النفسي؟
لا ريب في ان هذا المدلول لا يتوقف علی قصد الحکاية بل هو يحصل حتی من السماع عن غير ذي شعور ولکنه قد يصاحب قصد الحکاية کما يصاحب اموراً نفسية اخری کالحکم بوقوع النسبة اولا وقوعها.
وهنا لابد ان نتذکر ان الوضع کما ذکرناه عبارة عن العمل التمهيدي الذي يصدر من الواضع لايجاد العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنی وذلك بعد مرورهما بمرحلتي التلازم او الهوهوية. ولا تختلف في ذلك الالفاظ المفردة والمرکبة کالجمل فهيئة الجملة ايضاً کالمفرد لابد من مرورها بالمرحلتين حتی تتحقق العلقة الوضعية بينها وبين المعنی.
هذا بالنسبة الی المدلول الذي ذکرناه واما بالنسبة الی قصد الحکاية فيتوقف حصول الدلالة علی امور اخر من احراز عدم کون المتکلم خاطئاً او ساهياً او هازلاً او غافلاً واحراز کونه في مقام التفهيم ونحو ذلك من المقدمات التي لابد من احرازها اما بالوجدان او باصل عقلائي حتی يحکم بانه قصد الحکاية.
فهذا الاستکشاف يتم عقلاً بمعونة المقدمات المذکورة وتبعاً للوضع المتحقق ابتداءاً بين اللفظ والمعنی وذلك باعتبار ان التلفظ کسائر ما يصدر من الفاعل المختار لابد له من علة غائية ودافع نفسي وحيث ان جميع الدوافع المحتملة قد انتفت بالوجدان او بالاصل بقي منحصراً في قصد الحکاية عن الواقع.
فتبين ان الوضع ليس علة تامة للدلالة الانسية ولا لقصد الحکاية اذ تتوقف الدلالة الانسية علی المرور بالمرحلتين المذکورتين ويتوقف احراز قصد الحکاية علی المقدمات المذکورة مضافاً الی المرحلتين السابقتين. الا ان النسبة الی الشيء تکفي فيها ادنی ملابسة وارتباط ولا شك في ان الامرين يرتبطان بالوضع کما ذکرنا ولکن اقربية الدلالة الانسية هي التي استوجبت لدی الباحثين ان يسمونها الدلالة الوضعية بل قد تبين مما ذکرناه سابقاً ان العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنی تتمثل في هذه الدلالة.
واما الدلالة علی قصد الحکاية فمن الاجدر بها ان تسمی دلالة عقلية لاستکشافها عن طريق العقل. والوضع وان کان دخيلاً فيها الا انه من المقدمات البعيدة. وانما تتحقق هذه الدلالة بملاحظة کون التكلم بما انه فعل من الافعال الارادية يتوقف علی تصور الشيئ والتصديق بفائدته والعزم اليه الی غير ذلك مما يتوقف عليه العمل الارادي ومنها الغاية. والجدير بالذکران الغاية لا تنحصر في قصد الحکاية فقد يستکشف بملاحظة المناسبات والقرائن ان قصد المتکلم هو تشويق المخاطب وترغيبه او انذاره وتخويفه او اغراؤه او تسليته او نحو ذلك من الدوافع للکلام.
وان ابيت الا عن تسمية قصد الحکاية بخصوصه مدلولاً وضعياً للالفاظ من بين الغايات المحتملة فهو مجرد اصطلاح لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يؤثر في الدراسات العلمية.
المناقشة الثانية: انه قد ثبت ان حقيقة الوضع هي التعهد والالتزام. ومن الواضح ان الالتزام لا يمکن ان يتعلق بامر غير اختياري. ووقوع النسبة اولا وقوعها في الخارج خارج عن اختيار المتکلم فلا يمکن ان يکون مضمون التعهد: (التزم بالتلفظ بکذا ان وقعت النسبة مثلاً).
والجواب عنها اولاً: ان حقيقة الوضع کما تمخضت عنه المباحث السابقة ليست هي التعهد والالتزام.
وثانياً: ان متعلق الالتزام فيما نحن فيه – علی تسليم کون الوضع هو التعهد – امر اختياري وهو التلفظ والامر غير الاختياري في مضمون التعهد المذکور هو ما علق عليه الالتزام ولا مانع من کونه امراً غير اختياري کما اذا نذر احد اوتعهد او حلف ان يفعل کذا اذا امطرت السماء مثلاً ونظير ذلك کثير في العهود والنذور وما شابهها.
وثالثاً: ان هذا الدليل لا يعيّن کون المدلول قصد الحکاية بل يمکن ان يعدّ مدلول الجملة الخبرية الحکم بالوقوع واللاوقوع فهو ايضاً امر اختياري فيکون مضمون التعهد (اتلفظ بهذا اللفظ اذا اردت الحکم بالوقوع او اللاوقوع).
المناقشة الثالثة : ان هناك کثيراً من الجمل الخبرية الاسمية فاقدة للنسبة اساساً فلا معنی حينئذ لدعوی کون مدلولها وقوع النسبة اولا وقوعها. فما اشتهر من ان القضية تحتوي علی موضوع ومحمول ونسبة وقوعاً اولا وقوعاً او حکماً باحدهما من الاخطاء المشهورة. ومن هنا يتبين الخطأ فی ما اشتهر ايضاً من ان العلم ان کان اذعاناً للنسبة فتصديق والا فتصور. وما اشتهر ايضاً من تثليث القضايا الحملية وترکبها من موضوع ومحمول ونسبة ولننقل نص العبارة:
قال السيد الخوئي ايده الله في هامش اجود التقريرات (واما هيئة الجملة الاسمية فهي غير موضوعة للنسبة الخارجية کما هو المعروف لعدم وجود النسبة في کثير من الجمل الاسمية کما في قولنا (الانسان ممکن) او (موجود) و(شريک الباري ممتنع) ونحو ذلك. ودعوی اعمال العناية في جميع ذلك خلاف الوجدان (الی ان قال) فالصحيح ان مدلول الهيئة في الجمل الاسمية انما هو ابراز قصد الحکاية عن ثبوت المحمول للموضوع او نفيه عنه فهو مصداق للمبرز خارجاً بالجعل والمواضعة ...)([[12]](#_ftn12)).
واساس انکار النسبة في الامثلة المتقدمة علی ضوء ما تقدم منه في حقيقة المعنی الحرفي حيث ردّ القول بوضع الحروف للنسب مفسراً اياها بالوجود الرابط ومنکراً له هو ان النسبة والوجود الرابط تعبيران عن شيء واحد وانه مختص بربط الاعراض بالجواهر وتقوّمها بها. وعليه فلا نسبة بين الامکان والانسان اذ ليس الامکان من الاعراض بل هو من الامور الانتزاعية. قال السبزواري في منظومته (وجودها في العقل بالتعمل) والضمير في قوله (وجودها) يعود الى الامکان والوجوب والامتناع. وعليه فلا يمکن ان تقع طرفاً للنسبة. وکذلك في حمل الوجود علی زيد اذ ليس الوجود من الاعراض. وهکذا الامتناع في جملة (شريك الباري ممتنع) اذ هو من الامور الانتزاعية کما ذکرنا.
ويمکن ان يکون اساس انکار النسبة هو ان تحقق النسبة خارجاً متوقف علی وجود المنتسبين في الخارج بحيث يکون کل منهما منحازاً ومتميزاً عن الآخر فتکون النسبة وسيلة الربط بينهما. والامکان والامتناع ليستا من الامور الخارجية. والوجود وان کان امراً خارجياً الا انه غير منحاز عن الموجود. وما يقال من ان الوجود عارض المهية فهو کذلك في عالم الذهن والتصور والتحليل العقلي والافهما متحدان في الهوية وعالم الخارج.
وقد ذهب بعض آخر الی انکار النسبة ايضاً ولکن في خصوص القضايا الحملية غير المأولة اي التي لا تحتوي علی الحروف واما القضايا المأولة التي تحتوي علی الحروف فهي تتضمن النسبة باعتبار ان الحروف تحکي عن النسب الا انها ليست من الحمليات ولننقل نص العبارة.
(ان القوم قد قسموا الحملية باعتبار الاتحاد في المفهوم والماهية أو الاتحاد في الوجود فقط إلى الحمل الأولي الذاتي والشايع الصناعي وقسموا الثاني أيضا باعتبار كون الموضوع مصداقا حقيقيا لما هو المحمول نحو قولنا البياض أبيض، أو مصداقا عرضيا له كحمله على الجسم إلى الحمل الشايع بالذات والحمل الشايع بالعرض فلا بدّ لنا من النظر إلى الخارج المحكي أولا ثم إلى الهيئات التي جعلت آلة للحكاية عنه فنقول: الحق خلو صحيفة الوجود عن النسبة والربط والإضافة في جميع هذه الموارد لبداهة امتناع دعوى النسبة في محكي الأوليات والبسائط بحسب نفس الامر فان الحد عين المحدود وتفصيل نفس حقيقته فلا يمكن فرض إضافة واقعية بينهما في وعاء تقرر الماهية وكذا الحال في الهليات البسيطة فإنه لا يعقل تحقق الإضافة بين موضوعها ومحمولها والا لزم زيادة الوجود على الماهية في الخارج وغيرها من المحاذير كما أنه لا يعقل في حمل الشئ على نفسه أو حمله على مصداقه الذاتي وكذلك ما يكون كمصداقه الذاتي مثل قولنا: الوجود موجود، أو الله تعالى موجود، فتبين ان محكيات تلك القضايا الكثيرة خالية عن الإضافة والنسبة. هذا حال الخارج واما القضايا اللفظية والمعقولة فلا شك في كونها مطابقة للخارج فلا تحكي الا عما اشتملت عليه صحيفة الوجود بلا زيادة ولا نقصان لأنه لا معنى لاشتمالها على الإضافة والنسبة بلا حكاية عن الخارج ومع الحكاية عن الخارج تصير كاذبة غير مطابقة للواقع ونفس الامر.
فتلخص من جميع ذلك أنه لا وجود للنسبة فيها لا في الخارج ولا في القضية المعقولة ولا في القضية اللفظية ولا المفهومة منها واما الشايعات من الحملية التي لا يحمل فيها المحمول على مصداقه الذاتي مثل زيد أبيض فالمختار فيها انها أيضا لا تدل الا على الهوهوية لأنا ان قلنا بكون الذات مأخوذا في المشتق فحالها حال الحمل الشايع بالذات لعدم تعقل النسبة بين الذات وبين الموضوع خارجا، وان قلنا ببساطة المشتق وان الفرق بينه وبين مبدئه هو اللابشرطية والبشرط لائية فبما ان اللابشرط لا يأبى عن الحمل وعن الاتحاد مع الغير يكون الموضوع في هذه الموارد متحدا مع المحمول وتتحقق الهوهوية التي هي المقصود، والقضية حاكية عنها وكونها عرضية الحمل انما هو بالبرهان الدقيق كموجودية الماهية بالعرض.
فاذن لم يبق من الحمليات الموجبة ما يتوهم اشتمالها على النسبة سوى الحمليات المؤولة مما يتخلل فيها الأداة نحو قولنا: زيد في الدار وزيد على السطح، وهي ليست حمليات حقيقية ولذلك تتأول بكائن أو حاصل، و دلالتها لفظا على النسبة الخارجية مما لا اشكال فيه كما أن الإضافات لها نحو تحقق في الخارج إذ هي بشهادة التبادر تحكي عن النسبة بين الأشياء بعضها مع بعض ولفظة (في) وما أشبهها تدل على نحو إضافة وحصول بينهما هذا حال الموجبات في الحمليات).[[13]](#_ftn13)
ولابد من دراسة وجهتي النظر کلاً علی حدة.
اما وجهة النظر الاولی فان کانت مستندة الی الوجه الاول وهو تفسير النسبة بالوجود الرابط وتخصيصه بربط الاعراض بالجواهر فالجواب عنه قد مر في بيان حقيقة المعنی الحرفي وقلنا ان النسبة غير الوجود الرابط وانهما موجودان بالعرض لا بالتبع فراجع.
وان کانت مستندة الی الوجه الثاني وهو تقوم النسبة بالمنتسبين خارجاً ولزوم وجود هما متميزين في الخارج فهو يبتني علی وجود النسبة بالتبع وقد بينا فيما مرّ انها موجوده بالعرض والمجاز.
وسيأتي ــ کما مر ايضاً ــ ان ما يتصوره الذهن ويکثّره في مرحلة الادراك لا ضرورة في کونه مطابقاً للخارج وتوهم ان الذهن مرآة أمينة ينعکس فيها الواقع بجميع حذافيره فهو مبالغة واضحة في الاعتماد عليه وقدمرّ توضيح الکثرات الادراکية التي يبدعها الذهن.
واما وجهة النظر الثانية فالظاهر انها هي عين القول بوجود النسبة فانّ القائل بوجودها لا يقصد الا النسبة الهوهويه وليس المراد بها معنیً مستقل يربط بين الموضوع والمحمول. قال المحقق الاصفهاني في نهاية الدراية (ان مفاد الوجود الرابط ثبوت شيء لشيء ومفاد النسبة الايجابية الحكمية كون هذا ذاك..).[[14]](#_ftn14)
وتفصيل الجواب عن ذلك يظهر بالتحقيق عن حقيقة الحمل والبحث عنه مفصلاً له محل آخر ومجمل القول فيه:
ان الحمل عبارة عن عمل نفسي يتحقق بعد تصور شئيين والحکم باتحادهما وتحقق الهوهوية بينهما. ويتوقف ذلك علی تحقق جهتين في طرفي الحکم: وحدة بينهما من جهة وکثرة وتعدد من جهة اخری، فلولا الوحدة لم يصح الحمل الذي هو عبارة عن الحکم بالوحدة والهوهوية. ولولا الکثرة لم يصح الحمل ايضاً اذ لا معنی لحمل الشيء علی نفسه وقد ذکرنا ان الحمل حکم باتحاد شيئين فالتکثر مفروض في مفهوم الحمل. ولا تنافي بين الکثرة والوحدة المفروضتين لاختلاف اللحاظ فيهما.
اما في موارد الحمل الاولي الذاتي اي الحکم باتحاد الموضوع والمحمول مفهوماً فالکثرة بلحاظ الاجمال والتفصيل. والذهن بماله من قوة الابداع والاختراع، والتجزئة والتحليل يفصل الموضوع کالانسان مثلاً ويحلله الی جزء مقوم مشترك بينه وبين سائر ما يشارکه من الحقائق المختلفة وهو الحيوان والی جزء مختص به يقوّم حقيقته وهو الناطق ويحملهما عليه فمفهوم (الانسان) متحد مع مفهوم (الحيوان الناطق) الا انه يغايره باللحاظ الاجمالي والتفصيلي. والکثرة هنا ادراکية. ولکنها تعتمد علی واقع خارجي حسب وجهة النظر الفلسفية القديمة وتنبع منه فلابد من افتراض كون الانسان واجدا بحقيقته علی الجزءين المقومين واما الوحدة بين المفهومين فواقعية.
واما في موارد الحمل الشايع اي الحکم باتحاد الموضوع والمحمول وجوداً فان کان في الهليات البسيطة کما في جملة (زيد موجود) فالتجزئة والتکثير من الذهن ايضاً وهي تعتمد علی الخارج ايضاً الا انها تختلف في کيفية الاعتماد وحدوده.
وقد بيّن في الفلسفة ان الوجود عارض المهية في التصور الذهني. فالواقع الخارجي يحلله الذهن الی ماهية شخصية يعبّر عنها بزيد وعارض عليه وهو الوجود وذلك بتجريد الواقع الخارجي عن الوجود حتى في الذهن. ولکنهما في الواقع شيء واحد والاختلاف وان وقع في الفلسفة بين اصالة الوجود واصالة الماهية الا انه لا شك في انهما معاً ليسا متأصلين والحقيقة الخارجية امر وحداني واحد الامرين من الوجود والماهية ينتزع منها والآخر متأصل حسب اختلاف النظريتين المعروفتين.
اذن فالکثرة في مثل هذا الحمل ادراکية الا أنها تنبع من الخارج ايضاً والماهية وان کانت اعتبارية بناءاً علی اصالة الوجود الا ان منشأها في الخارج فهي ليست کأنياب الاغوال.
واما في موارد حمل المشتقات نحو (زيد قائم) فالکثرة والوحدة فيها تختلفان باختلاف المسالك في حقيقة المشتق. ولعلّ اقواها القول بانه امر انتزاعي منشأه الذات التي ثبت لها المبدأ. وکل امر انتزاعي لابد له من منشأ للانتزاع ومصحح له وهو متحد مع منشأ انتزاعه في الوجود الخارجي وانما تنشأ الکثرة بابداع الذهن وتجزئته للذات المتصفة بالقيام مثلاً الی ذات وقائم. واما مصحح الانتزاع فهو امر خارج عن وجود زيد بناءاً علی ما هو المعروف من کون الاعراض موجودة بوجود آخر متقوم بالجواهر ولذا لا يحمل مصحح الانتزاع علی الذات فلا يقال زيد قيام.
اذن فالکثرة هنا ادراکية ومنشأها خارجي ايضاً الا ان فيها نوع من الابداع الذهني وليس بالاجمال والتفصيل ولولا هذه الکثرة لم يصح الحمل ولذا قيل ان المتحصل لا يحمل علی المتحصل فلابد في الحمل اما ان لا يکون الموضوع متحصلاً واما ان لا يکون المحمول متحصلاً اذ لا معنی للحکم باتحاد امرين واقعيين متحصلين في الخارج.
واما في موارد الحمل التي ليس للموضوع والمحمول فيها واقعية في الخارج اصلاً کجملة (اجتماع النقيضين ممتنع) فمنشأ انتزاع الممتنع المحمول في القضية هو واقع اجتماع النقيضين في نفس الامر. والمراد من نفس الامر ذات المفهوم بلا لحاظ امر آخر معه كما قال السبزواري (بحد ذات الشيئ نفس الامر حدّ) ووعاء نفس الامر هو وعاء الملازمات الواقعية بين المفاهيم التي لا تتقيد بالوجود الخارجي ولا الذهني کتلازم الاربعة للزوجية فان الزوجية معنى ينتزع من نفس ذات الاربعة بلالحاظ وجودها الخارجي او الذهني.
وکذلك سائر الملازمات الرياضية فاذا قلت( 5 × 5 = 25) فوعاء هذه الملازمة هو ذات الملزوم (5 × 5) وذلك لان ( 25 ) وهو اللازم صورة اخرى للملزوم (5 × 5). وهکذا التعاندبين الوجود والعدم والسلب والايجاب.
اذن فالتکثر هنا ادراکي ايضاً وليس وهميّا ولکنه لا يعتمد علی الوجود الخارجي بل علی وعاء نفس الامر وواقع الشيء الذي هو منشأ الانتزاع، فللتکثير مصحح في نفس الامر وان لم يکن خارجياً.
ومن هنا تبين انه لا يتوقف صدق القضية وکذبها علی مطابقة ما يدرکه الذهن بتمام شؤونه وتجلياته مع ما في الخارج فالذهن له قابلية الابداع والتکثير في المجالي والتصورات الا ان مناط الصدق ان يعتمد التکثير علی امر واقعي في الخارج او في نفس الامر. فقولنا (الله عالم) و(الله له العلم) و(الله هو العالم) ونحوهما من القضايا المعبّرة عن واجديته تعالی لصفة العلم تکثرات ذهنية لواقعية واحدة.
فتحصل ان القول بان الجملة الخبرية مرآة لوقوع النسبة اولا وقوعها صحيح في نفسه الا انه قد يکون مع قصد الحکاية وقد لا يکون معه کما في القصص الخيالية التي يقصد بها التأثير النفسي في ابناء المجتمع فالمرآتية محفوظة فيها ايضاً الا انها فاقدة لقصد الحکاية والحکم بالوقوع.
**المبحث الرابع**
**في مفاد الجمل الانشائية**
مورد الکلام هو مفاد الجمل الانشائية سواء ما کان منها مفيداً للانشاء بمقتضی الهيئة الخاصة وما کان منها مفيداً له بمقتضی الادوات التي تحوّل المضمون الخبري الی مضمون انشائي کادوات التمني والترجي والاستفهام ونحوها.
المشهور في بيان الفرق بين الجمل الخبرية والانشائية ان مفاد الخبر هو وقوع النسبة اولا وقوعها ــ کما مر ــ وانّ دور اللفظ هو تمثيل هذا المعنى. واما الانشاء فهو ايجاد للمعنی سواء کان بالفاظ التحويل کادوات التمني والترجي او بالفاظ العقود والايقاعات او بالفاظ انشاء الاحکام التکليفية او الوضعية. فنسبة اللفظ الی المعنی نسبة ايجادية.
قال المحقق الخراساني (وأمّا الصيغ الإنشائيّة فهي ــ على ما حقّقناه في بعض فوائدنا ــ موجِدةٌ لمعانيها في نفس الأمر أي قُصِدَ ثبوت معانيها وتحقّقها بها وهذا نحوٌ من الوجود، وربما يكون هذا منشأ لانتزاع اعتبار مترتّبة عليه شرعاً وعرفاً آثارٌ، كما هو الحال في صيغ العقود والإيقاعات).[[15]](#_ftn15)
ويقصد بقوله في بعض فوائدنا ما ذكره مفصلا في كتابه فوائد الاصول قال فيه (فاعلم انّ الإنشاء هو القول الّذي يقصد به إيجاد المعنى في نفس الأمر لا الحكاية عن ثبوته وتحقّقه في موطنه من ذهن أو خارج، ولهذا لا يتّصف بصدق ولا كذب بخلاف الخبر فانّه تقرير للثّابت في موطنه وحكاية عن ثبوته في ظرفه ومحلّه فيتّصف بأحدهما لا محالة. و المراد من وجوده في نفس الأمرية هو ما لا يكون بمجرّد فرض الفارض لا ما يكون بحذائه شي‏ء في الخارج)[[16]](#_ftn16) الى اخر ما ذكره مما يدل بوضوح على انه سنخ من الوجود الاعتباري الذي يترتب عليه بعض الآثار عرفاً او شرعاً احياناً اذن فالمعنی في الانشائيات نوع من الامور الاعتبارية يحققه اللفظ.
ولکن هذه الوجهة لم تعجب بعض المتأخرين فناقشوا في نظرية کون الانشائيات اموراً ايجادية مع الغفلة عن تصريح بعضهم بانه نوع من الوجود الاعتباري.
وحاصل المناقشة ان المراد بالوجود لو کان هو الوجود الخارجي فهو واضح البطلان اذ لايمکن ان يکون اللفظ من مبادي تحقق الماهيات في وعاء الخارج او نفس الامر وان کان هو الوجود الاعتباري فمن المعلوم ان الاعتباريات امور تحققها النفس بلا توسيط آلة فانها من ابداعياتها. ودور اللفظ هنا ليس الا دور المبرِز للمعنی المنشأ في النفس. واما تحقق تلک المعاني فهو في مرحلة سابقة علی الابراز.
ومما ذکرنا يظهر ان المراد هو الاحتمال الثاني فلابد من ملاحظة هذه المناقشة التي من اجلها أعرضوا عن نظرية کون الانشائيات اموراً ايجادية.
وهنا اتجاهان في قبال هذه النظرية المشهورة:
الاتجاه الاول: ان الجمل الانشائية لا تتضمن الا ابراز اللفظ للامور النفسية سواء کانت صفة نفسية او عملاً نفسياً عدا قصد الحکاية. وقد اختار هذا الاتجاه العلامة الحائري([[17]](#_ftn17)) والمحقق الايرواني مع اختلاف ما في التقرير الآتي. وقد مر عن بعضهم القول بان قصد الحکاية هو المبرز في الاخبار وهو يقول بان الانشائيات ابراز لصفة او عمل نفسي ايضاً الا انه غير قصد الحکاية. وهذا هو الفارق بين الخبر والانشاء. فالتمني المنشأ صفة نفسية تحصل بالاعتقاد بالنفع في شيء مع عدم احتمال تحققه والترجي مثله الا انه مع احتمال تحققه وکلمتا (ليت) و(لعل) مبرزتان لهذه الحالة النفسية. وکذلك ادوات الاستفهام لحب الاستطلاع وطلب الفهم الکامن في النفس.
الاتجاه الثاني: ما اختاره المحقق الاصفهاني وهو ان الانشاء والخبر مشترکان في کونهما في مقام ايجاد المعنی بالوجود اللفظي کما مرتوضيحه فالاستعمال اللفظي ايجاد للمعنی بالوجود اللفظي الذي هو وجود للمعنی بوجه وبالعرض والمجاز. انما الفرق بين الخبر والانشاء ان الاول مقترن بقصد الحکاية دون الثاني. والتقابل بينهما قد يکون تقابل العدم والملکة کما في جملة (بعت) القابلة للانشاء والاخبار وقد يکون تقابل السلب والايجاب کادوات التمني والترجي المتمحضة للاستعمالات الانشائية.
ولکي نتمکن من دراسة هذه الاتجاهات الثلاث دراسة دقيقة لابد لنا من تقديم مقدمة حول بيان الرابطة بين الانشائيات والاعتباريات نظراً الی ما اختاره المشهور من کون الانشاء ايجاداً لامر اعتباري:
في النسبة بين الانشائيات والاعتباريات ثلاث احتمالات: العموم والخصوص المطلق، العموم والخصوص من وجه، التساوي.
ولتوضيح ذلك لا بد من ان نتذکر ما ذکرناه في المدخل العام للاصول من ان الاعتباريات امور فرضية تخترع للتأثير في المشاعر والا حاسيس البشرية اما علی وجه فردي او اجتماعي واهم انواعها قسمان:
1_ الاعتبارات المتأصلة القانونية التي لا تتضمن عناية وتجوزاً بحسب النظر العرفي. فيجدها العرف ذات تقرر خارجي بل قد يعدّها من الاعراض کالملکية والزوجية والحلية والحرمة والنجاسة والطهارة والميتة والمذکی والولاية والزعامة ونحو ذلك من الاعتبارات القانونية وکثيراً ما تشتبه بالاعراض الخارجية لدی الخواص فضلا عن العوام.
2_ الاعتبارات الادبية . وهي التي تتضمن عناية وتجوزاً وذلك باعطاء حد شيء لشيء آخر بداعي التأثير في الاحساس استمداداً مما للشيء الاول من تأثير نفسي. کاعتبار الوجه الحسن شمساً او قمرا والرجل الشجاع اسداً فالعناية واعطاء حد شيء لشيء اخر واضح في مثل هذا الاعتبار. بخلاف القسم الاول الذي يشبه الوجود الخارجي.
واما الانشائيات فيمکن ان يقال ان النسبة بينها وبين الامور الاعتبارية هي العموم من وجه. فمورد افتراق الانشائيات موارد ابراز الصفات الواقعية النفسية کالتمني والترجي وطلب الفهم ونحو ذلك فهذه الامور صفات واقعية لا تقبل الاعتبار.
ومورد افتراق الاعتباريات موارد الاعتبارات الادبية. فقولنا رأيت اسداً يرمي يتضمن اعتباراً مع العناية الا انه اخبار لا انشاء وهکذا سائر المجازات والکنايات نعم قد يراد بالجملة الخبرية مفاداً انشائياً بلحاظ المراد الجدي لا الاستعمالي نحو: (يعيد صلاته) و(لا يعيد صلاته) حيث يراد بهما الامر والنهي بحسب المراد الجدي ولکنهما کسائر المجازات مستعملان في نفس المعنی الحقيقي وهو هنا الاخبار.
واما مورد الاجتماع فکثير نحو:( بعت دارى بکذا) حيث يتضمن انشاءاً لامر اعتباري وهو الملکية.
هکذا يمکن ان نقرر النسبة بين الانشائيات والاعتباريات فان امکن انکار موردي الافتراق انقلبت النسبة تساوياً لتمحضها في مورد الاجتماع الذي هو مناط التساوي وان امکن انکار احدهما فقط کانت النسبة عموماً مطلقا. فلابد من ملاحظتهما:
أما مورد افتراق الانشائيات فالظاهران مفاد ليت ولعل ونحوهما هو ايجاد التمني والترجي ونحوهما بالوجود الاعتباري لا ابراز الصفة النفسية فهذه الامور مما له فردان حقيقي واعتباري فالفرد الحقيقي لکل منها هو الصفة القائمة بالنفس والفرد الاعتباري هو ما يتحق بالانشاء.
وذلك نظير الميتة حيث ان لها فرداً تکوينياً وهو ما مات حتف انفه وفرداً اعتبارياً وهو ما فقد في ذبحه احد شرائط التذکية کل حسب مذهبه. وکذلك القذر والنظيف لهما فردان تکوينيان وهو ما يستقذره العرف والطبع البشري وما لا يستقذره وفردان اعتباريان وهو النجس والطاهر کل حسب مذهبه.
وهکذا کثير من الامور الاعتبارية فانشاء التمني والترجي ايجاد لفرد اعتباري منهما وهو قد يقترن بالصفة النفسية واقعاً وقد لا يقترن بل يکون ايجاده بدواع اخر. کما ينشأ طلب الفهم بادوات الاستفهام بداعي الانکار والتوبيخ والتقرير والتهکم ونحوها مما هو مذکور في کتب النحو.
ولا فرق في ذلك بين الانشاء بالادوات نحو (ليت) و(لعل) او بالمفاهيم الاسمية نحو (ارجو) و(اتمنی). بل من الواضح أن ابراز التمني والترجي وطلب الفهم بنحو الاخبار عما في النفس يخرج عن حدود الانشائيات ويدخل في الجمل الخبرية فالصفات النفسية کسائر الاشياء قابلة للاخبار عنها ولا يحتوي ذلك علی خاصية الانشاء.
هذا وينبغي التنبيه علی ما ذکره المحقق الاصفهاني من ان کلمة (لعل) لا تدل علی الرجاء بمعنی الصفة النفسية وذلك لخصوصية في هذه الکلمة حيث يظهر من موارد استعمالها انها تفيد الشك مع کون الشيء في معرض الوقوع. وهکذا ورد في صحاح اللغة ايضاً حيث قال (لعل كلمة شك).
واما مورد افتراق الاعتباريات فهو کالاعتبارات الادبية فان الاعتبار فيها لا يلازم الانشاء فقد يکون انشاءاً وقد يکون اخباراً.
فالاول نحو قولهم للزوجة (اعتدّي) کناية عن انشاء الطلاق. وکذا سائر الکنايات والمجازات المستعملة في العقود والايقاعات وليس من ذلك جملتا (يعيد صلاته) و(لا يعيد صلاته) فانهما وان کانتا حاکيتين عن امر اعتباري وهو صحة الصلاة وبطلانها الا ان انشائيتهما ليست بلحاظ المراد الاستعمالي فهما خبران يراد بهما في مرحلة الجّد امراً انشائياً.
والثاني اي ما يکون فيه الاعتبار الادبي اخبارا فهو کثير نحو جاء الاسد کناية عن الرجل الشجاع.
ومن موارد افتراق الاعتباريات عن الانشائيات الحلف فانه امر اعتباري حقيقته جعل الارتباط بين شخصية المقسم به او شأن من شؤونه ومفاد الجملة الخبرية. وهو اعتبار متأصل والاعتبارية فيه مخفية ومتحققه بنحو اللف والاندماج وهو انشاء ايضاً الا انه لا يحوّل الجملة الخبرية انشائية فلا يصح ان يقال ان جملة (والله ان زيداً قائم) جملة انشائية كما هو واضح.
وقد يکون الامر الاعتباري مُنشأً بغير اللفظ کالمعاطاة وسائر الافعال المحققة للمفاهيم الاعتبارية في المعاملات.
فتحصل ان الانشاء يلازم الاعتبار ولا عکس فکلما صدق على جملة انها انشائية وجدنا هناك امراً اعتبارياً متأصلاً يتحقق بذلك الانشاء ولکنه ايجاد لمصداق من الماهية الاعتبارية واما نفس تحقق الاعتبار القانوني وتأصله فهو من الظواهر الاجتماعية التي يخلقها المجتمع بمرور الايام وتطور الاعتبار الادبي کما اوضحناه في المدخل.
فهذه الحيثية في الامور الاعتبارية غير قابلة للجعل والانشاء الفردي فاذا أنشأ الشارع الوجوب او الحرمة او النجاسة او أنشأ العاقد الملکية او الزوجية او نحو ذلك فهو ايجاد لمصداق من المفهوم الاعتباري المتأصل في المجتمع باللفظ المخصوص او بالفعل المخصوص کالمعاطاة. اذن فقولنا (هي طالق) نسبته الی مفهوم البينونة وانفصام الزوجية نسبة ايجادية. هذا هو المشهور.
واما المسلک الثاني فهو القول بان نسبة هذه الالفاظ الی تلك المفاهيم نسبة المبرِز الی المبرَز بلا فرق بين کون المبرَز النفسي امراً اعتبارياً کالعقود والايقاعات او صفة نفسية کالتمني والترجي ونحوهما. وذلك بناءاً علی انکار تحقق الامر الاعتباري في هذه الموارد. اذن فالفرق بين الخبر والانشاء کون المبرَز في الاول قصد الحکاية دون الثاني.
ويرد علی هذا المسلك عدة مناقشات:
المناقشة الاولی: ان الجمل الخبرية لا تدل علی قصد الحکاية دائماً کما مر.
المناقشة الثانية: ان الالتزام بان کل إبراز لصفة نفسية انشاءٌ بعيد جداً فهل يصح ان يقال لمن اظهر شجاعته او جبنه او عدالته او خوفه او خجله بلفظ او غير لفظ انه انشأ هذا المعنی؟!
هذا والذي الجأ القائل الی تحمّل هذا التکلف هو انکاره للوجود الاعتباري في التمني والترجي ونحوهما وقد بينا ذلك بوضوح فلا موجب لهذا التکلف.
المناقشة الثالثة: ان من البعيد جداً ان يلتزم بان العقود والايقاعات بمضمونها العرفي تتحقق بمجرد إبراز ما في النفس مع قطع النظر عن التقيد الشرعي بالصيغة الخاصة. فلو قال احد (في نفسي اعتبار البينونة بين وبين زوجتي) فهل يعتبر هذا طلاقاً عرفاً؟! مع ان هذا اللفظ أصرح في ابراز ما في النفس.
المناقشة الرابعة: انه لا اشکال ولاخلاف في دخالة هذه الالفاظ الخاصة في تحقق حقيقة العقود والايقاعات فلا اثر للاعتبار النفسي من دون هذه الالفاظ التي اعتبرت ــ حسب الفرض ــ مبرزة فقط. وحينئذ فان صح هذا الافتراض لزم ان تکون حقيقة المعاملة هو الامر النفسي ودور اللفظ هو دور الکشف والابراز. وحقيقة المعاملة متحققة في مرحلة سابقة علی التلفظ. وهذا امر لا يمکن الالتزام به.
فان قلنا بان دور اللفظ دور الشرط المتأخر بمعنی ان الاعتبار النفسي هو حقيقة المعاملة بشرط تعقبه باللفظ الخاص فهذا ايضاً مخالف للوجدان اذ لا نجد في انفسنا عند التلفظ اننا نوجد شرطاً متأخراً لتحقق المعاملة.
وان قلنا بان البيع هو مجموع المبرَز والمبرِز فهو ايضاً مخالف لما نجده اذ لا نجد في التلفظ بالبيع انه تکميل للمفهوم المرکب المحقق لماهية البيع بل نجده محققاً له بالاستقلال.
اضف الی ذلك ان لازم هذا الافتراض الالتزام بالتجوز في لفظ بعت اذا اريد به الانشاء وذلك بتجريده عن معناه الواقعي.
توضيحه ان کلمة (بعت) اذا استعملت في الاخبار کانت حاکية عن المبرِز والمبرَز معاً حسب الافتراض الثاني لأن المفروض ان البيع هو مجموع المبرِز والمبرَز واللفظ هنا مستعمل في معناه الحقيقي فاذا استعملت الكلمة في الانشاء کان لابد من تجريدها عن الحکاية عنهما معاً واختصاصها بالحکاية عن المبرَز فقط اذ لا يمکن ان يحکي عن نفسه وهو المبرِز فلا بد من الالتزام بعدم استعماله في المعنی الحقيقي الذي هو عبارة عن المجموع . وهذا خلاف الوجدان ايضاً.
واما المسلك الثالث الذي اختاره المحقق الاصفهاني فتوضيحه ان الجمل سواء کانت انشائية او خبرية لا تحتوي الا علی الوجود اللفظي للنسبة التامة وهو نوع من الوجود العرضي حيث ان للشيء وجود طبعي وهو الواقع الخارجي ووجود ذهني ووجود عرضي وهو کتبي ولفظي. والنسبة التامة التي توجد بالوجود اللفظي ان کانت مقرونة بقصد الحکاية فالجملة خبرية والا فانشائية.
اذن فاللفظ ليس موجداً للمعنى بل هو وجود له بالعرض. والجمل التامة الموجدة للنسبة الانشائية قد تکون قابلة للحکاية وغيرها نحو (بعت) فهي مع قصد الحکاية خبر وبدونه انشاء وتقابلهما تقابل العدم والملکة لقابلية المحل. وقد تکون متمحضة في الانشاء نحو ليت ولعل.
واساس هذه النظرية ما قدمناه من ان اللفظ لا يمکن ان يکون آلة لايجاد المعنی. اما خارجاً فلانه ليس من مبادئ تحقق الماهيات واما اعتباراً فلان الاعتبارات من إبداعات النفس التي لا تقبل التوسيط. واما ذهنا فالوجود الذهني مقدم خارجاً علی التلفظ بل من مبادئه ان کان عن قصد.
ولتحقق الوجود الذهني اسباب خاصة من خطور مثل الشيئ او ضده او مقارنه.
فتحصل أن التلفظ بجملة (هي طالق) مثلاً بقصد الطلاق لا يعد معتبراً لشيء اصلاً وکذلك في سائر الجمل الانشائية. نعم في خصوص الاعتبارات القانونية يتسبب اللفظ في ايجاد موضوع الاعتبار القانوني شرعاً او عرفاً. وذلك لان المشرع القانوني جعل موضوع حکمه بحصول الملکية والزوجية والبينونة ونحو ذلك من الشؤون الاعتبارية التلفظ بصيغة خاصة او الاتيان بعمل خاصّ. کما انه جعل موضوع الحکم بالنجاسة والطهاره ونحو ذلك فعلاً او حالة او صفة في الخارج فالغسل مثلاً بشرائطه موضوع للحکم بالطهارة وهکذا.... ولا مانع من تسبيب الانسان بفعله او قوله الی اعتبار شخص آخر کالمشرع القانوني انما الاشکال في ان يتسبب الی اعتباره بنفسه.
وتبين ان هذا الا ستدارك مختص بالشؤون الاعتبارية القانونية ولا يصح في الاعتبارات الشخصية کالتمني والترجي ونحوهما.
ولکن هذا المسلك لا يمکن الالتزام به لمخالفته للوجدان فنحن نجد أن کل من يجري صيغة البيع او النکاح او الطلاق او يأتي بفعل يحقق إنشاء احد هذه الامور نجده محققاً لاعتبار ذلك الامر. فهذا المسلك ابعد عن الوجدان من المسلك السابق حيث کان الاعتبار الشخصي معترفاً به هناك وانما الخلاف کان في کون اللفظ مبرزاً للامر الاعتباري الکامن في النفس او محققاً له في وعاء الاعتبار. ولکن هذا المسلك ينفي الاعتبار الشخصي رأساً.
وهو غير صحيح فقد يکون العاقد غير ملتفت الی الاعتبار الشرعي او القانوني وقد يکون متحدّياً للقانون فلا يلاحظ الشرائط الرسمية لتحقق الاعتبار القانوني. فمن هنا نستکشف ان العقد تشريع شخصي والايقاع عمل شخصي اعتباري والعقد ليس الا کالمعاهدات الشخصية بين الجانبين وانما يلاحظ الشروط القانونية اذا کان المتعاملان يطلبان الحماية القانونية عن ملکيتهما او زوجيتهما مثلاً اذ لابد حينئذ من اعتراف السلطة بتحقق الامر الاعتباري.
اذن فدور الاعتبار الشرعي والقانوني هو دور التنفيذ والامضاء لا التأسيس وجعل الشيء موضوعاً للحکم. وليس ذلك من قبيل الاعمال الخارجية التکوينية التي تکون موضوعات للاحکام الشرعية کالغسل للطهاره وافتراق المتبايعين للزوم العقد. فان التنفيذ والامضاء غير معقول هناك وانما المعقول اعتبار الفعل موضوعاً للحکم بخلافه في الامور الاعتبارية.
وبعد هذا کله يبقی سؤال وهو أنه کيف يمکن ان يکون اللفظ محققا لامر اعتباري بعد ان منعنا کونه مبرزاً عن الاعتبار النفسي؟
لابدّ للتحقيق عن ذلك من ملاحظة انطباع العرف والعقلاء عن الامور الاعتبارية. وقد ذكرنا مرارا أنهم يجدونها امورا تكوينية كالاعراض فاذا حصلت الزوجية بين شخصين فان العرف يری انه قد تحقق شيئ وصفة واقعية تکوينية بينهما ولا يفرق بين وجود مثل هذا الاعتبار وبين الاعراض حتی ان الامر قد اشتبه علی بعض العلماء کما ذکرنا في المدخل العام للاصول حيث تعرضنا اجمالاً لبعض موارد الاشتباه التي حصلت للاصوليين نتيجة توهم الامور الاعتبارية اموراً تکوينية فحاولوا إسراء القوانين الفلسفية المختصة بالتکوينيات اليها.
وعليه فالمناسب لايجاد الامر التکويني بنظر العرف لابد ان يکون هو العمل الخارجي دون مجرد الاعتبار النفسي ولذا لا يعد عرفاً مجرد الاعتبار النفسي الا افتراضاً لوقوع المعاملة ولا يجد العرف تحقق الامر الخارجي الذي نسميه اعتباراً.
والعمل الخارجي المحقق لهذه الامور في نظر العرف قد يکون لفظاً وقد يکون اعطاءاً کالمعاطاة وقد يکون کتابة ونحو ذلك مما يؤثر في انعکاس الامر المقصود في النفس.
وليس تأثير هذه الافعال في رد الفعل النفسي امراً مستغرباً فهو الملحوظ ايضاً في التلقينات النفسية فاذا اراد الانسان ان يؤثر في نفسه ويوطّنها علی مواجهة الصعاب بشجاعة فانه لا يکتفي بمجرد التفکير في الاستهانة بها وانما يلقّن نفسه بترديد الکلمات المشجعة وربما صاحبه نوع من الحرکات الجسمية الباعثة علی التشجيع.
والسر في ذلك هو تأثير اللفظ والحرکات الجسمية الخاصة في انفعال النفس بنحو أشدّ وآکد للاثر المقصود. وهکذا الکلام في الامور الاعتبارية. فاذا وطّن الرجل نفسه علی فراق زوجته وترکها فانه کلّما تأکّد منه لا يری الانفعال النفسي الا بعد ان يتلفظ بالالفاظ الخاصة او يأتي بالعمل الخاص الذي يعکس هذا الاثر في نفسه وبذلك يجد انه قد حقق امراً تکوينياً وهو البينونة وانفصام عرى الزوجية.
ثم ان انشاء الامور الاعتبارية کما يتحقق بداعي الجدّ قد يتحقق بدواع اخر کالهزل ونحوه کما يتحقق اعتبار الملك والوزير ونحوهما في تمثيليات الاطفال وما شابهها فانشاء الامر الاعتباري بالتقريب المتقدم متحقق هنا ايضاً الا انه بداعي الهزل واللعب.
ومن هنا يحکم بصحة عقد المکرَه ونحوه اذا تعقبه الرضا فانه لا يفقد انشاء الامر الاعتباري وانما يفقد القصد الجدي وهو من شروط صحه المعاملة وترتب الاثر عند العقلاء ويعبر عنه في القوانين الحديثة بالارادة حيث يشترط فيها ان لا تکون معيبة.
اذن فعقد المکره وکل عقد يفقد القصد الجدي محقق لامر اعتباري ايضاً الا انه غير محکوم بالاحکام القانونية لدى الشرع والعقلاء کما ان اعتبار الملك والوزير ونحوهما في التمثيلات المسرحية لا يفقد صفة الانشاء والاعتبار الا انه غير محکوم بالاحکام العقلائية نظراً لفقدان القصد الجدي.
**المبحث الخامس**
**في المبهمات**
الکلام هنا في تشخيص الموضوع له والمستعمل فيه في المبهمات کاسماء الاشارة والضمائر والموصولات.
وهنا ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الاول: ان هذه الالفاظ کلها موضوعة لايجاد الاشارة في الخارج. وهذا هو الصحيح. ولتوضيحه لابد من التعرض لامور:
الامر الاول: ان الاشارة عبارة عن امتداد موهوم بين المشير والمشار اليه وقد يکون وعاؤها بدواً وختاماً الواقع الخارجي ونعبر عنها بالاشارة الخارجية وقد يکون وعاؤها بدواً الذهن وختاماً الخارج ونعبر عنها بالاشارة الوهمية وهي التي توجب جزئية الصور الارتسامية الذهنية. فان کل صوره ارتسامية بالذات قابلة للانطباق علی الکثيرين وانما تتصف بالجزئية بضم الاشارة الوهمية اليها وستتضح هذه النقطة عند الکلام في البحث التالي في امکان ان يکون الوضع والموضوع له خاصاً.
الامر الثاني: ان الاشاره الخارجية لابد وان يکون له راسم کما في الامتداد الخارجي وراسمه اما ان يکون توجيه بعض الاعضاء نحو شيء وغالباً ما يکون بأصابع اليد وخصوصاً السبابة منها او بالعين او بالرأس ويلحق به توجيه بعض الآلات کالعصا وشبهه واما ان يکون التلفظ بالفاظ خاصة وهي اسماء الاشارة والضمائر والموصولات فهي علی هذه الفرضية تؤدي نفس الوظيفة التي يؤديها توجيه بعض الاعضاء من ايجاد الامتداد الموهوم الی واقع معين يعبّر عنه بالمشار اليه.
الامر الثالث: ان المشار اليه لابد وان يکون في نفسه امراً معيناً في الجملة اما بالتعين الخارجي او الذکري او الوصفي حتی يصلح ان يکون طرفاً للامتداد الموهوم الذي سبق بيانه. واذا فرض تعدد ما يصلح في نفسه للاشاره اليه بهذه الالفاظ فلا بد من تشخيصه بقرائن حالية او مقالية کما ان المشار اليه بغير هذه الالفاظ کثيراً مّا يحتاج في تشخيصه الی ضم قرينة. وقد يتوصل لتشخيص المشار اليه في الاشاره اللفظية بضم الاشاره الجوارحية کما انه قد يتوصل اليه بقرائن اخری .
الامر الرابع: انه ليس هناك تلازم بين الاشارة اللفظية والاشارة الجوارحية بل قد لا يکون تقارنهما معقولاً کما اذا کان المتکلم منزهاً عن الجوارح وهذا ما يلاحظ في موارد استعمالها في القرآن الکريم.
ومن هنا يظهر انه لا وجه للقول بان ما وضع له اسماء الاشارة هو واقع المفرد المذکر وانها لا تفيد معنی ما لم تنضم اليها إشارة جوارحية وکذا ضمير الخطاب لا يبرز معناه الا بالخطاب الخارجي کما سيجيء التحدث عنه.
وربما يثار هنا سؤال عن الوجه في اقتران الاشارة اللفظية بالاشارة الجوارحية غالباً حتى في موارد عدم الحاجة اليها لتعيين المشار اليه.
ويمکن ان نذکر له وجهين:
الوجه الاول: ان اعتبار هذه الالفاظ کوسيلة لايجاد الاشارة يحتمل ان يکون حصيلة التقارن الطبيعي بين الاشارة الجوارحية وهي الوسيلة الطبيعية وبين هذه الالفاظ أو اصولها التي تطورت اليها في بدو الحضارات البشرية فکان الانسان عند الاشارة الجوارحية الی شيء بحسب طبعه يردد اصواتا ملائمة کما يلاحظ ذلك في اشارة الاخرس. ثم اکتسبت تلك الاصوات نفس الخاصية من جهة کثرة التقارن واستغنت في نهاية المطاف عن الاشارة الجوارحية. الا ان هذا المطاف اشتمل علی تکامل وتنوع في هذه الالفاظ فطرأ عليها الابدال والقلب والنحت ونحوها کما اشتمل علی تطور في المعاني فطرأ عليها التجريد.
ولذلك صح استعمال الالفاظ في موارد لا يمکن ان تستعمل فيها الاشارة الجوارحية. وعليه فاقتران الالفاظ بالاشارة الجوارحية في هذه العهود لعله من جهة جري الانسان وفقاً لعادته القديمة.
وربما يقال بهاتين المرحلتين من تطور الالفاظ والمعاني في بقية الالفاظ اللغوية ويعلل تشعب اللغات وتطورها بالامرين.
ويناسب اصل هذه الفرضيه ما کان يذکره بعض کبار المشايخ في مجلس البحث وکان يعبر عنه بنظرية الاختراع والابتداع.
ومحصلها: ان البشر البدوي عند قصده الاخبار عن شيء والحکاية عنه لصاحبه کان بحيث تحصل له حالة دهشة واضطراب ويتکهرب اعصابه فينطق بلفظ بلا فکر ولا رويّة بل بالطبع نظير فرار الحيوانات عما يؤذيهم. ثم انه عند ارادة التفهيم لهذا الواقع اخذ يتلفظ بنفس تلك اللفظة مع نصب قرينة علی اراده المعنی الخاص ومن جهة وجود قريحة التقليد والمتابعة تبعه في ذلك غيره. وبذلك حصل الارتباط التدريجي بين اللفظ والمعنی بکثرة الاستعمال.
وهذه النظرية لا تنافي قوله تعالی (خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)[[18]](#_ftn18) فان الله تعالی هو الذي اودع في الانسان قوة النطق وخصّه بها من سائر الحيوانات فيکون تكامله فيها بتأييده وتسديده وقد أبی الله ان يجري الامور الا باسبابها. نعم ربما تنافيه ظواهر جملة من الآيات والروايات. ومهما کان فدراسة هذه النظرية وتقييمها لا يناسب البحث.
وعلی هذا الاساس يمکن ان يقال: ان اللفظ الذي يصدر من الانسان في هذه الحالة ويکون مقروناً بالاشارة الجوارحية قد ينعکس فيه نفس معنی المشار اليه وتخفی جهة الاشارة وقد تنعکس فيه جهة الاشارة فقط. وهنا تنقسم الالفاظ الی اسماء الاشارة وغيرها من المبهمات والی الاعلام واسماء الاجناس ونحوها.
الوجه الثاني: ان الانسان لا يکتفي غالباً في مقام تفهيم مقاصده بالتلفظ بالالفاظ بل يضم اليها حرکات مناسبة جوارحية لمزيد التأثير في المخاطب ولکي يتلقّی المعنی بوسيلتي السمع والبصر. وهذا هو المعتاد لدی کثير من الخطباء والقادة فنری انهم يمثلون مطالبهم ويرکزونها في اذهان المستمعين بحرکات اليد والرأس.
ومن هذا الباب قول ابي نواس: (الا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر – ولا تسقني سراً اذا امکن الجهر).
والحاصل ان الانسان بطبعه يزداد تأثراً بالحوادث اذا کان انعکاسها بوسيلتي السمع والبصر معاً فمن الواضح اننا نزداد تأثراً اذا سمعنا الخبر ورأينا صورة للمشهد سواء کان ذلك مشهد حزن او فرح ومن هنا اهتمت وسائل النشر والاعلام الحديثة بجميع قطاعاتها بهذا الامر فجمعوا بين الصورة والکلام في تعليم العلوم والصناعات ونشر الاعلانات وغير ذلك من شؤون الاعلام.
الامر الخامس: ان الاشارة وسيلة لاحضار الواقع المشار اليه في ذهن الغير او تعيينه من بين الصور الحاضرة في ذهنه فليس لهذه الالفاظ بذاتها دور اساسي في تشکيل القضية اللفظية.
ومن هنا يظهر ان الموضوع في القضية اللفظية لو کان – بحسب الظاهر – احد هذه الالفاظ فالنظر الدقيق يقضي بان نعدّ الموضوع واقعاً في القضية اللفظية هو نفس واقع المشار اليه وهکذا الکلام فيما کان احدها محمولاً او من متعلقات الکلام.
وهذا بخلاف سائر الالفاظ فان الموضوع وان کان في القضية اللبية هو الواقع الا انه في القضية اللفظية عبارة عن اللفظ الدال عليه واما في هذه الالفاظ فالموضوع او المحمول او غيرها في القضية اللفظية هو نفس الواقع وانما اتى بهذا اللفظ لمجرد الاشارة اليه فاذا قلنا هذا زيد فقد حملنا کلمة زيد علی الشخص الخارجي وجعلنا اسم الاشارة اداة لتعيينه کالاشارة الخارجية.
ومما يرشدنا الی ذلك ما نجده في مرحلة تمثيل المتکلم مقاصده بالحرکات الخارجية حيث ان المعتاد هو تمثيل مفهوم اللفظ باشارة مناسبة. ونجد ان المعتاد هو تمثيل مفهوم هذه الالفاظ نحو هذا بالاشارات الجوارحية کالاشارة بالا صبع من دون ملاحظة مناسبة حرکة التمثيل للمعنی المشار اليه.
وهذا يدل علی ان المرتکز في الاذهان هو أنّ دور هذه الالفاظ هو دور الوسيط وأنّ مفهومها ليس الا مجرد الاشارة. ولذلك ناسبها تمثيل نفس الاشارة ولو کان مستعملا في نفس المعنی المشار اليه – کما يتوهم – لکان اللازم ان يتناسب حرکة التمثيل لذلك المعنی.
فليلاحظ ذلك في موارد حرکة التمثيل لاسم الاشارة مع کون المشار اليه سعة شيئ او ضيقه او علوه او انحطاطه مادياً او معنوياً فيشاهد ان حرکة التمثيل واحدة مع اختلاف المشار اليه وهذا بخلاف ما اذا کانت الحرکة لتمثيل نفس المعنی من دون توسط اسم الاشارة.
الامر السادس: ان ما ذکرناه في توضيح مفاد اسماء الاشارة يجري بعينه في الضمائر مطلقا فهي موضوعة لايجاد الامتداد الموهوم. وکذا الامر في الموصولات الاسمية.
نعم يتضمن محتوی الموصولات علی نوع من تعيّن المشار اليه وانه من ذوي العقول او من غيرها. ويشارکها في هذه الخصوصية بعض اسماء الاشارة وهي ما يشار بها الی المکان نحو هنا وهاهنا للاشارة الی المکان القريب ومع الکاف للاشارة الی البعيد وکذلك ثَمَّ وهَنّا وهِنّا وهنالك.
ومن المحتمل ان يکون هذا في بدو الامر من قبيل تعدّد الدال والمدلول وحصل بالتدريج نحو إدغام ولفّ فيما بينهما فاختفى جانب التعدد. وسيجيئ توضيح هذه النظرية في مبحث المشتق.
وهذا التعدد واضح في بعضها کاضافة الکاف الی (هنا) و(هاهنا) للدلالة علی بعد المکان المشار اليه باصل الکلمة.
ولا يقاس نوع التعين المستفاد من هذا القسم من الاسامي بالتعين اللازم مراعاته عند الاستعمال في غيرها کمراعاة کون المشار اليه مفرداً مذکراً عند الاشارة بـ (ذا) وکونه انثی عند الاشارة بـ (ذي) و(ذه) و(تي) و(تا). وکونه جمعاً مذکراً عند الاشارة بـ (أولاء) وهکذا. والفرق بينهما يتضح بالتأمل.[[19]](#_ftn19)
الاتجاه الثاني: وهو رأي المحقق الخراساني حيث ذهب الی ان هذه الالفاظ متحدة معنیً مع الاسماء المشابهة لها نظير ما ذکره في الفرق بين المعاني الاسمية والمعاني الحرفية قال (فدعوی ان المستعمل فيه في مثل هذا وهو واياك انما هو المفرد المذکر وتشخصه انما جاء من قبل الاشارة او التخاطب بهذه الالفاظ اليه فان الاشارة او التخاطب لا يکاد يکون الا الی الشخص او معه غير مجازفة...).[[20]](#_ftn20)
وفي هذا الاتجاه ثلاث نقاط من الضعف:
النقطة الاولی: ان من الواضح عدم دلالة لفظ (هذا) مثلاً علی مفهوم المفرد المذکر وعدم مساوقته له بقطع النظر عن الجزئية المستفادة من الاشارة.
النقطة الثانية: انه لا يشترط في اسماء الاشارة الاقتران بالاشارة الحسية بيد او بعين او نحوهما وکثيراً ما لا يمکن تحقق الاشارة اما لعدم قابلية المعنی لها کما في الامور المعنوية واما لعدم امکان اسنادها الى المشير کالآيات المبارکات کما تقدم.
النقطة الثالثة: ان الموضوع له لو کان هو مفهوم المفرد المذکر وکان الاشارة والتخاطب خارجين عن حدود الموضوع له فما هو الموجب لتقييد استعمال (هذا) في مورد الاشارة و(انت) في مورد التخاطب؟ وهل هو من قيود الموضوع له او المستعمل فيه؟ مع أن ظاهر عبارة المحقق الخراساني انه ليس من قيود شيء منهما. فمن اين يحصل هذا التقييد؟!
ولا يمکن قياس ذلك بتقيد المعنی الحرفي باللحاظ الآلي وذلك لان الاستعمال لا يخلو من اللحاظ ولابدّ اما من اللحاظ الآلي او الاستقلالي وحينئذ يتعين المعنی الاسمي والحرفي. وفيما نحن فيه لا موجب للتقييد اذ لم يکن قيداً في الموضوع له. ومجرد تقييد العلقة الوضعية بالمورد الخاص لا يوجب ان يکون اللفظ مفهماً لتلك الخصوصية.
الاتجاه الثالث: ما اختاره المحقق الاصفهاني([[21]](#_ftn21)) وغيره وهو يبتني علی تصحيح للاتجاه الثاني القائل بوضع هذا مثلاً لمفهوم المفرد المذکر فذهب اصحاب هذا الاتجاه الی وضعه لواقع المفرد المذکر بشرط ان يقع مشاراً اليه. فالوضع فيه عام لملاحظة هذا العنوان بعمومه والموضوع له خاص لانه الواقع الخارجي المفرد. وعلی هذا الاساس لا يرد علی هذا القول الاشکال الاول والثالث في الاتجاه السابق اما الاول فواضح واما الثالث فلأن کون المعنی مشاراً اليه قد اخذ قيداً في الموضوع له.
قال في المحاضرات (إنّ أسماء الإشارة والضمائر ونحوهما وضعت للدلالة على قصد تفهيم معانيها خارجاً عند الاشارة والتخاطب لا مطلقاً، فلا يمكن إبراز تفهيم تلك المعاني بدون الاقتران بالاشارة والتخاطب... فكملة (هذا) أو (ذاك) لا تدل على معناها وهو المفرد المذكر إلّابمعونة الاشارة الخارجية كالإشارة باليد كما هي الغالب أو بالرأس أو بالعين، وضمير الخطاب لا يبرز معناه إلّامقترناً بالخطاب الخارجي).[[22]](#_ftn22)
ويبقی علی هذا الاتجاه الاعتراض الثاني حيث إنّ استعمال (هذا) ونظائرها لا يتوقف علی الاشارة بل هي موجدة للاشارة کما مر.
**المبحث السادس**
**في اقسام الوضع**
من المعروف تقسيم الوضع الی اربعة اقسام:
1 - الوضع عام والموضوع له عام.
2 - الوضع خاص والموضوع له خاص.
3 - الوضع عام والموضوع له خاص.
4 - الوضع خاص والموضوع له عام.
والمراد من الوضع المفهوم الذي يتصور حين الوضع. ومن الموضوع له المعنی المرتبط باللفظ بعلقة وضعية.
والکلام في مقامين نبحث في احدهما عن امکان الاقسام الاربعة وفي الآخر عن وقوعها:
++المقام الاول++: لا اشکال في امکان القسم الاول فيتصور المفهوم العام ويوضع اللفظ له او للمعنون بذلك العنوان. فقد يتصور حقيقة الحيوان الناطق وهو مفهوم عام ويجعل له لفظ الانسان. وقد يتصور عنوان الضاحك بالقوة ونحوه ويجعل لفظ الانسان مثلا للطبيعة المتعنونة بذلک العنوان لا لنفس مفهوم الضاحك بالقوة. فهذا العنوان العام سبب للتوصل الی وضع اللفظ بازاء الطبيعة الکلية. ويکفي في الوضع تصور الموضوع له بوجه ولا يتوقف علی تصوره بذاته.
واما القسم الثاني فتوهم الاستحالة انما يأتي من قبل ما ذکره بعض الاجلة من ان الوضع لا يمکن ان يکون خاصاً لان الصورة الذهنية المتصورة لا يمکن ان تکون جزئية وان کانت مقيدة بالف قيد ولا يؤثر في جزئيتها انحصارها في الفرد الواحد ولا کونها مأخوذة من فرد واحد فان الصور النفسية تحکي عما يطابقها لا عما اخذت منه ولا يمکن ان تتقيد حکاية الصورة بعلل الوجود کالصورة الفوتوغرافية.
والجواب عنه: ان الصور الذهنية وان لم ترتبط بالخارج مباشرة فلا تکون جزئية الا انها ترتبط به بضم الاشارة الوهمية ومن هنا ينشأ العلم بالجزئيات الخارجية والا فالجزئي بما هو جزئي ليس کاسباً ولا مکتسباً _ کما قيل _ ومن هنا ايضاً ينقسم المفهوم الی کلي وجزئي والا فلابد من ان يکون المفهوم کلياً ابداً.
قال المحقق الطوسي في شرح الاشارات (كلية الإدراك وجزئيته تتعلقان بكلية التصورات الواقعة فيه وجزئيتها ولا مدخل للتصديقات في ذلك فإن قولنا هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت جزئي وقولنا الإنسان يقول القول في وقت كلي ولم يتغير فيهما إلا حال الإنسان والوقت والقول بالجزئية والكلية وكل جزئي يتعلق به حكم فله طبيعة توجد في شخصه إنما تصير تلك الطبيعة جزئية لا يدركها العقل ولا يتناولها البرهان والحد بسبب انضياف معنى الإشارة الحسية إليها أو ما يجري مجراها من المخصصات التي لا سبيل إلى إدراكها إلا الحس وما يجري مجراه).[[23]](#_ftn23)
واما القسم الثالث فالمشهور امکانه نظراً الی ان تصور الکلي تصور للافراد بوجه وهو کاف في المقام.
ولکن قد اعترض علی ذلك بأنّ تصور الکلي ليس تصوراً للافراد بوجه اذ الکلي لا يحکي عن افراده وانما ينطبق عليها ويتحد معها وجوداً فهو بهذا اللحاظ يحمل عليها بالحمل الشايع الذي ملاکه الاتحاد الوجودي. ولکن ملاك الحکاية والمرآتية هو الاتحاد المفهومي والماهوي. والکلي لايحکي عما ينطبق عليه بل يحکي عما يطابقه فالانسان مثلا وان کان منطبقاً علی زيد وعمرو وغيرهما الا انه لا يحکي الا عن الجهة الجامعة بينها. اذن فتصور الکلي يصحح وضع اللفظ بازائه لا بازاء افراده.
ويمکن الجواب عنه بوجهين:
الوجه الاول: ان الکليات علی قسمين:
القسم الاول: الکليات التي تنطبق علی افرادها باعتبارها اجزاءاً تحليلية منها وذلك کالکليات المتأصلة. فمصحح انطباق الانسان علی افراده ان الفرد ليس الا نفس هذه الطبيعة مع انضمام الخصوصيات الفردية. وهذا القسم لا ينطبق علی الفرد بكل أجزائه بل بجزئه التحليلي فهو لا يحکي الاعن الجزء التحليلي. وعلی هذا الاساس فالاعتراض المزبور وارد في هذا القسم.
القسم الثاني: الکليات التي تنطبق علی الافراد بتمام وجودها وذلك کالکليات الانتزاعية نحو (احد الامرين) المنتزع منهما. فکل من الامرين ينطبق عليه هذا العنوان ولکنه لا ينحل عقلاً الی هذا العنوان وخصوصيته الفردية. وانما هو عنوان يخترعه الذهن حسب الحاجة وليس له واقع تحليلي في الافراد.
ولذلك لو کنا نعلم ان احد الرجلين عادل ثم تعين لدينا الرجل العادل في احدهما بعينه فليس ذلك الاصيرورة المعلوم بالاجمال معلوماً بالتفصيل ولم يحصل لدينا معلوم جديد. وهذا يدل علی ان احد الرجلين ينطبق علی کل منهما بتمام اجزائه.
وهکذا عنوان فرد الانسان او جزئي الانسان او مصداق الانسان فلا مانع من ملاحظة احد هذه العناوين الانتزاعية عند الوضع.
وبذلك يندفع الاشکال لإمکان حکاية عنوان جزئي الانسان مثلاً عن کل من الافراد بتمام وجوده ويصح القول بان الوضع عام والموضوع له خاص. والعنوان العام وان کان هو (جزئي الانسان) الا انه جزئي بالحمل الاولي ولکنه کلي بالحمل الشايع نظير قولنا (الفعل اما رباعي واما ثلاثي).
الا ان هذا الجواب لا يدفع الاشکال. وذلك لان ما ينبغي ان يکون اساس الاشکال هو ان الحاکي لابد من ان يکون متحداً مع المحکي مفهوماً ولايکفي الاتحاد الوجودي وغاية ما يؤثر مصحح الانتزاع في الامور الانتزاعية هو اتحادها وجوداً مع مناشئ الانتزاع وهو مصحح الحمل الشايع ولا يستوجب الاتحاد الماهوي والمفهومي. فعنوان زيد وعمرو ونحوهما يغاير عنوان جزئي الانسان مفهوماً والملاك هو الاتحاد المفهومي وان لم يتحقق الاتحاد الوجودي کما هو الحال في الصور الذهنية التي تحکي عن الخارج مع تغايرهما وجوداً.
ومن هنا ثبت في مبحث الاصل المثبت أن الامور الانتزاعية لا يمکن إثباتها بجريان الاستصحاب في مناشئ الانتزاع مع تحقق مصحح الانتزاع وجداناً کما انه لا اشکال في ان عنوان القائم ينتزع من کل فرد يتحقق منه القيام وبذلك يصح الحمل الا انه لا يعتبر حاکياً ومرآة للفرد.
الوجه الثاني: _ وهو الصحيح _ ان المصحح للحکاية والمرآتية هو الاشارة فالعنوان المتصور لابد من ان يکون متضمناً للاشارة ففي وضع کلمة اسامة لافراد الاسد لابد من ان يکون المتصور عنوان (الذي هو فرد للاسد) وبضميمة الموصول المتضمن للاشارة يتحقق الامتداد الموهوم بين المشير والمشار اليه وهو الافراد الخارجية ويکفي ذلک في الحکاية المصحة للوضع کما يصحح الاخبار عنها.
نعم الاشارة لا يفيد علماً لما ذکرناه في مبحث استصحاب الفرد المردد وفي مبحث العلم الاجمالي من أنّ ضمّ الاشارة لا يوجب العلم بالفرد الخاص فلو علمنا ان احد الرجلين عادل فلايصح دعوی العلم التفصيلي بالعادل بضميمة الاشارة اليه بقولنا (ذلك العادل المعلوم بالاجمال من بينهما) والا لکان کل جاهل بسيط عالماً بالوقائع اذ لا يخلو المجهول من الترديد بين امرين ولا اقل من السلب والايجاب لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما. فالاشارة لا تحقق العلم ولا تفيد في جريان الاستصحاب المتوقف علی اليقين السابق الا انها تحقق الحکاية وتکفي في الوضع.
وعلی هذا الاساس ادّعی نفس هذا المعترض في الفرق بين الاطلاق والعموم الشموليين ان هناك فرقاً ثبوتياً بينهما خلافاً لغيره. وذلك بدعوی ان الموضوع في المطلق هو نفس الطبيعة وفي العام الاستغراقي هو الکثرات الخارجية نظراً الی ان کلمة (کل) مثلاً او اللام المفيد للعموم مشير الی الافراد في الخارج.
اذن فاذا قلنا ان الوضع عام فهو باعتبار ان المتصور عند الوضع کلي واذا قلنا ان الموضوع له خاص فهو باعتبار ان ذلك العنوان العام منضم الی اشارة الی الکثرات الخارجية. وذلك في قبال الوضع الخاص فانه وان کان المتصور کليا ايضاً بلحاظ انه صورة ذهنية ــ کمامر ــ الا ان الاشارة هناك حيث کانت الی فرد اختص الانطباق به فاصبحت صورة خاصة لا تنطبق علی اکثر من واحد. وبذلك کان الوضع خاصاً.
هذا ولعل القائل بالجواب الاول کان ينظر الی ما ذکرنا والله العالم.
واما القسم الرابع فقد قالوا انه غير ممکن لان الخاص لا يحکي عن العام وليس تصوره تصوراً له بوجه.
وهذا صحيح فان تصور الخاص ان لم يستوجب تصور العام کان وضع اللفظ بازائه فقط وان استوجبه فقد اصبح الوضع عاماً بلحاظ تصور الجامع وان کان الخاص منبهاً لتصوره فان ذلك ليس معنی الحکاية.
++المقام الثاني++: بعد ان سلمنا امکان ثلاثة اقسام من الاقسام الاربعة المذکورة يقع البحث في وقوع کل منها. وقد قيل انها واقعة جميعاً فمثال القسم الاول اسماء الاجناس ومثال القسم الثاني الاعلام الشخصية ومثال القسم الثالث الحروف واعلام الاجناس.
وهناك مناقشتان في وقوع القسمين الثاني والثالث:
اما في القسم الثاني فالمناقشة في وقوعه من جهة الموضوع له بعد ان کانت المناقشة السابقة في امکانه من جهة الوضع.
بيان ذلك ان کون الموضوع له في الاعلام الشخصية خاصاً خلاف للوجدان والعرف اما مخالفته للوجدان فلان الخصوصية لا تتحقق الا بالوجود فالشيئ ما لم يتشخص لم يوجد وما لم يوجد لم يتشخص وعليه فلو کان علم الشخص موضوعاً للخاص کان معناه انه موضوع للشيء بقيد کونه موجوداً.
وحينئذ فاذا قلنا (ان زيداً موجود) کانت القضية ضرورية بشرط المحمول لاخذ قيد الوجود في الموضوع له بحسب الوضع اللفظي فالمفاد ان زيداً الموجود موجود وهي قضية ضرورية. واذا قلنا ان زيداً معدوم کان تناقضاً وکذا ان قلنا انه اما موجود او معدوم وهذا خلاف الوجدان الحاکم بصدق هذه القضية وامکان القضية الاولی الا ان نلتزم بالتجريد في مفاد علم الشخص في هذه الموارد بان يلاحظ المعنی مع الغاء قيد الوجود المأخوذ في الموضوع له وهذا خلاف الوجدان ايضاً.
واما العرف فانه لا يؤيد وضع اللفظ بازاء المعنی بقيد الوجود وقد عرفت انه لا بد منه ان کان الموضوع له خاصاً مشخصاً. اذن فالموضوع له في الاعلام الشخصية کلي الا انه مقيد بقيود کثيرة تجعله منحصراً في الفرد.
والجواب عن هذه المناقشة ان الموجب للتشخص هو الوجود آنامّاً لا الوجود حال النسبة. فاذا قلنا زيد موجود اي الشخص الخاص الذي وجد في زمان موجودٌ حال النسبة. وکذلك اذا قلنا ان زيداً معدوم فان المراد زيد الذي وجد في زمان معدوم حال النسبة. والعرف ايضاً يساعد علی ذلك حيث ان الاعلام الشخصية لا يوضع الا للموجود سواء کان في الانسان او البلد او الحيوان او القبيلة او غير ذلك الا انه يکفي في وضع علم الشخص الوجود في الجملة.
واما القسم الثالث فقد مثل له بالحروف والهيئات الا ان الوضع في الاول شخصي اي يلاحظ اللفظ الخاص وفي الثاني نوعي اي الهيئة في ايّ مادة من المواد اللفظية تحققت. فقد ادّعي ان الوضع في الحروف والهيئات عام والموضوع له خاص وهو المصاديق اي کل واحد منها. خلافاً للمحقق الخراساني الذي مرّ منه القول بان الموضوع له فيها عام ايضاً وانما التشخص ناشئ من الاستعمال.
وتقريب القول بان الموضوع له فيها خاص هو ان الحروف موضوعة للنسب ــ کما قيل ــ او موضوعة للمعاني المشتملة علی النسب ــ کما قلنا ــ وليس للحروف مادة وهيئة فيکون الدال علی النسبة هيئتها وعلی اللون الخاص کالابتداء والاستعلاء مادتها.
وحينئذ فلابد من ملاحظة النسبة وکيفية وضع اللفظ لها.
اما في مرحلة التصور فلا يمکن ان يتصور النسبة الخارجية اذ ما يتحقق في الذهن ليس الا عنواناً للنسب الخارجية وذلك لان وجود النسبة اندکاکي ومتقوم بطرفيها وليس لها وجود مستقل فلا يمکن ان يتصور واقع النسبة بمعنی ان يکون لنفس الماهية وجود ذهني وانما يتصور مفهوم اسمي مستقل يجعل عنواناً للنسب الخارجية فما يتصور نسبة بالحمل الاولي الذاتي، وليس نسبة بالحمل الشايع نظير كلمة الفعل في جملة ( الفعل اما رباعي واما ثلاثي).
واما في مرحلة الموضوع له فلا بد من ان يوضع اللفظ لمصاديق النسبة اذ ليس لها جامع مقولي فيوضع بازائه حتی يکون الموضوع له عاماً کما في الجواهر والاعراض التي لها جامع طبيعي مقولي. والمراد بالجامع المقولي اي ما يقال في الجواب عن ما هو وهو حقيقة الشيء حسب وجهة النظر الفلسفية القديمة.
توضيح ذلك ان النسب ليس بينها حقيقة مشترکة بل هي متباينات في الواقع. وذلك لان حقيقتها متقومة بطرفيها وافتراض جامع بينها اما ان يکون متقوماً بطرفين فهو مغاير حقيقة لغيره من النسب واما ان لا يکون کذلك فيخرج عن حقيقة النسبة. فالجامع بين النسب ليس الا ذلك المفهوم الاختراعي الذي يجعل عنواناً لها في مرحلة التصور لوضع اللفظ للمصاديق. وعليه فالوضع في الحروف عام والموضوع له خاص وهو کل نسبة خارجية بحده.
والجواب عن هذا التقريب بوجوه:
الوجه الاول: ان ما ذکر من ان النسب ليس لها جامع مقولي وان الجامع المتصور عنوان اختراعي وانه ليس نسبة بالحمل الشايع صحيح الا ان هذا لا يمنع من کون اللفظ موضوعاً للمعنی العام ولا حاجة الی کون الجامع مقولياً ونحن حينما نلاحظ النسب الخارجية نجد بالوجدان انقسامها الی اصناف متعددة فمنها ابتدائية ومنها ظرفية ومنها استعلائية وهکذا... وهذا يکشف عن جهة جامعة بين کل صنف منها وهو اللون الخاص ولکل منها جهة خاصة شخصية وهي تقوّمها بالطرفين.
فان قيل: ان انقسام النسبة الی ما به الاشتراك وهو اللون وما به الامتياز وهو التقوم بالطرفين الخاصين تقسيم اختراعي لا واقعية له.
قلنا: ولکن الامر کذلك في الاعراض ايضاً فهي في نظر المدرسة الفلسفية القديمة بسائط في الواقع لا تنقسم الی ما به الاشتراك وما به الامتياز وانما يخترع الذهن لها جنساً وفصلاً. قال السبزواري في منظومته:
جنس وفصل لا بشرط حملا ومدة وصورة بشرط لا
في الجسم تان خارجيتان ++في++ ++اعراضه عقليتان++ فاقتف
اذن فلا مانع من کون الموضوع له عاماً وان کان جامعاً انتزاعياً وعنواناً للنسب الواقعية الخارجية.
الوجه الثاني: انه قد تبين مما ذکرناه في البحث عن حقيقة الوضع ان الذي يمسّ الابحاث العلمية هو العلقة بين اللفظ والمعنی اي الوضع بالمعنی الاسم المصدري واما الوضع المصدري فهو علی تقدير تحققه من واضع خاص لا اثر له في البحث العلمي.
وتبين ايضاً ان العلقة الوضعية انما يحصل بين اللفظ والمعنی بمرور اللفظ مع افهام المعنی في مرحلتين يتحقق في احداهما التلازم والاستتباع بمقتضی تداعي المعاني الناشئ من کثرة التقارن في الاحساس ويتحقق في الاخری الهوهوية واکتساب الماهية الاعتبارية بينهما.
وسواء قلنا ان الوضع يتحقق في المرحلة الاولی ــ کما قيل ــ او انه يتحقق في المرحلة الثانية ــ کما قلنا ــ فان الموضوع له في الحروف لا يمکن ان يکون خاصاً اذ يتوقف حصول العلقة الوضعية علی کلا التقديرين علی کثرة التقارن في الاحساس بين اللفظ والمعنی. ولو کان معنی الحرف هو النسبة الخاصة المتقومة بالطرفين او ما يشتمل علی النسبة الکذائية لم يحصل التقارن بين اللفظ وهذا المعنی الا مرة واحدة لعدم تکرر النسبة مع قيد تقومه بالطرفين الخاصين.
ومن هنا يتبين ان کثرة التقارن في الاحساس توجب إلغاء خصوصية المعنی وتحقق العلقة الوضعية بين اللفظ والجهة الجامعة بين الافراد.
وهذا نظير وضع اسماء الاجناس فان اول تعبير عن الحيوان المفترس الخاص بالاسد وقع عند ما شاهد العربي هذا الحيوان او سمع به وبعد ان شاهد نظيره استعمل نفس اللفظ فيه من باب المشابهة ثم کثر الاستعمال حتی حصل التلازم او الهوهوية بين اللفظ والجهة الجامعة بين الافراد.
وهذا بخلاف الوضع في الاعلام الشخصية حيث ان الارتباط بين الانسان والشخص الذي يضع له علم الشخص ــ سواء کان انسانا او بلدا أو اي شيء خاص يرتبط به ــ ارتباط وثيق متکرر يحتاج معه الی وضع لفظ خاص له.
ومن هنا کان وضع الاعلام للحيوانات باشخاصها مختصاً ببعض المجتمعات التي تهتم بشأن الحيوان الخاص کالعرب البدوي.
الوجه الثالث: ان النسبة المدلولة للحروف ــ مطابقة او تضمناً ــ ليست جزئية في جميع موارد الاستعمال بل هي تابعة في الجزئية والکلية، والتعدد والوحدة للمنتسبين.
ففي قولنا:( سرت من البصرة الی الکوفة) يحکي الحرف عن نسبة جزئية او عن معنیً يتضمنها وذلك لان مبدأ السير ومنتهاه موضع خاص خارجاً. ولکنه في قول الآمر (سر من البصرة الی الکوفة) لا يحکي عن موضع خاص لانحلال الامر بحسب الامکنة التي يمکن ان تقع مبدأ للسير ومنتهی لها فالمأمور به ليس فرداً متعيناً بل هو کلي.
وقد تتعدد النسبة کما في جملة (سار القوم من البصرة الی الکوفة) لتعدد مبادئ السير ونهاياته بخلافه في المثال الاول حيث کان متحداً.
وهذا مع أنه واضح ربما يناقش فيه بان مقتضی انحلال الامر في (سر من البصرة) استعمال الحرف في جميع الامکنة التي يمکن ان يتحقق منها ابتداء السير فهو من قبيل استعمال اللفظ في اکثر من معنی الا ان المأمور مختار في انتخاب احدها. وليس هذا من استعمال اللفظ في الکلي.
والجواب عنه واضح اذ الوجدان والذوق يحکمان بوحدة المدلول في هذه الموارد لا تعدده.
ثم ان هذا التقسيم انما هو بلحاظ اختلاف المعنى حين اللحاظ وفي مرحلة الموضوع له. وهناك تقسيم آخر بلحاظ اختلاف اللفظ في کيفية الوضع.
فقد قيل: ان الوضع ينقسم بلحاظ اختلاف اللفظ الموضوع الی نوعي وشخصي فالوضع الشخصي في مثل اسماء الاجناس والاعلام الشخصية حيث ان اللفظ الخاص بمادته وهيئته وبما له من الوحدة الشخصية يوضع لاحد المعاني. وکذلك وضع مواد المشتقات فمجموعة حروف (ج ل س) مادة وضعت بشخصها للدلالة علی الحالة الخاصة من دون تقيد بهيئة خاصة.
واما الوضع النوعي فكوضع الهيئات فان الواضع لاحظ هيئة (فاعل) ووضعها للدلالة علی من صدر عنه الفعل الا ان الهيئة حيث کانت غير قابلة للتصور بنفسها الا مع الاندماج في ضمن مادة ما کان لابد للواضع ان يتصورها کذلك الا انه لم يقيدها بتلك المادة بالخصوص ولذلك کان وضعها نوعياً.
هذا وقد اشرنا خلال البحث عن التقسيم السابق الی انه يبتني علی توهم ان هناك واضعاً خاصاً فرداً او جماعة نظّم مفردات اللغة ولاحظ المعاني ووزّع عليها الالفاظ بالطرق المذکورة وهو امر لا يمکننا تصديقه.
وهذا التقسيم ايضاً کسابقه لا يستند الی اساس علمي فمن المستبعد جداً ان يکون هناك واضع شخصي لاحظ الالفاظ تارة بمادتها وهيئتها وتارة المادة أو الهيئة منفصلة عن الاخری فلا يعدو هذه الفرضية امراً خيالياً لا يصدقه الواقع الخارجي.
والصحيح ان اللغة ظاهرة اجتماعية وليس عملاً فردياً والوضع في الغالب وضع تعيني يتبع قانون الاختراع والاتباع بان يکون اول من يعبر عن حالة الجلوس ــ مثلا ــ بهذه الکلمة قد اتّبع تناسباً ذهنياً بين اللفظ والمعنی ولو کان تناسباً وهمياً. فهذا اول الاختراع ثم تبعه غيره. وهکذا في سائر الالفاظ مع ملاحظة استعمال الهيئة الخاصة في الحالة الخاصة من دون التنبه الی تحليل الکلمة الی هيئة ومادة، بل بملاحظة الشبه بين اللفظ المستعمل في المعنی الاول واللفظ المستعمل في المعنی الثاني وهکذا.
وانما نشأ التحليل الی هيئة ومادة ودلالة کل منها علی شطر من معنی الکلمة بنحو تعدد الدال والمدلول من دراسة اللغة دراسة فلسفية، حيث يکشف الفيلسوف اللغوي النقاب عن الارتکاز الذهني في ابناء اللغة الذي يربط بين کل من المادة والهيئة مجردة عن الاخری وبين المعنی الخاص.
واما الوضع التعييني في الفاظ المشتقات وملاحظة الواضع کل مادة مجردة عن الهيئة ووضعها وضعاً شخصياً وملاحظته کل هيئة بعنوان کلي ووضعها وضعاً نوعياً فهو أمر يحتاج الی عناية زائدة وهو بعيد عن الواقع فان اللغة کسائر الشؤون الاجتماعية تنشأ بالتحول والتکامل.
بل الامر کذلك حتی في اسماء الاجناس کما ذکرناه حيث يعبّر عن الفرد الخاص من الحيوان المفترس مثلا بالاسد لتناسب ذهني ولو وهمياً ثم يطلق علی غيره بالمشابهة ثم بالتکرر يحصل الاستتباع ــ علی قول ــ والاتحاد الماهوي اعتباراً ــ علی ما هو الصحيح ــ بين اللفظ وبين الجهة الجامعة فاساس الاوضاع اللغوية هو تقليد المستعملين کل من الآخر وطابع التقليد من الشؤون الاساسية في اعمال الانسان. والعلقة الوضعية بين اللفظ والمعنی حصيلة هذا التقليد في ابناء المجتمع الا ان مستقر العلقة الوضعية قد لا يکون مع نفس اللفظ الاول ولا في نفس المعنی الاول فاللفظ يتحول بالابدال والادغام والتصحيف والنحت وغير ذلك والمعنى يتبدل من فرد خاص استعمل فيه اللفظ الی الجهة الجامعة الى غير ذلك من التطورات.
اذن فاللغة بهذا الوضع الخاص قد تحققت نتيجة لتطوّر کبير طرأ علی الاستعمال الاول الناشئ من ملاحظة تناسب وهمي ــ غالباً ــ بين اللفظ والمعنی وربما يکون ذلك محاکاة للاصوات الطبيعية المناسبة للمعنی کما يلاحظ ذلك في کثير من الکلمات.
([1]) المصدر المذکور ص 423.
[[2]](#_ftnref2) شرح الاشارات ج1 ص 22
[[3]](#_ftnref3) وسائل الشيعة ج1 ص 315 باب وجوب الاستنجاء
[[4]](#_ftnref4) يوسف: 29
[[5]](#_ftnref5) النساء: 2
[[6]](#_ftnref6) البقرة: 187
([7]) الاصول علی النهج الحديث ص 8.
([8]) الاسفار ص 17
([9]) المنظومة ص 61.
([10]) المنظومة ص 34.
[[11]](#_ftnref11) الانبياء: 26
([12]) هامش اجود التقريرات ج1 ص 24.
[[13]](#_ftnref13) تهذيب الاصول ج1 ص22
[[14]](#_ftnref14) نهاية الدراية ج2 ص 503
[[15]](#_ftnref15) كفاية الاصول ص 67
[[16]](#_ftnref16)
([17]) في اول بحث الاوامر من الدرر.
[[18]](#_ftnref18) الرحمن: 3-4
[[19]](#_ftnref19) لعل المراد انه لا يوجد هنا تعدد الدال ليقتضي تعدد المدلول
[[20]](#_ftnref20) كفاية الاصول ص13
([21]) الاصول علی النهج الحديث .
[[22]](#_ftnref22) محاضرات في اصول الفقه ج1 ص101
[[23]](#_ftnref23) الاشارات والتنبيهات ج3 ص309<
القسم الثاني
**بسم الله الرحمن الرحيم**
**المبحث السابع**
**فـي الـحـقـيـقـة و الـمـجـاز**
المعروف في الدراسات الادبية والاصولية ان اللفظ قد يستعمل في المعنى الموضوع له فالاستعمال حقيقي وقد يستعمل في المعنى غير الموضوع له لعلاقة بينه وبين الموضوع له فالاستعمال مجازي وان لم تكن علاقة فالاستعمال غير صحيح. فالأسد ان استعمل في الحيوان المفترس الخاص كان حقيقياً وان استعمل في الرجل الشجاع كما في جملة (رأيت اسداً يرمي) كان مجازياً. وعلى هذا الاساس فالاستعمال المجازي عبارة عن تبديل لفظ بلفظ فبدلاً من التلفظ بالرجل الشجاع يعبّر بالأسد. وفي قبال المشهور مسلكان آخران:
**المسلك الاول:** ما نسب الى السكاكي صاحب كتاب (مفتاح العلوم) ويبتني على الفرق بين انحاء المجازات. وذلك لان العلاقة الملحوظة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ان كانت هي المشابهة كان المجاز استعارة وان كانت غيرها كان مجازاً مرسلاً كما في علاقة السبب والمسبب او الحال والمحل او الأَوْل او المشارفة ونحوها.
واللفظ المستعمل في موارد الاستعارة لا يستعمل في المعنى غير الموضوع له بل يستعمل ويراد به فرد من افراد الموضوع له. ولكن يسبق الاستعمال ادعاء تعميم في الموضوع له بحيث يكون له قسمان من الافراد قسم حقيقي وقسم ادعائي. فاذا قلنا (زيد اسد) فقد تصورنا مسبقاً ان الاسد له فردان فرد حقيقي وفرد ادعائي هو الرجل الشجاع ثم استعملنا لفظ الاسد في الجملة المذكورة واردنا الفرد الادعائي. واما إذا كان المجاز مرسلاً كان اللفظ مستعملاً في المعنى غير الموضوع له.
هذا وقد انكر بعض الباحثين[1] صحة النسبة وذهب الى ان السكاكي اختار المسلك الآتي وان كلامه في مفتاح العلوم اشتبه على من نسب اليه ذلك حيث تطرق للاستعارة من باب المثال فتوهم ان مذهبه يختص بها.
**المسلك الثاني:** ان اللفظ يستعمل دائماً في المعنى الموضوع له وحقيقة الاستعمال في موارد التجوز ليس تبديلاً في الالفاظ بل هو اعطاء حد شيء لشيء آخر فاللفظ في المثال المتقدم مستعمل في معناه الحقيقي وهو الحيوان المفترس لا في الرجل الشجاع ولا في الفرد الادعائي من الحيوان المفترس بل في نفس المفهوم الا اننا لغرض من الاغراض نحكم على زيد بانه اسد.
فليس التجوز مجرد استعارة للفظ خاص لاستعماله في معنى آخر بمجرد مشابهة بين المعنيين بل التجوز مرتبط بنفس المعنى وهذا القول بصورة اجمالية منقول عن بعض القدماء كابي علي الفارسي والاسفرائيني واول من وجّهه فيما نعلم المحقق ابو المجد الاصفهاني واختاره جمع من اعاظم العصر ويدل عليه وجوه:
**الوجه الاول:** ان الاعتبارات تنقسم الى اعتبار ادبي واعتبار قانوني. والاعتبار الادبي هو الاعتبار مع العناية وحقيقته اعطاء حد شيء لشيء آخر لداع من الدواعي والتجوز من انحاء الاعتبار الادبي.
والغالب في ذلك هو ان يكون اعطاء حد شيء لآخر من اجل الاستمداد من الاثر الانفعالي النفسي الذي يترتب على الشيء الاول، وذلك عن طريق حمله على الشيء الثاني ودعوى انه هو بعينه او انه فرد له ان كان كلياً فاذا قلنا (زيد اسد) كان المقصود تخويف السامع من بأس زيد وشجاعته لما تحقق لكلمة الاسد بما لها من المعنى من إثر انفعالي في النفس من جراء القصص والمشاهد التي تحكي عن شجاعة هذا الحيوان وبأسه. وهذا الانفعال قد يكون نتيجة لوصف واقعي في الشيء او لأوصاف خيالية وقصص مفتعلة.
وهكذا في توصيف أحد بالقمر والشمس للتأكيد على حسنه وبهائه استمداداً من وضوح ضياء الشمس ونور القمر او توصيف أحد بالشيطان او حمله عليه للتأكيد على مكره ودهائه وهكذا.... والانسان موجود احساسي تابع لانفعالاته النفسية ومشاعره وتخيلاته أكثر مما هو تابع للمنطق والعقل.
وهذا هو دور الادب في الحياة الاجتماعية فالعمل الادبي ليس تلاعباً في الالفاظ وان استحسن فيه اختيار الالفاظ الرَناّنة الا ان حقيقته هي التلاعب بالمشاعر والاحاسيس واختيار التعابير التي تكون اوقع في النفس وأقرب الى الغرض. وذلك باستخدام الكلمات التي تتأثر منها النفس بما لها من المعنى.
قال بعض الادباء في تعريف الادب بانه فن التلاعب بالعواطف والضمائر وقال (الادب بمعناه السامي فن توجيه المجتمع نحو الحق والخير والجمال).([2])
ومن هنا يتبين ان التأثير للكلمة الخاصة بلحاظ معناها فاذا اريد التعبير عن تبحر الرجل في الحكمة والطب يقال انه ابن سينا ولا يستفاد ذلك التأثير من كلمة حسين بن عبد الله بن سينا مثلاً.
هذا وقد يكون الاستمداد في بيان الوصف المضاد كما تعارف من تسمية العبد الاسود بالكافور والاعمى بالبصير لينتقل الذهن بتأثره من صفة البياض والبصر الى فقدانهما النهائي فيهما.
وبعد ان ثبت ان مصحح المجاز والاعتبار الادبي هو التأثير في المشاعر النفسية بالطريقة المذكورة فلا بد من الالتزام بان اللفظ مستعمل في نفس المعنى الموضوع له اذ التأثير ناشئ عن الكلمة بما لها من المعنى الحقيقي.
هذا هو الوجه الاول في الاستدلال على هذه الدعوى ويترتب عليه امور:
**الامر الاول:** ان التجوز حيث كان الغرض منه هو التأثير في المشاعر النفسية فهو تابع في الاستحسان والاستهجان لتغير الخاصية الاحساسية للمعنى الحقيقي وهذا التغير يحصل من مناشئ مختلفة. وهذا هو السبب الرئيس في تطور الادب نتيجة لتطور العوامل الحضارية في المجتمعات.
وعلى هذا الاساس ايضاً تختلف وجهة الادب حسب اختلاف المجتمعات فـالـمـعـنـى الـمـوضوع لـه اللـفـظ قـد يـكـون فـي مـجـتـمـع واجـداً للأثر الانـفـعـالـي الـمـطلـوب ولا يـكـون واجـداً لـه في مـجـتـمـع آخـر.
ومـن هـنا نجـد ان بعـض المجازات مستحسن في بعض المجتمعات ومستقبح في بعضها الآخر.
ومما يشهد لذلك ان كلمة (الحمار) كانت تطلق قديماً على الرجل الصبور على الشدائد القوي العزيمة وذلك لانهم عرفوا هذا الحيوان بهذه الصفة حتى قيل (اصبر من حمار)[3] ولقب بذلك مروان بن محمد آخر الخلفاء الامويين وعلل بانه كان لا يجف له لبد من محاربة الخارجين عليه فكان يصل السير بالسير ويصبر على المكائد.[4]
ومن الواضح ان مجتمعنا لا يستحسن هذا اللقب كيفما كان وجهه وانما يطلق عندنا على الرجل البليد لان هذا الحيوان عرف لدينا بهذه الصفة.
كما ان الخنزير كان يعبر به عن الرجل الباسل المغوار وهو لدينا يعبر عن الدناءة والخبث. ([5]) ولعلّ الحكم بنجاسته شرعاً مما أثّر في تغيّر أثره الانفعالي في المجتمع الاسلامي.
ومن هنا كان لزاماً على المترجم الاديب ان يبدل الاستعارات والكنايات بما يؤدي نفس التأثير في اللغة المترجم اليها ولو تقيد بالترجمة الحرفية فيها لفقد الكتاب او المقال او الشعر قيمته الادبية. وقد قيل ان الشهرة التي حصلت لرباعيات عمر الخيام في الاوساط الادبية الاوربية انما حصلت نتيجة لهذه الملاحظة الهامة التي توخّاها مترجمها الى اللغة الانجليزية.
**الامر الثاني:** ان ملاك الاستعارة والتشبيه حتى لو كان بالأداة هو كون الوصف في المشبه به اظهر بحيث يكون موجباً لانفعال النفس وان كان الوصف اقوى في المشبه كما يشبه الرجل الشجاع بالأسد او يحمل عليه مع انه قد يكون أشجع منه. وربما نشبه فقيهاً غير معروف بأحد القدماء المعروفين مع انه قد يكون أفقه منه الا ان ذلك الاسم بلحاظ المسمى يتمتع بتلك الخصوصية المؤثرة في انفعال النفس.
**الامر الثالث:** ان الاعتبارات القانونية ــ كما ذكرناه في المدخل وسيأتي في مبحث الاحكام الوضعية من الاستصحاب ان شاء الله تعالى ــ انما تنشأ بتطور يطرأ على الاعتبارات الادبـيـة نـتـيجـة لكـثرة الاسـتعـمال والتطبيق. وهذا يبتني على ان يكون الاستعمـال في المعنى الحقيقي والتجوز في التطبيق.
ومن هنا نشأ عنوان الحرام بحسب الاعتبار القانوني والا فهو في ما قبل تحقق الماهية الاعتبارية كان مستعملاً بمعناه الحقيقي في أصل اللغة وهو الممنوع تكويناً الا أنّه طبّق على الممنوع تشريعاً للمبالغة في التأثير النفسي وبتكثّر الاستعمال والتطبيق المذكورين استقلّ اللفظ بالتأثير النفسي بلحاظ المنع الشرعي وبذلك تكوّن الاعتبار القانوني فيه.
وهكذا كلمة النجس المستعمل اولاً بلحاظ معناه اللغوي وهو القذر وكذا غيره من الالفاظ التي اصبحت ذات محتوى قانوني فيما بعد. فكل ذلك يتوقف على ما ذكرناه من الاستعمال اولاً في المعنى الحقيقي والتطبيق على المورد للاستمداد من تأثير اللفظ بما له من المعنى الحقيقي.
**الوجه الثاني:** ان المشهود في الاستعمالات المجازية هو تناسب اجزاء الكلام بملاحظة المعنى الحقيقي للكلمات دون المعنى المجازي وهذا يشهد بانه هو المراد والا لكان اللازم ان يلاحظ التناسب بلحاظ المعنى المجازي ولهذا الوجه شواهد كثيرة في الشعر والنثر واليك بعض الامثلة:
قول الشاعر:
(قامت تظللني من الشمس – نفس اعز على من نفسي)
(قامت تظللني ومن عجب – شمس تظللني من الشمس)
وانما يناسب التعجب إذا كان المراد بالشمس الاول معناها الحقيقي والا لو كانت الكلمة مستعملة في المرأة لم يكن التظليل موجباً للعجب. فلو كان التجوز مجرد تبديل للّـفظ واستعمال في غير المعنى الموضوع له لم يكن وجه للتعجب.
قول الآخر:
(لا تعجبوا من بلى غلالته –قـد زر ازراره على القمر)
فالنهي عن التعجب هنا بلحاظ ان الغلالة المصنوعة من الكتان تبلى من تأثير ضوء القمر – على ما زعموا – ولو كانت كلمة القمر مستعملة في الممدوح لم يكن وجه للنهي عن التعجب.
قول الآخر:
(رجعت واحييت الغري واهله – وكذبت قول الناس لا يرجـع البدر)
ومن الواضح ان البدر لو كان مستعملاً في المعنى المجازي لم يتحقق التكذيب.
ونظير ذلك في شواهد الشعر والنثر أكثر من ان يحصى كما يلاحظ ذلك في مورد تشبيه الرجل الشجاع بالأسد او حمله عليه بالنحو المذكور انه يعبرّ كثيراً ما عن ابنه بالشبل وعن داره بالعرين وعن صوته بالزئير وهكذا...
والجدير بالذكر ان هذه الملاحظة تترتب عليها مطالب مهمة في الفقه والاصول نذكر من باب المثال ان الشيخ الانصاري قدس سره ذكر في مبحث الاستصحاب ان المراد باليقين في قوله عليه السلام (لا تنقض اليقين بالشك) هو المتيقن ولكي يصح التعبير بالنقض الذي هو عبارة عن حلّ ما كان مفتولاً لا بدّ من ان يكون الامر المتيقن مقتضياً للبقاء فيكون رفع اليد عنه نقضاً لما يقتضيه. ولذلك اختصّت حجية الاستصحاب بموارد الشك في الرافع.
وعلى اساس هذه الملاحظة يظهر ضعف هذا الكلام حيث ان المناسبة لا بد من ان يلاحظ بالنسبة الى المعنى الحقيقي لليقين لا الصفة النفسية حتى لو سلم ارادة المتيقن منه.
**الوجه الثالث:** انه كثيراً ما ينفى المعنى المجازي تصريحاً او تلويحاً في حين استعمال اللفظ وتطبيقه على مورد التجوز وذلك كما في جملة (زيد شجاع بل اسد) حيث ان الاضراب تلويح واشارة الى ابطال المعنى السابق وهذا ينافي استعمال كلمة الاسد في الرجل الشجاع. وقد يصرّح بالنفي كقوله تعالى حكاية عن نسوة مصر (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) على احد الوجهين في تفسيره.([6])
واما مسلك السكاكي فهو على تقدير صحة النسبة حلقة متوسطة بين المسلكين وعلى كل تقدير فترد عليه مناقشات:
**المناقشة الاولى:** انه لا فرق فيما ذكرناه بين المجاز المرسل – على حد تعبيره – والاستعارة. فاذا قيل للمريض المشرف على الموت انه ميت لا من جهة المشابهة بل من جهة الأَوْل والمشارفة كما قد يتحقق في المريض الذي لم يتغير حاله الظاهري فان الادلة السابقة تأتي هنا وتدل على ان المستعمل فيه هو المعنى الحقيقي.
وكذلك في سائر العلاقات كما يقال للجاسوس انه عين ولمن يصدق القالة انه اُذُنٌ تعبيراً عن الكل بالاسم الموضوع للجزء ففي كل من هذه الموارد يتحقق اعطاء حد شيء لشيء آخر.
**المناقشة الثانية:** ان كلامه متهافت حيث انه فرض اللفظ موضوعاً للطبيعة ومستعملاً في الفرد الادعائي وادعى انه استعمال حقيقي مع ان استعمال اللفظ الموضوع للطبيعة في الفرد الحقيقي مجاز فكيف بالادعائي.
**المناقشة الثالثة:** ان الاستعمال المجازي لا يختص بموارد الوضع للطبيعة حتى يتم دعوى استعماله في الفرد الادعائي بل قد يكون اللفظ علماً شخصياً كما تطلق كلمة (حاتم) على الجواد مع ارادة حاتم الطائي الشخصية المعروفة بالجود.
واما إذا اريد بها الماهية الاعتبارية التي اكتسبتها هذه الكلمة بكثرة الاستعمال والتطبيق فلا يكون نقضا على السكاكي.
ومثله ما يقال لولد زيد إذا كان شبيها به (انه زيد) مثلا.
وبما ذكرناه في المجازات تبين الحال في الكنايات كالتعبير عن الجواد بجبان الكلب ومهزول الفصيل حيث ان ذلك ايضاً ابراز للمعلومة بغير صورتها الاصلية و اللفظ مستعمل في نفس المعنى الحقيقي وان كان المراد الجدي تحويل الذهن الى معنىً آخر.
وعلى اساس هذه النظرية في المجازات نستغني عن بعض المباحث التي جرت العادة على ذكرها هنا لابتنائها على النظرية الاولى المشهورة ونذكر هنا بعض تلك المباحث:
البحث عن ان دلالة اللفظ على المعنى المجازي بالوضع او بالطبع.
البحث عن اعتبار العلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي المصححة للاستعمالات المجازية. وقد اشتهرت في هذا الباب مجموعة علاقات لا بد من وجود شيء منها ليصح التعبير المجازي.
البحث عن ان العلاقات المذكورة وضعية ام لا؟ بمعنى انه هل تجب متابعة العلاقات التي تداولت الاستعمالات المجازية لدى العرب على اساسها ام لا يجب بل يجوز التعدي عنها؟
البحث عن ان استعمال اللفظ في المعنيين الحقيقي والمجازي جائز ام لا يجوز لدخوله في استعمال اللفظ في أكثر من معنى بناءا على عدم جوازه؟ وذلك نظير جملة (اغتسل للجمعة والجنابة) بناءاً على كون الامر حقيقة في الوجوب.
هذا وقد ادعى المحقق ابو المجد الاصفهاني[7] ان من تلك المباحث المستغنى عنها باتخاذ هذا المسلك مبحث علائم الحقيقة والمجاز وذهب الى ان معرفة المعنى الموضوع له تتم بملاحظة ان خطور المعنى باستعمال اللفظ هل تحقق بعد تجاوزه عن معنىً آخر ام انه خطور مستقر لم يتجاوز من الغير فالصورة الثانية تمثل المعنى الحقيقي للّفظ. وذلك لان مبنى هذا المسلك هو استعمال اللفظ وارادة المعنى الحقيقي للتوصل الى المعنى المجازي بالتطبيق. ومن هنا عبرّ هذا المعنى بالمجاز لانه يجتاز اليه من المعنى الحقيقي.
واختاره السيد البروجردي ايضا على ما في تقريراته.[8]
وفي هذا الكلام مناقشة وهي ان المجاز – كما قالوا – قنطرة الحقيقة وقد مر بيان ذلك في كيفية الوضع حيث ذكرنا ان الاوضاع اللغوية تتحقق غالباً بعبور اللفظ بمرحلة من الاستعمال بمناسبة مّا ولو وهمية مع ضميمة القرينة المفهمة وبتكرر الاستعمال والافهام يستغنى عن القرينة. اذن فحيثية الربط والعلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى تتحقق بالتدريج حتى يتم الاستقلال التام للّفظ في مرحلة الدلالة ولا يحتاج الى الاستعانة بالقرائن.
وعليه فليس الاسـتعـمال الـمجـازي مـتأخراً عـن الاستعمال وارادة الموضوع له اي من دون التطبيق الموجب للتجوز المصطلح نعم لو كان الوضع تعيينيا تم ما ذكره الا ان الاوضاع كما ذكرنا تعينية والوضع التعييني لو كان في بعض الموارد فهو من المقدمات البعيدة لتحقق العلقة الوضعية.
هذا مضافاً الى ان التبادر لا يستخدم في تمييز المعنى الحقيقي المشخص عن المعنى المجازي فحسب بل قد يستخدم ايضاً لتحديد المعنى الحقيقي كما إذا كان الشك في ان الحيوان مثلاً موضوع لما يشمل الانسان او لخصوص ما عداه.
وكما وقع الكلام في ان الجبهة موضوعة للسطح المستوي فيما بين الحاجبين حيث ملتقاهما في طرف الانف الاعلى بخطين متوازيين الى الناصية ام انها موضوعة لمجموع السطح المستوي الكائن فوق الحاجبين الى قصاص الشعر فيكون المعنى اعم من الاول.
وكما إذا وقع الشك في ان الحمار موضوع للحيوان الخاص او لكل بليد فيشمل الانسان البليد ايضاً.
وتأثير التبادر هو رفع الشك الناشئ من احتمال كون المعنى الاعم هو الموضوع له وان الاخص ناشئ من الانصراف واحتمال كون المعني هو الاخص وان فهم الاعم ناشئ من كثرة التطبيق.
وفي مثل هذه الموارد لا يتأتى ما ذكره قدس سره.
**المبحث الثامن**
**في علائم الحقيقة والمجاز**
قد ذكر القوم علامات لتمييز المعنى الحقيقي عن المجازي او بالأحرى تمييز موارد التطبيق الموجب للتجوز عن غيرها. ونحن نقتصر على ذكر علامتين منها للاختصار ولأن موقفنا تجاه غيرهما من العلامات يتبين بملاحظة ما نذكره فيهما:
**العلامة الاولى:** التبادر وهو انسباق المعنى عند سماع اللفظ من حاقه دون ان يعتمد على قرينة. والدليل على كونه علامة كون المعنى المتبادر هو الموضوع له اللفظ هو ان الانسباق المفروض لا بدّ له من موجب فهو اما ان يستند الى حاق اللفظ بمقتضى ترابطه الوضعي مع المعنى المذكور وهو المطلوب واما ان يستند الى القرينة والمفروض انتفاؤها واما ان يستند الى اللفظ لا بمقتضى الترابط الوضعي بل بمقتضى ذات اللفظ وهو يتوقف على نظرية مفندة تقول بان الالفاظ لها دلالة ذاتية وقد مرت الاشارة الى ضعفها.
وقد اعترض على علامية التبادر بوجوه من المناقشة:
**المناقشة الاولى:** مـا ذكـره الـسـيـد الـبروجـردي قـدس سره. ومحـصلـه بـتـقريـب منّا:
ان الوضع المستكشف بالتبادر لا يخلو اما ان يكون خصوص الوضع التعييني او الجامع بينه وبين الوضع التعيني. اما الاول فمن الواضح ان التبادر لا يكشف عنه لانه لا يستند الا الربط بين اللفظ والمعنى وهو اعم من كونه مستنداً الى وضع تعييني او تعيني.
واما الثاني اي الجهة الجامعة بين الوضعين فليس هناك جامع بينهما الا كون اللفظ بحيث إذا سمع فهم منه المعنى. وهو بعينه التبادر والدلالة الشأنية كما ذكرنا في مبحث الوضع. اذن فالقول بعلامية التبادر لهذا الجامع يستلزم اتحاد الكاشف والمنكشف.
والجواب عنه يتبين بملاحظة ما مر في الامر الخامس من الامور المتقدمة في مبحث الوضع. وتقرير ذلك بوجهين:
**الوجه الاول:** ان الاشكال يبتني على افتراض ان ما جعل له العلامة هو الربط الذهني وحيث انه امر شأني وما جعل علامة امر فعلي وهو نفس انسباق المعنى الى الذهن عند سماع اللفظ وتصوره فالامتياز بينهما في نهاية الوضوح سواء قلنا بان الربط الذهني يقتضي استتباع تصور اللفظ لتصور المعنى او قلنا بانه يوجب اكتساب اللفظ ماهية اعتبارية بحيث يكون تصور اللفظ تصوراً للمعنى بوجه وذلك لان وعاء الربط الذهني على كلا المسلكين هو منطقة اللاشعور ووعاء ترتب الاستتباع او التصور الفعلي للمعنى بوجه هو منطقة الشعور والالتفات. فالربط على كلا الوجهين امر موجود في نفس الامر ولو لم يوجد اللفظ بالوجود الذهني.
ويتضح ذلك بملاحظة الفرق بين اللزوم او الملازمة الواقعية في الخارجيات وتحقق الملزوم عند تحقق لازمه. فالملازمة بين وجود العلة التامة المنحصرة ومعلولها لها واقعية في نفس الامر ولو لم توجد العلة خارجاً. واما نفس تحقق اللازم فيتوقف على وجود الملزوم.
وكما يقال في هذا المجال (ان الملازمة غير متوقفة على وجود الملزوم ووجود اللازم متوقف على وجوده. وغير المتوقف على شيء غير المتوقف عليه) كذلك يقال فيما نحن فيه وبذلك يتضح التغاير.
واما معنى التحقق في نفس الامر الذي عرّف بانه حدّ ذات الشيء فلتوضيحه مجال انسب وهو مبحث القطع.
**الوجه الثاني:** انا لو اغمضنا عما سبق مبنياً على تفسير العلقة الوضعية بالربط الذهني فبإمكاننا تقرير الموضوع على اساس ان للعلقة الوضعية مرحلة اخرى هي مرحلة الربط الاعتباري بين طبيعي اللفظ وواقع المعنى وهذه المرحلة متأخرة عن الربط الذهني وهي تشكل اللغة التي هي ظاهرة اجتماعية. وقد مر بيانه في مبحث الوضع وتوضيح ذلك كالاتي:
ان الترابط الذهني امر تكويني واقعي يتمثل في استتباع تصور اللفظ لتصور المعنى او في اكتساب المعنى ماهية اعتبارية وهو الوجود اللفظي. وطرفا هذا الترابط هو الوجود الذهني للّفظ والوجود الذهني للمعنى. والوضع اللغوي امر اعتباري اجتماعي يتمثل في مرآتية اللفظ لواقع المعنى. وطرفاه وجود اللفظ خارجاً ووجود المعنى خارجاً او في نـفـس الامـر.
وهـناك فـرق آخـر بـيـن الامريـن وهو ان الترابط الذهني بين اللفظ والمعنى وان كان لا يتعدد بتعدد السماع الا انه يتعدد بتعدد الافراد تبعاً لتعدد الاذهان التي هي اوعية الترابط والمترابطين.
واما الوضع اللغوي الاعتباري المترتب على وجود الترابط اللفظي في المجتمع فهو واحد بوحدة المجتمع ولا يتعدد بتعدد افراده ولا ينكمش بقلة الافراد. بل ولا ينعدم بانعدام الافراد بأجمعهم كما يلاحظ ذلك في لغات المجتمعات البائدة فان الترابط الاعتباري اللغوي موجود فيما يبقى منهم من الآثار الخطية.
هذا ولكن التبادر تأثر فردي وامر طبيعي يتكثر بتكثر الافراد ويتعدد بتعدد تصور اللفظ كما مر.
**المناقشة الثانية:** ان التبادر متوقف على العلم بالوضع فلو كان العلم بالوضع متوقفاً على التبادر كما هو مقتضى العلامية لزم الدور وتوقف الشيء على ما يتوقف عليه. اما توقف التبادر على العلم بالوضع فهو واضح بعد وضوح بطلان القول بان دلالة الالفاظ ذاتية.
وقد اجيب عن هذه المناقشة بوجوه عديدة لا نتعرض لذكرها و نقدها ونقتصر على ذكر الجواب الصحيح عندنا. وهو ان التبادر ليس الا حظور المعنى عند سماع اللفظ اما للتلازم او للهوهوية الاعتبارية وهذا الامر لا يتوقف الا على الترابط الذهني بين اللفظ والمعنى ولا يتوقف حتى على العلم بهذا الترابط ولا على الاذعان به والتنبه له بل يتوقف على واقع الترابط وهو يتوقف على مقدمات قد مر الكلام فيها وفي اختلافها حسب القولين من التلازم والهوهوية.
اذن فالتبادر لا يتوقف على العلم بالربط فضلاً عن العلم بالوضع التعييني الذي هو أحد مقدمات تحقق الربط في بعض الموارد.
وكذا لا يتوقف التبادر على العلم بالوضع اللغوي اي الاعتبار الاجتماعي بين ذات اللفظ والمعنى في الخارج او نفس الامر فان التبادر ظاهرة تتحقق في كل فرد تبعاً للربط الذهني بين اللفظ والمعنى وعند تصور اللفظ. ولكن الاعتبار اللغوي ينشأ في مرحلة متأخرة بملاحظة مجموع هذه الروابط الذهنية لدى كل فرد من ابناء المجتمع اللغوي الواحد. فالربط الذهني الفردي في مرتبة العلة للوضع اللغوي وهو مصحح لاعتباره.
هذا ولا ينبغي ان يتوهم ان هذا الجواب مرجعه الى ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره في الكفاية من ان التبادر يتوقف على العلم الاجمالي الارتكازي والذي يتوقف عليه هو العلم التفصيلي.
وذلك لان التبادر في جواب الكفاية متوقف على نحو من العلم وما ذكرناه من الجواب لا يفترض توقفه على اي نحو من العلم فان الربط الذهني امر واقعي مغاير للعلم وليس من مقولته.
وجواب الكفاية مأخوذ من جواب الشيخ الرئيس عن اشكال الشيخ ابي سعيد ابي الخير على انتاج الشكل الاول من القياس المنطقي حيث يتوقف العلم بكلية الكبرى على العلم بثبوت المحمول للموضوع في النتيجة لكونه فرداً من الموضوع المذكور في الكبرى فهو متوقف على العلم بالنتيجة والنتيجة مستكشفة بالقياس.
وجوابه يبتني على الفرق بين العلم الارتكازي الاجمالي اي بنحو يتعلق بمجموعة اشياء غير منحازة صور بعضها عن بعض وهو الذي يتوقف عليه القياس اي العلم بكلية الكبرى وبين العلم التفصيلي وهو الذي يتميز فيه صور المعلومات وهو الذي ينتج من القياس.
وعلى اي تقدير فالذي يتوقف عليه التبادر في جواب الكفاية هو هذا العلم الارتكازي بخلافه في جوابنا.
هذا كله بناءاً على كون الوضع مرتبطاً بالدلالة الاخطارية بان يكون الموضوع له اللفظ ذات المعنى واما بناءاً على مسلك التعهد فالموضوع له هو الارادة التفهيمية والتعهد العقلائي ويرتبط الوضع بناءاً عليه بالدلالة التصديقية. وعليه ففي كشف التبادر عن وجود هذا التعهد خفاء.
ومن العجب ان بعض من اختار هذا المسلك ذكر في الجواب عن هذا الاشكال بنفس ما ذكره اصحاب المسلك الآخر اي حسبما هو مذكور في الكفاية مع ان من الواضح عدم كفاية هذا التقرير لإفادة التبادر الكشف عن التعهد بل لا بد من توضيح آخر.
**المناقشة الثالثة:** ان علامية التبادر تتوقف كما ذكرناه في أصل التقرير على كونه ناشئاً من حاق اللفظ دون ان يؤثر في الانسباق الى الذهن امر آخر لفظي او غير لفظي. ولا يمكن الوثوق بفراغ الجو الدلالي عن كل قرينة تؤثر في الانسباق نظراً الى ان هناك نوع من القرائن خفية جداً بحيث لا ينتبه اليها الانسان حين ملاحظة الانسباق.
ومن هذه القرائن الانصراف فانه يوجب انسباق المعنى الخاص من اللفظ مع انه لا يمنع من كون الموضوع له في الواقع هو المعنى الاعم.
وكذلك كثرة الاطلاق على معنىً آخر بنحو التطبيق كما ذكرنا او بنحو الاستعمال كما زعموا توجب انسباق المعنى المجازي مع افتراض عدم الوصول الى حد الوضع التعيني.
اذن فتجريد اللفظ عن القرائن لضمان تحقق التبادر الخالص من حاق اللفظ امر غير ممكن في كثير من الموارد.
وقد اجيب عن هذه المناقشة بان اصالة عدم القرينة التي هي أصل عقلائي تنفي وجود كل قرينة حين الشك فيها.
ويرد على هذا الجواب ان الاصل المذكور ان كان هو استصحاب عدم القرينة ففيه انه لا يثبت لوازم المستصحب وكون الدلالة ناشئة من حاق اللفظ لازم عقلي لعدم وجود القرينة.
وان كان الاصل اصلاً عقلائياً برأسه ففيه ان اصالة عدم القرينة لدى العقلاء هي التي تستعمل في كشف المراد مع تعين ظهور اللفظ في معنىً خاص وعليه يبتني اصالة الحقيقة اما مع العلم بالمراد فلا تجري اصالة عدم القرينة لتعيين الظهور اللفظي.
والجواب الصحيح هو ان التبادر انما يكون علامة إذا كان مطّرداً بمعنى ان يكون اللفظ موجباً لانسباق المعنى الخاص مع اختلاف موارد الاستعمال حتى يعلم ان الانسباق لم يتم بمقارنة الكلمات الخاصة في كل من هذه الجمل وكـذلك فـي الاحـوال الـمـخـتـلـفـة لـدفـع احـتـمـال خـصـوصـيـة الـحـال فـي الانسباق.
وبذلك يتم كشف العلة التامة فيه وهو حاق اللفظ. كما اننا بهذه الطريقة نتمكن من كشف العلة التامة في سائر الظواهر الطبيعية حيث نلاحظ الشيء المحتمل عليته مع مختلف الامور المقارنة فاذا تعقبت الظاهرة الخاصة في كل مورد تحقق فيه ذلك الامر علمنا كونه علة تامة له.
**المناقشة الرابعة:** ان التبادر انما يكشف عن الترابط بين اللفظ والمعنى في مجتمعنا الخاص وفي زماننا الخاص ولكنه لا يكشف عنه بالنسبة الى سائر المجتمعات خصوصاً مع ملاحظة الفارق الزماني والمكاني معاً كما هو الحال في الفاظ الكتاب والسنة التي هي مورد حاجة الفقيه.
وذلك لانه لا اشكال في تأثير العوامل الحضارية وتطور الاوضاع الاجتماعية في تطور اللغة لفظاً ومعنىً. وهو ملحوظ بوضوح في اللغة العامية الدارجة حيث نجد الاختلاف الكبير في البلدان العربية مثلاً بل وفي كل منطقة في كل قطر. ومن الاختلاف ما يتعذر معه التفاهم في بعض المجالات.
وهذا هو الموجب لتشعب اللغات والا فكل مجموعة من اللغات الحاضرة تشكل فصيلة واحدة وترجع الى لغة واحدة هي اللغة الامّ. ولولا اهتمام المسلمين بالقرآن الكريم والسنة المطهرة واهتمامهم بالمحافظة على معانيها والفاظها لتغيرت معالم اللغة العربية ولعلها كانت تتشعب الى لغات حتى في اللغة الفصحى كما نجده في اللغة الدارجة.
وهذا أحد وجوه المناقشة في حجية قول اللغوي التي تعرضنا لها في البحث الخاص بها نظراً الى ان كتب اللغة ــ كما ورد في تاريخ تدوينها ــ انما تشكلت بجهود جماعة في اواخر العصر الاموي واوائل العصر العباسي وذلك باستقراء البادية العربية واستعلام معاني الالفاظ من المجتمع البدوي الكائن في وسط الجزيرة العربية ليضمنوا عدم اختلاطهم باللغات المستوردة نتيجة لتوسع رقعة البلاد الاسلامية.
اذن فالذي يكشف عنه قول اللغوي هو العلقة الوضعية لدى المجتمع البدوي في هذه الفترة من الزمان وهو لا يجدي في معرفة العلقة الوضعية لدى المجتمع الحضاري في مكة والمدينة وفي خصوص العهد النبوي صلى الله عليه واله وسلم وعهود الائمة الطاهرين عليهم السلام.
ومهما كان فالمناقشة بالنسبة الى التبادر تنحل الى مشكلة بلحاظ الفارق الزمني واخرى بلحاظ الفارق الاجتماعي.
اما من جهة الفارق الزمني فربما يجاب عن الاشكال – كما في بعض التقريرات – بان الاستصحاب القهقرائي اي أصالة عدم النقل يقتضي الحكم ببقاء المعنى الاول. وحيث ان ادلة الاستصحاب مختصة بما إذا كانت القضية المتيقنة سابقة على القضية المشكوكة في عمود الزمان ادّعي لصحة هذا الاصل بناء العقلاء عليه في خصوص اوضاع الالفاظ فحيثما وجدوا للفظ دلالة حكموا عليه بنفس الدلالة في سابق الزمان.
وفي ثبوت هذا الاصل لدى العقلاء تأمل بل منع. فهناك عوامل التغيير في اللغات ولها تأثير بعيد المدى في تغير المعاني المستفادة من الالفاظ فتارة تؤثر في تباين المعنى المتبادر عن اللفظ في زماننا مع المعنى المتبادر عنه في قرون سابقة تبايناً كلياً. واخرى تؤثر في حدوده سعة وضيقاً وثالثة تجعل اللفظ معنىً غير محسوس بعد ان كان منحصراً في معنىً محسوس مادي الى غير ذلك من انحاء التغير.
نعم من كان غافلاً عن هذه العوامل ولم يلاحظ تأثيرها في تغير المعاني يفسّر الكلمة الواقعة في نصّ صادر في ازمنة متقادمة بنفس المعنى الذي يتبادر منه في مجتمعه. ومن الواضح ان هذا النوع من تفسير اللغة الذي يبتني على المسامحة لا يعتبر اصلاً عقلائياً معتمداً عليه. اذن فينبغي ان يدعى ان الاصل العقلائي يقتضي عكس ما ذكر.
والذي يمكن ان يقال ان التبادر لدى الفقيه هو المناط في فهم معاني الالفاظ المستعملة في الكتاب والسنة. والفقيه الممارس لاستنباط الاحكام عن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة مع ملاحظة الآثار المنقولة عن التابعين وتابعيهم يعتبر فرداً من افراد ذلك المجتمع وكأنه يعيش عصر نزول الكتاب وصدور السنة. وبذلك تحصل لديه ملكة خاصة توجب ان يتبادر الى ذهنه نفس المفاهيم المدلولة للألفاظ في تلك العصور.
ولكن يشترط ان لا يؤثر في ذهنيته المصطلحات المستحدثة او فتوى المشهور مثلاً كما ظن بعضهم ان الركوع يتبادر منه الانحناء الى حد وصول الكفّين الى الركبتين تأثراً من إفتاء المشهور بذلك. فهذا التبادر لم ينشأ من ملاحظة جوّ صدور الروايات والمتفاهم لدى عرف ذلك الزمان و فقهاهم.
ومـن هـنا يتبين الجـواب عـن الـفارق الاجتماعي ايضاً.
**العلامة الثانية:** صحة الحمل وهي علامة كون المعنى حقيقياً وصحة السلب وهي علامة كونه مجازياً. ونحن نفرق بينهما في البحث ولإثبات علامية صحة الحمل لا بد من التنبيه على امرين:
**الامر الاول:** أنّ الحمل الذي هو نحو من الحكم بالهوهوية والاتحاد بين الموضوع والمحمول ينقسم الى قسمين:
**القسم الاول:** الحمل الاولي الذاتي والمناط فيه اتحاد الموضوع والمحمول مفهوماً. ولكي يفيد الحمل فائدة لا بد من تغاير بينهما ويكفي التغاير بالإجمال والتفصيل كالإنسان والحيوان الناطق فهما متحدان من حيث المفهوم والفارق بينهما ان الاول لوحظ على وجه اللف والاجمال والثاني على وجه التفصيل والتحليل العقلي فالتغاير ينشأ من نوع من الاختلاف اللحاظي الطارئ على مفهوم واحد.
**القسم الثاني:** الحمل الشايع الصناعي والمناط فيه اتحادهما وجوداً مع فرض التباين المفهومي وحينئذ فقد يكون منشأ الاتحاد الوجودي أنّ حصة من المحمول متقررة في ذات الموضوع ويعبر عنه بالحمل الشايع الذاتي كقولنا (زيد انسان). وقد لا يكون منشؤه هذا التقرر ويعبر عنه بالحمل الشايع غير الذاتي كقولنا (الانسان كاتب بالقوة) او (الكاتب بالقوة ضاحك).
والفارق بين القسمين الاخيرين ان كلا مما به الاتحاد والتغاير في القسم الاول انما ينطلق من ناحية الذات فذات الموضوع بلحاظ جزء تحليلي منه منشأ الاتحاد الوجودي وبلحاظ غيره منشأ التغاير المفهومي ومن الناحية الاولى يسمى حملا ذاتيا.
واما في القسم الثاني فالتغاير ينطلق من ناحية الذات والاتحاد الذي هو الركن الرئيسي للحمل ينطلق من جهة اخرى ففي الحقيقة تتحد الماهيتان اللتان لا تعد احداهما من علل قوام الآخر الا انه حيث لا يعقل اتحاد المتحصلين وجودا فلا بد من ان يكون أحدهما غير متحصل. ففي المثال المتقدم ينتزع المحمول (الكاتب بالقوة) من الموضوع اي الانسان. ووجود الامر الانتزاعي بوجود منشأ انتزاعه ولكنه في مرحلة اعتبار الوحدة والكثرة يتبع مصحح الانتزاع كما سيجيء توضيحه في مبحث المشتق ان شاء الله تعالى.
وبهذا البيان يتبين مورد دعوى كون صحة الحمل علامة وهو الحمل الاولي الذاتي والقسم الاول من الحمل الشايع فبالحمل الاولي يستكشف ان الموضوع متحد مع المحمول مفهوماً فاذا لم يكن مفهوم الانسان اي الموضوع له لفظ الانسان واضحاً لدينا وكان مفهوم الحيوان الناطق واضحا نستكشف بالحمل الاولي المتحقق بينه وبين الحيوان الناطق ان الانسان بما له من المفهوم الذي يحكي عنه اللفظ بلا قرينة متحد مع مفهوم الحيوان الناطق.
والحمل الشايع الذاتي يبين حدود الموضوع له فاذا كان زيد عندنا مفهوماً واضحاً وشككنا في حدود مفهوم الانسان وانه يشمل الرجل البليد – مثلاً – ام لا فنستكشف من صحة حمل الانسان على زيد (وهو بليد بالفرض) ان حصة من الانسان متقررة في زيد البليد وبذلك يتبين ان الموضوع له لفظ الانسان ليس بشرط لا بالنسبة الى البلادة او لازمها.
واما الحمل الشايع غير الذاتي فلا يكشف عن هذين الجانبين فقولنا (الانسان كاتب بالقوة) يكشف عن اتحاد وجودي بين المفهومين وانهما موجودان بوجود واحد إمّا مع الاختلاف في المرتبة وان الوجود الواحد لاحدهما اولاً وبالذات وهو الانسان وللآخر وهو الكاتب ثانياً وبالعرض وإمّا بدون الاختلاف الرتبي كما لو كان الوجود اولاً بالذات لماهية اخرى ولكل من الموضوع والمحمول ثانياً وبالعرض كقولنا (الكاتب بالقوة ضاحك ) فالوجود للإنسان حقيقة وينسب الى كليهما بالعرض ومن هذه الجهة يحصل لهما اتحاد وجودي يصحح الحمل ولكنه حيث لا مساس له بمرحلة الذات ولا ينطلق منها اصلاً لا يفيد في استكشاف المفهوم المجهول ولا في استكشاف حدود المفهوم.
وقد اشار الى هذا التفصيل المحقق الخراساني في هامش الكفاية والمحقق الاصفهاني في كتابه (الاصول على النهج الحديث) وفي تعليقته على الكفاية.
**الامر الثاني:** وهذا ما نضيفه توضيحاً للمطلب وهو ان السرّ في علامية الحمل في الموردين المذكورين لكون المعنى حقيقياً هو ان الارتباط بين اللفظ والمعنى – كما أسلفنا – له مرحلتان.
**الاولى:** الارتباط الذهني في منطقة اللاشعور والارتكاز الذهني. وقد مرّ ان اسـتـعـمال اللـفـظ فـي الـمـعـنى يـمرّ بـمـرحـلـتـيـن حتى يـتـحـقـق بـيـنـهـمـا هـذا الترابط اما بنحو الاستتباع او الهوهوية والماهية المكتسبة كما هو الصحيح. وهذا الترابط موجود لدى كل عالم باللغة.
**الثانية:** الترابط الاعتباري الذي يعتبره المجتمع بين طبيعي اللفظ وواقع المعنى نتيجة لحصول المرحلة الاولى لدى عامة ابناء اللغة الواحدة.
واستكشاف المرحلة الاولى يتم بعملية شعورية كما هو الحال في جميع الامور الارتكازية اي اللاشعورية فان الانسان لا يعلم بوجودها الا بعملية تجريبية شعورية. فالمعنى الحرفي يعرفه كل انسان يستعمل الحروف معرفة مّا الا انه لا يعرفه معرفة تامة يتمكن من التعبير عنه وتحديد مفهومه.
وعملية الاستكشاف قد تتمثل في التبادر وهو يتحقق بتجربة في التلفظ او تصور اللفظ الخاص فان شعرنا بتحقق المعنى الخاص اعتباراً أو استتباعه – على الاختلاف – بحيث يكون الشعور به ترشحاً من الارتكاز واللاشعور أو المعلومات الكامنة دل ذلك على وجود الترابط بين اللفظ والمعنى.
وقد تتمثل تلك العملية في الحمل وهو قد يكون ذهنياً وقد يكون لفظياً فان شعرنا بصحة الحمل بلا قرينة ومن دون عناية وتكلف نفسي وانه ترشح من اللاشعور وانفعال منه فالترابط محقق وان لم يكن كذلك بل كان تحميلاً على الشعور النفسي علمنا بانه معنى مجازي.
والحمل اللفظي أقرب الى درك الواقع من الحمل الذهني لان الذهنيات كلما اقتربت من الخارج والحسّ كانت ابعد عن الخطأ وآمن من خداع النفس.
وفي المقام مناقشات نتعرض لبعضها:
**المناقشة الاولى:** ان هذا الاستكشاف غير ممكن فان صحة الحمل وعدمها يرجعان الى عالم المعنى والمدلول ويدوران مدار وجود الهوهوية بين المعنيين وعدمها. واما الحقيقة والمجاز فهما يرجعان الى عالم اللفظ والدال ويدوران مدار وجود العلقة الوضعية بين اللفظ ومعناه وعدمها.
وبين الامرين مسافة بعيدة فصحة الحمل في قولنا (الانسان حيوان ناطق) – مثلاً – يدور مدار الهوهوية بين المعنيين اللذين دلّ عليهما اللفظ على نحو الحقيقة او المجاز فكيف يمكن ان يجعل صحة الحمل علامة على الدلالة الحقيقية.
نعم لو فرض في القضية الحملية ان المعنى قد استفيد من نفس اللفظ من دون قرينة كان ذلك علامة الحقيقة الا انه استناد الى التبادر لا الى صحة الحمل.
وبالتأمل في الامر الثاني المتقدم يتضح اندفاع هذه المناقشة اساساً فقد اوضحنا فيه وجه الاستكشاف بحيث لا يبقى مجال لهذه المناقشة.
ونكتفي هنا بالإشارة الى بعض المسامحات في كيفية تقريرها:
ان الصحيح كما هو رأي صاحب المناقشة ايضاً هو ان المجاز ليس من استعمال اللفظ في غير ما وضع له بل اللفظ مطلقاً يستعمل فيما وضع له والاتصاف بالتجوز بلحاظ اقتران الاستعمال بقرينة دالة على ان المراد التفهيمي غير المراد الاستعمالي وان المتكلم قد طبّق في نفسه المعنى على حقيقة اخرى من باب اعطاء حد شيء لشيء آخر وحمله عليه. فلا يتحقق التجوز الا بنوع من الحمل بين المعنيين بداع من الدواعي ويصححه علقة بينهما كما اوضحناه في محله. ومن ذلك يتضح وجه الاتصاف بعدم صحة الحمل. فليس هناك بون بعيد بين صحة الحمل بلا عناية وعدمها وبين الحقيقة والمجاز كما ادّعي.
ان الحمل وان كان عملاً ذهنياً الا انه لا يتخلى عن اللفظ وقد مر الكلام حول تأثير اللغة في الفكر وان الانسان يتصور الموضوعات التي يفكر حولها في إطار الالفاظ وبتأثير من وحي اللغة.
ان الحمل كما قلنا ذهني ولفظي فلو استبعد علامية الحمل الذهني فلا مانع من تجربة الحمل اللفظي.
**المناقشة الثانية:** ان ما ذكر على تقدير صحته انما يتم في الحمل الاولي الذاتي حيث يدل على وحدة المفهومين واما الحمل الشايع فلا ربط له بأثبات المعنى الحقيقي اذ لا يرتبط بمفهوم الموضوع والمحمول بشيء وانما يدل على اتحادهما وجوداً ولا ربط له بمرحلة استعمال اللفظ.
والجواب عن هذه المناقشة يتبين بملاحظة ما تعرضنا له في الامر الاول من الفرق بين الحمل الشايع الذاتي وغير الذاتي فالأول حيث يدل على تحليل مفهومي يكشف عن توسعة المفهوم واما غير الذاتي فلم نقل بكونه علامة تبعاً للمحققين الخراساني والاصفهاني قدس سرهما.
كـمـا يـنـدفـع الاعـتـراض بـانـه لا فـرق بـيـن نـوعـي الـحـمـل الـشـايـع وان المحمول في كليهما مردد بين معان متعددة انما التردد في أحدهما اوسع من الآخر بما ذكرناه من ان الحمل الشايع الذاتي هو الذي يبين سعة المفهوم المشكوك صدقه وان الشايع غير الذاتي لا يفيد الا الاتحاد الوجودي فقط.
وهناك مناقشات اخرى على غرار المناقشات الواردة في التبادر وقد ذكرناها واجبنا عنها فيقال:
ما هو الدليل على كون الحمل انفعالاً من اللاشعور فلعله متأثر بالقرائن الحالية؟
وما هو الدليل على كون الانفعال من المجتمع اللغوي كي يثبت الربط اللغوي وهو المقصود؟
وما هو الدليل على كون الترابط امتداداً للترابط اللغوي في مجتمع صدور النصوص الشرعية مثلاً؟
والجواب هنا هو الجواب هناك فراجع.
وأما صحة السلب و علاميتها للتجوز فلا بد للبحث عنها من مقدمة نتعرض فيها لانقسام السلب وانه إمّا سلب اولي ذاتي وإمّا سلب شايع صناعي كما أن الثاني ينقسم ايضا الى ذاتي وغير ذاتي.
ويكفي في الاذعان بوجود هذه الاقسام المقابلة بين الحمل والسلب الا أن السيد البروجردي قدس سره ناقش في ذلك وذهب الى ان السلب نوع واحد.
توضيح ما أفاده: ان مفاد القضية السالبة سلب الاتحاد والربط بين الموضوع والمحمول وهذا المفاد لا يصدق الا مع انتفاء جميع انحاء الترابط. اذن فالقضية الحملية وان كانت على قسمين الا ان السلبية قسم واحد تعتبر نقيضاً لكلا قسمي الحملية.
وعليه فقضية (الجزئي ليس بجزئي) كاذبة لصدق قولنا (الجزئي جزئي بالحمل الاولي) وصدق نوع من الارتباط بين الموضوع والمحمول يناقض صدق السلب بينهما.
وكذلك لا يصدق قولنا (الانسان ليس بحيوان) بدعوى ان السلب بلحاظ التغاير المفهومي وذلك لصدق قولنا (الانسان حيوان) اي بالحمل الشايع وقد عرفت ان صدق نوع من الارتباط لا يجتمع مع صدق السالبة.
وعلى هـذا الاسـاس يـنـدفـع الاعـتـراض الـذي وجـهـه بـعـض الـمـتـأخـريـن على قدماء المناطقة حيث استدرك عليهم في اعتبار انحاء الوحدة الثمانية للتناقض بان من انحاء الوحدة المعتبرة هو وحدة الحمل فيصح القول بان الجزئي جزئي بالحمل الاولي وليس بجزئي بالحمل الشايع. والانسان حيوان بالحمل الشايع وليس بحيوان بالحمل الاولي.
وحاصل الجواب ان القضيتين السالبتين كاذبتان لما تقدم.
ولكن هذا الجواب غير صحيح اذ لو سلمنا صحة تقسيم الحمل الى قسمين و أنكرنا صحة تقسيم السلب لزم ارتفاع النقيضين.
بيان ذلك ان في المثال المذكور يصدق قولنا الجزئي جزئي بالحمل الاولي ولا يصدق الجزئي جزئي بالحمل الشايع لانه كلي كما هو واضح فاذا أنكر صدق القضية السالبة الجزئي ليس بجزئي نظراً الى تحقق نوع من الارتباط والمفروض انها نقيض لكلتا القضيتين الموجبتين لزم كذب النقيضين معاً فالموجبة الثانية كاذبة ونقيضها السالبة كاذبة ايضاً بالفرض. وهذا محال.
اذن فلا بد من الاعتراف بان لكل قضية موجبة نقيض سالب بإزائها فقولنا الجزئي جزئي بالحمل الاولي تناقضه قضية الجزئي ليس بجزئي مفهوماً. وقضية الجزئي جزئي بالحمل الشايع تناقضها قضية الجزئي ليس بجزئي بالحمل الشايع.
وهناك جواب آخر عن الاعتراض على المنطقيين وهو ان ما ذكر وان كان صحيحاً الا انه لا حاجة الى الاستدراك بوحدة الحمل بل يمكن الاكتفاء عن ذلك بوحدة الموضوع نظراً الى ان مرجع الحمل الاولي الى ان الموضوع عبارة عن نفس المفهوم ومرجع الحمل الشايع الى انه ملحوظ مرآة للأفراد فالاختلاف بين نوعي الحمل ليس بلحاظ أن الهوهوية في أحدهما مفهومية وفي الآخر وجودية بل الاختلاف ناشئ من اختلاف الموضوع فالموضوع في قولنا الانسان حيوان ناطق هو مفهوم الانسان وفي قولنا الانسان حيوان هو الانسان بما انه مرآة للأفراد.
وهذا غير صحيح ايضاً مع قطع النظر عما اسلفناه وذكرناه من ان الكلي ليس مرآة للأفراد وانه لا يحكي عما ينطبق عليه بل عما يطابقه وهو نفس الجهة الجامعة وذلك لان هذا الجواب لا يصح فيما إذا قلنا الانسان كلي بالحمل الشايع فهذه القضية صادقة مع ان الموضوع ليس حاكياً عن الافراد بل طبيعي الانسان هو الكلي وكذلك قولنا الجزئي كلي بالحمل الشايع ونظائره.
فتبين ان السلب لا بد من تقسيمه ايضاً الى اولي ذاتي وشايع صناعي.
بعد هذه المقدمة نرجع الى صلب الموضوع وهو ان صحة السلب هل هي علامة المجاز ام لا؟
اما على رأي السيد البروجردي قدس سره من ان صدق السالبة يتوقف على انتفاء جميع انحاء الارتباط بين الموضوع والمحمول فالعلامية واضحة اذ لا يبقى مجال لصحة الحمل الا العناية والتجوز.
واما على الرأي الآخر فالسلب الاولي المقابل للحمل الاولي يدل على تغاير المفهومين نحو الانسان ليس بأسد فلا شك حينئذ ان إطلاق الاسد على الانسان يحتوي على العناية والتجوز.
واما السلب الشايع فان كان ذاتياً بمعنى سلب تقرر حصة من المحمول في الموضوع نحو زيد ليس بحمار فهو لا يدل على سلب جميع انحاء الارتباط لصدق هذا السلب عن مورد اتحاد المفهومين اذ لا اشكال في عدم تقرر حصة من المحمول في الموضوع حينئذ فيصح قولنا الجزئي ليس بجزئي بالحمل الشايع الذاتي بمعنى ان حصة من الجزئي لم تتقرر في الجزئي وذلك واضح لوحدة المفهومين ولا شك ان هذا السلب لا يدل على التجوز كما هو واضح.
و اما الـسـلب الشايـع غـيـر الـذاتـي فـهـو لا يـصـدق الا مـع سـلب جميع انحاء الارتباط فقولنا الحمار ليس بكاتب بالقوة معناه انه لا هوهوية بينهما ولا يتقرر حصة من المحمول في الموضوع ليس هناك اتحاد وجودي بشكل من الاشكال وحينئذ لا يبقى مجال للإطلاق الا بالعناية والتجوز.
**المبحث التاسع**
**في الحقيقة الشرعية**
بعد ان تبين ان الاستعمال حقيقي ومجازي وان الاستعمال الحقيقي يتوقف على ثبوت العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى يقع الكلام في انه هل هناك الفاظ موضوعة لمعان مستحدثة حسب اصطلاح الشرع المقدس ام لا؟
فالصلاة والصوم والحج ونحوها لها معانٍ لغوية هي التوجه والامساك والقصد ومعان مستحدثة وهي الافعال الخاصة او الامساك على وجه خاص وهذه المعاني امور تكوينية وقد تحققت العلقة الوضعية بين هذه الالفاظ والمعاني المستحدثة في استعمالات المتشرعة الاّ ان الكلام في ان استعمالات الشارع – والمقصود به النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم – هل كان على وجه الحقيقة ام لا؟
هكذا تقررت المسألة في مباحث القوم. وقد أبدى المحقق الخراساني احتمالاً غيّر وجهة البحث نوعاً ما وهو أنّ بعض هذه الالفاظ قد استعملت في الشرائع السابقة في نفس المعاني وعليه فالعلقة الوضعية ثابتة قبل زمان الشارع. ولكن البحث بقي على اساس وجود معان تكوينية مستحدثة لهذه الالفاظ ومحور السؤال هو زمان تحقق العلقة الوضعية بينها وبين الالفاظ.
وعلى اساس هذا البحث نشأ البحث التالي في الصحيح والاعم حيث يقع السؤال في ان المعنى المستحدث في اصطلاح الشارع هل هو الصحيح التام او الاعم منه ومن الفاسد واما لو فرضنا عدم تحقق العلقة الوضعية في استعمالات الشارع فالبحث التالي بحاجة الى تصحيح في الصياغة.
هـذا ولكن هـناك احـتمال آخـر – وهو الصحيح – ويتم لنا توضيحه في ضمن امـور:
**الامر الاول:** ان العلقة الوضعية – على افتراض تحققها – لا بد ان تكون على وجه الوضع التعيني لبعد احتمال اعلان الشارع عن وضعه اسماً خاصاً للماهية الخاصة حتى يكون الوضع تعيينيا فلا بد من ملاحظة كيفية تحقق الوضع التعيني.
وقد تبين من المباحث السابقة ان الاستعمال المجازي هو الذي يحقق الوضع التعيني بالتطور فان المجاز عبارة عن إعطاء حد شيء لشيء آخر بداعي التأثير في المشاعر استمداداً من تأثير اللفظ بما له من المعنى الحقيقي حيث ان الاعتبار الادبي ليس الا محاولة للتأثير النفسي وقد قيل ان الادب هو فن التلاعب بالضمائر والعواطف.
فالاستعمال المجازي ليس في المعنى غير الموضوع له وانما يمتاز عن الاستعمال الحقيقي في مرحلة التطبيق حيث يطبّق المعنى الموضوع له على شيء آخر وبكثرة التطبيق وتكرره يتحقق ربط ذهني في مرحلة اللاشعور بين اللفظ ومعنىً آخر وهذا هو الوضع التعيني.
وهو على قسمين:
**القسم الاول:** ان تكون حصيلة العملية السابقة ايجاد العلقة الوضعية بين اللفظ ومعنىً آخر له كيان مفهومي ثابت. وهذا المعنى الثاني قد يكون له اسم سابق وقد لا يكون نظير ما يقال من ان الغالب في الاسماء انها في بدء الامر موضوعة لمعان محسوسة ثم بالمناسبة تحولت مداليلها الى معان غير محسوسة كالإرغام فانه بمعنى وضع الانف على التراب ثم تحول الى معنى الاذلال والاكراه ونحو ذلك. وهكذا العقل والكتابة ونحوهما. ولتوضيحه محل آخر.
**القسم الثاني:** ان تكون حصيلة العملية السابقة امرين:
تحقق نوع اعتباري للمعنى.
الربط بين اللفظ وهذا النوع الاعتباري.
والغرض بيان حقيقة هذا القسم من الوضع التعيني المزدوج الشخصية حيث انه حال كونه مشتركاً مع القسم الاول في احداث العلقة الوضعية يختص بإبداع مفهوم جديد مع قطع النظر عن دلالة اللفظ وبعبارة ادق تحول مفهومي للمعنى.
والسرّ في الفرق بين القسمين ان في موارد التطبيق المتكرر الموجب لتحقق العلقة الوضعية تارة تختفي الناحية الاحساسية المصححة للتطبيق والمعبر عنها في اصطلاح الادباء بوجه الشبه وتبرز معالم المعنى المنطبق عليه فيتحقق القسم الاول وتارة يكون الامر بالعكس فيقوى النظر الى الجهة الاحساسية حال التطبيق بحيث يوجب تبدلاً في محتوى اللفظ بما له من المعنى الاول فيجرده عن جهة كاشفيته عن ذات المعنى الواقعي التكويني بحيث يطغى على المعنى الطابع الاحساسي المذكور فيتحقق القسم الثاني.
ويمكن ان نستوضح ذلك بملاحظة بعض الامثلة.
فمنها الميتة، حيث انها موضوعة للحيوان الذي يموت حتف انفه ويطبق هذا العنوان (اللفظ بما له من المعنى) على كل حيوان زهق روحه على غير الوجه القانوني المعترف به عرفاً او شرعاً وذلك للاستمداد من لفظ الميتة بما له من المعنى بلحاظ تنفر الطبع البشري عنها فيتوصل بذلك الى تنفير الطباع عن الحيوان الذي لم يذبح على الوجه الصحيح.
وتكرر الاستعمال هنا لم يوجب تحقق الربط الذهني والعلقة الوضعية بين اللفظ ومورد تطبيق العنوان بل اوجب تحقق الماهية الاعتبارية حيث تحققت – في قبال ماهية المذكى التي لها اعتبار قانوني – ماهية اعتبارية اخرى عبّر عنها بالميتة وهي ما يستحسن ان يجتنب عنه في الاكل والاستصحاب حال العبادة او في اماكنها. فالمعنى الجديد هو كل ما يوجد فيه هذا الاثر الاحساسي.
وهكذا القذر والنجس حيث ان الموضوع له فيهما هو ما يتنفر منه الطبع ثم طبق العنوان (اللفظ بما له من المعنى) على موارد لا يتنفر منها الطبع لمصالح تشريعية كالكافر والخمر والعصير العنبي – بناءا على نجاستها – وتكرر التطبيق أحدث ماهية اعتبارية من سنخ الاحكام هي الموضوع له بحسب الاصطلاح الشرعي. ومعنى ذلك ان معنى اللفظ يستبطن بتكرر هذا التطبيق ذلك الاثر الاحساسي الذي كان ملاك التطبيق.
اذن فتكرر التطبيق المجازي تارة يوجب تحقق العلقة الوضعية بين اللفظ وما طبق عليه واخرى يوجب تحقق الماهية الاعتبارية واستبطان معنى اللفظ لذلك الاثر ملاك التطبيق. فما هو السرّ في ذلك؟
الظاهر انّ السبب هو ان كثرة التطبيق في القسم الاول يصاحبها الذهول عن ملاك التطبيق بتكرره ولذلك تتحقق المرآتية بين اللفظ ونفس المعنى ويصاحبها في القسم الثاني مزيد اهتمام بملاك التطبيق بحيث يعدّ ذلك الملاك اساساً في التطبيق و جزءاً من المعنى وحينئذ فالتكرر يوجب اندماجه في المعنى وحيث كان ذلك ماهية اعتبارية استوجب تحقق ماهية اعتبارية يكشف عنها اللفظ. فاطلاق لفظ (حاتم) مثلاً حيث كان مع التركيز على اعتباره كاشفاً عن الجود اندمج فيه ذلك المعنى فأصبح بالتكرر تعبيراً آخر عن معنى (الجواد).
وبين القسمين فرقان:
**الفرق الاول:** ان الموضوع له في القسم الاول ماهية تكوينية ويترتب عليه ان انطباقها على افرادها قهري لا يؤثر فيه الجعل وجوداً وعدماً بخلاف الماهيات الاعتبارية فإنها تنطبق على افرادها بمعونة الجعل ونعبر عنه بمتمم الجعل التطبيقي.
والموضوع له في القسم الثاني من هذا القبيل ومن هنا نجد ان عنوان الميتة بعد ان اندمجت فيه احكام الميتة الحقيقية وتحققت الماهية الاعتبارية يطلق على حيوان بموجب قانون وهو في قانون آخر ينطبق عليه عنوان المذكى.
**الفرق الثاني:** ان الوضع التعيني في القسم الاول يبدل مفهوم اللفظ تماماً فالرجل الشجاع مغاير مفهوماً للمعنى الاول لكلمة الاسد – مثلاً – بينما لا يوجب الوضع التعيني في القسم الثاني تغايراً مفهومياً وانما يكتسب المعنى بسببه صبغة الاعتبار فالميتة مثلاً لا يختلف مفهومها الثاني عن المفهوم الاول اي ما مات حتف انفه الا من جهة واحدة وهو كون المفهوم الاول عنواناً لأمر تكويني والمفهوم الجديد عنواناً لأمر اعتباري لوحظ فيه نفس احكام الامر التكويني.
وبعبارة اخرى: معنى الميتة حقيقة هو ما مات حتف انفه ومعناه الجديد الاعتباري هو كل ما كان واجداً لأحكام الميت حتف انفه حسب القانون العرفي او الشرعي على اختلاف الانظمة والعادات.
وهكذا عنوان القذر والنجس لم يختلف مفهومه بهذا الوضع التعيني الا ان النجس كان معناه هو ما ينفر منه الطبع تكويناً وأصبح معناه الآن كل ما ينفر منه الطبع تشريعاً واعتباراً او بالأحرى ما تحاول الشريعة تنفير الطباع منه بإيجاب الاجتناب عنه.
ومثال آخر هو الدينار الذي كان في البدء اسماً لمثقال من الذهب المسكوك والغرض من ضرب السكة امران:
(الاول) ان يكون النقد وسيطاً لنقل السلع وتمليكها بعد ان كان التبادل بنفس السلع. (الثاني) ان يكون النقد مقياساً لمالية السلع.
ولما دعت الحاجة الى زيادة توفير النقد اخترع الورق النقدي واعتبرته الدول وسيطاً ومقياساً وأطلق بعضهم على اوراقه النقدية اسم الدينار بلحاظ هاتين الخصوصيتين وهذا الاطلاق في بدو حدوثه يعتبر اطلاقاً ادبياً ومع العناية ولكن مع كثرة الاستعمال اكتسبت كلمة دينار مفهوماً اعتبارياً فخرجت عن معناها الاصلي وهو الذهب المسكوك وأصبح معناها كل ما يوجد فيه الميزتان السابقتان مع لحاظ اعتباره بهذا الاسم لدى الحكومة التي اعتبرته نقداً لها. وبذلك لم يبق للدينار مفهوم تكويني بل أصبح صدقه تابعاً لاعتبار المعتبر.
**الامر الثاني:** الظاهر ان الصلاة من هذا القبيل اي من الماهيات الاعتبارية التي تنشأ بسبب الوضع التعيني فان الاصل اللغوي في هذه الكلمة هو العطف واللين والميل والخضوع كل ذلك بمعناه التكويني. ولا يصدق هذا العنوان بمعناه الحقيقي على جميع افعال الصلاة سواء لوحظ العطف والميل صفتين للأجسام او من حالات النفس.
وعليه فالانطباق يتوقف على العناية والاعتبار الادبي. وكثرة التطبيق – كما مرّ – احدثت الماهية الاعتبارية حيث اعتبر هذه الافعال الخاصة لينا وخضوعاً اعتبارياً على اختلاف الشرائع في كيفية الصلاة فالاختلاف لا يرجع الى اختلاف في المفهوم بل في مقام التطبيق بمعنى ان كلاً من الشرائع اعتبر مجموعة خاصة من العمل والقول صلاة واما مفهوم الصلاة فلم تختلف فيه الشرائع بل مفادها ماهية اعتبارية هي ما تحقق الخضوع الاعتباري للمربوب بالنسبة الى خالقه. وسيأتي ان استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى لا يختص بالمسلمين. اذن فصدق مفهوم الصلاة خاضع للجعل والاعتبار ومتوقف على متمم الجعل التطبيقي حسب اختلاف الانظار في تطبيقه.
ولكن المحقق الاصفهاني ناقش في كون الصلاة ماهية اعتبارية قال في حاشيته على الكفاية ما ملخصه:
(واما جعل الهيئة التركيبية معنونة بعنوان الصلاة اي جعلها عطفا وتذللا كجعل المالية والملكية فمدفوع بان كون الشيء تذللا وتعظيما وان كان مما تتفاوت فيه الانظار لكن التفاوت بالخصوصيات فحقيقة التعظيم كون الفعل بحيث يمكن ان يقصد به الاعظام وان كانت الانظار تختلف في تلك الحيثية. والهيئة التركيبية فيما نحن فيه لها آثار واقعية ليست بجعل جاعل وكذلك هي ذات خصوصية فبي نظر الشارع بحيث يمكن ان يتذلل بها العبد وهذا بخلاف الملكية فان كون الفعل ذا خصوصية مقتضية لاعتبار الملكية لا يوجب اتصافه بعنوان الملك قبل اعتبار المعتبر للملكية).[9]
ويمكن تقريب ما ذكره رحمه الله بأن الصلاة لا تقاس بالملكية والمالية ونظائرهما من الامور الاعتبارية التي تختلف فيه الانظمة والتقاليد حيث يعتبر الخمر والخنزير لدى بعض الملل والاديان مالين ولا يعتبران مالين في الشريعة الاسلامية. كما ان اسباب تحقق الملكية الاعتبارية مختلفة في الاديان والقوانين.
فهذا الاختلاف ينشأ من اختلاف الاعتبار ولذلك ذكروا ان الاعتباريات تختلف باختلاف الانظار ولكن الصلاة ليست من هذا القبيل بل هي محققة للخضوع واقعاً وهذا الامر الواقعي تختلف فيه الانظار اي تختلف فيما يحققه وقد حكم الشارع انه يتحقق بالأعمال الخاصة (الصلاة). فهذا امر واقعي كشف عنه الشارع كالمفاهيم العلمية الكونية التي تختلف فيها الآراء والانظار بخلاف الاحكام الوضعية كالملكية والمالية والزوجية التي تختلف باختلاف الانظار والصلاة نظير المصالح التي تصحح اعتبار الملكية والزوجية وهي امور واقعية وليست من قبيل نفس الملكية والزوجية.
واساس هذه النظرية هو ان الاعتبار سواء كان ادبياً ام قانونياً لا بد ان يخالف التكوين اذ لا معنى لاعتبار الخضوع الواقعي خضوعاً والصلاة خضوع واقعي من المربوب بالنسبة الى خالقه.
وهذا الاساس صحيح في نفسه الا ان تطبيقه في المقام غير ظاهر لوضوح ان الاعمال الخاصة التي نعبّر عنها بالصلاة لا ينطبق على جميعها عنوان العطف والميل واللين واقعاً لا بلحاظ تحقق هذه الصفات في الاجسام ولا بلحاظ كونها من صفات النفس اذن فالصلاة عطف وخضوع اعتباري تابع للمصلحة المصححة للاعتبار كالأحكام الوضعية.
ويشهد لذلك انا لا نجد بين افراد الصلاة المختلفة في الشريعة الاسلامية وجه اشتراك لا يشاركها فيه بعض العبادات الاخرى فصلاة الغرقى والصلاة الايمائية وصلاة المطاردة لا يشترك مع صلاة المختار في وجه أقرب مما يشترك فيه الطواف – مثلاً – معها. فما هو السبب في عدم اعتبار الطواف عطفاً وليناً مع اعتبار هذه الانواع المتخالفة من العبادة صلاة اي عطفاً وليناً واقعياً كما هو المفروض؟!
**الامر الثالث:** قد تبين مما سبق ان الماهيات الاعتبارية على قسمين يطلق على احدهما عنوان الاحكام من وضعية وتكليفية وعلى القسم الآخر الماهيات الجعلية كما حكي ذلك عن الشهيد قده وغيره من الفقهاء.
وأقرب ما يمكن ان يقال في وجه الفرق بين القسمين هو ان الماهية الاعتبارية تارة تحمل على الامر الخارجي بنحو هوهو كالدينار والميتة والصلاة ونحوها ويعبر عنها بالماهيات الجعلية وتارة تحمل على الامر الخارجي بنحو ذو هو اي الاشتقاق كالملكية والزوجية فيقال هذا مملوك و زوج ونحو ذلك وهذا القسم يعبّر عنه بالأحكام الوضعية او التكليفية.
فالفرق مجرد اصطلاح والا فالقسمان يشكلان موضوعات تمهيدية للأحكام التكليفية وذلك لما سيأتي في مبحث الاحكام الوضعية من ان قانون انتخاب الاسهل يقضي باختراع موضوع تمهيدي وماهية اعتبارية للتعبير عن الامور المتباينة إذا كان يجمعها الحكم الشرعي فنعبر – مثلا – عن جميع ما يجب الاجتناب عنه في الاكل واستصحابه حال العبادة مع ملاحظة احكام اخرى بالنجس.
ولعله على هذا الاساس قال الشهيد الاول قدس سره في قواعده:
(الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم وسائر العقود لا يطلق على الفاسد الا الحج لوجوب المضي فيه).[10]
والكلام هنا فيما ذكره بالنسبة الى العبادات واما المعاملات فسيأتي البحث عنها في المقام الثاني.
ومن هنا يتضح انه لا يرد عليه ما اشتهر من الاعتراض عليه بان الصلاة والصوم والحج ونحوها ليست ماهيات جعلية اعتبارية وانما هي اي كل منها مجموعة امور تكوينية متفرقة مختلفة الحقائق توجه اليها امر واحد فاكسبتها وحدة اعتبارية. والفرق كبير بين الماهية الاعتبارية و المتكثرات المتحدة بوحدة اعتبارية كالدار مثلاً التي تعتبر امراً وحدانياً مع انه مركب من مجموعة امور متفرقة جمعها الاعتبار.
ويستفاد من بعض عبارات المعترضين ان وحدة الاعمال في مثل الصلاة تكوينية ايضاً وليست اعتبارية وهي ناشئة من وحدة اللحاظ.
والجـواب ان الـشهـيـد لـم تشتبه عـليه الـماهـية الاعـتـبارية بالواحد وحدة اعتبارية بل هو يدعي ان هذه الامور ماهيات اعتبارية وتحقيقه ما ذكرناه.
واما توهم كون الوحدة تكوينية فهو واضح البطلان لان الوحدة في الحقيقة انما هي من شؤون الامر المتعلق بهذه الكثرات والامر اعتباري فلابد ان تكون الوحدة التي هي من شؤونه اعتبارية ايضاً. ويمكن دعوى سبق اعتبار الوحدة على تعلق الامر كسائر المركبات الاعتبارية التي تعتبر متحدة كالدار.
**الامر الرابع:** في اقامة الشواهد على ما ذكرناه من ان الصلاة ماهية اعتبارية وان اختلاف الملل والنحل انما هو في تطبيقها على المصاديق.
قال المحقق الخراساني قدس سره بعد دعوى ثبوت الحقيقة الشرعية (هذا كله بناءا على كون معانيها مستحدثة في شرعنا وأما بناءا على كونها ثابتة في الشرائع السابقة كما هو قضية غير واحد من الآيات مثل قوله تعالى "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم" وقوله تعالى "وأذن في الناس بالحج" وقوله تعالى "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا" إلى غير ذلك فألفاظها حقائق لغوية لا شرعية واختلاف الشرائع فيها جزءا وشرطا لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية إذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا كما لا يخفى)([11])
وذيل عبارته يناسب ويوافق المسلك المختار كما هو واضح.
وقد اعترض عليه بانه لا دليل على كون الصلاة في شرعنا والصلاة في الشرائع السابقة افراداً لحقيقة واحدة بل هناك احتمال الاختلاف في الحقيقة وكون الاطلاق مجازياً نعم لو ثبتت الحقيقة الشرعية في زمان نزول الآيات أمكن التمسك بظاهر الإخبار بها ولكن ذلك غير ثابت. واما ورود كلمة الصلاة في انجيل برنابا فهي بمعنى الدعاء والصلاة بهذه الكيفية الخاصة من الاجزاء والشرائط والموانع مستحدثة لا محالة.[12]
ولا بـدّ مـن مـلاحـظـة الآيـات والـروايـات لـدراسـة الـمـوضـوع.
قد ذكرنا في مبحث النسخ من مباحث التعارض ان المستفاد من الآيات والروايات ان شريعة السماء واحدة من لدن آدم عليه السلام الى يوم القيامة وان الدين الذي اتى به الانبياء عليهم السلام منهج واحد في معارفه الاساسية واصول احكامه ودعائمه وان الاختلاف انما هو في جهات ثانوية تكميلية. وان الاسلام بالمعنى الخاص هو الدور الاخير من ادوار تكامل الشريعة الالهية. وكلها اسلام. وقد اهتم القرآن المجيد بهذه الملاحظة واكّد على وحدة الاديان روحاً واساساً.
واليك نموذجاً من الآيات حول هذا الموضوع:
قال تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ...).([13])
وقال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ...).[14]
ومن الآيات ما تؤكد إتّباع ملة ابراهيم عليه السلام. قال تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ...)[15]
وقال تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).[16]
وقال ايضا (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [17]
وقال عزّ من قائل (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[18] الى غير ذلك من الآيات.
ومن الروايات ما يدل على ان الانبياء عليهم السلام كانوا يدعون الى الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من اصول الشريعة وكذلك كانوا ينهون عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن فكأن مجموعة الشرائع صفوف مدرسة واحدة تختلف برامجها بالإجمال والتفصيل. وقد عقد في كتب الحديث ابواب تدل على ذلك منها (باب بدو الكعبة والحرم) ومنها (باب من اراد الكعبة بسوء قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم). ومنها (باب حج آدم عليه السلام) و(باب حج ابراهيم واسماعيل عليهما السلام) و(باب حج سائر الانبياء عليهم السلام) وابواب في الصلاة وغير ذلك.
واما الآيات الدالة على وجود نفس هذه العبادات في الشرائع السابقة فكثيرة نذكر بعضها:
قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ).[19]
وقال تعالى حكاية عن قول ابراهيم عليه السلام (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ..) (الى ان يقول) (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي..).[20]
وقال تعالى حكاية عن نصائح لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ..).[21] وعن لسان عيسى عليه السلام (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).[22]
وقال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ..).[23]
وقال تعالى في شأن اسماعيل عليه السلام: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)[24] وفي شأن زكريا عليه السلام: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى..).[25]
ودفعاً لاحتمال كون الصلاة عندهم نوعاً آخر من العبادة نراجع الروايات الشارحة للآيات وهي على قسمين:
**القسم الاول:** الروايات الواردة بشأن صلوات الانبياء كلاً على حدة ففي الوسائل روايتان في الباب 2 من ابواب اعداد الفرائض وهما حـ7 وحـ99 وردت في احداهما صلاة آدم عليه السلام بالصلوات الخمس وفي الاخرى صلاته في الجملة.
وفي المستدرك ايضاً روايات اخرى في هذا الباب راجع جـ1 ص188 جـ4 وفي ص196 حـ1 ب2 من القبلة: ان الله امر آدم عليه السلام ان يصلي الى المغرب ونوحاً عليه السلام ان يصلي الى المشرق... الحديث.
وفي الوسائل جـ2 ص774 حـ13 الباب 5 مـن صلاة الجـنازة حـديث في صـلاة هـبة الله عـلى آدم عليهما السلام وانـه عـلى غـرار صلاة الميت عندنا.
وفي المستدرك ثلاثة أحاديث بشأن الصلاة على آدم عليه السلام جـ1 ص113 حـ4 من ب6 من صلاة الميت وص114 حـ18 وص115 حـ21.
واما صلاة نوح عليه السلام فقد ورد بشأنها أحاديث معتبرة تعليلاً لجواز الصلاة في السفينة واقناعاً لمن يرغب عنها بقولهم عليهم السلام: (اما ترضى ان تصلي بصلاة نوح عليه السلام) وهي عدة روايات راجع جامع الأحاديث جـ2 ص200 ب12 من القبلة (حكم الصلاة في السفينة) الأحاديث من 1 الى10.
واما صلاة ابراهيم عليه السلام فقد ورد في المستدرك ص196 حديث حولها وفي ص235 حديث ورد فيه صلاته في مسجد الكوفة.
وقد ورد في حديث تفسير الصلاة التي ورد ذكرها في كلام عيسى عليه السلام بهذه الصلاة.
روى الكليني قدس سره بسند معتبر عن معاوية بن وهب قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام عن أفضل ما يتقرب به العباد الى ربّهم وأحب ذلك الى الله عز وجل ما هو؟ فقال عليه السلام: ما اعلم شيئاً بعد المعرفة افضل من هذه الصلاة الا ترى ان العبد الصالح عيسى ابن مريم عليه السلام قال: (واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا).[26] ولا شك ان الصلاة في عهد الامام الصادق عليه السلام كانت حقيقة في هذا العمل الخاص وخصوصاً بملاحظة اسم الاشارة (هذه الصلاة).
وورد في حديث آخر ذكر صلاة زكريا عليه السلام.
روى الصدوق قدس سره مرسلاً عن الصادق عليه السلام ( ان طاعة الله عز وجل خدمته في الارض وليس شيء من خدمته يعدل الصلاة فمن ثم نادت الملائكة زكريا وهو قائم يصلي في المحراب).[27]
وفي بعض الأحاديث ذكر صلاة ادريس عليه السلام. راجع المستدرك جـ1 ص236 وفي بعضها ذكر صلاة سليمان عليه السلام وانه أتى بها بعد الوقت والحديث في مقام تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)[28]
راجـع الـمـسـتـدرك جـ1 ص186 ب6 مـن ابـواب الـمـواقـيـت حـ3 و حـ5. وجامع الأحاديث جـ2 ص12 حـ81 و82 و83.
**القسم الثاني:** ما ورد فيه ذكر صلاة الانبياء بوجه عام او الصلاة في الامم السابقة. وهي كثيرة ايضاً فمنها ما يدل على ان الصلاة عليهم كانت خمسين ركعة وان كان الحديث مستغرباً. راجع المستدرك ص170 و176.
ومنها ما يتضمن اوقات الصلاة لديهم. راجع المستدرك ص186 وص188
ومنها ما تضمن صلاة كل نبي في مسجد الكوفة وبعض المساجد الاخرى راجع ص234.
ومنها ما تضمن ان الصلاة آخر وصايا الانبياء. راجع الوسائل باب استحباب اختيار الصلاة.
والذي نستنتج من هذه الروايات اهتمام الائمة عليهم السلام ببيان مبدأ تشريع الصلاة وانهم كانوا يهدفون بذلك الى التأكيد على وحدة الشريعة الالهية فلا مجال لاحتمال مغايرة صلاتنا مع صلاة الامم السالفة في حقيقتها. هذا مضافاً الى ما سيأتي في الامر الخامس من وحدة التعبير ايضاً.
ولعل منشأ توهم التغاير دعوى وضع الصلاة للأركان وعدم الاعتراف بوضعها للماهية الاعتبارية وان معنى الصلاة هو هذا العمل المشتمل على الاجزاء والشرائط الوجودية والعدمية ومن الواضح ان هذه المجموعة لم تكن واجبة في الامم السالفة.
وهذه الدعوى لا تنهض اشكالاً على صاحب الكفاية كما هو المقصود لما ذكرناه من ان ظاهر كلامه ان الموضوع له هو الماهية الاعتبارية وأن الاختلاف في المحققات فلم يدّع صاحب الكفاية ان صلاتهم كانت بعين الاجزاء والشرائط المعتبرة في صلاتنا. أضف الى ذلك ضعف هذه الدعوى بنفسها حتى على مسلك صاحبها نظراً الى ما سيأتي منه من عدم اعتبار الشرائط وعدم الموانع جزءاً للمسمى في الصلاة وغيرها.
**الامر الخامس:** ان لفظ الصلاة هو الاسم الوحيد لهذه الحقيقة في اللغة العربية قبل الاسلام وبعده وربما يعترض على صاحب الكفاية قدس سره تعليقاً على العبارة السابقة التي نقلناها بان التعبير بالصلاة عن هذه الحقيقة على فرض وحدتها تعبير عربي فمن الواضح ان حكايته عن لسان ابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام انما هي على وجه الترجمة وليست حكاية حرفية وذلك لاختلاف اللغة. اذن فلا بد من البحث عن اول من عبّر عن هذه الحقيقة بلفظ الصلاة من العرب ومن المحتمل ان يكون ذلك هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد حكي عن بعضهم دعوى القطع بان هذه الالفاظ كانت تستعمل لدى العرب الجاهلي في هذه المعاني ولذلك كانوا يفهمون منها هذه المعاني عند تلاوة الآيات المباركات المشتملة على هذه الالفاظ ولم يتوقفوا ويستفسروا عند سماعها.
واجيب عن ذلك بانه لا دليل لدينا من آية ولا رواية ولا شاهد خارجي يدل على ان العرف العربي قبل الاسلام كان يعبر بهذه الالفاظ عن هذه الماهيات. اما في الروايات والشواهد فواضح واما في الآيات فلانه لا مانع من دعوى ان التبادر لدى سماعها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين انما كان من جهة اُنسهم بالمصطلح الجديد.
وفي هذا البيان تأمل من جهة بعد احتمال شيوع استعمال اللفظ في المصطلح الجديد في اوائل البعثة عند نزول الآيات المشتملة على هذه الالفاظ الى حدّ يوجب التبادر عند المشركين خصوصاً بملاحظة قلة عدد المؤمنين وكتمانهم لأسرار الدين الجديد.
أضف الى ذلك ان من الآيات ما يدل على ان العرب كانت تعرف عبادة بعنوان الصلاة مضافاً الى معاشرتهم لليهود والنصارى المتواجدين في الجزيرة العربية بل كان هناك من العرب جماعة يدينون بدينهم.
قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ..).[29] وهذا دليل على تسمية بعض المباني بالصلوات باعتبارها مواضع لهذه العبادة.
قال في لسان العرب (وصلوات اليهود كنائسهم وفي التنزيل لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد قال ابن عباس هي كنائس اليهود وموضع الصلوات واصلها في العبرانية صلوتا وقرأت صلوت ومساجد وقيل انها مواضع صلوات الصابئين).
وقال القرطبي في تفسيره جـ12 ص71: (قال الزجاج والحسن: هي كنائس اليهود وهي بالعبرانية صلوتا. وقال ابو عبيدة: الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في اسفارهم تسمى صلوتا فعرّبت فقيل صلوات).
وقريب من ذلك في مجمع البيان جـ7 ص87.
وكيف كان فيظهر من هذه الآية ان التعبير بالصلاة عن هذه العبادة تعبير عربي قبل الاسلام.
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً..)[30] والآية الشريفة بصدد تخطئتهم في تطبيق الماهية الاعتبارية على ما كانوا يأتون به لعدم المناسبة. والمكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق.
واما الروايات ففيها ما يدل على ان المسلمين كانوا يعبرون عن هذه العبادة لدى اليهود والنصارى بالصلاة ففي جامع الاحاديث جـ2 ص127 روايتان تتضمنان جواز الصلاة في البيع والكنائس وان كانوا يصلون فيها مستشهداً بقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)[31] وهذه الرواية ونظائرها تعدّ عندنا من الشواهد الخارجية على المطلب الا انها بضميمة القول بأصالة عدم النقل والاستصحاب القهقرائي – على القول به – تفيد الثبوت في اصل اللغة.
واما الشواهد الخارجية فهي كما يلي:
أن اليهود كانوا يعبّرون عن الصلاة باللغة العبرية بـ ( تـﭬـلاة )([32]) هذا مع ملاحظة ان اللغة العبرية والعربية متقاربتان وقد قيل: ان الفرق بينهما كالفرق بين لفظي العبرية والعربية بل ذكر المختصون بهذه الابحاث ان جميع اللغات ترجع الى لغة واحدة وانما الاختلاف كان من قبيل اختلاف اللهجات كما يشاهد ذلك في اللغة الواحدة في زماننا وبمرور الايام واتساع رقعة الاختلاف يستقل كل مجتمع بلغته المنشعبة عن اللغة الأم . ونجد الآن اختلاف كل منطقة من العالم عن غيرها في اللغة مع تقارب كثير من اللغات في معالمها الاصلية الامر الذي يؤكد ما ذكرناه والشواهد اللغوية على ذلك كثيرة جداً.
وقد تعرض لهذا الموضوع جمع من الباحثين قال جرجي زيدان: (وساعد العرب على التوسع في وسائل التجارة فضلاً عن توسط بلادهم انهم كانوا يتكلمون لغة قريبة من لغات أكثر الامم المتمدنة في ذلك الحين لان اللغات السامية كانت لا تزال متقاربة لفظاً ومعنى فالعربي والكلداني والآشوري والعبراني والحبشي والفينيقي كانوا يتفاهمون بلا واسطة لقرب عهد تلك اللغات بالتشعب بما يشبه حال اللغات العامية العربية المتشعبة من اللغة الفصحى الآن). ([33])
وتعرض له العقاد ايضاً في كتابه (ابو الانبياء) الى غير ذلك من المصادر.
ويلاحظ ان صلاة اليهود – كما ورد في دائرة المعارف ايضاً – كانت تشتمل على الركوع والسجود. وكانوا يعبرون عن الركوع بـ (كريعا).
ان اليهود والمسيحيين العرب كانوا يعبرون عن هذا العمل قبل الاسلام وبعده بالصلاة ولم نجد في التعابير العربية ما يقوم مقام هذه الكلمة مع انها لا تختص بالمسلمين كما هو واضح.
ان الـمـشـركـيـن ايـضاً كانـوا يـعـبـرون عـن هـذا العـمـل حـيـث يـشـاهدونه من اهل الكتاب بالصلاة. وقد نقل المعلق على مادة (صلاة) في دائرة المعارف الاسلامية شعر اعشى قيس:
فـمـا أيـُبـلـيّ على هـيـكل بـنـاه وصـلّـب فـيـه وصـار
يراوح من صلواته لمليك فطوراً سجوداً وطوراً جؤار([34])
والايبلي هو الراهب. والهيكل مـوضع في صدر الكنيسة يقرّب فيه الـقربان. وصلّب المسيحي عمل اشارة الصليب باليد على نفسه. وصار بمعنى صوّت. وراوح بين العملين اي اشتغل بهذا مرة وبهذا اخرى. والجؤار التضرع ورفع الصوت بالدعاء.
الروايات المعبرة عن هذا العمل العبادي لدى الامم السالفة وانبيائهم بالصلاة وقد مر ذكر بعضها.
**الامر السادس:** في مقارنة اجمالية بين مسلكنا ومسلك الآخرين.
تبين مما قدّمناه ان الصلاة عندنا مستعملة في معناها الاصلي ولكن بعد تطور طرأ عليه فأصبحت الماهية التكوينية ماهية اعتبارية وأنها تنطبق على مصاديقها بمتمم الجعل التطبيقي سواء كان ذلك في شريعتنا ام في الشرائع السابقة.
ويقابل ذلك مسلك افراطي ومسلك تفريطي.
اما الاول فهو مسلك الباقلاني حيث ذهب الى ان الصلاة وغيرها من الفاظ العبادات والمعاملات مستعملة في معانيها الحقيقية دونما طروّ تبدل عليها والآخر المسلك المشهور وهو ان الصلاة مستعملة في نفس العمل الخارجي المركب اي ما نعتبره في مسلكنا مصداقاً للمعنى ومنطبقاً عليه.
اما رأي الباقلاني فيمكن ان يقرب بان الصلاة في اللغة بمعنى التوجه وان الشارع والمتشرعة استعملوها في هذا المعنى مقيداً بقيود خاصة من الطهارة والركوع والسجود فالموضوع له هو واقع التوجه لا التوجه الاعتباري الذي ذكرناه وتدل على ذلك الروايات الدالة على ان أحد فرائض الصلاة هو التوجه بضميمة ما دل من الروايات على ان الصلاة لها حدود فيقال ان المأمور به هو التوجه بحدود خاصة وحينما نلاحظ الحدود نجد انها هي نفس الاجزاء والشرائط وحيث ان الحدود خارجة عن حقيقة الشيء فالصلاة هو نفس التوجه.
هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريبه وهو غير صحيح. اما القول بان الركوع والسجود ونحوهما خارجة عن حقيقة الصلاة وأنها كالطهارة وسائر الشرائط ليست دخيلة في المعنى اصلاً وان حقيقة الصلاة هي نفس التوجه فهو امر مخالف للمتفاهم العرفي من لفظ الصلاة فإنها تطلق على نفس هذا العمل الخارجي وتحمل عليه بنحو هو هو.
واما الروايات التي اعتبرت التوجه من الفرائض في الصلاة[35] فإنما ورد فيها التوجه في ضمن مجموعة الاركان الاخرى.
هذا مع ما ذكرناه في الفقه من ان المراد بالتوجه ما يفتتح به الصلاة وليس معنىً مستمراً مع الصلاة الى نهايتها. ويشهد له ما ورد في الحديث من انه يكفيك في التوجه تكبيرة واحدة.([36]) وهذا هو الدليل المعتمد عندنا في عدّ التكبير من الاركان.
واما حدود الصلاة فليست بالمعنى المصطلح اي التي تعتبر خارجة عن حقيقة الشيء بل بالمعنى اللغوي اعم من ان يكون داخلاً او خارجاً.
واما القول الثاني فهو في الواقع اشتباه بين المفهوم والمصداق وسيأتي في مبحث الصحيح والاعم المضايقات التي حصلت لأصحاب هذا الرأي لتحديد المفهوم الذي وضع له الصلاة اذ لا بد لهم حينئذ من تصوير جامع بين الافراد ليكون موضوعاً له. فاعتبره المحقق الخراساني على ما أشهر من تفسير كلامه جامعاً مقولياً بين الافراد الصحيحة وهو غير معلوم لدينا بعنوانه وانما نتمكن من الاشارة اليه بآثاره ككونه قرباناً لكل تقي وناهياً عن الفحشاء والمنكر. واعتبره بعضهم خصوص الاركان وبعض آخر معظم الاجزاء ولكل من هذه الآراء تقريبات ومناقشات سيأتي البحث عنها في المبحث التالي تبعاً لمنهج الاصحاب.
وهنا نقطتان تكملان المبحث.
**النقطة الاولى:** الكلام حول سائر العبادات.
فمنها الحج. واحتمال كونه حقيقة شرعية او العمل مخترعاً شرعياً ضعيف في الغاية اذ لا ريب ان العرب كانوا يحجّون ويطوفون بالبيت ويقفون في عرفات وغير ذلك من شؤون الحج التي تشابه في اسلوبها مناسكنا الشرعية.
وللحج لغة معنيان: القصد وزيارة الاماكن المقدسة ولا يختص بالعرب فقد ورد في دائرة المعارف الاسلامية: (ولم يكن هذا الحج الى عرفات امراً اختص به العرب فالحج الى معبد من المعابد عادة سامية قديمة جعلت حتى في الاجزاء القديمة من اسفار موسى الخمسة فرضاً يجب اداؤه)([37])
ولكن الصحيح ان ذلك لا يختص بالشعب السامي بل الحج وزيارة المعابد شعيرة في جميع الاديان الراقية.[38]
وقال تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ)[39] وقد وردت الروايات في حج آدم وابراهيم واسماعيل عليهم السلام. وقال تعالى خطاباً لإبراهيم عليه السلام: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِي)[40] ووردت الاشارة اليه في آيات اخرى ايضا. واما حج الجاهلية والتعبير عنه بالحج فالروايات المشتملة عليه كثيرة.
ومنها الزكاة: وهي في اللغة بمعنى النمو كما في المفردات وغيره وبمعنى النظافة والطهارة ويستفاد من ملاحظة المعنى اللغوي ان الزكاة ايضاً موضوعة لماهية اعتبارية وهي عبارة عن حق مالي جعل قانوناً على الاشخاص او الاموال. ويستفاد من رواياتنا انها طبقت في بادئ الامر على الفطرة المتعلقة بالأشخاص.
روى هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام في حديث انه قال: (نزلت الزكاة وليس للناس اموال وانما كانت الفطرة). ([41])
وروى علي بن ابراهيم في تفسيره قال (قال الصادق عليه السلام في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: (واوصاني بالصلاة والزكاة) قال: زكاة الرؤوس لانّ كل الناس ليست لهم اموال).([42])
وورد ذلك في بعض كتب العامة ايضا ومن هنا ذهب بعضهم الى ان الزكاة المعروفة قامت مقام الفطرة ونسخ وجوبها.[43]
ويمكن ان يقال ان الناس كانوا مسبوقين بكلمة الزكاة في اوائل البعثة حيث ورد ذكرها في سورة المزّمل وهي من اوائل ما نزل من القرآن الكريم.
هذا وقد ذكر في دائرة المعارف الاسلامية ان علماء الاسلام يفسرون كلمة (زكاة) في العربية بانها الطهارة او النماء والزيادة. والحقيقة ان النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] استعملها بمعنىً اوسع من ذلك بكثير أخذاً عن استعمالها عند اليهود (في اليهودية الآرامية: زاكوت).([44])
وهذا الكلام يفتقد الدقة فان استعمال كلمة زاكوت في اليهودية بهذا المعنى او معنىً اوسع لا يدل الاّ على ما ذكرناه في الصلاة من وحدة الشرائع في الدعائم والاسس وانحدار اللغات السامية كالعربية والعبرية والسريانية ونحوها من أصل واحد. ومن هنا بقي شيء كثير من التقارب بين العبرية والعربية حتى قيل ان الفرق بينهما كالفرق بين الكلمتين.
هذا ولكننا لم نجد دليلاً او شاهداً على ان العرب الجاهلي كانوا يتعبدون بدفع المال بعنوان الزكاة. نعم كانت الصدقة امراً محبوباً لديهم فالأظهر في الزكاة ايضاً انها كالصلاة في وضعها للماهية الاعتبارية.
ويشكل اسراء مسلك الباقلاني الى الزكاة اذ لا معنى للقول بان الزكاة في العرف الشرعي و المتشرعي يستعمل في النمو المقيد او الطهارة المقيدة.
وكذلك الحال بالنسبة الى المسلك المشهور فان تصوير الجامع في الزكاة أصعب منه في الصلاة فان الزكاة تطلق على اخراج المال المقرر وعلى المال المخرج. والمال المخرج قد يكون من الانعام اي الإبل والبقر والغنم وقد يكون من النقود اي الذهب والفضة وقد يكون من الغلات الاربع وقد يكون من غيرها إذا لاحظنا تعميم الزكاة ولو استحباباً لتشمل الحبوب عامة بل كل ما يكال ويوزن ومال التجارة كما تشمل ما تنطبق عليه زكاة الفطرة. ومن الصعب جداً فرض جامع مقولي او بنحو معظم الاجزاء او خصوص الاركان فيما بين هذه المجموعة المتباينة.
ومنها الصوم. وقد دلت الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[45] على سبق تشريع الصوم بصراحة. وقد اشتملت عدة من الروايات على صوم بعض الانبياء كموسى ونوح و داود عليهم السلام. وتشتمل كتب العامة الروائية على روايات من هذا القبيل ايضاً كما انه موجود في شريعة اليهود والنصارى الى يومنا هذا وان اختلفت الشرائط.
الا ان الكلام في ان العرب الجاهلي هل كانوا يعرفون هذا المفهوم وهل كانوا يعبرون عنه بالصوم ام لا؟
وقد ورد في دائرة المعارف الاسلامية (ان المعنى الاصلي للكلمة في لغة العرب هو الركود والمقام اما الصوم بمعنى الامساك عن الطعام والشراب فيجوز ان يكون مأخوذاً عن الاستعمال اليهودي الآرامي)([46])
ولكن الشواهد اللغوية تدفع هذا الاحتمال حيث ورد الصوم بمعنى الامساك سواء كان عن طعام او شراب او كلام. هذا مما لا كلام فيه انما البحث في ان العرب هل كانت تطلق كلمة الصوم على الامساك عن اشياء خاصة بداعي التعبد والخضوع ام لا؟
الواقع انه ليس لدينا شواهد قطعية بهذا الشأن نعم في البخاري عن عائشة قالت: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله يصومه فلما قدم المدينة صامه وفرض بصيامه فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه). ([47])
وربما يؤيد هذا الحديث ما رواه الصدوق قدس سره (وسنده صحيح) عن زرارة ومحمد بن مسلم جميعاً (انهما سألا ابا جعفر الباقر عليه السلام عن صوم يوم عاشوراء فقال: كان صومه قبل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك) ([48])
وعلى هذا الاساس يمكن ان نقول ان الصوم بهذا المعنى كان معروفاً لدى العرب الجاهلي ولو بلحاظ معاشرتهم لليهود والنصارى ومشاهدتهم هذه العبادة منهم.
هـذا ولـكـن دعـوى تـحـقـق الماهـية الاعـتـبارية في الـصوم بـعـيـدة وذلك لانـه يتوقف على كون الامساك على وجه عام متضمناً لحيثية الخضوع والتذلل حتى يدّعى انه بالتطور أصبح ماهية اعتبارية وطبّق في الشريعة على الامساك الخاص.
وهذا الامر غير ثابت فان الامساك لم يثبت له هذا الوصف بنحو يصبح خاصية احساسية له. ولكن يكفي في منع ثبوت الحقيقة الشرعية لهذه الكلمة ثبوت هذا المفهوم قبل الشريعة الاسلامية بل كونه على هذا النحو تقريباً حيث يستفاد من بعض الروايات ان صوم موسى كان امساكاً عن الطعام والشراب وانه ترك المناجاة مع ربه استحياءاً من خلوف فمه فأوحى الله تعالى اليه ان خلوف فم الصائم اطيب عندي من ريح المسك. ([49])
هذا بالنسبة الى ثبوت هذا المفهوم واما هذا اللفظ فلم يدل دليل على ان الشارع المقدس اول من استعمله فيه بل لعل الشواهد على خلافه.
**النقطة الثانية:** البحث عن ثمرة فقهية لهذا المبحث بالإضافة الى كونه غنياً بالفوائد العلمية والتاريخية واللغوية حيث تعرضنا لتكون الماهية الاعتبارية لبعض المفاهيم التكوينية و لوحدة الشرائع السماوية وتقارب اللغات وتشعبها عن لغة واحدة وغير ذلك من الشؤون.
وقد وقع الخلاف في ثبوت ثمرة فقهية لهذا المبحث. وما قيل او يمكن ان يقال في ذلك وجوه ثلاثة:
**الوجه الاول:** قيل ان الثمرة تظهر فيما إذا وردت هذه الالفاظ في الآيات والروايات ولم تكن هناك قرينة معينة فان ثبتت الحقيقة الشرعية تحمل على المعنى الشرعي والا فإما ان يحمل على المعنى اللغوي او يتوقف في ذلك نظراً الى ان المعنى الشرعي وان كان مجازياً على هذا القول الا انه مجاز مشهور واصالة الحقيقة ليست اصلاً عقلائياً تعبدياً بل هي من فروع اصالة الظهور ومقتضى ذلك التوقف إذا دار الامر بين المعنى الحقيقي والمجاز المشهور.
وقـد اعـترض على هـذا الـوجه صغـروياً بانه لـيـس في الاسـتعمالات الـشرعية استعمال فاقد للقرينة المعنية فالمعنى معلوم بموجب القرينة ولا يبقى مجال لهذا القانون.
ولكن عهدة اثبات هذه الدعوى على صاحبها فبعد الاعتراف باستعمال لفظ الصلاة في كلا المعنيين في لسان الشارع من البعيد ان لا يبقى مورد او موارد يشك في المراد.
ومن المحتمل ان يكون المراد بالصلاة فيما ورد انها في مكان كذا تعادل كذا او لها كذا من الاجر والثواب هو المعنى اللغوي اي الدعاء او المعنى الجامع فيشمل الدعاء.
والاعتراض الصحيح على هذا الوجه هو انه لو التزمنا بثبوت الحقيقة الشرعية او بثبوت وضع الالفاظ لهذه المعاني قبل الشريعة مع الاعتراف بانه كانت تستعمل في المعنى اللغوي ايضاً كما هو واضح ثبت الاشتراك اللفظي دون النقل.
فالصلاة مثلاً تطلق على الماهية الاعتبارية المنطبقة على العمل الخارجي وتطلق ايضاً على الدعاء كثيرا كالصلاة على النبي وآله عليه وعليهم السلام.
وقد وردت بهذا المعنى في الآيات والروايات قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[50]
وقال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).[51]
بل ان بعض الروايات تدل على ان صلاة الميت استغفار له. وعليه فمع عدم وجود القرينة المعينة لا يمكن الحكم بالحمل على المعنى الشرعي ولو مع القول بثبوت الحقيقة الشرعية.
**الوجه الثاني:** انه بناءاً على مسلكنا حيث ذهبنا الى تحقق الماهية الاعتبارية لبعض هذه الالفاظ إذا اعترفنا بانها كانت مما يتعبد به في الشرائع السابقة وورد الامر الشرعي وشككنا في اعتبار بعض القيود أمكن الحكم بثبوت ذلك القيد تمسكاً بالإطلاق المقامي ان كان معتبراً في الشرائع السابقة.
فالصوم مـثلاً ربـما يـشكل عـلى البعـض توجـيه اعـتبار قـصد الـقربة فـيه وذلك بناءاً على المسلك المشهور من انه لغة بمعنى الامساك وان الشارع استعمله في الامساك الـخـاص فـقـد يـقـال بان مقتضى الاطلاق عـدم اعتبار قصد القربة فيه بناءاً على عدم الاعتراف بأصالة التعبدية في الاوامر.
وحينئذ يتمسك لإثبات هذا القيد بالإجماع او بوجوه ضعيفة كالتمسك برواية (بني الاسلام على خمس) حيث عدّ الصوم في عداد الصلاة والزكاة ولا يخفى ضعفه.
واما بناءاً على ثبوت التعبدية للربّ في الشرائع السابقة فيمكن الحكم باعتبار قصد القربة تمسكاً بالإطلاق المقامي فانّ ترك عدم اعتبار القيد مع كونه مسبوقاً في الاعتبار يقتضي اعتباره لدى الشرع الاسلامي ايضاً.
كما يتمسك بهذا الاطلاق في اثبات عدم اعتبار سبب خاص لبعض انحاء البيع تمسكاً بقوله تعالى (احلّ الله البيع) بلحاظ ان البيع مفهوم عرفي سابق على الشريعة ولم يكن مقيداً لدى العرف بسبب خاص ولم يبين الشارع تقيده به.
**الوجه الثالث:** تأثير هذا المبحث في التمسك بأصالة البراءة في موارد دوران الامر بين الاقل والاكثر الارتباطيين في هذه المفاهيم.
اما بناءاً على مسلكنا من كون الصلاة – مثلاً – موضوعة للماهية الاعتبارية وان هذه الاعمال الخارجية مورد تطبيقها وتحقق مصداق لها بمتمم الجعل التطبيقي فيمكن ان يقال – كما يشعر به عبارة المحقق الخراساني – ان هذه الاعمال من قبيل المحققات لتلك الماهية والامر قد تعلق بنفس الماهية فالشك في اعتبار جزء او شرط يرجع الى الشك في المحصِّـل والمحصَّـل والمشهور هو الاشتغال حينئذ الا انه سيأتي في مبحث الصحيح والاعم تقريب لجريان البراءة على هذا القول.
واما بناءاً على مسلك القوم فالرجوع الى البراءة وعدمه في مثل هذا المورد يختلف باختلاف المسالك في الصحيح والاعم. وهذه النقطة ستتم دراستها ان شاء الله تعالى في ذلك المبحث.
فتحصل ان عدم وجود ثمرة لهذا المبحث لا يدعمها دليل.
**المبحث العاشر**
**في الصحيح والاعم**
بعد وضوح ان كل نوع من انواع العبادات والمعاملات بعض افرادها يتصف بالصحة وبعض ما يعد فرداً له يتصف بالفساد فلا بد من تأسيس مبحث يتكفل بيان ما هو مقتضى القاعدة العامة فيما لو وقعت هذه العناوين في كلام الشارع. وأنها هل تحمل على خصوص الصنف الاول او ما يعمه والصنف الثاني؟ فيكون هو المتبع عند فقدان شاهد خاص يعين أحد الامرين. واما مع وجوده فمن الواضح لزوم الجري على وفقه.
وانما عدلنا عما ورد في جملة من الكتب الاصولية من جعل عنوان البحث ان الفاظ العبادات والمعاملات هل هي اسام للصحيح او الاعم منه ومن الفاسد لعدم اختصاص البحث بالقول بالوضع للجامع الصحيحي او الأعمى كما هو مقتضى هذا العنوان. وستتضح هذه النقطة في ضمن المباحث التالية.
ويقع البحث تارة في الفاظ العبادات واخرى في الفاظ المعاملات. اما في القسم الاول فالكلام في جهات:
**الجهة الاولى:** في صياغة هذا البحث تبعاً لما يقتضيه المسالك المختلفة في البحث السابق وهي اربعة:
**المسلك الاول:** القول بثبوت الحقيقة الشرعية وتحقق العلقة الوضعية بين هذه الالفاظ والمعاني المستحدثة في عهد الشارع. وصياغة البحث على هذا القول هي ان المعنى الجديد هل هو خصوص الصحيح التام الاجزاء والشرائط ام الاعم منه ومن الفاسد؟ فمدار البحث هو تعيين طرف العلقة الوضعية.
**المسلك الثاني:** ما التزمنا به في بعض الفاظ العبادات بانها موضوعة للماهية الاعتبارية. وصياغة البحث على هذا القول هي ان هذه الالفاظ وان كانت موضوعة لنفس الماهية الاعتبارية الا ان انطباقها _ كما مر _ يتوقف على متمم الجعل التطبيقي والكلام في ان المنطبق عليه بهذا المتمم القانوني هل هو خصوص الصحيح او الاعم منه ومن الفاسد؟ والنتيجة ان التطبيق لو كان مختصاً بالصحيح فالتطبيق على الفاسد مع العناية ومن قبيل المجاز فلا بدّ له من القرينة من غير فرق بين كلام الشارع وغيره.
وبعبارة اخرى ان متمم الجعل التطبيقي اعتبار قانوني فان كان متضمناً لحمل الصلاة – مثلاً – على نحو الهوهوية على النوع المستجمع للأجزاء والشرائط تعين كونه فرداً قانونياً للماهية الاعتبارية فلا يحتاج تطبيقها عليه عناية وتجوز.
واما تطبيقها على الصلاة غير المستجمعة لها فيحتاج الى عناية وتجوز وقرينة لانه من قبيل اعطاء حد شيء لشيء آخر ولا بد ان يكون للتطبيق مجوز كالمشابهة نظير ما إذا أطلق لفظ الدينار بعد اعتبار ورقة نقدية خاصة ديناراً على ما لا يشتمل على خصوصيات النقد المزبور كما إذا كان فاقداً للرقم المسلسل مثلاً فان هذا الاطلاق لا يقره القانون الاعتباري المتمثل في متمم الجعل التطبيقي ولذلك لا يترتب على هذه الورقة آثار النقد من كونه وسيطاً للتبادل ومقياساً للمالية.
والحاصل ان مدار البحث على هذا القول ليس هو الموضوع له بل هو المنطبق عليه فان التطبيقات خارجة عن الوضع. والموضوع له هو الماهية الاعتبارية – كما مر – والتطبيق مترتب عليه.
نعم كثرة التطبيق ربما توجب استبطان الماهية الاعتبارية للخصوصية الملحوظة حال التطبيق فيحصل هناك نوع مرآتية للماهية بالنسبة الى النوع الخاص. وتوضيحه في مبحث الاحكام الوضعية.
**المسلك الثالث:** ما نسب الى الباقلاني وهو ان هذه الالفاظ مستعملة في نفس المعاني اللغوية الاصلية الا ان استعمالات الشارع مشتملة على قيود خارجة عن حقيقة المعنى اللغوي فاذا ورد في لسان الشارع الامر بالصلاة كان المعنى هو نفس التوجه ولكن مقيداً بالقيود التي تحقق العمل الخاص بنحو تعدد الدال والمدلول.
وصياغة البحث على هذا القول ان تلك القرينة العامة التي تدعو الى حمل استعمالات الشارع على ارادة المعنى المقيد بالقيود الخاصة بحيث تكون القيود قيوداً للمراد لا للمستعمل فيه او الموضوع له بنحو تعدد الدال والمدلول هل تقتضي (تلك القرينة العامة) كون المراد النوع المستجمع لجميع الاجزاء و الشرائط بان يكون المراد مقيداً بجميع القيود المعتبرة في الصلاة – مثلاً – ام المراد هو الاعم منه ومن الفاسد فليس مقيداً بجميع القيود؟
**المسلك الرابع:** القول بان استعمالات الشارع لهذه الالفاظ في المعاني المستحدثة كلها مجازية. وقد مر ان الصحيح في تفسير الاستعمالات المجازية هو ان اللفظ مستعمل في نفس المعنى الحقيقي وانما التجوز والعناية يحصلان في تطبيق ذلك العنوان على شيء آخر.
وعلى اساس هذا المسلك لا بد من ان يقال ان هناك قرينة عامة تقتضي حمل استعمالات الشارع لهذه الالفاظ – بحسب المراد الجدي – على التطبيق على المعنى المجازي وهو العبادة الخاصة ففي هذا المسلك شبه بالمسلك الثاني وهو وجود التطبيق الا انه كان هناك قانونياً وهو هنا مجازي وشبه بالمسلك الثالث وهو وجود القرينة العامة.
وصياغة البحث على هذا القول هو ان تلك القرينة العامة هل تقتضي ارادة التطبيق على خصوص الصحيح بحسب المراد الجدي او الاعم منه ومن الفاسد؟ وهكذا تبين ان هذا البحث يمكن اجراؤه على جميع المسالك السابقة في مبحث الحقيقة الشرعية.
**الجهة الثانية:** في تعيين المراد من الصحيح والفاسد وما هو دخيل فيهما والكلام في ثلاث نقاط:
**النقطة الاولى:** في المراد من الصحيح والفاسد. ولا وجه للبحث عن المعنى اللغوي لهما اذ لم يرد ذكرهما في نصّ شرعي ويستفاد من كلمات الاصوليين ان مـرادهـم مـن الـصـحـيـح الـتـام ومـن الـفـاسـد الـنـاقـص. وبـما ان التمام والنقصان لا بد ان يكون بلحاظ وحدة لمجموعة امور فيقع البحث في مناط تلك الوحدة التي توجب التمام والنقصان.
وهنا احتمالات:
**الاحتمال الاول:** ان تكون الوحدة ناشئة من التسمية حيث اعتبر لمجموع هذه الامور اسماً واحداً.
وهذا الاحتمال غير صحيح قطعاً فان البحث هنا في ان المسمى بهذا الاسم هل هو خصوص الصحيح او الاعم فالصحة والفساد ملحوظان قبل التسمية. مضافاً الى انه يتم على مسلكنا وقول الباقلاني والقول بان الاستعمالات مجازية وذلك لعدم الاعتراف بالتسمية في هذه المسالك.
**الاحتمال الثاني:** ان يكون مناط الوحدة تعلق امر واحد بها حيث تكتسب المتكثرات منه وحدة اعتبارية كما يكتسب الامر من الكثرات كثرة اعتبارية نعبر عنها بالانحلال فالبحث يرجع الى ان المركب المتحد بوحدة الامر هل هو خصوص الصحيح او الاعم؟
ويدفع هذا الاحتمال وجوه ثلاثة:
ان وحدة المركب قد لا تكون ناشئة من الامر الواحد وذلك لما ذكرناه في مبحث الاقل والاكثر الارتباطيين – تبعاً لما اشار اليه المحقق النائيني – ان الارتباط بين المركب الذي تعلق به الامر واجزاء او شرائط اخرى قد يحصل بمتمم الجعل المفيد فائدة الشرطية والجزئية ثم يحصل الوحدة بين مجموع الاجزاء والشرائط بوحدة القانون الجزائي او بوجه آخر.
ان الكلام – بناءاً على ثبوت الحقيقة الشرعية – في التسمية وان هذه الالفاظ هل هي اسام لخصوص الصحيح والاعم ولا بد من ان تكون التسمية متقدمة على تعلق الامر فلا يمكن ان تؤخذ الوحدة الناشئة من تعلق الامر في المسمى والا لزم تجريد المسمى عن الوحدة المذكورة حين تعلق الامر لئلا يتكرر المعنى.
ان صحة العمل قد لا تتوقف على موافقة الامر حتى يحكم بحصول الوحدة الناشئة منه.
وذلك كما في الطهارات الثلاث بناءاً على المختار من عدم تعلق الامر بها نفسياً ولا غيرياً اما الاول فللمناقشة فيما استدل به على ثبوته كما اوضحناه في الفقه واما الثاني فلانا لا نعترف بالأمر الغيري اساساً وعليه فمنشأ عبادية الطهارات الثلاث هو التوصل الى محبوب المولى وهو نفس الطهارة وما يشترط بها من الامور المطلوبة للشارع.
وكما في موارد الحكم بصحة العمل من اجل تحقق الملاك كما قيل في صحة العمل المهم إذا ترك الاهم مع تقيد الامر بعدم وجود الاهم بناءاً على عدم الترتب فان أحد وجوه تصحيح العمل على هذا الاساس هو التمسك بتحقق الملاك و واجدية العمل له.
وكذلك ايضاً صحة العمل مع نسيان الجزء متمسكاً بصحيحة لا تعاد حيث ذهب بعضهم الى ان الباقي ليس مأموراً به وان صحة العمل من جهة التوسعة في مقام الامتثال تعبداً.
اذن فما ذكره المتكلمون في مقام تفسير الصحة من انها موافقة الامر غير صحيح فان موافقة الامر ليست لازمة للصحة ولا حيثية ملحوظة في مبحث الصحيح والاعم فضلاً عن كونها مقومة للصحة.
**الاحتمال الثالث:** ما نسب الى الفقهاء من ان مناط الوحدة هو اسقاط الاعادة والقضاء اما بمعنى عدم مشروعيتهما او بمعنى عدم توجه امر من سنخ الامر الاول اليهما.
والظاهر ان هذا غير صحيح ايضاً اذ قد لا يكون العمل صحيحاً ومع ذلك لا تمكن اعادته ولا يجب قضاؤه اما الاعادة فلخروج الوقت واما القضاء فلعدم الدليل عليه على قول قوي كما هو مبين في الفقه مثال ذلك بعض موارد صلاة الآيات.
كما ان العمل قد يكون صحيحاً ومع ذلك لا بد من قضائه عقوبة.
مثال ذلك من جامع في احرامه فان عليه الحج من قابل وقد سأل زرارة في الصحيح عن الامام عليه السلام بقوله (فأي الحجتين لهما؟ قال عليه السلام الاولى التي أحدثا فيها ما أحدثا والاخرى عليهما عقوبة)[52] فهذا الحديث يقتضي صحة الحجة الاولى .
ومثله وجوب اعادة الصلاة اذا صلاها في ثوب نجس ناسياً فان المتراءى من موثقة سماعة ([53]) ان وجوب الاعادة من باب العقوبة ولذلك خصصناه بما اذا تهاون في التطهير حتى نسيه دون ما اذا اهتم به فنسيه بالرغم من ذلك.
ومن هذا القبيل ايضاً وجوب الاعادة فيما لو ترك احدى السنن متعمداً على بعض المحتملات في صحيحة لا تعاد وهو ان وجوب السنن في الصلاة من قبيل الواجب في الواجب من دون ارتباط بينهما فالعمل صحيح لانطباق الامر بالفرائض اي الاركان عليه ومع ذلك تجب الاعادة عقوبة.
هذا ولا بد من ان يقرر هذا الاحتمال على الوجه الذي قررناه من الترديد بين عدم مشروعية القضاء والاعادة وعدم توجه امر من سنخ الامر الاول اذ لو اقتصرنا على عدم المشروعية أمكن النقض بما سيأتي في فصل تبديل الامتثال من مبحث الإجزاء من جواز إعادة الصلاة جماعة إذا صلاها فرادى بل استحبابه فلا بد من الترديد اذ يصح فيه عدم توجه الامر الوجوبي الى الصلاة الثانية.
**الاحتمال الرابع:** ان يكون ملاك الوحدة ترتب الملاك والمصلحة فلا يمكن الحكم بالصحة في اي مورد الا مع تحقق غرض المولى.
وهذا اقوى المحتملات الا انه تبقى فيه مناقشة من جهة واحدة هي ان بعض ما هو دخيل في الملاك لا يمكن الالتزام بكونه دخيلاً في المسمى على القول بالوضع للصحيح وذلك كقصد الامر لتأخره عن الامر فلا يمكن ان يتعلق به الامر – كما قيل – فكيف يمكن ان يؤخذ في المسمى؟!
وحيث ان هذا الوجه أحسن الوجوه فلا بد من دعوى الوضع للصحيح النسبي – على تقدير القول به – اي ما هو صحيح على افتراض قصد الامر.
**النقطة الثانية:** ان الصحة والـفـسـاد امـران نـسـبـيان فـقـد يكون العمل صحيحاً في حـال فـسـاداً فـي حـال اخـر او فـي وقـت دون وقـت او لـفـرد دون آخـر فهناك الصلاة قائماً واخرى جالساً وثالثة مضطجعاً وهناك الصلاة مع الايماء والصلاة قصراً الى غير ذلك من التغييرات الاضطرارية او في حالات اخرى.
**النقطة الثالثة:** ان الاجزاء او الشرائط هل كلها دخيلة في المسمى او في المراد او في ما يطبق عليه قانوناً او مجازاً على القول بالصحيح ام الدخيل هو قسم من الاجزاء او الشرائط؟
قيل: ان الاجزاء ملحوظة بجميع انواعها ركناً كان او غير ركن واما الشرائط فمختلف فيه ونسب الشيخ الانصاري قدس سره عدم دخالتها لتأخرها عن الاجزاء فلا يكونان معاً دخيلين في المسمى.
فالكلام تارة في الاجزاء واخرى في الشرائط.
اما الاجزاء فهي على قسمين: فان الجزئية قد تنتزع من تعلق الامر الوحداني بمجموعة اشياء كالأمر بالأركان وقد تنتزع بضميمة متمم الجعل المفيد فائدة الجزئية. والقسم الاول هي التي تدخل محل النزع فيعتبرها الصحيحي مقوماً دون الأعمى واما القسم الثاني فلا ينبغي ان يكون دخيلاً في المسمى على القول بالوضع للصحيح وثبوت الحقيقة الشرعية.
توضيح ذلك ان الامر الاول تعلق بالأركان والامر الثاني (متمم الجعل) اُخذ في موضوعه الاتيان بالصلاة ومضمونه من صلى وكان قادراً ومتذكراً وجبت عليه قراءة الفاتحة مثلاً. ومحل الكلام في تعيين المسمى انما هو لتعيين ما تعلق به الامر و المفروض ان الامر الثاني لم يتعلق بالصلاة بل اخذ في موضوعه الاتيان بالصلاة فهذه الامور وان كانت أجزاءاً للصلاة بعنوان آخر الا انها ليست أجزاءاً لها بالعنوان الذي تعلق به الامر. واما الصدق على المجموع فيمكن ان يكون من جهة اللابشرطية في الصدق.
الا ان يقال ان الكلام في التسمية ليس مقدمة لتعيين الامر بل يشمل حتى لو كان موضوعاً لحكم شرعي كما في الحكم بسقوط الأذان إذا دخلت المسجد والجماعة يصلون فإن الصلاة هنا موضوع لحكم شرعي. ولكن هذا ينافي ما ذكروه في وجه خروج الشروط عن محل النزاع والحاصل ان التسالم على دخول الاجزاء في النزاع دون الشرائط لا يناسب حكمة البحث على ما ذكروه.
وبهذا البيان تبين ان الشروط ان كانت شريطتها الجعل تأتي فيها نفس المناقشة فلا بد من خروجها عن محل النزاع على بعض الاقوال.
واما الشروط التي تضيق دائرة المأمور به فهي على ثلاثة اقسام:
**القسم الاول:** ما يوجب التقييد اللحاظي لنفس المأمور به بأمر وجودي او عدمي بحيث يكون القيد خارجاً والتقيد جزءاً ويعبر عن هذه القيود بشرائط الواجب كتعلق الامر باجزاء الصلاة مقيداً بالطهور والقبلة وغيرهما.
**القسم الثاني:** ما يكون مركز التقييد فيه هو الامر ويكون القيد من شرائط الوجوب الا انه بالتالي يقيد المأمور به بكونه واجداً لتلك الخصوصية وإلا لم ينطبق عليه العنوان بقيد كونه مأموراً به.
مثال ذلك الاستطاعة التي هي شرط وجوب الحج فهي من شرائط الهيئة الا انها تقيد المادة ايضاً فالحج المطلوب هو الحج عن استطاعة لا بمعنى جعل الاستطاعة تحت دائرة الطلب فيجب تحصيلها بل بمعنى ان الحصة الخاصة من الحج هو الواجب.
وهكذا لو قلنا في باب التزاحم بعدم الامر بالمهم مع مزاحمة الواجب الاهم كالصلاة والازالة – كما قيل – فان الصلاة هنا غير مأمور بها إذا ترك الازالة واتى بها مع أن المأمور به ليس مقيداً بالإزالة الا ان المأتي به فاقد لتعلق الامر فلا ينطبق عليه عنوان المأمور به بما هو مأمور به. هذا مع قطع النظر عن التصحيح من جهة واجديته للملاك، وهكذا يتضيق المأمور به بلا تقييد لحاظي بل هو من قبيل التقييد الذاتي.
**القسم الثالث:** ما يعتبر شرطاً للمأمور به لا بالتقييد اللحاظي ولا بالتقييد الذاتي بل من جهة دخالته في الملاك كقصد القربة وقصد الوجه – بناءاً على اعتباره – فلا محالة يكون دخيلاً في تحقق الامتثال وتضييق المأمور به في هذه المرحلة نوع تضييق مع عدم امكان تقييده لحاظاً ــ على ما قيل ــ معللاً بتأخرهما عن الامر رتبة في مرحلة تقسيم الماهية فلا يمكن ان يكون التقييد بهما ملحوظ حال الامر.
وحينئذ فتبطل الصلاة بفقدانها ولكن لا من جهة فقدان قيدها لعدم امكان تقييدها ولا من جهة فقدان قيد الامر كالقسم الثاني اذ تلك القيود مفروضة الوجود بمعنى انها خارجة عن دائرة الطلب وهذان داخلان فيها وانما البطلان من جهة فقدان ما هو دخيل في الغرض والملاك.
اما القسم الاول فلا بد من دخوله في محل البحث وما قيل من تأخره عن الأجزاء رتبة فلا يمكن ان يعتبر دخيلاً في المسمى في عرض الاجزاء غير صحيح اذ ليس الكلام في دخالة نفس القيود في مسمى المأمور به بل التقيد بها قد يكون دخيلا في المسمى والتقيد بها جزء للمأمور به ولا فرق بينه وبين سائر الاجزاء.
واما التأخر في مرحلة اللحاظ حيث لا يعطف على الاجزاء فلا يقال يجب عليك الركوع والسجود والتقيد بالستر والطهارة مثلا فذلك لا يمنع من الدخالة في المسمى اذ لا مانع من تسمية شيء مركب من امور مختلفة زمانا ورتبة باسم واحد. كما يعبّر عن مجموع المقتضي و وجود الشرط وعدم المانع بالعلة التامة – كما قيل – مع ان المقتضي مقدم رتبة على الآخرين. اذن فالإجزاء على قسمين: اجزاء في الدرجة الاولى من اللحاظ واجزاء في الدرجة الثانية منه ولا مانع من كون المسمى مركباً من القسمين.
ثم انه لا فرق في التقيد ان يكون بقيد وجودي أو عدمي كما لا فرق في العدمي بين ان يكون عدم حكم شرعي او امر آخر وراء ذلك فالأول كما إذا قلنا ان الصلاة اسم لما يشتمل على التقيد بعدم انطباق عنوان محرم عليه.
وعليه فتبطل الصلاة إذا انطبق عليها عنوان الغصب بناء على استحالة اجتماع الامر والنهي. ولا مانع من تقيد المأمور به بعدم توجه حكم مغاير لحكمه اليه وانما الممتنع ان يتقيد بعدم حكمه كما هو واضح.
والثاني كتقيد الصلاة بعدم استصحاب المصلي لأجزاء ما لا يؤكل لحمه او بعدم اقترانها بعصيان الاوامر والنواهي التي يعبر عنها بمتمم الجعل المفيد فائدة الجزئية والشرطية على بعض التفاسير لها .([54])
واما القسم الثاني اي الشرائط المعتبرة من جهة كونها قيوداً في نفس الامر فلا شك في عدم دخولها في محل البحث لما اسلفناه من ان اساس البحث عن المسمى هو البحث عن متعلق الامر وبهذا العنوان لا يمكن ادخال ما يتحقق بعد الامر في المسمى اذ لا شك في خروج ذلك عن المسمى المتعلق للأمر لان التسمية مقدمة لتعلق الامر وكذلك إذا لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعية فان المرئي به بهذا اللفظ الشامل للمسالك الثلاث الاخرى مقدم على تعلق الامر فلا يدخل فيه ما يأتي من جانب الامر.
واما القسم الثالث من الشرائط فهي خارجة ايضاً عن محل البحث لا لتأخرها الرتبي عن الامر – كما قيل – بل لان الذي يكشف عنه هذه الالفاظ على كل تقدير لا بد ان يكون امراً وراء هذه القيود الدخيلة في الغرض فالصلاة عبارة عن المركب الذي لا بد من اتيانه بداع الهي ولا شك ان نفس الداعي خارج عن المركب.
هذا كله على القول بالحقيقة الشرعية. واما على ما اخترناه من القول بالماهية الاعتبارية وتعلق الامر بها فيمكن ان يكون المنطبق عليه ما يشتمل على جميع الاقسام المذكورة وتوضيحه في مبحث التعبدي والتوصلي.
**الجهة الثالثة:** في البحث عن الجامع بين الافراد الصحيحة على القول بالصحيح وبين الافراد الصحيحة والفاسدة على القول بالأعم وينبغي ان نقدم اولاً البحث عن الحاجة الى تصوير الجامع على كلا القولين فنقول:
الداعي الى تصوير الجامع هو تعيين ما وضع له اللفظ شرعاً او ما تقرر لدى الشارع استعمال اللفظ وارادته بالمراد الجدي على ماهو الحق في التجوز وعليه فالحاجة الى تصوير الجامع واضحة على مسلك ثبوت الحقيقة الشرعية وعلى القول بكون استعمالات الشارع مجازية.
واما على مسلكنا ومسلك الباقلاني فلا حاجة اليه لان الموضوع له اللفظ معين على كلا المسلكين فهو في مسلكنا عبارة عن الماهية الاعتبارية التي تطبق على الموارد المختلفة بمتمم الجعل التطبيقي وفي مسلك الباقلاني عبارة عن نفس المعنى اللغوي المتحقق في جميع موارد الاستعمال لا محالة والاختلاف انما هو من جهة القيود الاخرى.
وهناك محاولتان للتخلص من تكلف تصوير الجامع على القولين الاولين:
**المحاولة الاولى:** الالتزام بالاشتراك اللفظي فيكون لفظ الصلاة – مثلاً – موضوعاً لأنواع مختلفة من الصلاة كاليومية والآيات واليدين والقصر والتمام والخوف والمطاردة الى غير ذلك من الاقسام بأوضاع مختلفة او بوضع واحد مع تعدد الموضوع بحيث يكون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً.
هذا على تقدير القول بثبوت الحقيقة الشرعية واما على القول بكون استعمالات الشارع مجازاً فيلتزم بتعدد المعاني المجازية حسب تعدد انواع الصلاة فلا حاجة الى الوضع للجامع على التقدير الاول ولا الى الاستعمال فيه على التقدير الثاني.
وضعف هذه المحاولة واضح لوضوح وحدة المراد من لفظ الصلاة في استعمالات الشارع والمتشرعة. ويتضح ذلك أكثر في استعمال لفظ الزكاة اذ لا يمكن الالتزام بكون زكاة الإبل مثلاً معنىً خاصاً يستعمل فيه اللفظ وزكاة الشاة معنى آخر. وهكذا في سائر الموارد والاقسام.
ويشهد لذلك صحيحة زرارة فرض الله تعالى الصلاة وسنّ الرسول صلى الله عليه وآله عشرة اوجه ...) .([55])
**المحاولة الثانية** ما نسب الى المحقق النائيني قدس سره من ان الصلاة موضوعة للمرتبة العليا الواجدة لجميع الاجزاء و الشرائط. والاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على القول بالصحيح او الاعم منها على القول بالأعم من باب الادعاء والتنزيل او من باب اكتفاء الشارع به (الى ان قال) واما القصر والتمام فهما وان كانتا في عرض واحد بالقياس الى المرتبة العليا الا انه يمكن تصوير الجامع بينهما فقط. ([56])
وهذا ايضاً ضعيف لوجوه:
**الاول:** ان المرتبة العليا تختلف اجزاؤها وشرائطها حسب اختلاف انواع الصلاة. فلا بد من تصوير جامع بين الانواع المختلفة في مراتبها العليا.
الثاني ان الالتزام بأحد الامرين من الاطلاق التنزيلي واكتفاء الشارع في غير المرتبة العليا لا يوافق مرتكز المتشرعة فانهم يرون ان الصلاة الفاقدة لغير الركن في حال بعض الاعذار كالنسيان ونحوه المحكومة بالصحة صلاة حقيقية وكذا فيما إذا كان في حال الاضطرار إذا اتى ببديل الركن كما في صلاة المريض مع الايماء للركوع والسجود ونحو ذلك بل حتى مع عدم الاتيان بالبديل كما إذا لم يتمكن المريض من الايماء ايضاً. وكذا في بعض اقسام صلاة الخوف. فلا يمكن الالتزام بان إطلاق الصلاة على هذه الانواع مع العناية فضلاً عن القول بانه من باب اكتفاء الشارع بها وفاءً بغير الجنس.
الثالث: ان هذه الدعوى لا توافق صحيحة لا تعاد التي تنفي الارتباط المطلق بين الاركان وبين غيرها من الامور المجعولة بمتمم الجعل المفيد فائدة الجزئية أو الشرطية أو المانعية وكذا لا توافق صحيحة زرارة: (فرض الله تعالى الصلاة وسنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عشرة اوجه ...) فان منها جعل صلاة السفر وصلاة الحضر وصلاة الخوف على ثلاثة اوجه. مع ان صلاة الخوف على بعض وجوهه فاقدة للركوع والسجود. والتفكيك بين صلاة السفر والحضر وغيرهما من انواع الصلوات اليومية كما يظهر من عبارته لا وجه له كما هو واضح.
ولنذكر الان المحاولات المبذولة لتصوير الجامع على كلا القولين ونخص البحث بالصلاة تبعاً للقوم فإنها محور ابحاثهم.
اما تصويره على القول بالأعم فعمدة ما ذكروه تتمثل في وجهين:
**الوجه الاول:** ما ذكره المحقق القمي قدس سره واختاره بعض المتأخرين وهو ان الموضوع له عبارة عن الاركان. وتقريبه يتم في ضمن ثلاثة امور:
**الامر الاول:** ان المركبات الاعتبارية قد تكون متعينة الاجزاء قلة وكثرة كالأعداد فالعشرة تتغير ماهيتها بنقصان عدد وبزيادته وقد تكون متعينة من جهة القلة فقط واما من جهة الكثرة فلا تعين لها فهي لا بشرط من جهة الزيادة.
وذلك مثل الدار فإنها تتقوم على اقل تقدير بأرض تحيط بها جدران وتكون مشتملة على حجرة فبدون الجدران يقال انها ارض فقط ولا تصدق عليها الدار وبدون الحجرة تصدق عليها عنوان الساحة فقط واما بالنسبة الى عدد الحجرات زائداً على الواحدة فهي لا بشرط وكذلك بالنسبة الى المرافق والملحقات كالبئر و السرداب والحمام ونحوها.
ويعبر عن هذا النوع من اللابشرط (اللابشرطية في الصدق) ومعنى ذلك ان العنوان يصدق على الفاقد لتلك الامور والواجد لها بنحو واحد فلا يقال للدار المشتملة على السرداب والبئر والحمام مثلاً انها دار وسرداب وبئر وحمام بل يصدق عليها انها دار كما يصدق هذا العنوان على الفاقد لها. ومثل ذلك ايضاً اللباس بالنسبة الى البطانة وعدمها. وهذا النوع من اللابشرطية اعتبار عقلائي صحيح لا بد من الاعتراف به. ولا وجه لتوهم انحصار اللابشرطية في الاطلاق اللحاظي بمعنى رفض القيود بل لها اقسام متعددة كاللابشرطية في الصدق او اللابشرطية في الحمل وتوضيحه في مبحث المشتق.
**الامر الثاني:** ان المادة الملحوظة في المركب الاعتباري قد تكون متعينة من حيث ذاتها وقد تكون غير متعينة بمعنى ان الشيء على ابهامه مقوم للمركب فالأجزاء المقومة للدار غير متعين من حيث المادة التي تصنع منها فيجوز ان يكون من الجص او من الطين او من الاسمنت او غير ذلك من المواد.
وهذا لا يختص بالمركبات الاعتبارية فالإنسان – كما قيل في الفلسفة – يتقوم بالجسم ولكنه مبهم من حيث كونه جسماً خارجياً او جسماً مثالياً. وعلى اساس هذا الامر فلو اعتبر الركوع جزءاً من الصلاة فهو على ابهامه جزء منها ليشمل الايماء بالرأس او بالعين وهكذا السجود.
**الامر الثالث:** ان الصلاة مركب اعتباري اخترعه المشرع الاسلامي ولابد لكل مخترع من ان يجعل لما اخترعه اسماً خاصاً تسهيلاً لمهمة التفاهم مع الآخرين.
وعليه فلا بد من مراجعة النصوص الشرعية لتحديد المسمّى والمستفاد من الادلة ان الموضوع له اسم الصلاة هو الاركان فقد ورد في حسنة الحلبي بإبراهيم بن هاشم ( الصلاة ثلاثة اثلاث : ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود) ([57]) ولا بد من اعتبار التقيد بالطهور جزءاً اذ هو بنفسه قيد خارج . ويضاف الى الثلاثة تكبيرة الاحرام لما ورد في بعض الروايات من وجوب اعادة الصلاة إذا نسي التكبيرة الامر الذي يقتضي كونها من اركان الصلاة. ويمكن ان يضاف اليها الترتيب والموالاة لتقوم هيئة الصلاة بها عرفاً.
وينحصر تعليقنا على هذا الوجه في ملاحظات على الامر الثالث:
**الملاحظة الاولى:** ان الصلاة ليست من مخترعات المشرع الاسلامي وقد مرّ دراسة هذه النقطة بالتفصيل.
**الملاحظة الثانية:** ان الشواهد لا تساعد على اعتبار الامور المذكورة في حقيقة الصلاة بحيث لا تصدق على الفاقد لها وذلك لوضوح صدقها على صلاة الميت وليس فيها ركوع ولا سجود ولا يمكن نفي الصلاة عنها ففي صحيحة زرارة (فرض الله تعالى الصلاة وسنّ رسول الله (ص) عشرة اوجه ....... والصلاة على الميت ([58])
والروايات الدالة على انها صلاة حقيقية كثيرة منها : رواية الحسين بن علوان : ( ان رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على جنازة فلما فرغ منها جاء قوم لم يكونوا ادركوها فكلموا رسول الله (ص) ان يعيد الصلاة عليها فقال لهم : قد قضيت الصلاة عليها فادعوا لها ) ([59]) ومقابلة الصلاة للدعاء يدفع احتمال استعمالها فيه .
ومنها صحيحة محمد بن مسلم : ( يصلى على الجنازة بكل ساعة انها ليست بصلاة ركوع وسجود ... الحديث) ([60])
ومنها رواية علي بن جعفر : ( قال سألته عن صلاة الجنائز اذا احمرت الشمس ايصلح او لا قال لا صلاة في وقت صلاة ...الحديث ) ([61]) الى غير ذلك .
كما ان الصلاة تصدق على صلاة المطاردة وقد ورد فيها روايات. (راجع الوسائل جـ5 ص485).
ومن انحائها – على ما في مصباح الفقيه – ان يستقبل القبلة بتكبيرة الاحرام ويومي ايماءاً قال : ( فان خشي من الايماء ولو لأجل كون صرف الذهن اليه موجباً لتشويش باله المؤثر في الفتور في المحارسة على نفسه صلى بالتسبيح ويسقط الركوع والسجود ويقول بدل كل ركعة سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ) ([62])وعليه فالصلاة غير متقومة بهذه الامور .
وكذا صلاة المريض إذا لم يتمكن حتى من الايماء بناءا على ما هو الصحيح من سقوط قصد عنوان الركوع والسجود كبديل لهما.
فان قلت: إطلاق الصلاة على مثل هذا من باب التنزيل.
قلت : الجواب عن ذلك هو ما ورد في تقرير بحث السيد الخوئي في النقد على محاولة المحقق النائيني للتخلص عن الجامع بدعوى ان اطلاق الصلاة على الصلوات الاضطرارية بنحو العناية والتجوز حيث قال : (ان المتشرعة يطلقون لفظ الصلاة على كل مرتبة من مراتبها غافلين عن لحاظ التنزيل او اشتراك هذه المرتبة مع المرتبة العليا في الاثر ).([63])
ومما يناسب عدم دخالة هذه الامور في التسمية انّ المصلي لو شك في الطهارة الحدثية بعد الصلاة يحكم بصحتها. مع انه لا مجال للتمسك بقاعدة التجاوز لان الطهارة من المقارنات ولذا لا يحكم بالصحة لو كان الشك في الاثناء فالقاعدة الجارية هنا هي قاعدة الفراغ – بناءاً على تغايرهما – واجراءها يتوقف على صدق حقيقة الصلاة وهو مشكوك فيه على افتراض دخالة الطهور في المسمى ولم نذكر الركوع والسجود لإمكان التمسك فيهما بقاعدة التجاوز.
**الملاحظة الثالثة:** ان الادلة التي اشير اليها للاستدلال على دخالة هذه الامور في المسمى لا تنظر الى التسمية وانما مساقها بيان فرائض الصلاة وتمييزها عن السنن وان الارتباط بين القسمين ليس مطلقاً. ولو كان كل ما وجبت الاعادة بنسيانه دخيلاً في المسمى وجب اعتبار القبلة والوقت منها ايضا مع انهما لم يعتبرا فيه.
**الملاحظة الرابعة:** انه لا اشكال في ان الصلاة تطلق في عر ف المتشرعة على العمل الواجد لمعظم اجزائها بالاستعمال الحقيقي وان كان فاقداً لركن من الاركان. ولا اشكال ان المتشرعة يتبعون في اطلاقهم تسمية الشارع لو كانت هناك تسمية ولم نجد منهم اعترافاً بدخالة الاركان في المسمى وهذا ينفي احتمال التسمية المزعومة مع ان الاركان ليست محددة بنحو التسالم حتى عند الفقهاء. والقدر المتيقن من ثبوت الحقيقة في هذه الالفاظ هو ثبوتها لدى المتشرعة فلا يمكن دعوى شذوذهم عن تبعية الشارع في التسمية.
**الوجه الثاني:** وقد نسب الى المشهور وهو ان الصلاة اسم المعظم الاجزاء الحافظة لصورة الصلاة.
ويمكن ان يقرب هذا الوجه بالتقريب السابق في الوجه الاول وذلك بإبقاء المقدمتين الاولى والثانية على حالهما وتغيير المقدمة الثالثة بتبديل الاركان الى معظم الاجزاء الحافظة للصورة الصلاتية.
وبذلك يندفع بعض المناقشات الواردة على ذلك الوجه ومنها ان هذا التسمية لا يعارض مرتكز المتشرعة كما مر. الا ان المناقشة الباقية هي إطلاق الصلاة في الادلة على وجه الحقيقة على موارد فقدان معظم الاجزاء كصلاة الميت وصلاة المطاردة.
وهناك تقريب آخر لهذا الوجه اشار اليه المحقق الاصفهاني قدس سره بما مر من ان الصلاة اسم للهيئة التعظيمية واختاره بعض من تأخر عنه.
وتفصيل ذلك ان شيئية الشيء بصورته لا بمادته – كما ورد في الفلسفة – وهذا القانون كما يصدق على المركبات الحقيقية كذلك يصدق على المركبات الاعتبارية الا ان الصورة هناك من الجواهر – حسب التفكير الفلسفي القديم – وهي هنا من الاعراض كما ورد في بعض التعابير او بالأحرى من الامور الاعتبارية ومهما كان فالمركب الاعتباري يتقوم بتلك الصورة. والصلاة من هذا القبيل فهي تتقوم بالصورة الخضوعية.
وهذه الصورة غير متعينة من جهة امكان انطباقها على هيئات متعددة من الصلاة قائماً وقاعداً ومضطجعاً ومع الركوع والسجود الحقيقيين والايمائيين كما انها غير متعينة من جهة القلة والكثرة الا انها متعينة من جهة وجوب كونها من سنخ التكبير والركوع والسجود ونحوها ولكن على وجه يشمل الابدال والميسور منها.
ثم ان الاجزاء ملحوظة فانية في الصورة بمعنى انها لا تعتبر جزءاً آخر منضماً الى قائمة الاجزاء بل هي الهيئة الخضوعية الاتصالية التي تعتبر الاجزاء فانية فيها.
ونضيف لتوضيح هذا التقريب ان هناك افعالاً خاصةً تتسم بطابع خاص فمنها ما يتسم بطابع التذلل والخضوع فيقال ان له هيئة خضوعية كمجموعة الاعمال المشتملة على الركوع والسجود.
وتختلف الامم والحضارات في اعتبار الهيئة الخضوعية فمن الناس من يعتبر التعفير و وضع الخد على الارض معبراً عن الخضوع ومنهم من يعتبر التكفير و التكتف معبراً عنه ومنهم من يعتبر القيام على الركبة معبراً عنه. وهناك من الهيئات ما تعبر عن التفجع ومنها ما تعبر عن الطرب الى غير ذلك من الشؤون وكل من هذه الهيئات لا تتقوم بأجزاء خاصة بل تتقوم بمواد مختلفة وهي فانية في الهيئة فلا تعد الهيئة جزءاً آخر.
وقد استدل في الفلسفة على عدم اعتبار الهيئة جزءاً مستقلاً انها هي الإطار الذي يجمع الاجزاء فلو كانت جزءاً بنفسها احتاج المركب الى إطار آخر وهكذا يتسلسل. ثم ان هذه الهيئة الخضوعية المقومة للصلاة تتقوم بمعظم الاجزاء.
وفي هذا التقريب مناقشات:
**المناقشة الاولى:** ان وجود هذه الهيئة المذكورة مورد لنقاش العلماء فقد وقع الكلام في انه هل هناك وراء الاجزاء بالأصل وتواليها وترتيبها امر آخر يعبر عنه بالهيئة هي معتبرة في حقيقة الصلاة شطراً او شرطاً ام لا؟
فذهب الشيخ الانصاري الى وجودها وأنها متعلقة للأمر وأنكر ذلك المحقق النائيني وذهب الى انه لو فرض وجود هذه الهيئة فهي امر تحصل قهراً ولا يتعلق بها الامر.
واما دعوى استكشاف وجود هذه الهيئة من ادلة القواطع والموانع نظراً الى انه مع افتراض عدم وجود هيئة اتصالية لا فرق بين القواطع والموانع فقد اجاب عنها المحقق النائيني ان كلا الامرين من الموانع انما الفرق نشأ من اعتبار المانعية فان كان مختصاً بحال الافعال عبّر عنها بالموانع وان شمل الاعتبار حالة السكون ايضاً عبّر عنها بالقواطع وليس هناك شيء يقطع الهيئة الاتصالية كما هو المدعى.
**المناقشة الثانية:** انه من البعيد الالتزام بوجود هيئة اتصالية خضوعية مشتركة بين انحاء الصلاة جميعها مع قطع النظر عن صلاة الغرقى التي ادعي خروجها عن المجموعة. فما هي الهيئة الجامعة بين هيئة صلاة المختار وهيئة صلاة المطاردة التي من انحائها الصلاة في حال المعانقة مع العدو وفي حال المسابقة والمراماة وكذلك بينهما وبين هيئة صلاة المضطجع مع الايماء ؟!
**المناقشة الثالثة:** ان الهيئة الخضوعية قد تتحقق في اعمال اخرى ولا يطلق عليها لفظ الصلاة كسجدة الشكر خصوصاً مع بعض الحالات الخاصة او اعمال ليلة القدر مثلاً والحالات الخضوعية الاخرى. فهذه الاعمال أقرب الى الخضوع من صلاة المطاردة ومع ذلك لا يعبر عنها بالصلاة. وان خصص ذلك بالهيئة الخاصة لزم خروج كثير من الصلوات كما مر. والحاصل ان التعريف بالهيئة الخضوعية غير مانع عن الاغيار.
**المناقشة الرابعة:** ان بعض من التزم هذا التقريب قد اذعن في مبحث الحقيقة الشرعية بان معنى الصلاة ليس من الامور المستحدثة في الشريعة الاسلامية بل هو امر يشترك فيه جميع الاديان وظاهر كلامه هنا حيث اعتبر السنخية الخاصة في اجزاء الصلاة لا يشمل صلاة غير المسلمين فكيف يمكن الجمع بين المقالتين؟!
وأما الجامع بناءاً على القول بالوضع للصحيح فنتعرض لوجهين في تصويره:
**الوجه الاول:** ما نسب الى المحقق الخراساني من تصوير للجامع المقولي الذاتي. ويمكن تلخيصه في ثلاث نقاط:
1- يتبين بملاحظة الادلة الشرعية ان هناك آثارا وخواص تترتب على الصلاة ككونها ناهية عن الفحشاء والمنكر وكونها قرباناً لكل تقي ومعراجاً للمؤمن ونحو ذلك. ومن الواضح ان هذه الآثار خاصة بالصلاة الصحيحة. وليس في الادلة قرينة تدل على اختصاصها بالصلاة الكاملة اي الواجدة لشرائط القبول.
2- ان وحدة الاثر تدلنا على وحدة المؤثر. فالقانون الفلسفي يقول: الواحد لا يصدر الا من الواحد. والمعلول الواحد لا بد من ان تكون له علة واحدة. فاذا كانت هذه الآثار موجودة في كل صلاة صحيحة فلا بد من الاعتراف بالمؤثر الوحيد فيما بينها تبعاً للقانون الفلسفي المذكور.
وهنا لا بد من ان يضاف تكميلاً للدليل أنّ هذا القانون لا يختص بالمعلول البسيط البحت من جميع الجهات بل يشمل كل معلول متحد وان كانت الوحدة نوعية. اذن فهناك مؤثر وحيد وهو الجامع بين انواع الصلاة الصحيحة وهذا الجامع امر بسيط ذاتي.
3- ان هذا الجامع البسيط ينطبق على مركبات اعتبارية. فينطبق على صلاة الصبح – مثلاً – كما ينطبق على نافلته التي لا تختلف عنها الا بقصد العنوان وينطبق على صلاة الظهر كما ينطبق على صلاة العصر التي لا تختلف عنها الا بقصد العنوان ايضاً وهكذا تنطبق على صلاة الآيات وصلاة الخوف والمطاردة وهكذا.. وهذا الانطباق يوجب الانحلال المصحح لإجراء البراءة.
وهذا الامر مما لابد منه وقد تعرض له هو ايضاً للدفاع عن نظريته تجاه مناقشة وجهت اليه وهي عدم جواز اجراء البراءة نظراً الى ان الشك في جزء او شرط من الصلاة مرجعه الى الشك في المحـصِّل وهو مجرىً للاشتغال هذا هو التقريب المعروف لكلامه.
ومن الممكن تفسير عبارة المحقق الخراساني بوجه آخر وهو ان مراده من الجامع هو الماهية الاعتبارية التي ذكرنا انها هي معنى الصلاة وإنها تنطبق على انحاء الصلاة في كل شريعة بحسبها بمتمم الجعل التطبيقي.
وعلى هذا التفسير لا ترد عليه اعتراضات القوم. الا ان عبارته تحتمل الامرين ولعل المعنى الثاني أقرب الى عبارته وانسب بمقامه. فلا بد من ملاحظة الشواهد في العبارة وهي ثلاثة: اثنتان منها تؤيد الاحتمال الثاني واحداها تناسب الاحتمال الاول وهي كما يلي:
أ- قوله بعد ان اعترض على نفسه بعدم جريان البراءة لما قدمناه من عدم جريانها فيما اذا كان الشك في المحصِّـل : ( ان الجامع انما هو مفهوم واحد منتزع عن هذه المركبات المختلفة زيادة ونقيصة بحسب اختلاف الحالات متحد معها نحو اتحاد...) ([64])
ويظهر من هذه العبارة انه قدس سره لا يقول بجامع مقولي ذاتي بين انحاء الصلاة كما نسب اليه وان الجامع الذي تصوره جامع انتزاعي وليس من البعيد ان يريد بذلك الجامع الاعتباري الذي ذكرناه نظرا الى ان المتعارف حتى في كتب الفلسفة التعبير بكل منهما في موضع الآخر فتارة يقال ان الامكان ــ مثلا ــ امر اعتباري واخرى انه انتزاعي.
وقد تبعهم في ذلك بعض الاصوليين الى ان تنبه بعض متأخريهم الى لزوم التفرقة بينهما في مصطلح الاصول فان المصحح لعدم التفرقة بينهما في الفلسفة لا يمكن ان يعدّ مصححا له في الاصول.
والوجه فيه ان الفلسفة عرفت بانها العلم بأحوال اعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الامر والامور الإنتزاعية موجودة بوجود مناشئ انتزاعها بل قيل ان لها وجودا ضعيفا فيمكن ادخالها في الفلسفة وهذا بخلاف الامور الاعتبارية في اصطلاح الاصول فانها ليس لها اي نحو من الوجود في الخارج ولذلك تختلف باختلاف الانظار وليس مما تختلف فيه الانظار ولتوضيح هذا الكلام موضع اخر.
ومهما كان فالجامع الانتزاعي او الاعتباري ليس كالجامع المقولي مورداً للتأثير والتأثر بالمعنى الفلسفي وانما يتحد خارجاً مع العمل الخارجي واتحاد المتحصل مع غير المتحصل امر ممكن وانما يمتنع اتحاد المتحصل مع نظيره.
ب- قوله في مبحث الحقيقة الشرعية : ( فألفاظها حقائق لغوية لا شرعية واختلاف الشرائع فيها جزءاً وشرطاً لا يوجب اختلافها في الحقيقة والماهية اذ لعله كان من قبيل الاختلاف في المصاديق والمحققات كاختلافها بحسب الحالات في شرعنا).([65])
وهذه العبارة قريبة جداً مما ذكرناه فهو يعترف باختلاف المصاديق والمحققات في شرعنا والشرائع السابقة ويعتبر حقيقة وماهية جامعة بين جميع هذه الحقائق المختلفة بحيث تجمع بين الصلاة اليومية المتعارفة وبين صلاة المضطجع وصلاة الخوف والمطاردة ولا شك في ان هذا الجامع ليس الا ماهية اعتبارية يطبقه الشارع على اختلاف الحالات على مصاديق مختلفة.
ج- قوله في تصوير الجامع : ( لا اشكال في وجوده بين الافراد الصحيحة وامكان الاشارة اليه بخواصه وآثاره فان الاشتراك في الاثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد ...).([66])
وهو وان لم يصرح بابتناء ما ذكره على القانون الفلسفي المذكور الا انه اشار الى ذلك وعبارته هنا لا تتناسب مع تصوير الماهية الاعتبارية كجامع بين انحاء الصلاة الصحيحة اذ مع وجود هذه الماهية لا حاجة الى الاشارة الى الجامع بآثاره فهو كالدينار والميتة وغيرهما من الماهيات الاعتبارية. اذن فهذه العبارة انسب مع الاحتمال الاول.
ويمكن توجيهه بان الحاجة الى الاشارة انما هو لتوضيح ذلك الجامع وتمثيله كما يقال لتوضيح مفهوم الدينار – مثلاً – انه ما يجعل مقياساً للمالية او نحو ذلك وبمتمم الجعل التطبيقي يكون كأصل الحكم تابعا للملاك.
ولا بد من وجود تناسب بين الماهية الاعتبارية وكل نوع من الانواع التي تنطبق عليها بل الملاك في الحقيقة تتقوم بهذه الماهية الاعتبارية ولذلك تعتبر وسيطا لتعلق الامر بهذه الانواع.
وعلى هذا الاساس لا بد من وجود تناسب ايضا بين نفس هذه الانواع وكذا لا بد من اشتراكها في تقوم نوع من الملاك بها على الاختلاف بينها.
وكيف كان فالاحتمالان قائمان في العبارة وان كان الاقرب في نظرنا هو الاحتمال الثاني فلو كان كذلك لم يرد عليه اشكال نظري واما على افتراض ان يكون المراد هو الاحتمال الاول ترد عليه عدة اعتراضات نذكر بعضها:
**الاعتراض الاول:** ان ما بنيت عليه النظرية من ان هناك خاصية في الصلاة لا يشترك معها غيرها من العبادات وهي كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر امر لا دليل عليه فان الآية المباركة وان اثبتت ذلك للصلاة الا انها لا تنفيها عن غيرها من العبادات. وما يذكر من التقريب في بعض التقريرات لكون الصلاة ناهية عنهما يمكن اسراؤه الى سائر العبادات ايضاً.
وهكذا الكلام في كونها معراج المؤمن او قربان كل تقي اما القربان فواضح واما المعراج فهو من باب الكناية قطعاً والمراد الكمال النفسي والقرب من الخالق جل وعلا وهو يحصل في كل عبادة بشرط الخضوع والتوجه ولعل ذلك يعتبر قرينة على كون المراد من الصلاة في الرواية الصلاة الكاملة لا الصحيحة فتخرج عن موضوع البحث اساسا.
**الاعتراض الثاني:** انا لو سلمنا وجود هذه الخاصية في الصلاة الا ان القانون الفلسفي المذكور: (الواحد لا يصدر الا من الواحد) ملازم لقانون آخر وهو (الواحد لا يصدر منه الا الواحد) حسب التقرير الفلسفي فكما ان وحدة المعلول تلازم وحدة العلة كذلك وحدة العلة تلازم وحدة المعلول.
وهذا ما اوقع الباحثين في ازمة فلسفية في مسألة ربط الحادث بالقديم لبساطة القديم من جميع الجهات مع الكثرات في العالم المعلول.
فاذا بنينا على صحة هذا القانون فلا بد من الالتزام بجانبيه وحيث ان الآثار المفروضة للصلاة متعددة من النهي عن الفحشاء والمنكر وكونها معراج المؤمن وقربان كل تقي ونحو ذلك فلا بد من تعدد المؤثر وعدم بساطة الجامع.
مضافاً الى ان خصوص النهي عن الفحشاء والمنكر ليس معلولاً بسيطاً وهذا القانون يختص بالمعلول البسيط والنهي عنهما ينحل بحسب تكثر الفواحش والمنكرات فكل منها حقيقة غير الآخر وهذا العنوان جامع انتزاعي وعنوان مشير الى التكثرات. اذن فهذه الآثار المتكثرة تكشف عن تكثر المؤثر وعدم بساطته.
**الاعتراض الثالث:** انه كيف يتصور جامع ذاتي مقولي بين الحقائق المختلفة فالصلاة مركبة من كيف مسموع وهو الاذكار والوضع كالركوع والسجود والكيف النفساني كالنية بناءاً على جزئيتها وكقصد العنوان حيث يكون مقوماً للصلاة كصلاة الصبح ونافلتها وصلاتي الظهر والعصر. وكيف تكون هذه الحقيقة الواحدة منطبقة على حقائق مختلفة مع انهم يقولون في الفلسفة ان المقولات لا يجمعها مشترك ذاتي.
**الاعتراض الرابع:** انه حتى لو افترضنا تركب الصلاة من افراد لمقولة واحدة كالكيف المسموع كما هو الحال في بعض انحاء صلاة المطاردة وكذلك في صلاة الميت فهناك مشكلة اخرى في انطباق الجامع المذكور وهي ان الجامع قد فرض بسيطاً والمنطبق عليه مركب من اجزاء وان كانت من مقولة واحدة الا ان حمل المركب على البسيط المعبر عن الهوهوية والاتحاد بينهما امر غير معقول. ومن هنا اضطر الى التعبير عنه بالعنوان الانتزاعي.
**الاعتراض الخامس:** ان هذا الجامع لا يختص بالانطباق على الافراد الصحيحة كما هو المدعى وذلك لان الصلاة الصحيحة في حالة فاسدة في حالة اخرى كصلاة القصر في الحضر او التمام في السفر مع أن الجامع المقولي المفروض يجب ان يكون منطبقاً عليها في كلتا الحالتين اذ خصوصية الفاعل وحالته الخاصة لا تؤثر في الجامع المقولي الذاتي فانه يحكي عن المعنى الاسم المصدري اي نفس العمل بلحاظ صدوره عن فاعل.
وسيأتي الاشكال في عدّ النهي عن الفحشاء والمنكر من آثار خصوص الصلاة الصحيحة وكذا كونها قرباناً لكل تقيّ.
ووضوح هذه المناقشات مع ملاحظة المقام العلمي الشامخ للمحقق الخراساني يؤيد و يؤكد ان يكون مراده هو الاحتمال الثاني الذي ذكرناه.
**الوجه الثاني:** ما ذكره المحقق الاصفهاني قدس سره في تعليقته على الكفاية وفي (الاصول على النهج الحديث) وهو بتقريب منا يتلخص فيما يلي:
ان بين جميع انحاء الصلاة سواء كانت للمضطر او المختار جامعاً تركيبياً الا ان الاجزاء المعتبرة فيه ملحوظة بالإبهام سواء في العوارض والطوارئ ام في الذاتيات اما في العوارض فلا يتقيد الجزء الملحوظ بالعدد الخاص مثلاً فالركوع جزء للصلاة مبهماً من حيث العدد وكذلك السجود ولا يتقيد الذكر مثلاً بكونه جهراً او خفاتاً وهكذا في سائر الجهات.
واما في الذاتيات فالركوع والسجود مثلاً لا يلاحظان بما انهما من مقولة خاصة فركوع المختار وسجوده من مقولة الوضع ولكنها في المضطر قد يكونان بالايماء.
اذن فالإبهام الملحوظ في ذات الاجزاء لا يراد به الابهام في مرحلة الجنس فانه امر معترف به لا اشكال فيه لان الجنس غير متحصل وبعد تحقق الفصل الاخير يتحقق النوع والحقيقة الخاصة بل تقيد في حقيقة الجنس فيمكن ان يكون الانسان مع جسم طبيعي ويمكن ان يكون مع جسم مثالي بل الابهام هنا في مرحلة الفصل ايضاً فالركوع المتعارف مغاير للركوع الايمائي جنساً وفصلاً وكذلك السجود.
ثم حاول المحقق الاصفهاني قدس سره تقريب امكان ملاحظة الشيء مبهماً في ذاتياته بما اوجب مزيد الاعتراضات عليه فاستشهد بما نقله عن بعض الاكابر من امكان كون الشيء مشككاً في ذاتيته.
والحاصل أن الصلاة موضوعة للأمر المركب من هذه الامور بما لها من العرض العريض لا بما انها مقولة محدودة بالذاتيات الخاصة.
واضاف المحقق المذكور أن هذا يجوز أن يجعل جامعا على القول بالصحيح فيما إذا لوحظ فيه ترتب الاثر والغرض من التشريع ويجوز ان يجعل جامعاً على القول بالأعم إذا لم يلاحظ فيه ذلك.
هذا وقد اعترض عليه في المحاضرات ان الابهام في ما وراء الطواري والعوارض امر غير معقول فاللابشرطية في الانسان مثلاً انما تتصور في كيفياته وكمياته ونحو ذلك من الاعراض واما في الذاتيات فمستحيل.
وقد فصل الاعتراض في تهذيب الاصول بان الصلاة لا بد لها من جامع متواط يصدق على افرادها ولا بد ان يكون امراً متعيناً متحصلاً في مقام تجوهر ذاتها وان الابهام لا بد من ان يلاحظ في الطواري والعوارض والا لزم ان يكون من قبيل الفرد المردد في دخول الابهام في حد ذاته ومرتبة تحصله وقد فرّ منه قدس سره.([67])
ولكن الظاهر ان ما ذكره المحقق الاصفهاني في حد ذاته مما لا محيص من الالتزام به وذلك بملاحظة الآيات الكريمة التي نسب فيها التسبيح والسجود والقنوت بل والصلاة ونحو ذلك الى الحيوانات والجمادات وكل المخلوقات حتى الظلال. ومن الواضح انه لا يمكن نسبة هذا السجود المقولي وكذلك التسبيح والحمد ونحو ذلك الى هذه الاشياء.
قال تعالى: «ولله يسجد من في السماوات و الارض طوعاً وكرها وظلالهم بالغدو والآصال» الرعد ++15++
وقال تعالى: «ولله يسجد ما في السماوات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون» النحل ++49++
وقال تعالى: «الم تر ان الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس. الآية. الحج ++18++
وقال تعالى: «والنجم والشجر يسجدان» الرحمن ++6++
وقال تعالى: «وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير» الانبياء ++79++
وقال تعالى: «الم تر ان الله يسبح له من في السموات والارض والطير صافاّت كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون» النور ++41++
وقال تعالى: «و يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته» الرعد ++13++
وقال تعالى: «تسبح له السماوات السبع والارض ومن فيهن وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» الاسراء ++44++
وقال تعالى: «سبحانه بل له ما في السماوات والارض كل له قانتون» البقرة ++116++
الى غير ذلك من الآيات التي لا تدع مجالاً للشك في صحة نسبة هذه الافعال الى مختلف الموجودات. ولعل هذه الاستعمالات ونظائرها دعى بعض الفلاسفة المتأخرين الى دعوى كون الالفاظ موضوعة للمعاني العامة فالكتاب مثلاً موضوع لكل ما يقع تحت المطالعة والتأمل فيشمل الكتاب التدويني والتكويني و الآفاقي و الأنفسي. والكلام موضوع لما ينبئ عن الضمير. والميزان لكل مقياس والعلم ليس كيفية نفسية وانما هذه الكيفية أحد مراتب العلم ومنه ما هو جوهر ومنه ما هو واجب وهكذا ...
وعليه فإسناد التسبيح والسجود وغيرهما الى هذه الموجودات ليس على وجه التمثيل والتجوز بل يحكي عن ان واقع السجود والتسبيح والقنوت والصلاة معنىً آخر لا يتقيد بمقولة خاصة. نعم لا مانع من الالتزام بنوع من التعبير الادبي في نسبة السجدة الى الظلال كما التزم به بعض المفسرين.
اذن فلا مانع من ان يكون الركوع والسجود ملحوظين بما لهما من العرض العريض كما اعترف به في تهذيب الاصول في تقريب نظريته التي مر البحث عنها.
هذا ولكن تبقى على نظرية المحقق الاصفهاني مناقشة واحدة وهي ان الصلاة لا تتقيد بهذه المجموعة من الاجزاء حتى بالعرض العريض وذلك لان من انحاء الصلاة صلاة المطاردة وهي في بعض الموارد لا تتعدى تكبيرتين فما هو الجامع التركيبي الموجود حينئذ ؟!
وبعبارة اخرى هل يمكن ان يقال ان حقيقة الصلاة هي خصوص هاتين التكبيرتين و ما عداهما ليس جزءاً للصلاة اصلاً وان ما عداهما انما يعتبر جزءاً في غير صلاة المطاردة. نظير ما يقال في سقوط التسمية عند التقية ان الصلاة هي ما عداها فهي حين الاتيان ليست جزءاً او ان الصلاة هي ما عداها وهي جزء حال عدم الاضطرار. فهل يمكن دعوى ذلك في ما نحن فيه؟! من الواضح ان هذه الدعوى لا تصدر عن أحد من المتشرعة.
**الجهة الرابعة:** البحث حول الثمرة المترتبة على مبحث الصحيح والاعم. وقد ذكروا له عدة ثمرات:
**الثمرة الاولى:** ان البراءة لا تجري في موارد الشك بين الاقل والاكثر الارتباطيين على القول بالصحيح وتجري على القول بالأعم. وبعبارة اخرى ان ما يدعو الى القول بجريان البراءة في موارد الشك بين الاقل والاكثر الارتباطيين وهو انحلال التكليف الموجب لانحلال العلم الاجمالي متحققة في موارد الشك في جزئية شيء او شرطيته في الصلاة ونحوها على القول بوضعها للأعم وغير متحققة فيها على القول بالصحيح.
ونلاحظ على هذه الثمرة ان جريان البراءة على القول بالأعم صحيح واما عدم جريانها على القول بالصحيح ففيه تفصيل:
وذلك للاختلاف في وجه جريان البراءة في موارد الشك بين الاقل والاكثر الارتباطيين فان كان الوجه فيه مجرد انحلال التكليف الواحد الى تكاليف متعددة ضمنية وان البراءة تجري بالنسبة الى الوجوب الضمني المشكوك فيه فالحق ان القول بالوضع للصحيح لا ينافي اجراء البراءة.
ولكن قد يكون الوجه في جريان البراءة هو ان اقوى ما يتمسك به للقول بالاشتغال في هذه الموارد هو العلم الاجمالي بثبوت الوجوب اما للأقل بحدّه او الاكثر بحدّه وهذا العلم ينحل بتقريب مذكور في محله فتجري البراءة في الوجوب الاستقلالي المحتمل ثبوته للأكثر. و بناءاً على هذا الوجه لا يمكن القول بالبراءة على القول بالصحيح.
اما على المسلك الاول فلا بد من توضيح الانحلال المذكور على جميع المحتملات:
فان قلنا بان الجامع هو الماهية الاعتبارية كما ذكرنا وان الشارع يطبقها على الانواع المختلفة من المركبات الاعتبارية بمتمم الجعل التطبيقي فالبراءة جارية في مورد الشك وذلك لان الماهية الاعتبارية ليست هي المأمور به بالحمل الشايع بل المأمور به هو المركبات التي تطبق عليها تلك الماهية وانما هي ما يستعمل فيه اللفظ فالخلاف بيننا وبين من يقول بالجامع التركيبي انما هو فيما استعمل فيه اللفظ واما المأمور به بالحمل الشايع فهو نفس العمل المركب الذي طبق الشارع عليه عنوان الصلاة والامر وان تعلق بعنوان الصلاة كقوله تعالى: (اقم الصلاة) الا ان متمم الجعل وسيط لتطبيق المأمور به عنواناً على ما هو المأمور به بالحمل الشايع . اذن فمركز الامر واقعاً هو نفس المركبات الاعتبارية فاذا شككنا في دخالة الإستعاذة – مثلاً – في الصلاة المأمور بها كان ذلك شكاً في كون متعلق الامر عبارة عن الاقل او الاكثر فتجري البراءة.
وان قلنا بالجامع البسيط الذاتي ولم نقل باتحاده وجوداً مع المركبات الخارجية كانت النسبة بين المركب والمأمور به نسبة المحصِّـل الى المحصَّـل فلا بد حينئذ من القول بالاشتغال لتغاير المأمور به مع ما هو محقق خارجاً بحسب الوجود فليس هناك انحلال في التكليف لعدم تعلقه بالكثرات الموجب لكسب الحكم كثرة اعتبارية ولا انحلال في العلم الاجمالي.
ولكن الظاهر ان هذا لم يقل به أحد.
وان قلنا بالجامع البسيط المنطبق على المركب الاعتباري وانه ليس امراً إنتزاعياً بل هو ذاتي مقولي. وهو الذي نسبه الاصحاب الى المحقق الخراساني قدس سره فمع غض النظر عن المناقشة في كيفية اتحاد هذا الجامع البسيط مع المركب من المقولات المتعددة بحيث لا تلزم بساطة المركب ولا تركب البسيط لا بد من التفصيل في امكان اجراء البراءة.
وذلك لان وجه جريانها في الاقل والاكثر الارتباطيين – حسب الفرض – مجرد انحلال التكليف الى تكاليف ضمنية وان الشك في وجوب الجزء شك بدوي مورد للبراءة فلا بد من القول بجريانها في المقام وذلك لان مناط انحلال التكليف هو تعلقه بالكثرات حيث يكتسب الحكم كثرة اعتبارية و الكثرات وحدة اعتبارية والاعتبار قليل المؤنة فلا مانع من الالتزام به في المقام وان كان متعلق التكليف بعنوانه جامعاً بسيطاً وذلك لان المفروض اتحاده وانطباقه على المركب الاعتباري فيكتسب الحكم من جهة تعلقه بما هو متحد مع الكثرات كثرة اعتبارية وينحل الوجوب الى وجوبات ضمنية فتجري البراءة فيما شك منها .
واما بناءا على المسلك الثاني وهو انّ السرّ في جريانها هو انحلال العلم الاجمالي الذي لولا انحلاله لامتنع اجراء البراءة في كل من التكليفين الاستقلاليين كما هو الحق فلا تجري البراءة في المقام.
توضيحه ان العلم الاجمالي المتعلق بوجوب أحد الامرين الاقل والاكثر لا بدّ من حلّه الى علم تفصيلي وشك بدوي حتى يمكن اجراء البراءة في مورد الشك وذلك اما بانحلال حقيقي كما قيل او حكمي كما هو الحق على اختلاف التقارير في انحلاله.
وهذا الانحلال لا يجري على هذا القول لان العلم المتعلق بالتكليف هنا تفصيلي فان الفارق بين العلم التفصيلي والاجمالي هو ان الثاني يتعلق بعنوان انتزاعي هو أحد الامرين او الامور فنقول أحد الامرين واجب او أحد الوجوبين ثابت كما هو الصحيح بان يكون أحد الامرين حداً للعلم لا للواقع كما في الواجب التخييري فالواجب واقعاً في مورد العلم الاجمالي هو هذا بحدّه او ذاك بحدّه وحينئذ تبذل المحاولات لحل العلم الاجمالي فتجري البراءة ومنها ما ذكرناه في محله.
واجماله ان العلم الاجمالي المتعلق بوجوب أحد الامرين لا ينتج الا وجوب الموافقة الاحتمالية واما وجوب الموافقة القطعية فهو من باب منجزية الاحتمال إذا كان مقوماً لعلم اجمالي. و منجزية الاحتمال في موارد العلم الاجمالي بوجه عام ثابت ببناء العقلاء وهو مفقود فيما إذا كان أحد المحتملين مقطوع الوجود ولو بعنوان آخر اي الوجوب الثابت للأقل على نحو اللابشرط القسمي في موارد الاقل والاكثر. واما في المقام فالتكليف معلوم بالتفصيل والعلم ليس متعلقاً بعنوان انتزاعي اي عنوان أحد الامرين بل هو متعلق بالجامع الواحد سواء كان اعتبارياً او إنتزاعيا او حقيقياً. وانما التردد بين الاقل والاكثر في ما ينطبق عليه متعلق العلم وجوداً.
وما يقال من انه يصح القول بانا نعلم بوجوب أحد الامرين من الاقل والاكثر في المقام كما ورد في(المحاضرات) فالجواب عنه ان هذا الاطلاق لا يخلو عن تسامح وهو تعبير مع العناية فان الواجب هو نفس الصلاة وانما الشك في اتحاد الواجب وجوداً مع مركب ذي عشرة اجزاء مثلاً او مركب ذي تسعة اجزاء وهذا الترديد وان صحّ ان يكون موجباً لانحلال التكليف كما مر الا انه لا يصحح دعوى تعلق العلم الاجمالي بالتكليف المعلوم تفصيلاً تعلقه بالصلاة.
ويمكن ان يعترض على ما ذكرناه بانه ان قلنا بالجامع البسيط الانتزاعي كما ورد في عبارة المحقق الخراساني أمكن القول بجريان البراءة لان الامر إذا تعلق بأمر انتزاعي في العبارة فمتعلق الحكم هو منشأ الانتزاع وهو المأمور به واقعاً لان الامر الانتزاعي بنفسه لا يصح ان يكون متعلقاً للأمر.
والجواب أن هذا الامر محل اختلاف فذهب جماعة الى ان الامر او النهي إذا تعلقا بالأمر الانتزاعي فالمأمور به والمنهي عنه واقعاً هو منشأ الانتزاع. وعلى هذا الرأي فالكلام في مسلك المحقق الخراساني هو الكلام في مسلكنا فان الملحوظ في كون العلم اجمالياً او تفصيليا هو الواجب الواقعي والمفروض ان الواجب هنا هو منشأ الانتزاع وهو العمل المركب المردد بين الاقل والاكثر فيأتي فيه وجه جريان البراءة وهو كون العلم علماً اجمالياً منحلاً ولو حكماً.
واما على الرأي الآخر وهو ان الامر الانتزاعي يصح ان يكون متعلقاً للأمر والنهي وان كان وجوده بوجود منشأ انتزاعه وان نسبة الوجود اليه انما هو مع الواسطة في العروض الا انه لا مانع من نسبة الحكم اليه حقيقة فالكلام فيه هو الكلام في الجامع البسيط المقولي من ان انحلال الحكم لا أثر له وان كان صحيحاً باعتبار اتحاد المتعلق مع الكثرات وانحلال العلم غير موجود لتعلقه بالعنوان البسيط.
والصحيح هو الرأي الثاني فالنتيجة عدم جريان البراءة على هذا القول.
ويمكن ان يستدل للرأي الاول بوجهين:
**الوجه الاول:** ما ورد في المحاضرات من ان الامور الإنتزاعية لا تقبل الاتصاف بالوجود بنفسها والموجود في الخارج انما هو منشأ الانتزاع ونسبة الوجود الى الامر الانتزاعي انما تصح بالمجاز و الواسطة في العروض ولا يعقل توجيه الامر والنهي الا مع قابلية الايجاد لانهما ليسا الا لإيجاد الداعي والزاجر في نفس المكلف وذلك متوقف على امكان الايجاد.
والجواب عنه ان ما ذكر من ان وجود الامر الانتزاعي انما هو بتبع منشأ الانتزاع صحيح الا انه يكفي في منع لغوية الامر والنهي امكان تعلق الوجود بالعرض لمتعلقهما فالشيء قد يكون موجوداً بوجود ما بحذائه وقد يكون موجوداً بوجود منشأ انتزاعه كما ان الكلي ايضاً لا يوجد الا بوجود فرده مع صحة تعلق الامر والنهي بالعناوين الكلية فالوجود الخارجي وجود للفرد اولاً وبالذات ووجود للكلي ثانياً و بالعرض. بل ذكر في الفلسفة ان الموجود اولاً وبالذات هو نفس الوجود واما الماهية فإسناد الوجود اليها بالعرض والمجاز وإنها لم تشم رائحة الوجود.
هذا مضافا الى أن ما ذكره هنا ينتقض بالواجب التخييري اذ الحق – كما هو رأيه ايضاً – هو تعلق الوجوب فيه بالعنوان الانتزاعي وهو أحد الامرين والامور.
**الوجه الثاني:** ان متعلق الحكم يجب ان يكون واجداً للملاك ومصب الملاكات من المصالح والمفاسد هو الامور الخارجية وهي مناشئ الانتزاع وهذه قرينة على ان متعلق الحكم واقعاً هو مناشئ الانتزاع.
وبعبارة اخرى الارتكاز العرفي يقضي بان يحمل العنوان الانتزاعي المأخوذ متعلقاً لحكم ايجابي او تحريمي على انه اخذ على وجه المعرفية لا الموضوعية.
والجواب عنه مضافاً الى النقض بالواجب التخييري كما مرّ ومضافاً الى ان المصالح قد تكون متعلقة بنفس الحكم دون المتعلق ان المصالح والمفاسد ليست دائماً من الامور التكوينية التي لا توجد الا في الامور الخارجية فقد تكون المصلحة او المفسدة بنفسها امراً اعتبارياً ولا مانع حينئذ من تقومها بأمر انتزاعي.
أضف الى ذلك انه يكفي في صحة توجيه الامر والنهي تعلق المصلحة او المفسدة بما ينطبق عليه العنوان ولا ضرورة في ان يكون المؤثر في الملاك بنفسه متعلقاً للحكم.
فتحصل ان البراءة لا تجري على القول بالجامع البسيط الانتزاعي وان كان اتحاده مع المركب الاعتباري وجوداً يصحح دعوى انحلال التكليف الى تكاليف ضمنية الا ان الاساس في جريان البراءة هو انحلال العلم الاجمالي المتعلق بالتكليف. ومتعلق التكليف هنا معلوم بالتفصيل وهو نفس الجامع البسيط. وكونه امراً إنتزاعياً لا يكفي في اجمالية العلم فان اجماليته تتوقف على تعلقه بخصوص عنوان (أحد الامرين او الامور) بحيث يكون حداً للعلم لا حداً للمعلوم لا كل عنوان انتزاعي.
وتلخص من مجموع ما ذكرناه ان وجه جريان البراءة وهو انحلال العلم الاجمالي موجود في ما نحن فيه على القول بالأعم اما على القول بالصحيح فيتوقف جريانها على دوران ما هو الواجب بالحمل الشايع بين الاقل والاكثر والا فانحلال التكليف لا يفيد كما لا يفيد اتحاد الواجب بالحمل الشايع وجوداً مع ما هو مردد بين الاقل والاكثر. اذن فدعوى جريان البراءة حينئذ ناشئة من الخلط بين انحلال التكليف وانحلال العلم الاجمالي.
**الثمرة الثانية:** ان التمسك بالإطلاق اللفظي ممكن على القول بالأعم دون القول بالصحيح.
ولتوضيح ذلك نقدم بيان الفرق بين الاطلاقين اللفظين والمقامي:
مورد الاطلاق اللفظي هو ما اذا كان موضوع الحكم او متعلقه في القضية اللفظية ماهية نشك في انها تمام الموضوع او المتعلق ام ان هناك قيداً وجودياً او عدمياً زائداً على اصل الماهية دخيلة في الموضوع او المتعلق فالماهية المذكورة يجب ان تكون مشتركة بين الواجد للقيد المشكوك والفاقد له وحينئذ نتمسك بإطلاق اللفظ الدال على اعتبار تلك الماهية موضوعاً او متعلقاً للحكم ونحكم بانها تمام الموضوع في مرحلة الجد وذلك مع مراعاة شرائط التمسك بالإطلاق بان يكون المتكلم في مقام البيان وان لا يكون هناك مانع عن اتمام الكلام وذكر القيود ومتعلقات الكلام ويكون القيد مما يمكن تقييد الماهية به في اللفظ.
واساس الاطلاق اللفظي هو اصالة التطابق بين المراد الجدي واحد المرادين الاستعمالي او التفهميمي على تفصيل سيأتي.
واما الاطلاق المقامي فهو لا يتوقف على وجود ماهية مشتركة بين الفاقد والواجد للخصوصية المشكوكة بل يمكن التمسك به في موارد مختلفة لا يوجد فيها هذا القيد.
فمنها التمسك بمفهوم اللقب مع انه ليس حجة على نحو الاطلاق فاذا قال من له حق الامر (اكرم زيداً واخاه وعمراً واخاه وبكراً) ولم يذكر اخا بكر مع احتمال شمول الحكم له واقعاً فندفع هذا الاحتمال بمعونة الاطلاق المقامي من جهة ان سكوته عن ذكر اخي بكر مع عطف اخوي زيد وعمرو عليهما يكون بمثابة بيان لعدم وجوب اكرامه وان وجوب الاكرام المجعول بالنسبة الى بكر ليس على نحو يعم اخاه فلا كوجوب الاكرام المجعول بالنسبة الى زيد وعمرو مع أنه لو كان يأمر بإكرام بكر منفردا لم يكن يعدّ هذا بيانا لعدم وجوب اكرام اخيه لعدم حجية مفهوم اللقب ولكن الجمع بينه وبين غيره في الامر بالإكرام والتفريق بينهما في ذكر الاخ وعدمه اوجب تحقق كاشفية لعدم الذكر عن عدم وجوب الاكرام.
وهذا ليس من الاطلاق اللفظي لعدم وجود ماهية مشتركة بين فاقد الخصوصية وواجدها تكون متعلقة لحكم وجوب الاكرام.
ومنها ان المتكلم لو كان بصدد ماهية او كان بصدد بيان متمم الجعل التطبيقي و أنبأ عن عدة امور دخيلة في تحققها دون اخرى محتملة الدخالة يحكم بعدم دخالتها إذا كان في مقام البيان والتفصيل.
والمثال له صحيحة حماد الحاكية لصلاة الامام التعليمية فقد تعرضت لعدة خصوصيات في الصلاة قولاً وفعلاً ولم تتعرض لبعض الشؤون على اختلاف في كون المراد بيان ما هو دخيل في الصلاة الصحيحة او الكاملة فقط فحيث ان الامام في مقام بيان ما تنطبق عليه الماهية او في مقام تشريح ما تتركب منه نستكشف ان ما لم يذكر ليس دخيلاً في الصلاة التي تعلقت به الحكم.
وهذا الاطلاق لا يتعلق بلفظ الصلاة الموضوع للماهية المشتركة بين واجد الخصوصية المشكوكة وفاقدها بل يتعلق بذكر الاجزاء والشرائط المذكورة وهي امور متباينة.
ومنها ان تكون الماهية التي جعلت متعلقاً او موضوعاً للحكم ذات مصداق او مصاديق بنظر العرف. ولا يذكر الشارع او المقنن انه لا يرى المصداق العرفي مطلقا او في الجملة مصداقاً لها. فنستكشف من ذلك عدم تخطئته لنظرهم الدقيق – لا المسامحي – في تشخيص المصداق فيما إذا كانت الماهية تكوينية او اعتبارهم هذه الامور مصاديق لها – وهو الذي نعبر عنه بمتمم الجعل التطبيقي – فيما إذا كانت الماهية اعتبارية.
وتفصيل ذلك سيأتي ان شاء الله تعالى عند توضيح امكان التمسك بالإطلاق المقامي في المعاملات على القول بالصحيح سواء قلنا انها اسام لما يكون مؤثراً في الاحكام الوضعية الخاصة تكوينياً من جهة عدّها في المقولات الواقعية كما ذكره بعضهم او قلنا انها اسام لماهيات اعتبارية كما هو المختار.
وكيف كان فالمستكشف على الاول عدم تخطئة نظر العرف وفي الثاني امضاء المتمم التطبيقي العرفي. وعلى كل تقدير فليس هذا من قبيل الاطلاق اللفظي اذ ليس في المقام ماهية مشتركة نحرز صدقها على الواجد للخصوصية والفاقد لها.
ومنها: الموارد التي يكون الموضوع او المتعلق فيها ماهية لا يمكن تقييدها بالخصوصية المشكوكة دخالتها في الغرض كقصد القربة – بناءاً على عدم امكان تقييد العبادة بها الا بمتم جعل يفيد الجزئية والشرطية – كما ذكره المحقق النائيني قدس سره وحينئذ فاذا لم يرد من الشارع متمم جعل يفيدهما نحكم بعدم دخالة القيد المذكور في المأمور به وهذا ايضاً ليس تمسكاً بإطلاق لفظي فانه يتقوم بإمكان تقييد الماهية – موضوع الحكم او متعلقه – بالقيد المشكوك دخالته بحيث تنقسم الماهية الى واجدة له وفاقدة له.
وبعد ان تبين الفرق بين الاطلاقين نقول: ان مورد الكلام في ما نحن فيه هو الاطلاق اللفظي والمدعى هو عدم امكان التمسك به على القول بالصحيح وامكانه على القول بالأعم.
ولا بد من دراسة هذه الدعوى:
اما على القول بالصحيح فلا اشكال في عدم امكان التمسك بالإطلاق اللفظي على جميع المسالك وذلك لان الشك في دخالة كل امر في موضوع الحكم او متعلقه يساوق الشك في دخالته في نفس الماهية التي جعلت موضوعاً او متعلقاً للحكم وقد ذكرنا ان الشرط الاساسي في التمسك بالإطلاق اللفظي هو ان تكون الماهية المشتركة بين الواجد للقيد والفاقد له محفوظة على كل تقدير ويكون الشك في اعتبار امر زائد عليها حتى يتسنى لنا التمسك بأصالة التطابق بين المراد الاستعمالي او التفهيمي والمراد الجدي وحيث ان الشك في دخالة القيد شك في اصل الماهية لا يمكن التمسك بالإطلاق.
والترديد بين المراد الاستعمالي والمراد التفهيمي في العبارة انما هو من اجل تعميمها على جميع المسالك فعلى القول المشهور من استعمال اللفظ في المعنى الصحيح فأصالة التطابق المنفية في المقام انما تلاحظ بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي. وعلى القول بان استعمالات الشارع كلها مجازية مع تفسير المجاز بانه استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي مع تطبيقه على امر آخر فالمقيس الى المراد الجدي ليس هو المراد الاستعمالي على المختار لانه نفس المعنى الحقيقي بل المقيس هو المراد التفهيمي.
ويلاحظ ان التعبير بالمراد التفهيمي كثيرا ما يرد في كلامهم ويقصد به المراد الاستعمالي وهو على وفق مصطلح اخر كما سبق بيانه في مبحث الدلالة الاستعمالية في قبال الدلالة الاخطارية.
واما على القول بالأعم فلا بد من ملاحظة المسالك كلاً على حدة:
فان قلنا بثبوت الحقيقة الشرعية او ان استعمال الشارع مجازي فالمراد الاستعمالي او التفهيمي هو الجامع الأعمي اما خصوص الاركان او معظم الاجزاء على القولين وحينئذ فلا مانع من التمسك بالإطلاق اللفظي إذا شككنا في اعتبار امر زائد على ذلك الجامع لان المفروض ان الشك في قيد زائد على الماهية المأخوذة موضوعاً او متعلقاً فمرجع الشك الى ان الماهية تمام الموضوع ام لا.
وان قلنا بمسلك الباقلاني فتصوير الوضع للأعم يتم كما ذكرنا بافتراض ان القرينة العامة الموجبة للحكم بان مراد الشارع هو المعنى اللغوي مع مجموعة من القيود هي عبارة عن الاركان او معظم الاجزاء على القولين بنحو تعدد الدال والمدلول. وحينئذ فيقع الكلام في أن المعتبر موضوعاً او متعلقاً للحكم اي المراد الجدي هل هو خصوص هذا المراد التفهيمي ام أن هناك قيداً زائداً معتبراً فيه لم تنبئ عنه القرينة العامة فالتمسك بالإطلاق لا مانع منه.
وان قلنا – كما هو المختار – بان الموضوع له في بعض الموارد كالصلاة والزكاة _ على احتمال _ هو الماهية الاعتبارية وان اللفظ مستعمل فيها وان الشارع طبقها على مركبات اعتبارية مختلفة فتصوير القول بالأعم يتم بافتراض ان تكون المتممات التطبيقية قد طبقت هذه الماهية في الصلوات اليومية على خصوص الاركان او معظم الاجزاء وفي صلاة الميت على خمس تكبيرات او أربع على اختلاف الموارد وفي صلاة المطاردة على تكبيرات بعدد الركعات وهكذا.
والتمسك بالإطلاق اللفظي لمنع اعتبار قيد مشكوك لا يصح على هذا القول وذلك لان اللفظ لم يستعمل الا في نفس الماهية الاعتبارية. ومتعلق الامر هو هذه المركبات الخارجية. والوسيط في اسراء الامر المتعلق بالماهية الى هذه المركبات هو متمم الجعل. فالجامع وهو الاركان او معظم الاجزاء ليس مراداً بالإرادة الاستعمالية لان المستعمل فيه هو نفس الماهية الخضوعية ولا بالإرادة التفهيمية اذ لا يمكن ان يقصد بهذا اللفظ تفهيم هذه الانواع المختلفة التي تنطبق عليها ماهية الصلاة.
واما الاطلاق المقامي فيما إذا كان هناك أحد متممات الجعل التطبيقية في مقام بيان كل ما هو معتبر في المأمور به كصحيحة حماد بالنسبة الى الصلاة اليومية فلا مانع منه الا ان افتراض كون متمم الجعل التطبيقي في مقام بيان جميع القيود والاجزاء المعتبرة فرض غير واقعي لما سيأتي من ان متمم الجعل انما هو في مقام بيان ترتب بعض الآثار على الهيكل الخارجي للعمل المركب.
ومما ذكرناه يتبين الفرق بين التطبيق الذي ندعيه في الماهيات الاعتبارية والتطبيق الذي نقوله في المجاز على القول بمجازية استعمالات الشارع وذلك لان المراد التفهيمي هناك امر واحد جامع بين انحاء الصلاة الصحيحة والفاسدة ولا يمكن تفهيم هذه المفاهيم المتعددة التي تقع مورداً للتطبيقات المختلفة بلفظ واحد.
**الثمرة الثالثة:** ان الفاظ العبادات كما تقع متعلقات للأحكام كذلك تقع موضوعات لها. وحينئذ تظهر نتيجة القولين في سعة الموضوع وضيقه فان قلنا بالوضع للصحيح كان موضوع الحكم خصوص العبادة الصحيحة وان قلنا بالأعم كان موضوعه اوسع. ولهذه الثمرة موارد كثيرة:
منها: ان صلاة الرجل محاذياً لصلاة المرأة او متأخراً عنها من دون الفصل بالمقدار المعين او وضع الحائل باطلة او يكره ذلك وكذلك العكس. وحينئذ يقع الكلام في ان الحكم هل يختص بالصلاة الصحيحة ام يعم الفاسدة فاذا كانت صلاة المرأة فاسدة لفقدان شرط مثلاً فهل تصح صلاة الرجل خلفها او لا تكره ام الحكم عام؟
ومنها: استحباب الصلاة في مسجد لا يصلي فيه اهله فان كان معموراً بالصلاة الا ان اهله لا يهتمون بأحد شرائط الصحة فهل يحكم انه مسجد لا يصلي فيه اهله ويشمله الحكم ام لا؟
ومنها: استحباب تفطير الصائم. واستحباب زيارة الحاج وهكذا...
الظاهر ان ترتيب هذه الثمرة لا مانع منه.
الا انه قد يناقش في ذلك بانّ الصحة التي تحتمل دخالتها في مثل هذه الامثلة مغايرة للصحة التي تحتمل دخالتها في المسمى فالصحة هنا بمعنى انطباق المأمور به على المأتي به والصحة في مرحلة المسمى بمعنى التمامية في الاجزاء والشرائط.
وبينهما فرق كبير وذلك لان الصحة بمعنى الانطباق منتزعة من الصلاة الموجودة في الخارج وهذا المعنى لا يمكن دخالتها في المسمى لأنها من شؤون الوجود فالعمل الموجود خارجاً اما ان ينطبق عليه المأمور به ام لا ومن المعلوم ان الوجود وشؤونه خارج عن حقيقة الشيء والا لزم التجريد حين الاستعمال.
كما ان مرحلة تعلق الاحكام ايضاً لا يمكن ان يعتبر فيها الوجود فالأحكام متعلقة بنفس الماهيات لا الماهيات الموجودة والا لزم طلب تحصيل الحاصل او التجريد حين الاستعمال.
والجواب ان أصل المبنى صحيح فالأحكام متعلقة بنفس الماهيات لا الماهيات الموجودة والمسميات ايضاً لم يؤخذ فيها الوجود الا ان ذلك لا ينافي ترتب هذه الثمرة.
توضيح ذلك ان المفروض في المقام ان هذه العناوين قد اخذت موضوعات للأحكام وقيد الوجود انما لحقها من هذه الحيثية فكما ان متعلقات الاحكام لا بد ان تكون نفس الماهية لا الماهية الموجودة كذلك لا بد من ان تكون موضوعات الاحكام مفروضة الوجود فاذا قلنا المستطيع يجب عليه الحج كان معناه ان من وجد وكان مستطيعاً يجب عليه الحج فموضوع الحكم انما يكون موضوعاً له بالحمل الشايع إذا وجد في الخارج.
وعليه فاذا كانت الصلاة موضوعة لحرمة المحاذاة او كراهتها كان لا بد من فرض وجودها ليترتب عليها الحكم فان قلنا ان الموضوع له لفظ الصلاة هو الصلاة الصحيحة اي ما تتم فيها الاجزاء او الشرائط فالموضوع هنا هو الصلاة التي توجد في الخارج وتنطبق عليها المأمور به وهذا المعنى من الصحة لم يعتبر الا من جهة كون الصلاة موضوعاً للحكم وان قلنا بالأعم لم يتقيد بانطباق المأمور به الا ان الموضوع ايضاً مفروض الوجود.
فتحصل ان هذا المبحث لا يخلو من نتائج فقهية واما القول بان هذه النتائج لا تصحح جعله من المباحث الاصولية لاعتبار كونه من مقدمات القياس الفقهي بلا واسطة فقد مر الجواب عنه في المدخل وقلنا ان كل مسألة تؤثر في الاستنباط الفقهي ولم يبحث عنها مفصلاً في علم آخر فلا بد من البحث عنها في الاصول.
**الجهة الخامسة:** في ادلة القولين.
والمتعارف في هذا المقام كغيره من المباحث هو التطرق لأدلة كل من القولين ثم مناقشتها. ولكننا نتبع طريقة اخرى وذلك من جهة ان الادلة مشتركة بينهما الا ان كلاً من الفريقين يستدل بها لإثبات نظريته اذن فالأولى استعراض الادلة واحداً واحداً وملاحظة ما يمكن ان يستنتج منها. ولا داعي لتكرار الادلة مرتين. والادلة عبارة عن علائم الحقيقة والمجاز من التبادر و صحة السلب ثم عادة المخترعين وما يقتضيه حكمه الوضع ثم الادلة الشرعية الخاصة وما يستخلص منها.
**النوع الاول:** التبادر وصحة السلب والكلام في مقامين:
المقام الاول في ما هو الكاشف وطريقة الاستكشاف ونوع المستكشف على كل من المسالك فان نوع الكاشف وان كان هو التبادر وصحة السلب الا ان هناك فرقاً في صياغته حسب اختلاف الاقوال.
فان قلنا بالحقيقة الشرعية فالمدعي وضع الالفاظ للصحيح يدعي تبادر الجامع الصحيحي منها وكذلك الأعمي يدعي تبادر الجامع الأعمي منها في زمان ملاحظة اللفظ وما يتبادر منه.
وهذا المقدار لا يفيد في ثبوت الحقيقة الشرعية فيضاف اليه الاستصحاب القهقرائي واصالة عدم النقل كما قيل. وقد مرت المناقشة فيه في مبحث علائم الحقيقة والمجاز.
والصحيح أن تضاف اليه الشواهد التي تدل على عدم تطور معنى اللفظ من زمان الشارع الى زماننا ولو بملاحظة اننا باعتبار كثرة مزاولتنا للآثار الشرعية والخوض في معاني الآيات والروايات الكريمة كأننا نعيش ذلك المجتمع الذي وردت فيه استعمالات الشارع وان تأخر عهدنا فانطباعاتنا عن الفاظ الشارع هي انطباعات مجتمعه لا انطباعات مجتمعنا الحالي.
وان قلنا بثبوت الحقيقة المتشرعية وان الاستعمالات الشرعية كلها مبتنية على التجوز الا انها مجازات مشهورة. والمجاز المشهور بحكم الحقيقة في حمل اللفظ عليه ما لم تقم قرينة على الخلاف فالكاشف حينئذ هو التبادر في عهدنا ايضاً الا اننا نعلم عدم تحقق العلقة الوضعية في عهد الشارع فلا بد من اضافة امر آخر لإثبات كون المعنى مجازاً مشهوراً في عهد الشارع وهو دعوى ان هذا الوضع التعيني انما هو تطور في المعنى تبعاً لاستعمالات الشارع فالوضع وان حصل في عهود المتشرعة الا ان استعمالات المتشرعة تابعة لاستعمالات الشارع والمرحلة المسبقة على مرحلة حصول الوضع التعيني هو مرحلة المجاز المشهور فلا محيص من الالتزام بتحققه في عهد الشارع المقدس.
وان قلنا بوضع الالفاظ للماهية الاعتبارية – كما هو المختار – فالكاشف هنا يختلف عن الكاشف على القولين الاولين وذلك لان وضع اللفظ للماهية الاعتبارية لغة واضح فيطلق لفظ الصلاة على صلاة المسلمين واليهود والنصارى والمستعمل فيه في جميع ذلك هو الماهية الخضوعية الا ان الكلام فيما ينطبق عليه اللفظ وانه هل هو خصوص الصحيح او الاعم منه ومن الفاسد وهذا غير مدلول اللفظ ومفهومه وحينئذ نلاحظ ان المنساق من التطبيقات هل هو خصوص الصحيحة او الاعم وحيث يختلط في الذهن المفهوم بالمصداق نتخيل انه تبادر من حاق اللفظ غفلة عن الوسيط وهو متمم الجعل التطبيقي وبملاحظة سعة التطبيق وضيقه في عهدنا اي شموله للفاسد وعدمه نحكم بان تطبيق الشارع المقدس كان على هذا الغرار ايضاً بدعوى ان تطبيقاتنا امتداد لتطبيقات الشارع .
اذن فنوع الكاشف وان كان هو التبادر وصحة السلب الا انهما ليسا نابعين من حاق اللفظ ولا يستعملان لإثبات الموضوع له بل ينبعان من متمم الجعل ويثبتان المنطبق عليه فاختلف الكاشف والمنكشف.
**المقام الثاني:** في تعيين ما يكشفه التبادر و صحة السلب. ومن الطريف ان كلاً من الفريقين يدعي التبادر وصحة السلب لصالح مسلكه ولكن الظاهر من ملاحظة الاستعمالات هو تبادر المعنى الاعم فانا نجد من أنفسنا صحة إطلاق لفظ الصلاة على صلاة غير المؤمن وان اشترطنا الايمان في صحة العبادة ولا نجد في هذا الاطلاق عناية وتجوزاً. وكذلك في صلوات المؤمنين مع ان الغالب عدم تحقق جميع شرائط الصحة في صلواتهم.
واوضح من ذلك عدم صحة السلب عن صلاة من يخل ببعض الشرائط اجتهاداً او تقليداً خلافاً لمعتقدنا فان اخلاله عن عذر والمفروض بطلان الصلاة حسب رأينا ومع ذلك فمن البعيد جداً الالتزام بصحة سلب الصلاة عن عمله في الموارد التي يلتزم فيها بعدم الاجزاء واما في موارد الاجزاء فلا يمكن النقض به وسيأتي بيان الضابط له في المبحث المناسب ان شاء الله.
**النوع الثاني:** ملاحظة دواعي الوضع (بالمعنى الاعم) وحكمته وإنها هل تقتضي الوضع للصحيح او للأعم؟
والكلام تارة على القول بالوضع وتارة على القول بمتمم الجعل التطبيقي.
اما على القول بالوضع فقد ادعى جماعة بأن حكمة الوضع تقتضي الوضع للصحيح التام الاجزاء والشرائط فان ذلك هو ديدن المخترعين للمركبات الخارجية. وذلك لوجهين:
**الوجه الاول:** ان عادة المخترعين انهم لا يلاحظون في وضع الاسماء لمخترعاتهم الا ما هو دخيل في تحقق ماهيته دون الامور الدخيلة في ترتب الاثر من جهات خارجة عن حقيقته فالأدوية مثلاً يتوقف تأثيرها على شروط خارجية من ملاحظة حال المريض ووقت الاستعمال وسبق الاكل او عدمه وعدم مقارنة ادوية اخرى لمنع بعض الاضرار او لتتميم التأثير وعدم وجود مرض يضره الدواء تفادياً للمضاعفات التي قد يسببها ومن الواضح ان هذه الشؤون لا تلاحظ في تسمية الدواء.
ولا اشكال ان الصلاة مشروطة بمثل ذلك فالمركب الخاص الصلاتي صحيح من مكلف دون آخر وفي حال دون حال وفي وقت دون وقت. وهذه الشؤون لا ربط لها بأصل المركب ولذلك اعتبرها بعضهم من شروط المصلي دون الصلاة. ومهما كان فلابد من الاعتراف بان قسماً من شرائط الصحة خارجة عن حقيقة الصلاة. ولذلك قسموا الشروط الى ما كان مركز الشرط فيه نفس الصلاة والى ما كان مركز الشرط فيه نفس المصلي والى ما كان مركزه فيه لباسه وهكذا...
هذا ولكن ملاحظة عادة المخترعين يجب ان تعد من القرائن على ان الشارع – على تقدير كونه واضعاً – قد لاحظ هذا الامر تبعاً للمعتاد وهذا امر لا دليل يوجب الاطمئنان به مع احتمال عدم ثبوت هذه العادة والرويّة في اختراع المركبات من مجموعة أفعال واختصاصها بما تركب من جهة امور عينية خارجية.
**الوجه الثاني:** ان المركبات الخارجية التي هي في معرض الخلل والنقصان لا بد من الالتزام بوضع اسمائها للأعم وذلك لان حكمة الوضع وهي الحاجة الى التفاهم تقتضي ملاحظة جميع الحالات التي لا بد فيها من التفاهم والتحدث عن شؤون ذلك المركب. فالسيارة مثلاً او الساعة او نحو ذلك من المركبات كثيراً ما تقع مورداً للعطب وتحتاج الى التصليح ولا شك ان هذه الموارد كلها بحاجة الى التفاهم.
وحينئذ فلو لم يكن الوضع للأعم فلا بد من الالتزام بان استعمال هذه الاسماء في جميع هذه الموارد على كثرتها استعمال مع العناية ولا بد من ضم القرينة وهذا مخالف لقانون انتخاب الاسهل فمقتضى هذا القانون هو اتباع طريقة تكون أقرب الى المقصود واقل تعقيداً ولا شك ان ذلك انما يتم بالوضع للأعم.
ولو فرض ان هناك جاعلاً خاصاً وانه قد وضع اللفظ لخصوص الصحيح وانه لا يرضى ابداً باستعماله في الفاسد فان ذلك لا يمنع من تحقق الوضع للأعم إذا اقتضت ذلك الحاجة الاجتماعية فقد ذكرنا في مبحث الوضع ان انتخاب الواضع الاول ليس الا مقدمة تمهيدية لحصول العلقة الوضعية وقلنا ان الوضع اللغوي وليد الحاجة الاجتماعية ووفقاً لقانون انتخاب الاسهل – كما قلنا – نجد ان الحاجة تدعو الى الوضع للأعم.
وهذا الامر يجري في الصلاة فانها معرض للخلل والفساد والشك والنقص ونحو ذلك وكل هذه الشؤون مورد للسؤال والجواب والتفاهم فلا بد من تجديد العلقة الوضعية بما يتناسب وحاجة المجتمع.
هذا مضافاً الى ان الصحيح من الصلاة عنوان قد تطور الى هذه الصورة التي نلتزم بها ولم تكن اجزاء الصلاة من بدو التشريع بهذا الحد والنظام الذي نجدهما الآن نعم كانت الصلاة مركبة من ركوع وسجود ولكن القراءة وحدودها والاذكار الخاصة كلها قد شرعت بالتدريج وقد ورد انه صلى الله عليه وآله وسلم امر حين نزول قوله تعالى (سبح باسم ربك الاعلى) بقوله اجعلوه في سجودكم وكذا في قوله تعالى (فسبح باسم ربك العظيم) بالنسبة الى الركوع.
وورد ايضاً ان الصلاة كانت ركعتين فأضاف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الركعات الاضافية في ما عدا الصبح الى غير ذلك من الشؤون الثابتة بالسنة عن طريق متممات الجعل المفيدة فائدة الشرطية والجزئية كما اشار اليه المحقق النائيني قدس سره و اوضحناه في محله. ومن هنا ثبت الفرق بين الفرائض والسنن كما في الروايات.
والحاصل ان صلاة المسلمين في بدو التشريع لا يمكن ان يحكم عليها بالبطلان وان البيان قد تأخر عن موضع الحاجة بل مصلحة التدرج في التشريع كانت السبب في تأخير التشريع اساساً. وهذه النقطة مما يؤيد فكرتنا في ان الصلاة ماهية اعتبارية يتم انطباقها بمتمم الجعل التطبيقي.
واما على القول بان اللفظ مستعمل في الماهية الاعتبارية كما ذكرنا فلا بد من ملاحظة متممات الجعل وانها هل تقتضي التطبيق على خصوص الصحيح او الاعم منه ومن الفاسد؟
والواقع ان المتمم التطبيقي على قسمين:
**القسم الاول:** ما يكون له دور الوسيط بين تعلق الامر بالماهية الاعتبارية وتعلقه بالمركبات الاعتبارية التي تنطبق عليها وقد سبق شرح ذلك. وهذا القسم يختص بالصحيح الواجد لجميع الاجزاء والشرائط وذلك لكي يتم اسراء الامر الى جميع تلك الاجزاء والشرائط ولا يتم ذلك الا بملاحظة انطباق الماهية على المركب الواجد لها جميعاً.
**القسم الثاني:** ما كان الاتيان به بدواع اخرى. كما ورد بداعي المقارنة بين الصلاة المشرعة في الدين الاسلامي والصلاة المشرعة في الاديان السابقة والصلاة التي كان يدين بها العرب الجاهلي التي عبر عنها القرآن بالمكاء والتصدية فمن ذلك ما ورد من ان الصلاة ثلاثة اثلاث ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود. وربما اشير الى ذلك فيما ورد من ان اليهود يحسدونكم على هذه الصلاة من حيث نظامها ومتانتها. وفي هذا القسم لا يتعرض متمم الجعل الا لجهة الامتياز عن تلك الشرائع والعبادات.
ومن هذا القسم ما يكون الاتيان به بداعي التنويع كما مر في صحيحة زرارة : ( فرض الله تعالى الصلاة وسن رسول الله عشرة اوجه ..)([68]) ففي هذا القسم لا يلاحظ الا الجهات المميزة بين الانواع المختلفة .
وهناك قسم آخر يلاحظ فيه التطبيق بلحاظ انحاء الخلل الواقع في الصلاة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا صلاة الا بفاتحة الكتاب وغير ذلك من الاقسام التي تطبق فيها الماهية الاعتبارية على نحو تلاحظ مرآة للأنواع المختلفة وللحالات المختلفة فالتطبيق في جميع ذلك لا يلاحظ فيه جهة تمامية الاجزاء والشرائط بل كثيراً ما يطبق على الفاقد لبعضها كما ورد بشأن انحاء الخلل الواقع في الصلاة. وعليه فمقتضى هذا القسم هو الاذعان بأن التطبيق واقع على الفاسد ايضاً.
**النوع الثالث:** البحث عن الادلة الشرعية وملاحظة ما تقتضيه من التأييد لكل من القولين وقد استدل كل من الفريقين ببعض الآيات والروايات لتأييد مذهبه.
اما ما استدل به للصحيح فهو على قسمين:
**القسم الاول:** الادلة الدالة على انتفاء الطبيعة عند انتفاء بعض الآثار وذلك مثل قوله تعالى: ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. ورواية: (الصلاة قربان كل تقي) و (الصوم جنة من النار) ونحو ذلك.
وتقريب دلالتها ان ظاهر هذه الادلة ترتب هذه الآثار على كل فرد من افراد الطبيعة فمفاد الآية مثلاً: كل صلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر. وهذه القضية بعكس نقيضها تستلزم نفي العنوان عما لا تنهى عنهما وذلك لصدق قولنا: (كل ما لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ليس بصلاة) ومن المعلوم ان الصلاة الفاسدة لا تنهى عنهما وان الصوم الفاسد ليس جنة من النار وهكذا فينتفي عن الفاسد أصل الطبيعة.
ولدراسة هذا الدليل نلاحظه بنظرة اجمالية ونظرة تفصيلية.
اما في النظرة الاجمالية فهناك نقطتان تشكلان الفجوة في الدليل.
**النقطة الاولى:** ان عكس النقيض لازم لصدق القضية كما قرر في المنطق الا ان أصل القضية بالوجه الذي يفيد عكس نقيضها اي بصورة عام استغراقي ليس امراً معلوماً بالوجدان وانما نثبت العموم لها بمعونة اصالة العموم وحينئذ فيتوقف الدليل على كون اصالة العموم مثبتاً للازمه العقلي وهو في المقام عكس النقيض.
وربما يقال ان الاصول اللفظية كاصالتي العموم والاطلاق حجة في لوازمها.
ولكن الصحيح كما هو المتسالم عليه بين الاعلام عدم حجيتها وقد تعرضوا لهذه المسألة في مبحث خاص عنوانه: إذا دار الامر بين التخصيص والتخصص فهل يحكم بالتخصص بأصالة العموم لإثبات اللازم ام لا بل يحكم بالتخصيص؟ وقد تسالموا على ان الحكم هو التخصيص.
بيان ذلك اجمالاً انه لو ورد الحكم بوجوب اكرام العلماء وعلمنا بخروج زيد العالم عن دائرة العموم لكونه فاسقاً مثلاً فمن الممكن القول بان زيداً محكوم بعدم كونه عالماً اصلاً فلا يترتب عليه سائر احكام العالم وذلك تمسكاً بعكس النقيض للقضية العامة اذ لو صدق قولنا كل عالم يجب اكرامه كان عكسه كل من لا يجب اكرامه ليس بعالم وينطبق ذلك على زيد في المثال ولكن الاعلام لا يذعنون بذلك نظراً الى ان عموم القضية الاصل انما ثبت بأصالة العموم وهي لا تثبت اللازم وهو العكس.
وعليه فلو ثبت بأصالة العموم في الآية المذكورة ان كل صلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لم يجز الاخذ بعكسها والحكم بان كل ما لا تنهى ليس بصلاة.
**النقطة الثانية:** ان القضايا المتكلفة لبيان آثار الاعيان الخارجية او المركبات الاعتبارية او الافعال لها ظهور ثانوي في ان المراد بها بيان المقتضي دون العلة التامة. فلو قلنا النار محرقة والسيف قاطع كان مفادهما ان النار والسيف يقتضيان الاحراق والقطع لا انهما سببان فعليان لا يتخلف عنهما الاحراق والقطع بحال من الاحوال فليس لتأثيرهما شرط ولا عنه مانع. من الواضح انه ليس كذلك بل المفاد هو خصوص الاقتضاء.
وعليه فلا يمكن القول بان الصلاة الفاسدة ليس لها الاثر المذكور وهو النهي عن الفحشاء والمنكر اذ من الممكن ان يكون الاثر لطبيعي الصلاة وان كان هناك مانع عن حدوثه او كان شرط له مفقوداً.
واما في النظرة التفصيلية فندرس كلاً من الآية و الحديثين من هذه الحيثية اجمالاً ويتبين وجهة البحث في غيرهما بالمقايسة.
اما في الآية الكريمة فالإشكال من جهتين:
**الجهة الاولى:** ان الذي يظهر بمراجعة التفاسير والكتب الادبية المخصصة للبحث عن مجازات القرآن كتلخيص البيان للسيد الرضي قدس سره هو ان هذا التعبير استعارة وان المراد به ان الصلاة باعتبار اشتمالها للخضوع للربّ وقصد التقرب اليه وما يحتويه الآيات القرآنية التي تتلى فيها من بشارات ونذر تحقق في النفس البشرية دوافع الخير و روادع الشر. وهذا الوجه لا يختص بالصلاة الصحيحة من جميع الجهات ولا ينافي كونها فاسدة من جهة استصحاب المصلي لأجزاء ما لا يؤكل لحمه مثلاً إذا لم يكن منافياً لقصد القربة كما لو كان عن جهل تقصيري غير معفو عنه فالصلاة حينئذ محكومة بالبطلان الا انها تؤثر في تحقيق تلك الحالة النفسية.
**الجهة الثانية:** ان الجملة المذكورة مسبوقة بقوله تعالى (وأقم الصلاة) والمراد به على ما في بعض التفاسير ادامة الصلاة فيظهر من ذلك ان هذا الاثر لا يترتب على جميع افراد الصلاة حتى تنعكس القضية بالنحو المذكور بل هو اثر لادامة الصلاة فحسب.
واما في حديث ( الصلاة قربان كل تقي )([69]) الوارد في كتب الخاصة والعامة فالكلام في ان الغرض منه هل هو بيان آثار الصلاة وان منها حصول التقرب الى الله تعالى فتنعكس القضية بالنحو المطلوب في الدليل ام ان الغرض منه بيان ان الاتقياء انما يختارون الصلاة للتقرب الى الله تعالى فالمراد الحث على انتخاب الصلاة من بين الاعمال المقربة اليه فهذا نظير الحديث الوارد في ان الصلاة خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر . والقربان في اللغة ما يتقرب به الى الله من الذبائح والنسك ونحوها.
واما حديث (الصوم جنة من النار) فهو ايضاً من الاستعارات. والمراد به – كما ذكره الشريف الرضي قدس سره في المجازات النبوية – بيان ان النار لا تؤثر في الصائم وهذا مع انه أثر لغالب العبادات والمقربات الى الله الا ان اختصاصه بالصوم لعله – كما ذكره الشريف – من جهة أبعديته عن الرياء لكونه عملاً سلبياً لا يتبين منه أثر خارجي غالباً.
وعليه فهذا الاثر لا يدور مدار الصحة الشرعية فلو أصبح الصائم جنباً وكان معتقداً عدم مفطريته اجتهاداً او تقليداً فصومه باطل مع انه خال عن الرياء ويترتب عليه ذلك الاثر نعم بما ان الاصباح جنباً ثبت مفطريته بالسنة فنحن لا نقول ببطلان صومه إذا كان معذوراً في الجاهل القاصر بمقتضى قاعدة (لا تنقض السنة الفريضة) الا ان الكلام على مسلك القوم مع ان من الممكن التمثيل بما يعد من الفرائض كالأكل والشرب إذا كان الاشتباه في بعض الخصوصيات.
فان قيل: ان الحكم بان الصوم الباطل إذا كان واجداً لقصد القربة وبعيداً عن الرياء يعد جنة من النار امر بعيد عن مرتكز المتشرعة.
قلنا: ان هذا الارتكاز غير واضح لكثرة الاختلاف بين الفقهاء في الشؤون الدخيلة في صحة الصوم الامر الذي يستوجب بطلان صوم كثير من المؤمنين بل من الفقهاء والاعلام حسب نظرية القوم وان كان صحيحاً على مسلكنا لقاعدة (لا تنقض) ولكن المشهور عدم الاجزاء و وجوب القضاء إذا تبدل رأي الفقيه او تغير تقليد العامي. غاية الامر ان المكلف معذور في ترك صومه ومن الواضح ان الالتزام بان صوم هذا العدد الكبير من المؤمنين والصالحين ليس جنة من النار مع كمال قصد القربة مما يأباه بل يستنكره ارتكاز المتشرعة.
هذا مضافاً الى انه لو سلمنا الارتكاز المذكور فغاية الامر ان يكون ذلك من قبيل المخصص اللبّي. وهو على قسمين فتارة يكون المخصص اللبي من الوضوح بمكان لا يسمح بانعقاد الظهور في الاطلاق فهو كالمخصص المتصل وتارة ليس كذلك بل هو كالمخصص المنفصل يمنع عن حجية الظهور فعلى الاول يكون دلالة اللفظ على ارادة الصوم الصحيح من باب تعدد الدال والمدلول وعلى الثاني فالصوم ظاهر في العموم وانما تقلصت حجيته. وعلى كلا التقديرين فلا بد من الاعتراف بكون اللفظ بنفسه ظاهراً في العموم.
**القسم الثاني:** ما ورد فيه نفي الطبيعة عند فقدان جزء او شرط نحو ما اشتهر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) وان لم ينقل ذلك بهذا اللفظ في كتبنا الحديثية الا في كتاب عوالي اللئالي مرسلاً. ونحو قوله (لا صلاة الا بطهور) و (لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة) واشباه ذلك.
ومرجع هذه التعابير الى دخالة كل من هذه الاجزاء و الشرائط في حقيقة العبادة ومن الواضح ان هذه الامور ليست من الاركان فيعم الحكم سائر الاجزاء و الشرائط. ومثل هذا التعبير يؤتى به لنفي الطبيعة لان (لا) الواردة فيه نافية للجنس وذلك اما مع العناية كقوله عليه السلام (لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد) او بدونها كالأمثلة المتقدمة.
والجواب عنه بوجهين:
**الوجه الاول:** ان هذا التعبير لا يؤدي الا بيان الجزئية والشرطية وتعيين حدود المأمور به الا ان ذلك على وجه التأكيد والمبالغة باعتبار كون الفاقد للجزء او الشرط امراً مغايراً لأصل الطبيعة فهو اعتبار ادبي ولا ربط له ببيان حقيقة المسمى.
**الوجه الثاني:** ان من الواضح فقهياً عدم انتفاء الطبيعة بانتفاء الفاتحة واقامة الصلب ونحوهما من الشرائط والاجزاء الثابتة بالسنة المقدسة فلا بد من ان يكون المراد دخالتها في الصلاة الكاملة وذلك ايضاً في خصوص بعض انواع الصلاة لصحة الصلاة بدون الفاتحة مثلاً اما اختياراً كصلاة الميت التي مر انها صلاة حقيقة بموجب صحيحة زرارة وكصلاة المطاردة وإمّا اضطراراً كما إذا تركها نسياناً او جهلاً قصورياً.
واما ما استدل به للقول بالأعم فقد مر قسم منه مع المناقشة فيه فيما كنا نقرر هذا القول بتصوير جامع له وهو الاركان ولا نعيد هذا القسم.
ونتعرض هنا لحديث آخر تكرر الاستدلال به في كتب القوم وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم لامرأة: (دعي الصلاة ايام اقرائك).
وتقريب الاستدلال ان النهي لا بد ان يتعلق بأمر ممكن وحيث ان الصلاة الصحيحة غير ممكن للحائض فلا بد ان يكون متعلقاً بالمعنى الاعم وعليه فقد استعمل الصلاة واراد به الاعم من الصحيحة والفاسدة.
وليست هذه الرواية بهذا الوجه في كتبنا الحديثية وان وردت في مرسلة يونس الطويلة عبارة قريبة منها ومهما كان ففيها ثلاثة احتمالات:
**الاحتمال الاول:** ان يكون المراد نهياً تحريمياً. وعلى هذا الاحتمال يبتني الاستدلال كما مر ولكنه ليس متعيناً لما يأتي.
**الاحتمال الثاني:** ان يكون نهياً ارشادياً لا يراد به الردع حتى يتوقف على التمكن كما مر بل هو ارشاد الى عدم الامر لكون الصلاة معرضاً لتوهم بقاء الامر حينئذ فمفاد الحديث ان عدم الحيض من شرائط الامر بالصلاة وهذا غير الطهارة من حدث الحيض فانها شرط للصحة واما النقاء فهو شرط للأمر. وعلى هذا الاحتمال فلا يرتبط بما نحن فيه.
**الاحتمال الثالث:** ان يكون مجموع هذا التعبير كناية وارشاداً الى امر وضعي وهو الحكم بالحيض ايام العادة وذلك بان يعتبر حلول ايام العادة امارة للمرأة التي استمرت دمها او رأت الدم وشكت في كونه حيضاً وحينئذ فان حلّت ايام الاقراء اي العادة الشهرية تحكم بان الدم حيض.
نظير ذلك ما ورد في مرسلة يونس الطويلة. وفيها (ان امرأة يقال لها فاطمة بنت ابي حبيش استحاضت فاستمر بها الدم فاتت ام سلمة فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال تدع الصلاة قدر اقرائها او قدر حيضها.. (الى ان قال) قال ابو عبد الله عليه السلام هذه سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التي تعرف ايام اقرائها )([70]) ... الحديث . واما التعبير بترك الصلاة فهو كناية عن اعتبار الدم حيضاً لكونه اوضح احكام الحيض. وعلى هذا الاحتمال لا ربط للحديث بما ذكر.
هذا مع ان مجرد الاستعمال لا يدل على كونه استعمالاً حقيقياً وقد اشتهر ان الاستعمال اعم من الحقيقة.
**المقام الثاني:** في اسماء المعاملات. والبحث عما تقتضيه القاعدة الاولية وانه هل يتعين بموجبها حملها على الصحيح او الاعم؟
والذي نتعرض له هنا امران:
**الامر الاول:** في تصوير جريان هذا البحث فيها وأنها تحتمل كلا الامرين في قبال من يدعي عدم جريانه فيها مطلقاً او بناءاً على القول بكونها موضوعة للمسببات. وفي خلال هذا الامر يتضح السرّ في الترديد الواقع في كلماتهم من انها موضوعة للأسباب او المسببات كما يتضح موقفنا من ذلك.
**الامر الثاني:** في نتيجة البحث المذكور وهو صحة الاخذ بالإطلاق اللفظي لنفي دخالة ما يحتمل شرطيته شرعاً ويتبين من خلاله تقريب الاخذ بالإطلاق المقامي على تقدير عدم صحة الاخذ بالإطلاق اللفظي.
فالكلام يقع في مقامين:
**المقام الاول** في تصوير النزاع والكلام تارة على القول بوضعها للأسباب واخرى على القول بوضعها للمسببات. فالبحث في موضعين:
اما في الموضع الاول أعنى تصوير النزاع على القول بوضع اسماء المعاملات للأسباب فيمكن ان يقرر القول بعدم جريان البحث فيها كالتالي:
ان من الواضح انه لا بد من الالتزام بانها موضوعة للأعم مما يكون واجداً للشرائط الشرعية فان المراد بالأسباب هي تنشأ بها المعاملة في كل عقد او ايقاع بلا فرق بين ان يكون ذلك صيغة خاصة يتلفظ بها بقصد الانشاء او يكتب بهذا القصد او يكون عملاً خارجياً يقصد به الانشاء ايضاً وهو المعبر عنه بالمعاطاة. فلا يحتمل في المعاملات الالتزام بوضعها للصحيح بخلاف العبادات التي تحتمل ذلك.
والفارق بينهما هو ان العبادات امور جعلت لتنظيم علاقة الانسان بخالقه وتلقاها البشر عن طريق الانبياء عليهم السلام اصولاً و فروعاً ومادةً ونظاماً فكانت حريّة بان يقال: ان الفاظها خصّصت للدلالة على المركب الواجد لجميع الاجزاء والشرائط. واما المعاملات فهي امور انشأها البشر بطبيعته التي تسوقه الى الحضارة والمدنية فكان لزاماً عليه ان ينظم علاقاته الاجتماعية اي علاقة البشر مع ابناء جنسه.
اذن فهي حصيلة الحياة الاجتماعية ومعاصرة لها منذ تحققت بين البشر علاقات وارتباطات ولهذا السبب بالذات تزيد تنوعاً برقي المجتمع وربما تحدث فيه انواع جديدة من المعاملات الا ان اصولها عريقة في التاريخ البشري. والمعاملات المدروسة في الفقه الاسلامي غالباً ما يكون لها سبق تاريخي في الشكل والمضمون. والعرب قبل الاسلام – كغيرهم من الشعوب – كانوا يستعملون هذه المعاملات للوصول الى مآربهم وكانوا يسمونها بنفس هذه الاسماء التي نسميها بها الآن. ومن الواضح انه لم يطرأ تغير جذري على هذه المعاملات في الشريعة الاسلامية.
نعم لا اشكال في ان الشريعة لم تنفذها بصورة مطلقة بل في خصوص ما إذا كانت واجدة لشرائط خاصة. ومركز هذه الشروط تارة نفس ما ينشأ به المعاملة كالصيغة واخرى من يتولى انشاءها وثالثة ما تقع عليه المعاملة حسب اختلاف المصالح والمفاسد.
وعلى هذا الاساس حكم ببطلان بعض العقود كربا النسيئة والفضل والبيع الغرري وبيع ما لا يملك ونكاح الشغار ونحوها ولكن التحديدات الشرعية لا تتجاوز كونها قيوداً للتنفيذ ولا يمكن ان يلتزم بانها قد احدثت تغيراً جوهرياً في ما وضعت له اسماء المعاملات فلا مجال لاحتمال حدوث اوضاع جديدة كما لا مجال لاحتمال ان ما وضعت له هذه الاسماء في اللغة العربية قبل الاسلام هي خصوص ما تكون صحيحة وفقاً لشروط الشريعة الاسلامية.
اذن فالموضوع له هذه الالفاظ لا يتقيد بكونه واجداً للشرائط الشرعية.
ويمكن ان يدفع هذا التقرير بوجهين:
**الوجه الاول:** ان البحث ليس في ما وضعت له هذه الاسماء في اللغة العربية وابداء احتمال انها موضوعة لصيغ العقود والايقاعات المتداولة إذا كانت واجدة للشرائط الشرعية حتى يستغرب ذلك بعد وضوح انها غير مأخوذة في المسميات قبل الشرع وعدم طروّ وضع جديد بعده. بل للبحث اساس آخر يبتني على مقدمتين:
**المقدمة الاولى:** ان اسماء العقود والايقاعات – في اي مجتمع كانت – ليست موضوعة الا للعقد والايقاع المؤثرين لبعض الآثار المرغوب فيها على اختلافها حسب الموارد كإيجاد علقة كالزوجية والملكية او انتفائها كالانعتاق والبينونة. ولا يمكن ان يدعى انها موضوعة للصيغ الخاصة حتى لو لم تكن مؤثرة للأثر المرغوب فيه فان إطلاق هذه الاسامي عليها حينئذ ليس الا بعناية من جهة التوافق الشكلي.
**المقدمة الثانية:** ان هذه الآثار من الامور الواقعية التي تختلف فيها الانظار وليست من الامور الاعتبارية التي تختلف باختلاف الانظار والاعتبارات. والعلم بها كالعلم بسائر الامور الواقعية انفعالي لا فعلي. وعلى هذا يمكن الاختلاف فيها وجوداً وعدماً كاختلاف الناس في سائر الامور الواقعية الناشئ من عدم إدراك بعضهم لها فنرى تنازعهم في ان هذه الدار – مثلاً – لزيد او لعمرو او ان هذه العين مرهونة ام لا ونحو ذلك فباب التخطئة والتصويب مفتوح في الآثار المرغوبة للمعاملات.
وعلى اساس هاتين المقدمتين يمكن ان يقال – بناءاً على ان مقتضى القاعدة الاولية حمل هذه الالفاظ على الصحيح – ان الاختلاف بين الشرع والعرف في التأثير يولّد اختلافاً مصداقياً لتحقق المسمى من دون ان يكون نزاعاً في نفس المسمى بهذه الاسامي.
ولعل صاحب الكفاية قدس سره اشار الى هذا التقريب بقوله (لا يبعد دعوى كونها موضوعة للصحيحة ايضاً وان الموضوع له هو العقد المؤثر لأثر كذا شرعاً وعرفاً والاختلاف بين الشرع والعرف فيما يعتبر في تأثير العقد لا يوجب الاختلاف بينهما في المعنى بل الاختلاف في المحققات و المصاديق وتخطئة الشرع العرف في تخيل كون العقد – بدون ما اعتبره في تأثيره – محققاً لما هو الاثر ).([71])
وحاصل الكلام ان الموضوع له في أصل اللغة هو الصحيح اي المؤثر الاثر المطلوب ولا يتوقف القول بالوضع للصحيح على ان يكون الموضوع له عند العرب قبل الاسلام هو الجامع لشرائط الصحة شرعاً فان الشارع لم يبدل مفهوم البيع وانما منع انطباقه على البيع الغرري وبيع الصبي مثلاً فالاختلاف في تعيين المصداق ولكي نتمكن من تقييم هذا الجواب لا بد من ملاحظة انحاء الاختلاف في المصاديق وما يمكن أن ينطبق على ما ادعاه المحقق الخراساني فالاختلاف المصداقي (بالمعنى الاعم) له خمسة موارد:
**المورد الاول:** الامور التكوينية الثابتة (غير النسبية) والاختلاف يحصل فيها باختلاف الانظار كاختلاف الاطباء – مثلاً – في تشخيص مرض معين.
**المورد الثاني:** الامور التكوينية النسبية كاختلاف الملل والشعوب في التأثر بأنحاء الاصوات والالحان فيعد اللحن الواحد عند بعض المجتمعات حسناً وعند بعض آخر قبيحاً نتيجة لاختلاف البيئة.
**المورد الثالث:** الماهيات الاعتبارية. وقد مر الكلام في ان انطباقها ليس قهرياً بل يتوقف على متمم الجعل التطبيقي وهنا تختلف الاعتبارات القانونية او العرفية في تطبيقها فقد يكون الحيوان المذبوح بشرائط خاصة مذكّـىً عند قوم وميتة عند آخرين ومن هذا القسم اختلاف العادات فيما تتحقق به التحية او يتحقق به التعظيم وربما تأثر بعض الشعوب بحضارات الآخرين فاتخذوا نفس العادات كما نجد ان القيام عند حضور أحد أصبح مصداقاً للتعظيم لدى كثير من المجتمعات مع انه كان في الاصل عادة فارسية.
**المورد الرابع:** الحكومة على وجه التضييق كما لو صدر النص الشرعي ان العالم غير العامل ليس بعالم. ومرجع هذا التضييق الى نفي الحكم (وهو الاكرام) بلسان نفي الموضوع نظراً الى ان نفي الحكم ابتداءاً مع بقاء الموضوع يصطدم بالشعور العام لدى الناس باحترام العالم و وجوب اكرامه.
**المورد الخامس:** الورود التضييقي كما لو حكم الشارع بان خبر الثقة – مثلاً – ليس حجة وبياناً مع ان العقلاء يقولون بحجيته – كما قيل – ومرجع هذا التضييق الى ان خبر الثقة عند العقلاء بيان بشرط عدم اعتبار معاكس من الشارع وبالاعتبار الشرعي المعاكس ينتفي كونه بياناً والانتفاء تكويني وان كان بسبب اعتبار الشارع. وكذا شهادة العدلين حيث انها لا تعدّ بينة في مثل الزنا.
وبعد ملاحظة هذه الموارد لا بد من ملاحظة عبارة المحقق الخراساني وما يمكن ان يقصده من هذه الانحاء الخمسة. ولكي تتم عبارته نحتاج الى ضم مقدمة مطوية اليها تكون اساساً لدعواه والمقدمة أحد امرين:
الاول ان يكون مبنى كلامه هنا ما ذكره في مبحث الاحكام الوضعية من ان الملكية من المقولات الواقعية حيث دفع احتمال كون الملك من مقولة الجدة انه خلط بين معنيين للمشترك اللفظي وان الملك قد يقال للحالة الحاصلة من التعمم والتقمص ونحوهما وقد يقال لاختصاص شيء بشيء خاص والمعنى الثاني هو المقصود وهو من مقولة الاضافة وقال ان كون العالَم ملكاً للباري تعالى من باب الاضافة الاشراقية وكون شيء ملكاً لغيره من باب الاضافة المقولية.
اذن فالملكية وسائر الاعتبارات كالزوجية والحرية والرقية والقضاوة والولاية ونحو ذلك مما صرح به هناك امور واقعية ولكنها من الاعراض. وقد صرّح هناك بانها من الامور النسبية ايضاً.
فان كان هذا هو مبنى كلامه هنا كما تناسبه كلمات جماعة من الاعلام في ابحاث المكاسب فلا بد من تطبيق أحد الموردين الاولين عليه ولعل الانسب هو الثاني لتضمن كلامه كون الملكية من الامور النسبية.
وحينئذ فيرد عليه الاعتراض بان الاختلاف في الامور التكوينية ينشأ من عدم إدراك البعض للواقع فالتكوينيات تختلف فيها الانظار والاعتباريات تختلف باختلاف الانظار.
وبعبارة اخرى التكوينيات لها واقع محفوظ قد يعلم وقد لا يعلم واما الامور الاعتبارية فواقعيتها تتبع اعتبار المعتبر والبيع وغيره من الامور الانشائية لا تنشئ الا اموراً اعتبارية. فالبيع الغرري ان اعتبر في قانون مؤثراً في الملكية وفي قانون آخر غير مؤثر كان الاختلاف اختلافاً في واقع الاعتبار القانوني فهو يؤثر واقعاً حسب القانون الاول ولا يؤثر واقعاً حسب القانون الثاني لان واقعيته ليست الا مجرد اعتبار قانوني فليس هناك اختلاف مصداقي بهذا العنوان. والحاصل ان التخطئة والتصويب غير معقولين في الاعتباريات.
**الثاني :** ان يكون مبنى كلامه هو الاستمداد من الادلة الشرعية التي ورد فيها نفي طبيعة المعاملة عن الفاقد للشرائط وهي كثيرة جداً نحو : ( لا بيع الا في ملك ) و( لا عتق الا في ملك ) و( لا طلاق الا في عدة ) و( لا طلاق الا على طهر من غير جماع ) و( لا طلاق الا ببينة ) و( لا طلاق الا لمن اراد الطلاق ) و(لا يكون ظهار في يمين ولا في اضرار ولا في غضب ولا يكون ظهار الا في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين ) و( لا يكون ظهار ولا ايلاء حتى يدخل بها ) و(لا يمين لولد مع والده ولا للمملوك مع مولاه ولا للمرأة مع زوجها ) و( لا يمين في قطيعة ) وغير ذلك من الكثير الكثير . وقد استظهر قدس سره في مبحث العبادات من هذا التعبير نفي الطبيعة. فيمكن ان يكون ذلك اساساً لفكرته هنا لإيهام هذه الروايات التخطئة في المصداق العرفي.
فان كان هذا مبنى كلامه فيرد عليه الاعتراض بانه اما ان يكون من باب الاختلاف في متمم الجعل التطبيقي وهو مختص بالماهيات الاعتبارية وسيأتي ان المسببات منها ولكن الاسباب ليس الا ما ينشأ به الامر الاعتباري من الصيغة ونحوها. واما ان يكون من باب الحكومة التضييقية وقد بينا انها نفي للحكم واقعاً فالاختلاف حكمي لا موضوعي. واما ان يكون من باب الورود التضييقي وهو مختص بما إذا كان الموضوع ماهية مشروطة بعدم اعتبار معاكس والمعاملات العقلائية غير مشروطة بذلك.
**الوجه الثاني:** ان ما ذكر من أن هذه الالفاظ مستعملة في نفس هذه المفاهيم قبل الاسلام فلا يمكن ان يكون شروط الصحة مأخوذة في مسمياتها امر صحيح الا انه يقتضي نفي دخالة الشرائط الشرعية في المسمى فلا مانع من البحث في ان مسمياتها هل هو خصوص الصحيح عند العقلاء ام الاعم اي ما يشمل الفاقد للشرائط العقلائية. فعلى القول بالصحيح لو كان البيع – مثلاً – متعلقاً بما ليس له مالية – بناءاً على كونه شرطاً عقلائياً – فالمعاملة ليست بيعاً اساساً. وتظهر الثمرة في الاخذ بالإطلاق كما سيأتي.
ولكن هذا الوجه لا يغني عن شيء ولا يدفع الاشكال فان الشروط العقلائية تختلف حسب اختلاف المجتمعات فيعود الاشكال بلزوم التخطئة في المفاهيم الاعتبارية فلا بد من البحث عن شروط عقلائية عامة تتفق عليها جميع المجتمعات البشرية كاعتبار كون البيع مشتملاً على ثمن ومثل ذلك لا حاجة الى اعتباره شرطاً للصحة فان المتعاقدين لا يمكنهما انشاء البيع الجدي مع التوجه الى ان البيع بلا ثمن ليس بيعاً وانما هو هبة وذلك لانهما ايضاً من العقلاء فيعلمون مفهوم البيع وعدم انطباقه هنا.
واما ما اشتهر من ان مالية العوضين شرط في صحة البيع عند العقلاء فهو غير صحيح اذ الاساس فيه ما ورد في المصباح من ان البيع في الاصل مبادلة مال بمال وقد فسروا المال بمعنى ماله مالية اي قيمة سوقية وليس كذلك فالمال في اللغة هو الملك مضافاً الى ما في الاستناد الى كلامه من وجوه الوهن تعرضنا لها في مباحث المكاسب.
**الموضع الثاني:** في المسببات. وهي الامور الحاصلة بالإنشاء وقد اختلفت الكلمات في جريان النزاع فيها ومنشأ الخلاف ابهام المراد بالمسببات ففيها ثلاثة محتملات:
**الاحتمال الاول:** ان يكون المراد بها نفس ما ينشئه المتعاقدان او الموقع.
**الاحتمال الثاني:** ان يكون المراد بها الحكم القانوني سواء كان شرعياً ام عرفياً بمعنى الحكم بنفوذ البيع مثلاً وتحقق الملكية وهكذا في النكاح والزوجية ونحوهما.
**الاحتمال الثالث:** العنوان القانوني المنطبق على ما ينشئه المتعاقدان او الموقع فاذا انشئا البيع بشرائطه انطبق عليه العنوان القانوني للبيع وإذا أنشأ الطلاق بشرائطه انطبق عليه عنوان الطلاق القانوني وهكذا...
قيل: ان النزاع غير معقول على جميع التقادير لان هذه الامور من البسائط فيدور امرها بين الوجود والعدم ولا يتصور فيها الصحة والفساد.
اما على الاحتمال الاول فيمكن تصوير النزاع لان منشأ المتعاقدين وان كان امراً بسيطاً يدور امره بين الوجود والعدم الا ان فرض الصحة والفساد فيه بلحاظ كونه موضوعاً للحكم القانوني وذلك باعتبار ان الموضوع للحكم هو هذا المنشأ مع امور اخر تعتبر شرائط قانونية وحينئذ فان كان البيع اسماً لهذا المنشأ بلا لحاظ القيود القانونية للحكم كان الوضع للأعم وان كان اسماً له مع لحاظها كان موضوعاً للصحيح.
واما على الاحتمال الثاني فالنزاع لا وجه له الا انه احتمال ضعيف للغاية وذلك لان البيع والنكاح والطلاق ونحو ذلك ليست عبارة عن اعمال المقنن بل هي اعمال لنفس العاقد و الموقع فلا يقال ان الشارع هو الذي باع او طلق ونحو ذلك وليس هذا نظير الالقاء في النار حيث ان الاحراق فعل النار وينسب الى الملقي باعتبار كونه مسبباً بل العاقد هو الموجد للمسبب وانما القانون ينفذه. والحاصل ان الحكم القانوني لا يعقل ان يكون مسبباً عن فعل المتعاقدين.
واما الاحتمال الثالث فلا بد من توضيحه حيث انه هو الاحتمال الصحيح في المقام فنقول:
ان نسبة ماهية كل معاملة من بيع او نكاح او غيرهما الى انشاء المتعاقدين او الموقع نسبة العنوان الى المعنون ونسبة الحقيقة بالحمل الاولي الى الحقيقة بالحمل الشايع فكما ان الجزئي ليس جزئياً بالحمل الشايع بل هو كلي كذلك ماهية البيع ليس بيعاً بالحمل الشايع بل بالحمل الاولي والبيع بالحمل الشايع هو نفس الانشاء الخارجي كما ان الانسان بالحمل الشايع هو الفرد الخارجي.
وهذه المعاملات باسرها من بيع ونكاح وطلاق وخلع وابراء ونحوها ماهيات جعلية اعتبارية تخضع نفياً واثباتاً للقانون الشرعي او العرفي وتنطبق حسب تقرير القانون على الانشاء الجامع للشرائط القانونية.
ولا مانع من إطلاق السبب و المسبب في هذا المقام فهو نظير إطلاق علل القوام او المقدمات الداخلية على اجزاء المركب مع ان المركب ليس الا نفس الاجزاء فكأن ايجاد المصداق الاعتباري للبيع بالإنشاء مسبب لتحقق الماهية الاعتبارية مع انها ليست الا عنواناً لذلك المصداق فلا يتوهم ان إطلاق السبب والمسبب يتوقف على تغاير وجودي كما هو المعروف.
هذا ولا يبعد ان يكون ما ذكرناه هو مقصود الشهيد قدس سره في القواعد حيث قال:
(الماهيات الجعلية كالصلاة والصوم وسائر العقود لا تطلق على الفاسد الا الحج لوجوب المضي فيه).
فالمراد بالماهيات الجعلية الماهيات الاعتبارية في قبال الماهيات التكوينية التي لا تقبل الجعل وقد اشتهر ان الله لم يجعل المشمشة مشمشاً بل اوجدها. فواجدية الفرد للماهية في التكوينيات ليست معللة كما قال السبزواري (ذاتي فرد لم يكن معللاً) واما الماهيات الاعتبارية فانطباقها على الافراد خاضع للجعل القانوني وهو الذي عبرنا عنه بمتمم الجعل التطبيقي.
وتشهد لذلك الروايات الواردة في قاعدة الالزام وان لكل قوم نكاح نذكر منها الرواية التالية:
روى الكليني بسند معتبر عن عبد الله بن سنان قال : ( قذف رجل مجوسياً عند ابي عبد الله عليه السلام فقال : مه فقال الرجل : انه ينكح امّه واخته فقال ذاك عندهم نكاح في دينهم )([72]) وهناك روايات كثيرة تفيد هذا المعنى .
وهذا يشهد بان النكاح ماهية اعتبارية وان اختلاف الملل والنحل والاديان والانظمة انما هو في تطبيقها على المصاديق فالنكاح على المحارم يعد نكاحاً قانونياً لدى قوم ويعد سفاحاً عند آخرين.
ومن هنا نجد كتب القانون تشتمل على فصل خاص لبيان المواد المشتملة على شروط انطباق العقد او المعاملة كالبيع والاجارة مثلاً. وهذه المواد تعد عندنا متممات الجعل التطبيقية. وهنا تختلف القوانين واما المفهوم فواحد في الجميع.
واما قاعدة إلزام الآخرين فهي ايضاً قانون عقلائي يقضي باحترام الاديان والنظم التي يدين بها الآخرون وعليه يبتني النظام الاجتماعي الدولي اذ لا يمكن بدونه التعامل مع الآخرين.
وتشهد لما ذكرنا ايضاً الآيات والروايات التي تحرم بعض المعاملات. وتقريب هذا الاستشهاد كما يلي:
التحريم اساساً ليس الا المنع القانوني عن تحقق شيء ما في الخارج. وهذا يختلف من حيث المحتوى و المضمون باختلاف المتعلق. فاذا كان متعلق التحريم امراً يرغب اليه الانسان بطبيعته ويميل اليه لحوائجه توقف المنع على ايجاد الرادع النفسي وهو لا يحصل الا بالوعيد على العقاب وهنا يستبطن التحريم التكليفي الوعيد على الفعل.
وإذا كان متعلقه امراً متعلقاً لحكم ايجابي او ندبي فالمكلف انما يأتي به بداعي تفريغ الذمة او تحصيل الثواب فاذا اراد الشارع المنع عن تحققه في حالة خاصة او زمان خاص يكفيه ان يعلن عدم موافقته حينئذ للمأمور به ولا يحتاج الى جعل عقوبة على الفعل والشارع الحكيم يقتصر في انشاء الاحكام على ما يحقق اهدافه. وعليه فالتحريم في هذه الموارد لا يتضمن سوى بطلان العمل كالصلاة مثلاً.
وإذا كان متعلقه امراً اعتبارياً يرغب الانسان باعتراف السلطة و المجتمع به ودفاعهما عنه كالملكية والزوجية ونحوهما فيكفي في المنع اعلان الشارع او المقنن عدم تحققه في الصورة المفروضة فالتحريم هنا لا يتضمن سوى عدم تحقق الماهية القانونية.
اذن فاعلان الشارع عن طريق الآيات والروايات بتحريم بعض المعاملات اعلان في الواقع عن رفضه لتحقق الماهية الاعتبارية اذ لا يمكن ان يعترف بتحققها مع عدم ترتب آثارها. فلا يصح ان يقال ان تحريم الشارع لا يدل على عدم تحقق العنوان وانما يدل على عدم ترتب الآثار.
توضيح ذلك: انا ذكرنا في مبحث الاحكام الوضعية من مباحث الاستصحاب ان الاعتبارات القانونية على اربعة اقسام:
الاحكام الجزائية كوجوب الاعادة او القضاء او الحكم بالقتل او الحد او التعزير او بيان العقوبات الأخروية.
الاحكام التكليفية كالوجوب والحرمة.
الاحكام الوضعية كالملكية والزوجية والطهارة والنجاسة.
المعاملات والايقاعات.
وكل من المراتب المتأخرة بمنزلة الموضوع للمرتبة المتقدمة. فالبيع مثلاً موضوع للحكم بحصول الملكية وحصول الملكية موضوع لجواز التصرف وعدم جوازه من الغير الا بإذنه ونحو ذلك وعدم جواز التصرف موضوع للحكم بالعقوبة الأخروية او الضمان.
وهكذا الكلام في غير ذلك من العقود او الاحكام الوضعية او التكليفية. فالنجاسة مثلاً موضوع للحكم بوجوب الاجتناب. و وجوب الصلاة موضوع للحكم الجزائي الأخروي وهكذا.
والى هذا يرجع كلام الشيخ الانصاري قدس سره من ان الاحكام التكليفية كالمقوم بالنسبة للأحكام الوضعية.
ومن هنا يتبين ان جعل كل مرتبة متأخرة من المراتب السابقة بدون المرتبة المتقدمة على وجه يسانخه يعتبر عند العرف والعقلاء لغواً. فلا يصح جعل الحكم التكليفي من دون ترتب جزاء على مخالفته اذ لا يحصل منه البعث والزجر المطلوبان كما انه لا يصح جعل الحكم الوضعي من دون ترتب حكم تكليفي مسانخ له كالحكم بالنجاسة على شيء من دون الحكم بوجوب الاجتناب عنه في الاكل والشرب وحرمة استصحابه حال العبادة او في مراكزها و نحو ذلك مما يناسب الحكم بالنجاسة.
وكذا لا يصح الحكم بالزوجية للمرأة مع عدم الحكم بجواز استمتاع الزوج منها و وجوب النفقة عليه وحرمة استمتاع غيره منها ونحو ذلك مما تتقوم به الزوجية. وهذا ما نعبر عنه باستبطان الاحكام التكليفية للأحكام الجزائية واستبطان الاحكام الوضعية للتكليفية بنحو اللف و الاندماج.
وكذلك استبطان الماهيات الاعتبارية في المعاملات للأحكام الوضعية فلا يصح الحكم بصحة النكاح وعدم ترتب أثره وهو تحقق رابطة الزوجية بين الاثنين لتقوم ماهية النكاح بهذا الاثر فالحكم بتحقق النكاح وعدم تحقق الزوجية يعتبر تناقضاً في الجعل كما هو الحال في الحكم بالزوجية وعدم ترتب الاثر الشرعي او الحكم بالنجاسة وعدم وجوب الاجتناب.
والنتيجة انه لو حكم الشارع بإلغاء الاحكام الوضعية عند انشاء المتعاقدين للبيع او النكاح او غيرهما من العقود فهو ملازم لرفضه تحقق ماهية البيع والنكاح. فاذا ورد في النصوص: (لا طلاق الا بشاهدين عدلين) ونحو ذلك من التعبيرات التي مر بعضها كان معناه نفي حقيقة الطلاق ولكن في اعتبار الشارع اذ ليس للطلاق حقيقة وراء الاعتبار.
فان قيل: ان المتعاقدين ينشئان البيع حسب قصدهما واعتبارهما وان كان فاسداً لا ينطبق عليه الاعتبار القانوني. وحينئذ فلو كان عقدهما صحيحاً وكان معنى الصحة انطباق الاعتبار القانوني عليه كان معنى ذلك ان المقنن يعتبر ماهية البيع في مورد تحققه الطبيعي من جانب المتعاقدين ومما لا شك فيه ان الاعتبار يجب ان يكون مخالفاً للطبيعة اذ لا معنى لاعتبار الاسد الطبيعي اسداً. اذن فنفي الماهية في مثل قوله عليه السلام: (لا طلاق الا بشاهدين عدلين) يرجع الى الحكومة على وجه التضييق وبالتالي تحديد الحكم الشرعي.
قلنا: ان الاعتبار القانوني يزيد على ما يقصده وينشئه العاقد والموقع وليس معنى ذلك ان الاعتبار القانوني يرد على معاملة فاقدة له فيوسمه بطابع الاعتبار بل المراد ان الماهية مع الاعتبار القانوني امر زائد على اعتبار المتعاقدين بدون الطابع القانوني وذلك لان الماهية الاعتبارية القانونية تستبطن الاحكام الوضعية القانونية. وبذلك تصبح حقيقة اخرى تنطبق على اعتبار المتعاقدين مع استجماع الشرائط ولا تنطبق بدونها.
ونظير ذلك الطهارة و النجاسة. فقد يكون الشيء من الجانب التكويني طاهراً نظيفاً للغاية بل ربما يعتبر من هذه الجهة مطهراً كالكحول ومع ذلك فقد يعتبر – على بعض الآراء – نجساً شرعياً فالقذارة الاعتبارية هنا قد خالف التكوين. فلو اعتبرناه طاهراً شرعاً كان معنى هذه الطهارة امراً آخر وراء الطهارة التكوينية وذلك لتضمنه الاحكام التكليفية. كما ان القذر العرفي قد يعتبر طاهراً شرعاً فلو اعتبر نجساً كان امراً زائداً على النجاسة العرفية فلا مانع من هذا الاعتبار.
و بناءاً على هذا الاحتمال فتصوير مبحث الصحيح والاعم واضح لان البحث يقع – كما ذكرنا في العبادات – فيما تنطبق عليه الماهية الاعتبارية بموجب متممات الجعل التطبيقية. الا ان الانطباق هنا لا بد من ان يختص بالصحيح خلافاً لما ذكرناه في العبادات حيث فرقنا بين نحوي متمم الجعل وذلك لان الانطباق هنا – كما مر – انما هو بلحاظ ترتب الآثار وهي الاحكام الوضعية. فان المنطبق عليه هنا موضوع تمهيدي لتلك الاحكام فلا يمكن التطبيق في غير مورد جريانها.
**الجهة الثانية:** في ضابط الاخذ بالإطلاق. والبحث في مقامين:
**المقام الاول:** في امكان التمسك بالإطلاق اللفظي الذي سبق تفسيره وانه يتوقف على وجود ماهية مشتركة تجعل موضوعاً او متعلقاً للحكم من دون تقييد فيشك في احتمال دخالة قيد فيه ومع ضميمة مقدمات الاطلاق يتمسك بأصالة التطابق بين مقام الاثبات ومقام الثبوت ويحكم بان الماهية المشتركة بين واجد القيد وفاقده هو تمام الموضوع او المتعلق. وحيث ان البحث يختلف في المعاملات بمعنى الاسباب وفيها بمعنى المسببات فلا بد من تحقيق للفرق بين الامرين حسب مسلكنا:
المعاملة تبتدئ من عمل فردي ينشئه المتعاقدان مع قطع النظر عن مجتمعهما وما يفرضه عليهما القانون الاجتماعي او الرسمي بشأن معاملتهما فهي في الواقع تقنين خاص ومعاهدة شخصية وهذا هو الذي نعبر عنه بالسبب الا ان المتعاملين بما انهما من افراد المجتمع ويرغبان في التمتع بالحماية الاجتماعية والقانونية عن معاملتهما وترتيب الآثار عليها يتقيدان بمراعاة الشروط القانونية والاجتماعية.
فالنكاح الانشائي بين المتعاقدين ليس في ذاته الا معاهدة زوجية بين الشخصين الا انهما يرغبان بالطبع في اعتراف المجتمع والسلطة بزوجيتهما والدفاع عنها وترتيب الاثر عليها كما لو اتفق فيما بينهما نزاع في الحقوق الزوجية فان المحاكم القضائية لا تنظر في قضيتهما إذا لم يعترف القانون بأصل الرباط الزوجي ولذلك يتقيد الزوجان في مراعاة شروط النكاح القانونية وحينئذ ينطبق العنوان القانوني والماهية الاعتبارية الاجتماعية على ما انشئاه فيتحقق به المسبب في كلمات الاصوليين. وهذا هو الذي أشرنا اليه في اول الفصل بان نسبة هذه المسببات الى الاسباب نسبة العناوين الى المعنونات.
هذا وربما يكون الداعي الى مراعاة الشروط القانونية احترام القانون والشريعة. وربما يحصل لبعض الشروط تأثير نفسي خاص في المجتمع بحيث يتوقف تحقق القصد الجدي من المتعاملين على مراعاته لما يجدونه في أنفسهم من تقوم المعاملة به.
ثم ان انطباق الماهية الاعتبارية لا يتوقف على قصد التسبيب من المتعاملين فهي تنطبق إذا حصلت الشرائط ولا تنطبق بدونها سواء في الموضعين قصدهما وعدم قصدهما.
**الاخذ بالإطلاق في الاسباب:**
تبين بما ذكرناه ان القول الصحيح بناءاً على إطلاق المعاملة على الاسباب هو عدم التقيد بكونه مؤثراً في القانون فالموضوع له اعم من الصحيح و الفاسد و الاخذ بالإطلاق ممكن حينئذ لوجود الماهية المشتركة بين الافراد الصحيحة والفاسدة حتى لو كان فاسداً عند العرف.
واما على مسلك صاحب الكفاية قدس سره من الوضع للمؤثر في الملكية والزوجية ونحوهما مع اعتبار هذه الامور اموراً واقعية تكوينية فالتمسك بالإطلاق غير ممكن اذ كل ما شككنا في اعتبار قيد في السبب فقد شككنا في تأثيره في الملكية فلا نعلم تحقق عنوان الموضوع اذ لا ماهية مشتركة بين المؤثر وغير المؤثر. والاخذ بالإطلاق متوقف على انطباق الماهية المشتركة.
واما على المسلك الثالث من الوضع للصحيح عند العقلاء والعرف ففيه تفصيل:
وذلك لان الشك ان كان في اعتبار شرط عرفي زائد لم يمكن الاخذ بالإطلاق لعدم العلم بتحقق الموضوع وهو الصحيح العقلائي وان كان في اعتبار شرط شرعي أمكن ذلك لعدم تقوم الموضوع بالشروط الشرعية على هذا الفرض.
**الاخذ بالإطلاق في المسببات:**
ذكرنا ان الاحتمالات في المسببات ثلاثة:
**الاحتمال الاول:** مُنشأ المتعاقدين و اعتبارهما. ولكن المسبب بهذا المعنى لا ينفك عن السبب بالمعنى الاول للارتباط بين ما ينشأ وما ينشأ به على جميع المسالك في حقيقة الانشاء فان قلنا – كما هو المشهور – بان الانشاء ايجاد المعاني فلا يتصف كلمة بعت بالإنشاء الا مع وجود المسبب وهو تحقق المعاملة في اعتبار المتعاملين. وعليه فهما في حكم واحد وكما أمكن الاخذ بالإطلاق في السبب بالمعنى الاول يمكن هنا ايضاً لعدم الانفكاك بينهما.
وان قلنا ان حقيقة الانشاء ابراز امر نفسي ثابت في قرارة النفس – كما قيل – فالاستعمال الانشائي متوقف على وجود المبرز وهو المسبب بهذا المعنى فهما لا ينفكان ايضاً.
وان قلنا بان حقيقة الانشاء ايجاد المعنى بالوجود اللفظي مع عدم قصد الحكاية – كما هو رأي المحقق الاصفهاني – فالأمر اوضح اذ السبب هو اللفظ و المسبب هو المعنى الكامن فيه.
ومهما كان فالأخذ بالإطلاق واضح على جميع هذه المسالك في المسبب بهذا المعنى.
**الاحتمال الثاني:** ان يكون المسبب ترتب الآثار الشرعية و العقلائية. وقد ذكرنا ان هذا الاحتمال ضعيف للغاية. وعليه فان قلنا بان المراد خصوص الآثار العقلائية أمكن الاخذ بالإطلاق بالنسبة للشرائط الشرعية المشكوك اعتبارها وان قلنا بان المراد جميع الآثار العقلائية والشرعية فلا يمكن الاخذ بالإطلاق نظراً الى عدم العلم بالماهية المشتركة.
وربما يناقش في التمسك بالإطلاق إذا كان المراد بالمسبب ترتب خصوص الآثار العقلائية وكان الشك من جهة احتمال اعتبار سبب خاص و وجه المناقشة ان الاسباب خارجة عن حقيقة المسببات وليست كالعوارض والحالات بالنسبة الى الماهية حتى يشملها دليل تنفيذ المعاملة فقوله تعالى (أحل الله البيع) لو كان المراد به المسبب لم يدل على تنفيذ كل سبب من اسبابه فلا بد من الاخذ بالقدر المتيقن من الاسباب.
والجواب عنه ان المسبب العقلائي ينحل بحسب الاسباب بمعنى ان العقلاء يرتبون الآثار على كل سبب من الاسباب العقلائية فتنفيذ المعاملات العقلائية تنفيذ لجميع اسبابها لديهم ومعنى الاخذ بالإطلاق هو الحكم بعدم دخالة شيء من الاوصاف او المقدمات او الاسباب المشكوكة في ترتب الاثر غير ما هو دخيل لدى العقلاء. نعم لا يصح التمسك بالإطلاق إذا كان الشك في التنفيذ العقلائي.
**الاحتمال الثالث:** ان يكون المسبب هو الماهية الاعتبارية فلا بد من ملاحظة متممات الجعل التطبيقية لنجد ما طبقها عليه الشارع المقدس ثم نأخذ بالإطلاق في حدود مورد التطبيق.
وقد عرفت ان التطبيق هنا يختص بالصحيح فلا يبقى ماهية مشتركة بين الصحيح و الفاسد لكي يدعى احراز وجودها عند الشك في قيد زائد. اذن فلا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي.
**البحث الثاني:** في الاطلاق المقامي. وهو الذي يتمسك به إذا لم يتمكن من الاطلاق اللفظي. والعمدة من موارد عدم جريان الاطلاق اللفظي هو مسلك صاحب الكفاية في الاسباب ومسلكنا في المسببات.
**ما هو الداعي للتمسك بالإطلاق المقامي؟**
اما على مسلك المحقق الخراساني فلانه يقول – حسب تفسير القوم لعبارته – بان المراد بالعناوين المذكورة الاسباب بما انها تؤثر اثراً واقعياً تكوينياً اما وجودياً كالنكاح والبيع واما سلبياً كالعتق والطلاق فاذا ورد على لسان الشارع تنفيذ هذه الأسباب فالعرف يرى ترتب الآثار على اسباب خاصة و الشارع ربما يخطـّئ العرف في ذلك فيحصل موارد نشك فيها تصويب الشارع ما رآه العرف سبباً لترتب تلك الآثار. وهنا نحتاج الى اجراء الاطلاق المقامي.
واما على مسلكنا فلان هناك متممات جعل عرفية نظراً الى ان المعاملات ظواهر اجتماعية فالعرف يحكم بان الماهية الاعتبارية تنطبق على بعض الموارد ونشك في ان الشارع هل يصدق العرف ام له متممات جعل اخرى.
والفارق بين المسلكين هو ان رؤية العرف وتصديق الشارع له او تكذيبه اياه تتعلق في المسلك الاول بأمور تكوينية واقعية. وفيما ذهبنا اليه يتعلق الاختلاف والاتفاق بأمر اعتباري.
ويمكن ان يقال في تقرير جواز التمسك بالإطلاق حينئذ ان الادلة الشرعية المشتملة على تنفيذ المعاملات موجهة الى العرف. وتنصرف العناوين الواردة فيها الى المصاديق العقلائية. فالعرف يعتقد ان الزوجية تحصل قهراً بكلمة (انكحت) مثلاً بناءاً على مسلك الكفاية فلو اراد الشارع إلغاء ذلك باعتبار انه يرى عدم ترتب الاثر الواقعي على هذه الكلمة كان عليه ان ينبه العرف على ذلك والا لكان اغراء بالجهل فان العرف لا ينظر الا بمنظاره العرفي.
وكذا على مسلكنا فان الاعتبار العرفي يحكم بانطباق الماهية الاعتبارية في النكاح وهي الزوجية على هذا المورد وليس لديه طريق الى فهم الاعتبار الشرعي في التطبيق الا تصريحاته ونصوصه فلا بد للشارع إذا كان له اعتبار خاص ان يدلي بمتمماته التطبيقية والا فالمفاهيم منصرفة الى اعتبارات العقلاء كما ينصرف النقد في المعاملة الى نقد البلد.
فهو نظير ما إذا حكم الشارع بالمنع من قتل الحيوان أيّا ما كان فان المجتمع الذي لا يملك الميكروسكوب لا يفهم من ذلك الا خصوص الحيوانات المرئية فلا يمتنع من ابادة الميكروبات فلو اراد الشارع التعميم كان عليه ان يمنع استعمال وسائل ابادتها تفادياً لفوت الغرض.
ولكن المحقق النائيني اعترض على هذا الاطلاق بانه يتوقف على عدم وجود قدر متيقن في البين وهو موجود في المعاملات فاذا شككنا في اعتبار العربية في الصيغة فالقدر المتيقن هو الصيغة العربية فنحكم بالصحة في خصوصها. وهكذا الكلام في سائر الشروط التي يحتمل اعتبارها. اذ مع هذا الاحتمال لا يمكن استكشاف النظر الشرعي.
والجواب عنه: ان هذه الاحتمالات احتمالات مستحدثة اوجدها تقدم الفقه وتشكيكات الفقهاء قدس الله ارواحهم في المباحث العلمية و الاطلاقات الشرعية انما وجّه الى المجتمع العربي في عهد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم فالمتبع هو فهم ابناء ذلك الزمان واحتمال شكهم في صدق عنوان البيع على بعض المعاملات المتداولة لديهم مجرد فرض لا يدعمه دليل.
فالظاهر ان المعاملات العقلائية كلها داخلة تحت الاطلاق. ومن هنا نجد ان الشارع لم يهتم بذكر متممات الجعل التطبيقية في مرحلة الاثبات وانما اهتم بنفي الماهية في الموارد الخاصة كما مر ذكر بعضها. والسرّ في ذلك ان الاثبات موكول الى نظر العرف.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد واله الطاهرين
[^0]: هو العلامة المحقق ابو المجد الشيخ محمدرضا النجفي الاصفهاني في رسالته وقاية الاذهان ص 111 حيث قال (وببالي أنّ بملاحظة مجموع كلامه في المفتاح يظهر أنه يعم مذهبه في مطلق المجاز وإنما خصّ الاستعارة بالمثال لأنها من أشهر أقسامه وأهمها، فليراجعه من شاء ومن البعيد من مثله أن يفرّق بينهما من غير فارق أصلا).
[^0]: درر الادب ج1 ص340
[^0]: جمهرة الامثال للعسكري ج1 ص 568 ومجمع الامثال للميداني ج1 ص430 وغيرهما
[^0]: راجع سير اعلام النبلاء ج6 ص 74 وتاريخ الخلفاء ص 278
[^0]: من اجل التوسع راجع تعليقات سليمان البستاني على الالياذة ص126 ط لبنان
[^0]: وذلك بان يكون مرادهن من تشبيهه عليه السلام بالملك بيان غاية حسنه وجماله وحينئذٍ فلو قلنا بانه مستعمل في المعنى المجازي فلا بد من ان يكون ذلك المعنى الانسان الجميل غايته وهو ينافي نفي البشرية عنه واما التفسير الآخر فهو ان يراد بنفي البشرية وتشبيهه بالملك بيان غاية تورعه واجتنابه عن النساء مع انهن يراودنه عن نفسه. ولكن الظاهر هو المعنى الاول بملاحظة مجموع الآية حيث قال تعالى: فلما رأينه اكبرنه وقطعن ايديهن وقلن حاش لله ما هذا......
[^0]: وقاية الاذهان ص 1167
[^0]: جامع جـ2 ص13 حـ91.
[^0]: الوسائل … ص30 ب 12 من اعداد الفرائض.
[^0]: جامع الاحاديث جـ1 ص176 حـ 645…
[^0]: الكفاية جـ1 ص49.
[^0]: الوسائل حـ… ص597.<
[^8]: نهاية الاصول ص 32
[^9]: نهاية الدراية الطبعة الجديدة ج1 ص 89
[^10]: القواعد والفوائد ج1 ص 158
[^11]: الكفاية ص 21
[^12]: راجع المحاضرات ج1 ص148
[^13]: الشورى: 13
[^14]: آل عمران: 19
[^15]: البقرة: 130
[^16]: البقرة: 135
[^17]: النساء: 125
[^18]: الانعام: 161
[^19]: الانبياء: 72 - 73
[^20]: ابراهيم: 37 - 40
[^21]: لقمان: 17
[^22]: مريم: 31
[^23]: يونس: 87
[^24]: مريم: 55
[^25]: ال عمران: 39
[^26]: الوسائل ج 3 ص 25 باب 10 من اعداد الفرائض
[^27]: الوسائل ج 3 ص 26 باب 10 من اعداد الفرائض والمستدرك ج1 ص 174
[^28]: النساء: 102
[^29]: الحج: 40
[^30]: الانفال: 35
[^31]: الاسراء: 84
[^32]: دائرة المعارف الاسلامية جـ14 ص81
[^33]: تاريخ التمدن الاسلامي جـ1 ص24
[^34]: دائرة المعارف جـ14 ص302.
[^35]: جامع الأحاديث ج2 ح 2360 و 2361
[^36]: جامع الأحاديث ج2 ص 267 باب 1 من ابواب التكبير ح2 وح19
[^37]: دائرة المعارف الاسلامية ص305
[^38]: راجع روح الشرائع ج2 ص 206
[^39]: الحج: 67
[^40]: الحج: 27
[^41]: الوسائل ج6 ص220 ح 1 ب1 زكاة الفطرة .
[^42]: الوسائل جـ .. ص225 حـ12 ب… زكاة الفطرة.
[^43]: راجع طبقات ابن سعد القسم الثاني ص8 ومسند احمد ج 3 ص26 والطيالسي ح 1211
[^44]: دائرة المعارف كلمة زكاة
[^45]: البقرة: 183
[^46]: دائرة المعارف الاسلامية ح ص393 .
[^47]: البخاري كتاب الصوم باب صوم يوم عاشوراء .
[^48]: الوسائل جـ7 ص339 ب21 الصوم المندوب حـ 1
[^49]: الوسائل جـ7… ص290 ب1من الصوم المندوب حـ5
[^50]: الاحزاب: 56
[^51]: التوبة: 103
[^52]: الوسائل ج9 ص257 باب 3 من كفارات الاستمتاع ح 9
[^53]: جامع جـ1 الطهارة ص51 ح 444 .
[^54]: واما تفسير السيد الاستاد دام ظله لها فيبتني على ارتباطها بالأمر الاول في مرتبة الحكم الجزائي
[^55]: جامع جـ2 ص13 حـ…
[^56]: اجود التقريرات جـ1 ص36 .
[^57]: جامع الاحاديث ج2 ص25 حـ 2365 .
[^58]: جامع جـ2 ص13 حـ91 .
[^59]: جامع جـ 1 ص298 ح 2880 .
[^60]: جامع الاحاديث جـ1 ص315 ح 3051 .
[^61]: جامع ج1 ص316 ح 3059.
[^62]: مصباح الفقيه كتاب الصلاة ص 718 .
[^63]: المحاضرات ج 1 ص159.
[^64]: الكفاية جـ … طـ المشكيني ص… .
[^65]: الكفاية ج1 ص 33 .
[^66]: ص36 .
[^67]: بتصرف وتلخيص من تهذيب الاصول ص54
القسم الثالث
**المبحث الحادي عشر**
**في إطلاق اللفظ واردة أكثر من معنى**
**وهنا جهات من البحث:**
**الجهة الاولى****:** ان ما ذكره جماعة من جعل عنوان البحث استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى غير موجه بل الصحيح تعميمه وذلك لان ما ذكر من وجوه الاستحالة لا تختص بالمشترك وهذا الاستدراك يحقق لنا شمول البحث في موضعين آخرين.
**(أحدهما)** استعمال اللفظ وارادة المعنى الحقيقي والمجازي ودخوله في البحث واضح على القول بان اللفظ يستعمل واقعاً في المعنى المجازي في سائر الموارد واما على ما ذكرناه تبعاً لجماعة من ان اللفظ دائماً يستعمل في المعنى الحقيقي وان الاختلاف انما هو في المراد التفهيمي فشمول البحث له من جهة ان المراد التفهيمي قد يكون خصوص المعنى الحقيقي وقد يكون المعنيان الحقيقي و المجازي.
**(الثاني)** إطلاق اللفظ وارادة نفسه و معناه.
++بيان ذلك:++ ان هناك مبحثاً من مباحث الالفاظ أعرضنا عنه لعدم ترتب أثر عملي عليه. وهو البحث عن استعمال اللفظ وارادة شخصه او نوعه او جنسه. وذلك كقولنا زيد في (ضرب زيد) فاعل وقولنا ضرب فعل ماض ونحو ذلك. وفي مثل هذا الاطلاق نظريتان:
احداهما انه من قبيل استعمال اللفظ في المعنى الا ان التغاير بين الدال والمدلول تغاير اعتباري او بنحو آخر.
النظرية الثانية انه ليس استعمالاً في معنىً بل هو إطلاق ايجادي وهو الارجح.
وعلى كلا التقديرين فهذا القسم من الاستعمال داخل في البحث اما على الاول فواضح واما على الثاني فلان وجوه الاستحالة المزعومة كلزوم الجمع بين اللحاظين وبين خصوص اللحاظ الآلي والاستقلالي تأتي في هذه الموارد فيما إذا استعمل اللفظ واريد به نفسه على أحد الوجوه الثلاثة ومعناه معاً.
فتحصل ان محل البحث هو إطلاق اللفظ وارادة تفهيم ما يزيد على معنى واحد.
**الجهة الثانية****:** ونحاول في هذا الامر تضييق دائرة البحث خلافاً للأمر الاول وذلك باعتبار ان موضع البحث والنقاش هو استعمال اللفظ في كل من المعنيين او الاكثر استعمالاً مستقلاً بمعنى ان يكون كل واحد من المعنيين ملحوظاً بحياله و اللفظ مستعملاً فيه بحدّه بحيث يكون كل منهما مراداً بالاستقلال وكأن اللفظ استعمل فيه وحده.
وعليه فلو استعمل اللفظ في معنىً مجموعي بحيث تكون نسبة كل من المعنيين اليه نسبة الجزء الى الكل كان ذلك خارجاً عن محور النزاع غاية الامران يكون المعنى المذكور مجازياً وان تكون دلالة اللفظ على كل من المعنيين تضمنية.
وهكذا الكلام فيما إذا استعمل اللفظ في معنىً كلي تكون نسبة كل منهما اليه نسبة الفرد الى الجامع كما لو انتزع من المعنيين عنوان كلي انتزاعي واستعمل اللفظ فيه كعنوان أحد المعنيين او المسمى باسم كذا ونحو ذلك. فهذا المورد ايضاً خارج عن محل البحث.
**الجهة الثالثة****:** هل الاولى البحث عن الامكان والاستحالة او الوقوع واللاوقوع الظاهر انه من بدو حدوثه الى زماننا هذا قد طرح على النحو الاول ففي شرح ابن ميثم البحراني ما هذا لفظه:
(المبحث الرابع في أنّه هل يجوز استعمال اللفظ المشترك في معانيه على الجميع أم لا جوّز ذلك الشافعي وأبو بكر الباقلاني وأبو علي الجبائي والقاضي عبد الجبار، ومنع منه أبو هاشم وأبو الحسين البصري والكرخي...)[^1]
ولكن الاولى عندنا طرحه على النحو الثاني و الوجه فيه انه إذا ثبت بتتبع الموارد والتدقيق فيها وقوعه كان البحث على النحو الاول لغواً فان الوقوع أخص من الإمكان وأدل دليل على الامكان هو الوقوع وإذا ثبت خلافه وان كان من ناحية عدم ثبوت وقوعه فالبحث عن الامكان والاستحالة مستغنى عنه اذ لا أثر له وبذل الجهد الفكري فيما لا فائدة فيه من قبيل العلم الذي لا ينفع مضافاً الى ما في منهج البحث عن الامكان والاستحالة من الضعف ويتضح ذلك بملاحظة مستندات الطرفين.
**الجهة الرابعة:** في البحث والتنقيب عما يمكن ان نستشهد به على الوقوع[^2] وهي على قسمين :
**القسم الاول:** ما يشتمل على إطلاق اللفظ وارادة نفسه ومعناه وكذا ارادة المعنيين وله أمثلة:
1- ما ورد في مقدمة بعض الادباء على صحاح الجوهري (ص11) من ان بعضهم انشد شعرا في وصف القاموس وفيه:
نبذ الصحاح بلفظه والبحر من عاداته يلقي صحاح الجوهر
فقال بعضهم (الصَّحاح لا تكسر) فتعجب كل من كان في المجلس من سهولة اللفظ والتورية.
فاستعمل كلمة الصحاح في لفظها وأن الصاد فيها لا تكسر وفي معناها اي الكتاب المخصوص واستعمل كلمة (تكسر) في معنيين مستقلين كسر الحرف وكسر الرواج.
2 - (قلب بهرام ما رهب) لهذه الجملة معنيان. أحدهما:
ان قلب بهرام (وهو اسم شخص) لا يرهب بسبب شجاعته. والآخر ان كلمة بهرام إذا قلب رأساً على عقب تحول الى كلمة (ما رهب) فاستعمل كلاً من بهرام و ما رهب في لفظيهما ومعنييهما واستعمل كلمة قلب في معنيين. قلب الكلمة والقلب (العضو المخصوص).
والمناقشات التي ربما توجه الى بعض الامثلة الاتية في القسم الثاني لا مجال لها في هذا القسم.
3- (كل ساق قلبه قاس) وهذا نظير المثال السابق.
4- ما قيل في مدح الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم:
المرتمي في دجىً والمبتلى بعمى
والمشتكي ظمأً والمبتغي ديناً
يـاتـون سدته مـن كـل نـاحـيـة
و يستفيدون من نعمائه عيناً
فالعين استعمل في اربعة معان. الشمس لينير الدرب لمن وقع في الظلماء و الباصرة لمن عميت عينه والنابعة لمن يشكو الظمأ والنقد الذهبي لمن يطلب المال.
5- قول الشاعر: (ايّ المكان تروم ثم من الذي تمضي اليه اجبته المعشوقا)
فالمعشوق استعمل في معنيين أحدهما قصر للمتوكل وبذلك اجاب عن السؤال الاول. والآخر معناه الاشتقاقي وبذلك اجاب عن السؤال الثاني.
6- قول الشاعر وبه دماميل:
( ......... وما لليلي وما لها فجر)
فأراد بالفجر معنيين: طلوع الصبح عن ليلته التي طالت عليه لمرضه و انفجار الدماميل ليستريح من وجعها.
ففي هذه الامثلة ونظائرها لا تفيد دعوى انها استعمالات خاطئة اذ الكلام في الامكان والاستحالة لا الخطأ والصواب مع ان الادب العربي يجوز ذلك بل يعتبره من المحسنات البديعية ويعبر عن هذا الاستعمال في كتب الادب بالتورية البديعية.
كما لا تفيد دعوى ان الاستعمال في أحد المعنيين ويستفاد الآخر بالقرينة اذ تخصيص اللفظ بأحدهما ترجيح بلا مرجح.
وهناك وجوه يمكن ان تحمل عليها بعض هذه الامثلة او يتوهم امكان ذلك فلا بد من استعراضها وملاحظتها بالقياس الى الامثلة.
**الوجه الاول:** ان يكون المراد الجهة الجامعة بين المعنيين فلا يكون اللفظ مستعملاً في كل منهما بحدّه.
وهذا الوجه يمكن ان يدعى في مثل قول الشاعر: (وما لليلي وما لها فجر) وذلك لان الفجر وان كان في كتب اللغة بأحد معنيين بياض الصبح وسيلان الماء الا انه يمكن دعوى وجود جامع حقيقي يستعمل فيه اللفظ ويطبق على كل من المعنيين في الجملة السابقة بنحو تطبيق المفهوم على المصداق.
قال الراغب في المفردات: (الفجر شق الشيء شقاً واسعاً (الى ان قال) ومنه قيل للصبح فجر لكونه فجر الليل).
ويمكن تطبيق هذا المعنى على شق الدماميل وانفجارها. الا ان هذه الدعوى تتوقف على ان يكون الشاعر منتبهاً لهذه الجهة الجامعة التي ذكرها الراغب في المفردات وهو على الظاهر مما استخلصه من ملاحظة الشواهد والاستعمالات استنباطاً لغوياً كما هو الشأن في كثير من موارد تصريحات اللغويين. ولم يرد ذكر ذلك في معاجم اللغة.
ومهما كان فهذا يختص بمثل هذا المثال ولا يصح في سائر الامثلة المتقدمة اذ ليست هناك جهة جامعة في معاني العين الاربعة المقصودة في الشعر السابق وان ادعي ان بعض معانيها السبعين أصل لبعض آخر الا ان ذلك لا يحقق جهة جامعة بين الشمس والعين الباصرة والنابعة والنقد. وكذا في كلمة المعشوق والقلب فضلاً عما كان مستعملاً في نفس اللفظ والمعنى.
**الوجه الثاني:** ان يكون للمعنيين او الاكثر وحدة اعتبارية في ضمن عنوان كعنوان مجموع المعنيين فيعتبر المجموع معنىً آخر لذلك اللفظ مجازاً.
وهذا الوجه يمكن تطبيقه ــ بتكلف ــ في المعشوق في الشعر السابق فيقال ان المراد به مجموع القصر ومن فيه ويراد بمن فيه خصوص من يهواه فيكون ذلك من قبيل علاقة الحال والمحل كما في اسأل القرية ونظائره.
ولكن ذلك لا يتأتى في مثل العين اذ ليس هناك مصحح عقلائي لافتراض تركيب اعتباري من المعاني الاربعة المقصودة منها.
مضافاً الى ان كلاً من المحتاجين الاربعة يطلب أحد هذه الامور والمركب منها اي مجموعها غير مقصود لاحد منهم. مع ان هذا الاعتبار وتحميله على الاستعمالات الادبية يشمئز منه الذوق السليم.
وهكذا الكلام في الكسر ومعنييه والقلب ومعنييه اذ لا تناسب بينهما اصلاً. فضلاً عن موارد استعمال اللفظ في نفسه ومعناه.
**الوجه الثالث:** ان يراد في هذه الموارد عنوان المسمى بكذا وهذا يمكن تكلفه في مثل كلمة المعشوق او العين مع انه مخالف للمرتكز في فهم هذه المعاني من الالفاظ وفي مراد المستعملين فان المتكلم يقصد نفس المعنى بذاته لا بعنوان المسمى. مع ان العين له سبعون مسمى كما قيل والمقصود ليس كل ما هو مسمى بالعين بل خصوص الاربعة.
**الجهة الخامسة:** في بيان ما هو الوجه في صحة هذه الاستعمالات بعد تسليم انها امر ممكن بل واقع. وقبل بيان ذلك لا بأس بان نتعرض اجمالاً لحقيقة استعمال اللفظ وارادة نفسه.
قد مرّ ان هذا النوع من الاستعمال وقع مورد البحث والنقاش فذهب بعضهم الى انه من قبيل استعمال اللفظ في المعنى الا ان التعدد المعتبر بين الدال والمدلول اعتباري لا حقيقي.
وذهب بعض آخر الى انه ليس من قبيل استعمال اللفظ في المعنى بل هو إطلاق ايجادي وهذا هو الصحيح.
**توضيح ذلك:** ان الاستعمال – حسب رأينا – هو ايجاد اللفظ بداعي الاستمداد من الماهية الاعتبارية التي اكتسبها اللفظ فأصبح بذلك وجوداً لفظياً للمعنى فبهذا اللحاظ يصح لنا ان نحكم عليه او به في القضية التي نريد افهامها للمخاطب.
واما الاطلاق الايجادي فهو ايجاد لأمر واقعي خارجي وجعله موضوعاً للحكم وهذا الامر هو حقيقة لفظية الا ان الذي نوجده قد يكون بنفسه موضوعاً للحكم وقد يكون جنسه او نوعه موضوعاً له وفي كل ذلك يتحقق تصوير الموضوع في ذهن المخاطب بإيجاد نفس الحقيقة التكوينية دون ابراز لفظ يحكي عنه او يتحد معه اعتباراً.
هذا ولكن الصورة الذهنية التي تتحقق لدى المخاطب بإيجاد هذا اللفظ صورة كلية بالطبع لان كل صورة ارتساميه كليّ وان كان مأخذها فرداً خارجياً اذ الصورة لا تحكي عمّا اخذت منه وانما تحكي عما تطابقه سواء في ذلك الصور الخارجية او الذهنية.
وعليه فحكاية هذه الصورة الكلية التي تحققت لدى المخاطب عن شخص اللفظ تتوقف على الاشارة الوهمية اليه كما هو الحال في جميع العلوم الجزئية كما مرت الاشارة اليه سابقاً.
ومن هنا يظهر الجواب عما ربما يتوهم من ان الموضوع الذي تحققه لكي يكون موضوعاً في القضية فرد خارجي فلا يمكن ان يكون حاكياً عن جنسه ونوعه الا بالتجريد وهو غير مفروض.
وذلك لما بيناه من ان المفرد الذي حققناه يصور في ذهن المخاطب صورة كلية لذلك اللفظ فحكايتها عن الفرد بحاجة الى الاشارة الوهمية لا ان حكايتها عن الكلي بحاجة الى التجريد.
**واما وجه الصحة فيما نحن فيه فالبحث يقع في مقامين:**
**المقام الاول:** في امكان تعدد الدلالة الاخطارية للألفاظ.
وفي هذا المجال نجد ان المقتضي لهذه الدلالة موجود في اللفظ في كلا الموردين المذكورين اي استعمال اللفظ وارادة نفسه ومعناه واستعمال اللفظ في معنيين.
اما في المورد الاول فلان اللفظ ماهية مزدوجة بمعنى انه من جهة لفظ يعبر عن صوت لغوي خاص له حدوده و واقعيته التكوينية الخاصة ومن جهة اخرى يعبّر عن المعنى بلحاظ العلقة الوضعية التي اوجدت الترابط الاخطاري الطبيعي بينهما سواء في ذلك مسلك التلازم والاستتباع او مسلك الهوهوية الاعتبارية – كما ذكرناه – وكما ان ايجاد اللفظ يوجب تصور معناه بأحد الوجهين كنتيجة طبيعية لتحقق العلقة الوضعية والترابط الاخطاري بينهما كذلك – وبالأحرى – يوجب تصور نفسه كما مر في المقدمة السابقة. اذن فالدلالة الاخطارية في اللفظ لنفسه ومعناه امر طبيعي لا وجه لإنكاره. غاية الامر انه قد يتعين أحد الامرين في مرحلة الدلالة التفهيمية بقرينة خارجية وهي نوعية المسند كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
واما في المورد الثاني فلما كانت دلالة اللفظ على معناه – بنحو الاخطار – نتيجة طبيعية للارتباط الذهني الحاصل من العلقة الوضعية ولما كان الارتباط متحققاً في المشترك اللفظي – كما هو مفروض البحث – بين اللفظ وأكثر من معنى كان اخطار أكثر من معنى امراً ضرورياً يحصل عند ايجاد اللفظ لا محالة لمن كان ملتفتاً وعالماً بالوضع للمعنيين او أكثر كما هو شرط مسبق لكل اخطار حاصل بين اللفظ والمعنى.
**المقام الثاني****:** في امكان تعدد الدلالة التفهيمية في الموردين.
والمراد من الدلالة التفهيمية حصول العلم للمخاطب بما اراده المتكلم من اللفظ. وقد ذكرنا في المباحث السابقة ان هذه الدلالة – في نظرنا – انما تحصل بمقدمات عقلية. وذلك لان التلفظ ــ ككل فعل اختياري ــ لا بد من ان يكون نتيجة لدافع نفسي يعبر عنه بالعلة الغائية وبعد احراز ان اللافظ لم يكن ساهياً ولا خاطئاً ولا هازلاً نحكم بانه اراد تفهيم المعنى الظاهر الذي يتحقق اخطاره بإيجاد اللفظ بصورة طبيعية نتيجة للعلقة الوضعية. اذ العادة تقضي بان الانسان العاقل الملتفت انما يقصد بكل عمل الاثر المترتب عليه طبعاً.
وعلى هذا الاساس نحكم فيما نحن فيه بان المتكلم اراد اخطار كلا الامرين او الاكثر حسبما يستلزمه اللفظ من اخطار ففي مورد استعمال اللفظ وارادة نفسه ومعناه يخطر بالبال كلا الامرين كما مر فلا مانع من ارادة اخطارهما معاً الا ان نوعية المسند ربما تعين أحدهما. فاذا قال: زيد كلمة ثلاثية علمنا من نوعية المسند حيث انه من خصائص اللفظ ان المراد هو اللفظ بنفسه. وإذا قال زيد قائم علمنا ان المراد معناه لان الوصف خاص به و إذا قال (قلب بهرام ما رهب) احتمل المعنيان والتناسب الادبي ربما يقضي بالحكم بانه ارادهما معاً كما هو واضح في المثال.
وهكذا الكلام في استعمال اللفظ وارادة المعنيين او أكثر لان اخطاره لهما قهري وطبيعي بعد تحقق العلقة الوضعية بالنسبة اليهما معاً فأرادتهما في مرحلة التفهيم ممكن وربما يتعين ذلك بموجب القرائن كالأمثلة السابقة كما انه قد يتعين أحد المعنيين او المعاني بموجب القرينة.
**الجهة السادسة:** في ان هذه الاستعمالات هل هي من قبيل الاستعمالات الحقيقية او المجازية؟
ذكرنا سابقاً ان في المجاز نظريتين:
**النظرية الاولى:** وهي الصحيحة – ان الاستعمال دائماً في المعنى الحقيقي وان التجوز انما هو في تطبيق المعنى وعبرنا عنه بإعطاء حد شيء لشيء آخر.
وعلى اساس هذه النظرية فالاستعمالات المذكورة لا تحتوي على شيء من التجوز والعناية اما في استعمال اللفظ وارادة نفسه ومعناه فلان الاستعمال كما مر انما هو في المعنى واما اخطار نفس اللفظ فليس من قبيل الاستعمال بل هو من الاطلاق الايجادي.
واما في موارد الاستعمال في معنيين فلان المفروض ارادة كل منهما على الاستقلال وكل منهما بحدّه موضوع له اللفظ. وقد تمّ تفنيد كل المحاولات الرامية الى تصوير استعمال اللفظ في مجموع المعنيين فلا يصح دعوى التجوز باعتبار كون كل منهما جزءاً من المعنى المستعمل فيه اللفظ الذي لم يوضع له المعنى.
**النظرية الثانية:** – وهي المشهورة – ان التجوز استعمال اللفظ في غير ما وضع له. وعلى هذه النظرية يختلف الحكم بين القول بان حقيقة العلقة هي الترابط الاخطاري على أحد الوجهين من الهوهوية والتلازم بين اللفظ و المعنى والقول بانها هي التعهد حيث ان كل متكلم يتعهد بانه يريد المعنى إذا ذكر اللفظ.
اما على اساس الاخطار فوعاء تحقق العلقة الوضعية هو وعاء تحقق الدلالة الاخطارية وفي هذا الوعاء لم يتخلف الاستعمال عن الوضع فيدعى فيه التجوز الا ان يدعى ان الموضوع له هو المعنى بقيد الوحدة وقد زالت في هذه الاستعمالات.
والجواب عنه: ان الوحدة المزعومة ان ادعي اعتبارها في مرحلة الدلالة الاخطارية فهو غير معقول اذ الاخطار كما قلنا نتيجة طبيعية لتحقق الارتباط الذهني وهو متحقق بالنسبة الى المعنيين معاً فاخطارهما معاً امر طبيعي لا يمكن اعتبار الوحدة فيه. وان ادعي اعتبارها في مرحلة الدلالة التفهيمية فزوالها لا يوجب التجوز لما ذكرنا من ان وعاء العلقة الوضعية التي يجب ان يطابقها الاستعمال ليكون حقيقياً هو وعاء الدلالة الاخطارية لا التفهيمية ولا يمكن ان تتقيد العلقة الوضعية بداعي الاستعمال فيكون اللفظ موضوعاً للمعنى بشرط ان يكون داعي الاستعمال هو تفهيمه مع عدم تفهيم معنىً آخر. فهذا امر غير محتمل فان العلقة الوضعية ثابتة سواء استعمل اللفظ ام لم يستعمل وباي داع تحقق الاستعمال.
هذا مضافاً الى ان التعدد متحقق في وعاءالعلقة الوضعية واخطار المعنى المتعدد امر طبيعي كما عرفت فاذا أردنا تفهيم أحدهما في مرحلة الارادة التفهيمية فقد حصل تفكيك بين المعنيين المتقارنين في الاخطار قهراً. وإذا أردنا تفهيمهما معاً فقد ابقينا على تقارنهما الطبيعي ومنعناه من التفكك لا ان وحدة معتبرة قد ازلناها.
واما على مسلك التعهد فيمكن ان يقال ان صيغة التعهد في المشترك تختلف عن صيغته في سائر الموارد فالمتكلم هنا متعهد بان يريد أحد المعنيين او المعاني عند التلفظ. ومع ارادة أكثر من معنى يكون قد خالف تعهده فهو تجوز.
والجواب عنه: انه لا داعي الى افتراض هذه الصيغة للتعهد في المشترك اذ يمكن ان يتعهد المتكلم ان يريد باللفظ ما يكون بينه وبينه ترابط اخطاري. بل لا بد ان يكون التعهد على تقديره بهذه الصيغة اذ لا معنى لان يتعهد الا بمقتضى ما يقتضيه اللفظ مسبقاً بموجب الترابط الاخطاري والا فالتعهد لغو اذ لا يترتب على اللفظ ما اراده من تفهيم المعنى الا في حدود الترابط الاخطاري والمفروض ان الاخطار هنا متحقق في أكثر من معنى كما مر.
**الجهة السابعة:** في ان استعمال اللفظ المشترك لو لم يكن مصحوباً بقرينة معينة لاحد المعنيين او المعاني ولا لأكثر من معنى بعد الاعتراف بصحة الاستعمال في أكثر من معنى وانه على وجه الحقيقة لا المجاز وانه ليس منافياً لمقتضيات الوضع اللغوي فهل مقتضى القاعدة ان يحمل على ارادة تفهيم جميع المعاني او يحكم بإجماله؟ احتمالان بل قولان:
**القول الاول:** ما نسب الى السيد البروجردي قدس سره – كما في التقريرات – و هو الحمل على ارادة جميع المعاني المحتملة نظراً الى ان المفروض تحقق العلقة الوضعية بين اللفظ وجميع المعاني وحيث لا معين لها فلا بد من الحمل على الجميع. وشبّه ذلك بالعمومات التي يأتي فيها احتمال ارادة البعض والكل حيث تحمل على العموم لاقتضاء اللفظ وعدم قرينة على الخلاف.
**القول الثاني:** هو الحكم بالإجمال وله تقريب اجمالي وتقريب تفصيلي:
اما التقريب الاجمالي فهو ان المفروض فيما إذا كان للكلمة معنيان – مثلاً – صحة ثلاثة انحاء من الاستعمال: الاستعمال في هذا المعنى بالذات وفي ذلك المعنى بالذات، وفي كلا المعنيين معاً. وحيث ان الوجوه الثلاثة متكافئة من حيث الاحتمال لعدم القرينة على الاختصاص بأحد المعنيين ولا على ارادتهما معاً فيجب التوقف لكيلا يلزم الترجيح بلا مرجح. واما وجود العلقة الوضعية بين اللفظ وكلا المعنيين فهي لا تحقق الا الدلالة الاخطارية بالنسبة لهما معاً والكلام في مرحلة الدلالة التفهيمية.
واما التقريب التفصيلي فهو ان سرّ الاجمال يتبين بملاحظة كيفية استكشاف المراد التفهيمي في سائر الموارد حسب ما ذكرناه وهو ان التكلم ــ كغيره من الاعمال الاختيارية ــ لا بد من ان تكون له علة غائية تؤثر في فاعلية الفاعل. وحينئذ نتمسك بالأصول العقلائية لدفع احتمال السهو والخطأ والنسيان والهزل فنحكم بانه اراد تفهيم المعنى لانه الامر المناسب لان يعتبر علة غائية للتكلم.
وهذا الامر لا يقتضي أكثر من الحكم بان المتكلم يقصد التفهيم خروجاً عن اللغوية في عمل الانسان العاقل الملتفت. فلو كان اللفظ منحصراً في معنى بحسب الوضع او القرينة تعين مقصود المتكلم واما لو لم يكن منحصراً بوجه وترددت العلة الغائية بين تفهيم هذا المعنى او ذاك او كليهما فليس هناك شاهد او اصل عقلائي يحكم بلزوم تعدد العلة الغائية كلما امكن التعدد كما انه ليس كذلك بالوجدان في سائر الاعمال الاختيارية فاذا شهدنا عملاً اختيارياً من انسان عاقل ملتفت حكمنا بموجب قانون العلة الغائية بان وراء هذا العمل دافع نفسي اثر في فاعلية هذا الفاعل ودفعه الى تحقيق العمل في الخارج ولكن ذلك لا يوجب الحكم بتعدد العلة الغائية والدافع النفسي اذا احتمل التعدد ولذلك نجد الفقهاء يحكمون بالإجمال فيما اذا قال : بعت عبدي غانماً وكان له عبدان بهذا الاسم ويتوسلون بالقرعة ونحوها لتعيين المبيع ولم يذهب احدٌ الى الحمل على بيع العبدين معاً .
وكما لا يقتضي أصل او قانون تعدد العلة الغائية عند احتماله لا يقتضي ايضاً وحدتها. ومجرد تناسب العمل و وحدة اللفظ لوحدة المراد التفهيمي لا يكفي في الحكم بذلك. اذن فاحتمال التعدد والوحدة متكافئان فيحكم باجمال اللفظ من هذه الجهة.
واما اصالة الحقيقة فلا تقتضي الحمل على جميع المعاني باعتبار كون كل منها معنىً حقيقياً للكلمة لأنها ليست اصلاً تعبدياً بل هي منتزعة من طريقة العقلاء في التفاهم وقد بينا انه لا أصل لديهم يحكم في المقام بتعيين الوحدة او التعدد.
**المبحث الثاني عشر**
**في المشتق**
وقع الكلام في ان اللفظ المشتق هل هو ظاهر وضعاً في خصوص المتلبس بالمبدأ او في الاعم منه وممن انقضى عنه.
وهذا البحث من المباحث القديمة التي وقع النزاع فيها بين الاشاعرة الذين ذهبوا الى وضعها للأعم والمعتزلة الذين اختاروا وضعها لخصوص المتلبس. ولكن علماءنا اختلفوا فذهب القدماء الى القول بالأعم والمتأخرون الى القول بالخصوص.
وبعد تحقيقات المتأخرين استقر القول اخيراً في مجال البحث الاصولي على القول بالخصوص. ولكن يبقى في المقام نقطتان لا بد من التعرض لهما. احداهما في تحرير محل البحث و الاخرى في بيان موجبات توهم القول بالأعم والجواب عن المغالطات فيه.
**فالبحث في مقامين:**
**المقام الاول:** في تحرير محل البحث والكلام في جهات:
**الجهة الاولى:** في بيان معنى المشتق:
المشتق يستعمل في معنيين (حسب الاصطلاح):
++المعنى الاول:++ مصطلح الادباء والمشتق عندهم هو اللفظ المأخوذ من لفظ آخر مع التطابق في الحروف الاصلية وترتيبها. وبهذا المعنى يطلق على اسم الفاعل واسم المفعول واسمي الزمان والمكان والمصادر المزيدة ونحوها على الاختلاف بين المدارس الادبية في أصل المشتقات وانه هل هو المصدر او اسم المصدر او الفعل.
++المعنى الثاني++: العنوان المنتزع من الذات بلحاظ انضمام امر خارج عنها ويحمل هذا العنوان على الذات بـ (هو هو). وبهذا المعنى ليس المشتق حادثاً من اشتقاق لفظي كما هو الحال في المصطلح الاول بل هو حادث بملاحظة ان الذات كما قد تلاحظ بعنوانها الذاتي كذلك قد تلاحظ بعنوان آخر متحد معه وجوداً منتزع منه بضميمة امر خارج.
وهذا الامر الخارج المصحح لانتزاع العنوان الاشتقاقي على اقسام:
1 - الاعراض المتأصلة كالبياض والسواد العارضان على الجسم فهما مبدءان لانتزاع عنواني الابيض والاسود وحملهما على الجسم بـ (هو هو).
2 - الامور الاعتبارية كالزوجية والملكية والرقية والوجوب والحرمة والنجاسة والطهارة وهكذا... فهذه الامور ليست من الاعراض بل هي خاضعة للجعل الاعتباري القانوني الا انها تصحح انتزاع عنوان الزوج و الزوجة والمالك والمملوك والواجب والحرام وهكذا... وكل من هذه العناوين الإنتزاعية تحمل على الذات بـ (هو هو).
3 - الامور الإنتزاعية وهي امور لها واقعية فليست كالاعتباريات تابعة للمصالح والمفاسد وخاضعة لاعتبار المعتبر ولكنها لا توجد بوجود ما بحذائها كالأمور المتأصلة من الاعراض والجواهر بل توجد بوجود مناشئ انتزاعها كالأبوة والاخوة ونحو ذلك. ولكنها تصحح انتزاع عنوان الاب والاخ ونحو ذلك وحملها على الذات بـ (هو هو).
4 - الجواهر كاللبن والتمر والرمح حيث ينتزع من الذات بمناسبتها عناوين اللابن و التآمر والرامح لمن يبيع اللبن والتمر ومن يحمل الرمح. وهذا القسم الرابع يبتني على تقدير كون مبدأ الاشتقاق هو نفس الجواهر. وهناك افتراض آخر سيأتي ذكره، وعليه لا يصح جعل هذا القسم قسماً مستقلاً.
5 - ما ليس من قبيل الماهيات كالوجود والعدم حيث يصححان اشتقاق عنواني الموجود والمعدوم.
وبين هذين المصطلحين عموم من وجه فالمصادر المزيدة مشتقات بالمعنى الاول ولكنها لا تحمل على الذوات بـ (هو هو) حقيقة ومثل (زيد عدل) حمل مجازي. وهناك عناوين تعتبر في اصطلاح الادباء من الجوامد كالزوج والزوجة والعبد والرق ونحوهما ولكنها تحمل على الذوات بلحاظ امر خارج فينطبق عليها تعريف المشتق بالمعنى الثاني.
ومحل البحث هو المعنى الثاني اذ لا يناسب البحث عن كون المشتق حقيقة في المتلبس او الاعم مع ما لا يحمل على الذات بـ (هو هو). ولا وجه للالتزام بان المراد هو المعنى الاول والقول بخروج قسم منها لا يقبل الحمل وإلحاق قسم من الجوامد حكماً. وذلك لان هذا متابعة في الاصطلاح بلا مبرر مع ما في ذلك الاصطلاح من الوهن بلحاظ افتراض المصدر ونحوه اصلاً للمشتقات.
فالاولى الالتزام بمصطلح جديد للأصول هو المعنى الثاني.
هذا ولكن لا بد من ان نضيف لتحرير محل البحث ان العنوان المشتق يجب ان يكون بحيث يعتبر التمايز بين الفاقد لمبدئه والواجد له بنظر العرف تمايزاً في العوارض والمنفكات دون الذاتيات ففي الذاتيات لا يصدق العنوان على الفاقد للمبدأ وان كان واجداً له سابقاً كالإنسان والحجر ونحو ذلك من العناوين الذاتية.
**توضيح ذلك:** انه لا اشكال في ان شيئية الشيء في نظر العرف والفلسفة بصورته لا بمادته بمعنى ان بعض الخصوصيات يعتبر بنظر العرف او الفلسفة من مقومات الشيء بحيث يعد الفاقد له والواجد له حقيقتين متباينتين ويعتبر تبدل تلك الخصوصية في الشيء من قبيل انعدام شيء ووجود شيء آخر ولو بملاحظة بعض النظريات لا فقداناً لعارض.
وهذه الخصوصيات يعبر عنها بصورة الشيء. فللصورة معنيان:
1 - الصورة بالمعنى الفلسفي. وهي ما يعبر عنها في الفلسفة بالصور النوعية والفصول فيقال: ان الاختلاف والتمايز بين الانواع ببعض الذات لا بالعوارض والمنفكات. وان شيئية الشيء بصورته لا بمادته فاذا كانت الصورة النوعية باقية لم تؤثر تبدل سائر الخصوصيات في تبدل الحقيقة حتى لو كان ذلك من قبيل الجنس للشيء فالإنسان تتقوم حقيقته بفصله ولو تبدل جسمه الطبيعي الى جسم مثالي لم تتبدل حقيقته واما لو تبدلت صورته النوعية الى صورة اخرى تبدلت حقيقته.
2 - الصورة بمعناها العرفي. وهي انطباع خاص عن الشيء ينقسم بموجبه الاشياء الى انواع متعددة بنظر العرف. وغالباً يلاحظ ذلك من جهة الشكل الخارجي والآثار الملموسة في الجملة.
وبين المعنيين تغاير من وجه. فقد تنتفي الصورة بمعناها الفلسفي وتبقى بمعناها العرفي كالحياة والموت حيث يعتبر الجسم الميت في نظر الفلسفة جماداً قد زالت عنه حقيقته ولكنه في نظر العرف هو الشخص السابق ولذلك تبقى في أنفسهم كرامته وحبه او هوانه وبغضه. فالعرف يرى الحياة من المنفقات والعوارض. وقد يكون بالعكس فالعرف يرى التباين والتغاير الحقيقي بين الجبن والحليب مثلاً ولكن الفلسفة تراهما حقيقة واحدة تبدلت عوارضه. وهنا يتضح ان العرف يلاحظ الشكل الخارجي والآثار الملموسة.
فما هو الملاك من بين المعنيين لإخراج بعض العناوين عن محل البحث نظراً الى ان التبدل بلحاظ مصحح الاشتقاق يوجب تبدل العنوان قطعاً؟
الملاك هو النظر العرفي وذلك ++لأسباب ثلاثة:++
**اولاً:** ان ما تقره الفلسفة من الفرق بين الصور النوعية والاعراض غير واضح. بل يمكن ان يكون الاختلاف بالأعراض موجباً لتبدل الحقيقة كما في بعض الاخبار من ان الله خلق خلقاً مختلفاً بأعراض وحدود. واما دعواهم بان الفصل من الجواهر فلا يدعمها دليل وبما ان المنطق والفلسفة القديمين يحكيان عن الانطباعات العرفية للمجتمع اليوناني بصورة متكاملة ودقيقة فلا يبعد ان تكون هذه الفكرة من وحي ذلك المجتمع قد فرض على المجتمعات الادنى منها ثقافة كأصول موضوعية. فالمجتمعات والشعوب تختلف انظارها في التمييز النوعي بين الاشياء وربما يعد في بعض المجتمعات انواع مختلفة ــ جوهراً وتاثيرا ــ من الفواكه نوعاً واحداً مع اعتبار الاختلاف بحسب الالوان فقط كما يشهد لذلك الاسماء الموضوعة لها فاللغة كما ذكرنا مراراً مرآة الفكر الاجتماعي.
ولو أردنا سرد الشواهد على اختلاف المجتمعات في تصورها المرتبط بتمايز الانواع ووحدتها من نافذة وضع الاسماء المعبّرة عن كيفية التصنيف والتنويع وغير ذلك من الملاحظات لطال بنا الكلام ولخرجنا عن موضوع البحث.
والحاصل ان هذه الفكرة الفلسفية لا تعتمد على تعمق طبيعي او إدراك للواقع على اسس علمية.
**ثانياً:** ان الفلاسفة صرحوا بان الصور النوعية في واقعها غير قابل للإدراك وأنها مجهولة تماماً وان هذه الفصول فصول اشتقاقية مشهورية. اذن فما هو المصحح للاعتماد على امر مجهول؟!
**ثالثاً:** ان هذا البحث – كما سنوضحه – بحث لغوي ولا شك ان المعتبر في التحقيق اللغوي هو الانطباعات العرفية. فان كان الاختلاف بين النظر الفلسفي والنظر العرفي اختلافاً في الدقة العقلية والانطباع العرفي فلا شك ان الملاك في تشخيص حدود المفاهيم اللغوية هو العرف.
اذن فالملاك هو النظر العرفي فاذا كان تبدل الصورة موجباً لتبدل الحقيقة عرفاً لم يمكن دعوى وضع اللفظ للفاقد والواجد لها وبالتالي فلا وجه للبحث عن كون العنوان موضوعاً للواجد وللأعم منه ومن الفاقد فلا يحتمل ان يكون لفظ الانسان مثلاً موضوعاً للإنسان الحقيقي ولرماده إذا احترق تماماً اذ لا يعتبر تبدل هذا الجسم الطبيعي الى رماد من قبيل تبدل الحالات والعوارض بنظر العرف.
وكما يخرج هذا القسم من المشتقات يدخل قسم من الجوامد في مجال البحث وذلك فيما إذا انطبق عليها تعريف المشتق بالمعنى الثاني وبذلك يندفع ما ربما يتوهم من ان البحث عن الالفاظ التي لها هيئة ومادة وان مدار البحث هو مفاد الهيئة في تلك الالفاظ فيخرج الجوامد اذ لا تنقسم الى هيئة ومادة.
**الجهة الثانية****:** ان عنوان البحث في كلمات الاصوليين يحتوي على كلمة (الحال) حيث يقولون: ان المشتق حقيقة في المتلبس في المبدأ في الحال او في الاعم منه وممن انقضى عنه المبدأ.
والكلام هنا في تفسير هذه الكلمة وفيها ثلاثة احتمالات:
**الاحتمال الاول:** ان يكون المراد بها حال الاستعمال والنطق.
**الاحتمال الثاني:** ان يكون المراد بها حال النسبة والجري.
والفرق بينهما ان قولنا (زيد كان قائماً) تجوز لو توهم اختصاص المشتق بالمتلبس بالمبدأ في الحال بالمعنى الاول وليس كذلك على المعنى الثاني وذلك لان مقتضى الاحتمال الاول ان يكون كلمة (قائم) حقيقة في من هو قائم حال النطق والمفروض دلالة القضية على انصرام حالة القيام عنه. واما على الاحتمال الثاني فالقائم حقيقة هو المتلبس بالقيام في الحال الذي نسند اليه القيام فيه والمفروض ان القضية تسند القيام الى زيد في الماضي وهو كان متلبساً به حقيقة آنذاك.
**الاحتمال الثالث:** ان يكون المراد بها مجرد فعلية التلبس والارتباط بين الذات والمبدأ.
والفرق بينه وبين الاحتمال السابق ان الملحوظ هناك هو النسبة والجري وهما لا يتحققان الا بالحمل فمفاد عنوان البحث ان المشتق هل يحمل حقيقة على المتلبس به في حال الحمل ام يحمل حقيقة على الاعم.
وعلى الاحتمال الثالث لا يرتبط عنوان البحث بالحمل وتشكيل القضية بل موضوع البحث ان المشتق بمفهومه الاخطاري ومدلوله التصوري هل يحكي عن المتلبس بالمبدأ بالفعلية ام يحكي عن مطلق التلبس وان لم يكن فعلياً ويتضح الفرق أكثر من هذا في ضمن انتخاب أحد الاحتمالين.
اما الاحتمال الاول ففي غاية الضعف بل ينبغي ان يحذف من قائمة الاحتمالات اذ لا مجال لتوهم كون إطلاق القائم على من ليس قائماً حال النطق مجازاً. فالأمر دائر بين الاحتمالين الاخيرين.
واساس الاختلاف هو الاختلاف في نقطة اخرى وهي ان البحث حول المشتق هل هو بحث لغوي يدور حول نوع من المفردات اللغوية و تحديد مفاهيمها ام انه بحث فلسفي يدور حول كيفية الحمل في المشتقات؟
وبعبارة اخرى موضع البحث هل هو انطباعنا عن هذا النوع من الصيغ اللغوية وما يحتويه من مفهوم اخطاري ومدلول تصوري بلحاظ العلقة الوضعية فيكون المراد بالحال في عنوان البحث فعلية التلبس بين المبدأ والذات ام ان موضع البحث هو مقياس صحة الحمل في العناوين الاشتقاقية فيكون المراد بالحال ــ طبعا ــ حال النسبة؟
ولا باس بنقل كلام بعض من اختار الوجه الثاني لنجعله محور البحث:
قال المحقق الطهراني على ما حكاه المحقق الاصفهاني (ان وجه الخلاف مع عدم الاختلاف في المفهوم والمعنى هو الاختلاف في الحمل فإنّ القائل بعدم صحة الإطلاق على ما انقضى عنه المبدأ، يرى وحدة سنخ الحمل في المشتقات و الجوامد، فكما لا يصح إطلاق الماء على الهواء- بعد ما كان ماء و زالت عنه صورة المائية، فانقلب هواء- كذلك لا يصحّ إطلاق المشتق على ما زال عنه المبدأ بعد تلبّسه به، فإن المعنى الانتزاعي تابع لمنشأ انتزاعه[^3] حدوثا و بقاءا، و المنشأ مفقود بعد الانقضاء، و الانتزاع بدونه على حد المعلول بلا علة، و القائل بصحة الاطلاق يدّعي تفاوت الحملين فإنّ الحمل في الجوامد حمل هو هو، فلا يصح أن يقال للهواء إنه ماء، و الحمل في المشتقات حمل ذي هو و حمل انتساب، و يكفي في النسبة مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود، فيصحّ الحمل على المتلبّس و على ما انقضى عنه، دون ما لم يتلبّس).[^4]
اذن فهناك خلاف آخر في تحرير محل البحث.
والقائلون بانه بحث فلسفي يستشهدون بما وقع في عبارات بعض الباحثين من تحرير محل النزاع بان المشتق هل يصدق على المتلبس بالخصوص او الاعم. والصدق هو الحمل.
كما استشهد آخرون بما وقع في عبارات بعضهم من تحريره بان المشتق حقيقة في المتلبس او الاعم مما يدل على ان الكلام في المدلول اللغوي وعلى تقدير كون البحث لغوياً ودائراً حول سعة المدلول التصوري للمشتق وضيقه فهو المعبرّ عنه بالشبهة المفهومية المرددة بين الاقل والاكثر ونظيره الاختلاف بين الوضع للصحيح والوضع للأعم على المشهور ومثله ايضاً ما لو شك في ان عنوان الفاسق هل يختص بمرتكب الكبيرة ام يشمل مرتكب الصغيرة ايضاً.
هذا ومن المحتمل كون البحث عند القدماء دائراً على حسب الاحتمال الثالث نظراً الى وضوح مفهوم المشتق وان الضارب بمعنى من صدر عنه الضرب مثلاً والمضروب من وقع عليه الضرب فليس المفهوم الافرادي موضعاً للبحث وانما البحث في ملاك صحة الحمل الاشتقاقي الذي يفيد انتساب المبدأ الى الذات فهل يكفي فيه مجرد خروج الانتساب من العدم الى الوجود ام لا بد من فعلية انتساب بين المبدأ والذات؟
وقد قوبلت هذه الدعوى في تحرير البحث بوجوه من النقد:
**الوجه الاول****:** ما نقل عن المحقق النائيني قدس سره وملخصه (ان فكرة تحرير البحث على انه بحث فلسفي يرتبط بالحمل ناشئ من فكرة السكاكي في المجاز حيث ادعى ان التجوز دائماً في الاسناد لا في الكلمة وهي مستعملة في معناها الحقيقي والعناية انما هي في التطبيق بتفصيل معروف. وفكرة السكاكي هناك مرفوضة وبذلك تنهار دعامة هذا الافتراض فلا حاجة الى تشريحه. ووجه الرفض لمقالة السكاكي هو ان القضايا حقيقية وخارجية اما القضايا الحقيقية فلا يأتي فيها ما ذكره السكاكي لعدم اشتمالها على التطبيق وانما تتكفل لبيان حكم الموضوع نحو (المستطيع يجب عليه الحج) فمثل ذلك لا يتطرق الى بيان المصداق والتطبيق على الفرد والموضوع فيها نفس الطبيعة فلا يتوهم فيها ان التجوز في التطبيق. واما القضايا الخارجية نحو زيد اسد فهي وان اشتملت على التطبيق الا ان التجوز لو لم يكن في الموضوع ولا في المحمول كان الاسناد نوعاً من المجازفة اذ لا معنى لحمل ماهية على فرد من ماهية مباينة).[[5]](#_ftn5)
والكلام هنا يقع في جهتين: اولاً ابتناء هذه الفكرة على نظرية السكاكي في المجاز او بوجه اعم كما مر في مبحث الحقيقة والمجاز. وثانياً تقييم نظرية السكاكي من زاوية العناية في التطبيق كما ذكره قدس سره.
اما في الجهة الاولى فالصحيح ان هذه الفكرة لا تبتني على تلك النظرية فمن الممكن ان نجعل صيغة البحث هنا وفقاً للمشهور ومع ذلك نتبنى فكرة السكاكي في المجاز – كما نحن عليه – ومن الممكن العكس بان نلتزم في المجاز بالنظرية المشهورة ونجعل عنوان البحث هنا عنواناً فلسفياً كما عليه بعضهم.
اما الاول فلانا نبحث في هذا المقام عن مفاد مدلول المشتق وانه يشمل من انقضى عنه المبدأ ام يختص بالمتلبس به بالفعل وحينئذ فان قلنا بانه لا يشمل من انقضى عنه نلتزم في مورد استعمال اللفظ وارادة من انقضى عنه بانه ليس من قبيل الاستعمال في غير الموضوع له بل العناية والتجوز انما هما في التطبيق.
واما الثاني فلان القائل بان المجاز استعمال للكلمة في غير ما وضعت له يمكنه ان يدعي ان مفهوم المشتق واضح وان الكلام انما هو في حمله على الذات وانه هل يعتبر فيه فعلية التلبس فيكون في غيره اسناداً مجازياً ام لا؟
والحاصل ان دعوى كون المجاز استعمالاً للكلمة في غير ما وضع له مرتبطة بالمجاز في الكلمة والنظرية الاخرى تنكر ذلك عموماً او في الجملة وتدعي ان التجوز في تلك الموارد دائماً في التطبيق والبحث هنا – على تقدير كونه فلسفياً – انما هو في الحمل والاسناد والقول بان الاسناد هنا مجازي لا يمنع من القول بتحقق التجوز في الكلمة في سائر الموارد ومن هنا ذهب بعض اصحاب هذه الفكرة الى القول المشهور في المجاز وذكروا ان الاعلام قد خلطوا بين الحقيقة والمجاز وهما من شؤون اللفظ وبين الصدق وعدم الصدق وهما من شؤون الاسناد .
واما في الجهة الثانية فلا بد من ان نذكر اولاً ان التطبيق قد يكون صريحاً مع العناية وبدونها كقولنا (زيد ضارب) او (زيد اسد) وقد يكون ضمنياً بمعنى ان لا يكون أحد الطرفين مذكوراً في القضية او يكون ذكره لا على وجه التطبيق كقولنا جاءني الضارب ونقصد به زيداً فهذه الجملة تشتمل على تطبيق عنوان الضارب على زيد. وكذلك جاءني زيد الضارب فان الضارب وان كان هنا وصفاً الا ان الاوصاف قبل الحمل اخبار كما ان الاخبار بعد الحمل اوصاف فالتطبيق هنا حاصل ايضاً الا انه بنسبة تقييدية لا تامة يصح السكوت عليها.
وحينئذ فان كان المقصود من عدم اشتمال القضايا الحقيقية على جهة التطبيق عدم اشتمالها على التطبيق الصريح كان حقاً ولكنه لا يفيد في منع نظرية السكاكي وان كان المراد عدم اشتمالها حتى على التطبيق الضمني فهو ممنوع. فقول الشارع – مثلاً – (كل مستطيع يجب عليه الحج) مرجعه الى ان كل من وجد في الخارج وانطبق عليه عنوان المستطيع يجب عليه الحج. وقد اعترف المحقق النائيني قدس سره بان القضايا الحملية مرجعها الى القضايا الشرطية فمرجع القضية السابقة الى هذه القضية (من كان مستطيعاً يجب عليه الحج) والقضية الشرطية قضيتان حمليتان طرأ عليهما النقصان بأداة الشرط.
وقد ورد في المنطق خلاف الشيخ والفارابي في ان الجهة في عقد الوضع في القضايا الممكنة هل هي الامكان او الفعلية ومعنى ذلك ان عقد الوضع يحتوي على جهة الحمل والتطبيق فقولنا كل ج ب بالإمكان مرجعه الى ان كل ج بالإمكان ب بالإمكان كما هو رأي الفارابي او كل ج بالفعل ب بالإمكان كما هو رأي الشيخ.
والحاصل انه لا شك في ان عقد الوضع في القضايا الحقيقية تشتمل على جهة الحمل والتطبيق وان لم يشتمل على تشخيص الموضوع.
هذا مع ان الواقع ان نظرية السكاكي بوجه خاص او بوجه اشمل لا تتوقف على تحقق جهة التطبيق في القضية لا صريحاً ولا ضمناً بل المراد بالتطبيق التطبيق النفسي فان كان المراد الاستعمالي مطابقاً للمراد الجدي كان الاستعمال حقيقياً وان كان غير مطابق له فالاستعمال يتضمن اعطاء حد شيء لشيء آخر فاذا قال (كل اسد يجب اكرامه) مثلاً فالمراد الجدي هو الرجل الشجاع ومعنى ذلك حسب نظرية السكاكي انه قد طبق في نفسه عنوان الاسد على الرجل الشجاع.
واما القضايا الخارجية فقد تبين مما ذكرناه هنا و – بتفصيل أكثر – في مبحث الحقيقة والمجاز ان التطبيق فيها من إعطاء حد شيء لشيء آخر لداع من الدواعي.
**الوجه الثاني****:** ما ذكره المحقق الاصفهاني قدس سره في حاشيته على الكفاية بعد ايراد العبارة المتقدمة. وملخص ما ذكره ان الترديد الوارد في هذه الفكرة في حمل المشتقات غير صحيح حيث قال: لو قلنا ان حملها بنحو هو هو وجب القول بكون المراد بها خصوص المتلبس ولو قلنا انه بنحو ذو هو كفى في صحته مجرد الانتساب. هذا الترديد غير صحيح.
وذلك لانه مبني على توهم ان حمل المشتق على الذات حمل ذو هو مع ان حمله عليها حمل هو هو وحمل ذو هو يختص بمبادئ المشتقات فالمبدأ كالقيام – مثلاً – لا يمكن ان يحمل على الذات الا مع كلمة ذو او مع الاشتقاق واما نفس المشتق فهو متحد مع الذات وجوداً ومحمول عليها بحمل المواطاة واستشهد بكلام المحقق الطوسي (قدس سره).
وهذه المناقشة غير واضحة بعد ملاحظة امرين:
ان من الواضح انه لا يمكن الالتزام بتعدد المحمول في القضية التي يكون محمولها بصورة المشتق فيقال (ان في زيد اسود محمولان في الحقيقة: العنوان الاشتقاقي والمبدأ وان الحمل بالنسبة الى الاول حمل مواطاة وبالنسبة الى الثاني حمل اشتقاق) بل لا بد من تميز المحمول حقيقة ومن دون تجوز في الاسناد في مثل هذه القضايا وانه اما ان يكون المحمول العنوان الاشتقاقي ويكون المبدأ خارجا عنه او ان المحمول في الواقع هو المبدأ والاشتقاق مصحح للحمل فحسب.
وهذا اساس الترديد في الكلام المنقول عن المحقق الطهراني ولذلك جعل محور البحث ــ في عبارته المنقولة ــ الحمل في المشتقات لا حمل المشتقات حتى يورد عليه بأن فرض كون المحمول هو المشتق لا يتصور فيه الا الحمل المواطاة.
الثاني انه قد اختلفت الانظار في الفرق بين المشتق ومبدئه ويمكن ان نفرق بينهما باحد وجهين:
احدهما الالتزام بان الفرق بينهما هو الفرق بين الامر الانتزاعي ومصحح انتزاعه ومن المعلوم ان الامر الانتزاعي يتبع منشأ انتزاعه في الوجود بمعنى انه يوجد بوجوده وليس له وجود مستقل عنه والا لما صح حمله عليه مواطاة بعد وضوح ان مرجع هذا الحمل الى الهوهوية وأن اتحاد المتحصلين غير معقول كما ان الامر الانتزاعي يتبع مصححه في الماهية اي تتعدد ماهيته بتعدده.
وعلى هذه النظرية يكون المبدأ الذي هو مصحح الانتزاع غير محمول في الحقيقة بل المحمول هو نفس العنوان الانتزاعي أعنى المشتق ولكن حيث ان المشتق يتبع منشأ انتزاعه ماهية فمع زوال المبدأ لا معنى للحمل لتقوم ماهية المحمول به المنتفية بانتفائه وهذا ما اشار اليه هذا القائل في الشق الاول في كلامه.
وثانيهما ان الفرق بينهما باللحاظ وان الحدث ان لوحظ بشرط لا يعبر عنه بالمبدأ وان لوحظ لا بشرط يعبر عنه بالمشتق. وعلى هذا الاحتمال الذي قواه جماعة من الفلاسفة والاصوليين يكون المحمول في الحقيقة هو نفس الحدث.
وحينئذ فان فسرنا الفرق المشار اليه بان الحدث إذا لوحظ بدون النسبة الناقصة يعبر عنه بالمبدأ وان لوحظ معها يعبر عنه بالمشتق وان المشتق يدل على هذا النوع من النسبة فيصح ما ذكره هذا القائل من ان الحمل في المشتقات حمل ذي هو وحمل انتساب ويتفرع عليه ما ذكره بقوله ويكفي في النسبة مجرد الخروج من العدم الى الوجود.
إذا ظهر هذان الامران فيصح الترديد في نوع الحمل في المشتقات وليس فيه خلط بين القسمين من الحمل ولا يتوهم ان مع فرض كون المحمول المشتق يحتمل ان يكون حمله حمل اشتقاق كما يظهر من المعترض.
واما اختيار المحقق الطوسي ان المحمول هو المشتق وان الحمل حمل مواطاة فلا يعبر الا عن وجهة نظره الخاص في مرحلة تشخيص الحمل في المشتقات ولا يمكن ان نعتبر ما ذكره بيانا للاصطلاح المرسوم على سبيل الكبرى الكلية هذا مضافاً الى ان في عبارته نوع من الابهام.
**الوجه الثالث****:** ان من الواضح ان كلامه المتقدم ولو بالتقريب الذي تقدم آنفا لا يتكفل لما ادعاه من انه لا يتعين ان يجعل ما هو محل الكلام التفتيش عن المعنى الافرادي للمشتق وانه هل يساوق مع فعلية التلبس بالمبدأ ام لا وانه لا بد من ان نبحث عن نوع الحمل فيه على المصاديق بعد وضوح مفاده.
وذلك لان الترديد المذكور في كلامه يبتني على البحث عن حقيقة مفهوم المشتق ويتفرع عليه انكشاف ضيقه و توسعته كما يتفرع عليه تشخيص نوع الحمل فيه فيتعين ان نبحث وفق المنهج المشهور ونميز المعنى الافرادي وعلى هذا الاساس تتضح حسبما ادعاه سعة مفهوم المشتق وضيقه كما ان في المرتبة المتأخرة ينكشف نوع الحمل ولا يصح طرح البحث معكوساً. وهو واضح.
والحاصل ان طرحه للبحث متفرع على البحث عن المفهوم الافرادي للمشتق لا انه مبحث يعارضه او يغني عنه.
**الوجه الرابع****:** انه مع الاغماض عما ذكرناه آنفاً يمكن الالتزام بان الحمل حمل مواطاة وان المشتق عنوان انتزاعي ومع ذلك نلتزم بالاعم فانه يتصور دخالة مصحح الانتزاع على نحوين:
الأول ان يكون على نحو يدور الامر الانتزاعي مداره حدوثاً وبقاءا والثاني ان يكون حدوثه موجبا لتحقق عنوان انتزاعي الى الابد.
كما يتصور كل من النحوين في مرحلة موضوع الحكم كما سيأتي توضيحه في الشبهة الثانية الموجبة لتوهم وضع المشتق للأعم.
وكذلك يمكن الالتزام بان الحمل حمل اشتقاق وانه ليس المحمول واقعاً في موارد حمل المشتقات الا الحدث الملحوظ على نحو خاص ومع ذلك لا نختار القول بالخصوص بان ننكر ان الفرق بين المبدأ والمشتق من جهة لحاظ الانتساب في الثاني دون الاول بل الفرق بينهما باللاشرطية وبشرط لائية. ولذا قال جمع من المحققين مع اختيار هذا القول بان الغفلة عن ذلك اوجب القول بالاعم كما سياتي البحث عنه في الشبهة الرابعة الموجبة للقول بالأعم على ما ادعوه.
فتحصل ان الصحيح هو اجراء البحث على النحو المشهور في المفهوم الافرادي للمشتق. ولكي نتخلص من المناقشات في كلمة الحال حيث انها مشتركة بين معان وموجبة لتعقد عنوان البحث نبدلها بكلمة (الفعلية) ولا نريد بها ما يقابل القوة بل في قبال من زال عنه المبدأ وهو المراد لمن عبرّ بالحال ايضاً.
**الجهة الثالثة من تحرير محل البحث**:
إنّ مورد النقاش والبحث هو أنّ المشتق هل هو موضوع لخصوص المتلبس او الاعم منه وممن انقضى عنه المبدأ؟ وهذا يقتضي ان نفرض الذات قابلة للبقاء بعد زوال المبدأ حتى يقع الكلام في أنّ مفهوم المشتق هل ينطبق على الذات بعد فقدانها الفعلية المبدأ ام لا؟
وعلى هذا الاساس ناقش بعضهم في اسماء الزمان وادعى خروجها عن محل البحث لأنها تدل على ظرف الزمان الذي تحقق فيه الفعل والزمان ليس امراً قارّ الذات بل هو وجود منصرم لا يتحقق شيء منه الا بزوال جزء آخر فليس له بقاء.
وقد اجيب عن هذه المناقشة بوجوه اهمها وجهان:
**الوجه الاول:** ان هذه المناقشة تبتني على اساس غير صحيح وهو ان اسم الزمان والمكان موضوع بوضعين اي بنحو الاشتراك اللفظي وعليه فتكون الصيغة الخاصة بلحاظ وضعها للدلالة على ظرف الزمان مورداً للمناقشة المذكورة. والصحيح ان هذه الهيئة موضوعة بنحو الاشتراك المعنوي للدلالة على وعاء تحقق العمل سواء كان زماناً ام مكاناً. فكما أن ظرف الزمان له افراد متعددة كذلك الظرف بالمعنى الجامع له فردان: الزمان والمكان. وهذا المعنى ولو بلحاظ بعض افراده مورد للبحث فيما نحن فيه وهو الظرف المكاني.
ويمكن ان يعترض على هذا الوجه بأمرين:
**الامر الاول:** ان تقسيم الظرف الى زمان ومكان في الادب والفلسفة لا يخلو من مسامحة فالمكان هو الظرف والوعاء الحقيقي للفعل واما الزمان فليس الا امراً مقارناً للفعل وإطلاق الظرف عليه مسامحة اذ ليس امراً يشتمل على الفعل. اذن فكون الظرف امراً جامعاً بين الزمان والمكان غير صحيح.
ويمكن التخلص عن هذا الاعتراض بما ذكرنا تفصيله في مبحث الاستصحاب من ان الزمان حسب التصور العرفي لا يلاحظ الا من زاوية التغير الطارئ على المكان فاذا أظلم المكان قيل ان الزمان ليل وإذا اضاء قيل انه نهار ولذلك يصح القول بان هذا الزمان ليل مع انه ليل حسب افق المتكلم ومنطقته ونهار في آفاق أخر. وحيث ان الالفاظ موضوعة حسب الانطباع العام والعرف فلا بد من الاذعان بان الزمان ايضاً موضوع لما يعدّ وعاءاً لديهم فعنوان الظرفية متحقق فيه كالمكان. اذن فلا وجه لمنع الاشتراك المعنوي من جهة عدم وجود الجامع اذ الجامع بلحاظ الانطباع العمومي موجود وهو اساس الوضع اللغوي والجامع الحقيقي لا حاجة اليه في وضع الالفاظ.
**الامر الثاني:** ان وعاء الزمان والمكان يتغايران تغايراً جوهرياً فقد عدّ كل منهما مقولة مستقلة في الفلسفة والمقولات امور بسيطة ليس فيما بينهما جامع الا بنحو الانتزاع. واللفظ الموضوع لهيئة الظرف لا يستعمل في الجامع الانتزاعي فاذا قيل (مقتل الحسين عليه السلام) وقصد به يوم عاشوراء كان اللفظ مستعملاً في معنىً مغاير للمعنى المقصود عند ارادة مكان القتل اي كربلاء. ولا يستعمل ابداً في الجامع بينهما. وهذا نظير ما يقال من عدم استعمال الامر في الجامع بين الوجوب والندب رداً على من ادعى وضعه للجامع بينهما.
وهذا الاعتراض بهذا التقريب غير صحيح اذ لا مانع من استعمال الهيئة في الجامع بين الامرين وما قيل من عدم استعمال الامر في الجامع بين الوجوب والندب ممنوع لصحة قولنا (اغتسل للجمعة والجنابة) اذن فلا مانع من استعمال كلمة (مقتل) مثلاً في وعاء القتل بمعنىً عام. واما تفهيم كل من المعنيين بنحو خاص فيتم في إطار تعدد الدال والمدلول وذلك لضم القرينة الخاصة. وهذا امر لا مناص منه حتى على القول بالاشتراك اللفظي اذ لابد حينئذ من القرينة المعينة.
وهذا لا يقتضي كون الدلالة ناشئة من حاق اللفظ كما يتوهم اذ القرينة المعينة لا تقتضي كون اللفظ المشترك مستعملاً في أحد المعنيين بل الكلمة تدل على أصل الوعاء وتعين الخصوصية الزمانية والمكانية يتم بضم القرينة فيتعدد الدال ويتعدد المدلول.
**الوجه الثاني:** ان الزمان وان كان أمراً غير قار الذات الا انه يمكن فرض بقائه.
وتوضيح ذلك ان الزمان وكل قطعة منه كاليوم والشهر والسنة يمكن ان تلاحظ بنحوين:
أ - ما يعبر عنه بالحركة التوسطية وهو ان يلاحظ الزمان بنحو الكلي ويطلق عليه الآن السيّال ونسبته الى الآنات المتتالية من الزمان نسبة الكلي الى الفرد فهو موجود في ضمن الآنات المتصلة اتصالاً وجودياً ويبقى ببقائها نظير بقاء الكلي في القسم الثاني من القسم الثالث في اقسام استصحاب الكلي. ويدل على كون الآن كلياً عدم قبوله للتقسيم فهو ليس من الكميات ويشبه النقطة التي لا تقبل التقسيم من الجهات الثلاث.
ب - ما يعبر عنه بالحركة القطعية وهو ان يلاحظ قطعة من الزمان بنحو الكل كاليوم والشهر والسنة ونحوها فاليوم مثلاً اسم للساعات الاربع والعشرين المتصلة وهو قابل للتقسيم اليها ونسبته الى كل منها نسبة الكل الى الجزء.
هذا وقد وقع الكلام في النحو الثاني فقيل انه امر خيالي لا واقعية له نظير ما يتراءى من قطرات المطر انها خطوط مستقيمة ونظير الدائرة التي تتخيل عند مشاهدة النقطة الجوّالة. فالزمان واقعاً ليس الا الآن السيَّال الا ان استمرار الآنات المتتالية يوجب تصور وجود امتدادي نعبر عنه بالكل.
ويدل على عدم وجوده ان الكل لا يوجد بوجود جزئه بخلاف الكلي الذي يتحقق بتحقق فرده. والسرّ في ذلك ان الفرد المتحقق خارجاً كزيد له حدود كالحيوان والجسم والانسان وغيرها ويتحقق بتمام حدوده فيستوجب تحقق هذه الكليات. واما الجزء فلا يمثل حدّ الكلّ وبتحققه لا يتحقق الا جزء من الكل ولذا قيل ان الجزئية تنافي الحمل.
ولكن الصحيح ان الجزء انما لا يوجب تحقق الكل إذا لوحظ بحدّه واما إذا لوحظ لا بشرط الجزئية بل بلحاظ الوحدة التي تحقق جزئيته للكل فهو بهذا اللحاظ عين الكل.
فتحصل ان قطع الزمان قد يلاحظ بنحو الكلية وقد يلاحظ بنحو الكل فالأول كقولنا يوم كذا وشهر كذا فالشهر بهذا اللحاظ ليس مركباً من ايام وليس له مفهوم امتدادي. نعم له وجود امتدادي بمعنى انه يتحقق في ضمن الافراد المستمرة المتتالية من الآنات. والثاني كقولنا هذا يوم من شهر فلان وهذا الكل ماهية امتدادية تتحقق بتحقق اول جزء وتستمر في الوجود الى الجزء الاخير كغيره من الامور المتدرجة الوجود كالصلاة والخطبة ونحوهما. فالكل في هذه الامور يوجد باجتماع الاجزاء اجتماعاً امتدادياً.
ومن هذا البيان تبين ان فرض البقاء ممكن في كلا اللحاظين الا انه في أحدهما بقاء للكلي باستمرار وجود الافراد فالامتداد في الوجود فقط وفي الآخر بقاء للكل باستمرار الاجزاء فالامتداد في نفس الماهية.
يبقى الكلام في ان افتراض بقاء الذات بعد فقدان المبدأ يبتني على أي من اللحاظين؟
احتمل كلا منهما بعضهم ويمكن تقريب الاول كالآتي:
يمكن افتراض بقاء الذات بعد فقدان فعلية التلبس بالمبدأ مع لحاظ الزمان بالنحو الكلي وذلك لان كلي اليوم مثلاً يتحقق بتحقق الفرد منه ويبقى ببقاء الآنات المتصلة اتصالاً وجودياً وان كانت متغايرة في الماهية فاذا فرض وقوع الفعل في آن من آنات اليوم كان ذلك الآن آن تلبس كلي اليوم بوقوع الفعل فيه وفي الآنات التالية يصدق بقاء الكلي مع زوال التلبس.
وربما يناقش في ذلك بانه يقتضي بقاء الاتصاف بالفعل الى آخر الدهر لانّ الآنات المتتالية لا تنقطع بانتهاء اليوم.
والجواب عنه انه انما يتمّ إذا لم يتصور الآن السيّال في قطع الزمان التي تحصل بملاحظة تقطيع العرف للزمان الى قطع متغايرة بنظره حسب المصالح والحاجات وحيث ان هذا التقطيع صحيح عرفاً وفي كل قطعة منها يتصور الآن السيال فلا مانع من إطلاق اسم الزمان بهذا اللحاظ على القطعة الخاصة كاليوم.
الا ان هذا التقريب يمكن منعه من جهة أنّ الزمان الذي يوصف باسم الزمان هو وعاء الفعل لا مجرد ما يقارن الفعل والآن لا يمكن ان يكون وعاءاً للفعل لانه غير قابل للتقسيم ولا يمكن ان يكون الوعاء أصغر من المظروف.
واما الاحتمال الثاني اي افتراض بقاء الذات بعد فقدان فعلية التلبس مع فرض الزمان كلاً فتقريبه ان الكل هنا كاليوم مثلاً له وجود امتدادي فيوجد بوجود الاجزاء المجتمعة بالتدريج فاذا اتصف احدى ساعاته بالفعل كانت تلك الساعة ساعة التلبس فاطلاق المشتق (اسم الزمان) على الساعات المتأخرة إطلاق على ما انقضى عنه المبدأ بلحاظ بقاء الكل.
وهذا الاحتمال لا يمكن قبوله لان الاتصاف لكل مجموعة من الزمان المحتوي على زمان الفعل اتصاف حقيقي بلحاظ صحة اعتباره وعاءاً له اذ لا مانع من كون الوعاء اوسع من المظروف فكما يصح ان يقال ان ساعة كذا مقتل الحسين عليه السلام كذلك يصح اطلاقه على يوم عاشوراء وعلى شهر محرم وعلى سنة كذا وعلى القرن الاول للهجرة. وكذلك المكان فيصح ان يقال ان الحائر الشريف مقتل الحسين (ع) كما يصح اطلاقه على كربلاء وعلى العراق.
والحاصل ان زمان الفعل الذي هو الموصوف باسم الزمان هو ما يقال في جواب متى وهو ممكن في الصور المذكورة واما الساعة المحددة فهي المقولة في جواب (كم) حيث يتحدد به كمية الوقت وتعيينه.
فكل قطعة من الزمان يمكن ان يلاحظ كما ويمكن ان يلاحظ ظرفاً فالأول كقولك زر الحسين عليه السلام ساعة يوم الجمعة فالساعة هنا ملحوظة كمّا ويجب حينئذٍ تساوي وقت العمل للوقت المحدد. والثاني كقولك زر الحسين عليه السلام يوم الجمعة فاليوم لوحظ ظرفاً ولا يجب حينئذٍ التساوي بل يكفي وقوع الفعل في وقت من اوقات يوم الجمعة. وعليه فلا يمكن تصور الانقضاء في الزمان.
فالصحيح في مقام الجواب عن أصل المناقشة هو الوجه الاول.
**المقام الثاني:**
في بيان الامور التي استوجبت الغفلة عنها توهم الوضع للأعم او ادّعي انها كذلك وهي عدة امور:
**الامر الاول:** سعة دائرة التلبس وذلك في موضعين.
الموضع الاول: سعة دائرة التلبس من جهة مفاد الهيئة وذلك حيث يتوهم ان النسبة المدلولة لهيئة الكلمة تتكفل نحواً ضيقاً من التلبس بينما الواقع خلاف ذلك ونذكر لهذا القسم موردين:
**المورد الاول:** اسم الآلة كالمفتاح – مثلاً – فربما يتوهم ان النسبة فيه فعليه كاسم الفاعل وحيث يلاحظ صحة اطلاقه بنحو الحقيقة على آلة الفتح في غير حالة الفتح يتوهم ان الوضع في المشتق اعم من حالة التلبس. والواقع ان النسبة فيه اعدادية فالهيئة تدل على الشيء الذي اُعدّ وهُيّء للفتح وهذه الصفة لا تنقضي عن الآلة في غير حالة الفتح. ولذا لا يشك في صدق المفتاح حقيقة حتى لو لم يفتح به قفل اصلاً مع ان الفعلية غير متحققة حتى يصدق الانقضاء.
**المورد الثاني:** اسم الزمان. وقد مر الكلام فيه. فتوهم انه يدل على الزمان المقترن بالفعل يوجب توهم انقضاء المبدأ عن الجزء الزمني التالي لظرف الاقتران مع صدق المشتق حقيقة فيقال لمجموع يوم عاشوراء مثلاً مقتل الحسين عليه السلام. والصحيح هو ما ذكرناه ان المدلول هو وعاء الحدث وهو يمكن ان يلاحظ بوجه اوسع من الفعل كالمكان.
**الموضع الثاني:** سعة دائرة التلبس من جهة المبدأ. فمبدأ المشتق قد يكون بالنظر الدقيق والنظر السطحي امراً واحداً كالقيام وقد يكون مختلفاً فمبدأ جلي ومبدأ خفي والخلط بينهما يوجب توهم ضيق دائرة التلبس وهذا ما نلتزم به في موارد:
**المورد الاول:** المبدأ الذي لوحظ فيه جهة الملكة كالاجتهاد بناءاً على كون المراد به ملكته لا فعليته. فان لوحظ المبدأ الجلي وهو فعلية الاجتهاد والاستنباط كان التلبس به منقضياً حال النوم ونحوه واما لو لوحظ المبدأ الواقعي الخفي كان التلبس به باقياً لانه عبارة عن الملكة وهي قائمة بالشخص وان كان مشغولاً بأمر آخر او نائماً.
**المورد الثاني:** المبدأ الذي لوحظ فيه حيثية الحرفة والمهنة كعنوان الطبيب والنجار والبزاز ونحو ذلك او لوحظ فيه المنصب والمقام الرسمي كالقاضي فملاحظة المبدأ الجلي اي ما يتراءى من هيئة المشتق بحسب النظر البدوي تقتضي الحكم بانقضاء التلبس به عند عدم مباشرة الطبابة والقضاوة ونحوهما واما مع ملاحظة المبدأ الخفي والواقعي فالتلبس باق ببقاء المهنة او المنصب.
**المورد الثالث:** المبدأ الذي لوحظ فيه حيثية الشأنية كالقاطع الذي يجعل وصفاً للسيف مثلاً فلا يلاحظ فيه فعلية القطع والا حكم بانقضاء المبدأ مع عدم فعليته.
وبما ذكرناه تنحل شبهة في اسم المفعول حيث ادعى صاحب الفصول وتبعه المحقق النائيني قدس سرهما انه خارج عن محل البحث نظراً الى عدم امكان انقضاء المبدأ لان المفعول ما وقع عليه الفعل والشيء لا ينقلب عما هو عليه.
والجواب الذي تبين من البيان السابق هو ان اسم المفعول كاسم الفاعل يختلف باختلاف المبدأ فقد يكون المبدأ الواقعي قد لوحظ فيه الاستمرارية والبقاء كالمملوء والمعلوم فاذا فرغ الاناء وزال العلم كان المبدأ منقضياً والتلبس مفقوداً وقد لا يكون المبدأ كذلك بمعنى انه امر يتحقق في زمان قصير ويزول فلا يلاحظ فيه الاستمرارية ويكون التلبس باقيا بهذا اللحاظ كالمضروب والمقتول. هذا مع ان البرهان المذكور منقوض بان اسم الفاعل ايضاً يدل على من صدر عنه الفعل او قام به وهو ايضاً لا ينقلب عما هو عليه.
فتحصل ان الغفلة عن المبدأ الحقيقي قد يوجب توهم الانقضاء مع بقاء التلبس واقعاً وقد يوجب توهم الخروج عن محل البحث.
++ملاحظة:++
هناك بعض المبادئ الاعتبارية لوحظ فيها الاستمرار وبهذا اللحاظ يحكم ببقاء التلبس كالمبيع والمطلقة فليس المراد حال انشاء البيع والطلاق بل المراد ما انتقل ملكيته ومن تحققت بينونتها وهذان العنوانان باقيان ببقاء مبدأهما.
**الامر الثاني:** كون الموضوع بحيث يكفي مجرد حدوثه في بقاء الحكم. فقد تؤدي الغفلة عن ذلك الى دعوى ان المشتق حقيقة في الاعم بتوهم ان الموضوع دائماً يدور مداره الحكم حدوثاً وبقاءاً وحيث ان الحكم في بعض الموارد ثابت قطعاً بعد زوال المبدأ فلا بد من صدق المشتق (وهو الموضوع) حقيقة بعد انقضاء التلبس.
ومثال ذلك أكثر موارد الحدود كالسارق والزاني اذ لا شك ان زمان اجراء الحد هو زمان انقضاء المبدأ اي السرقة والزنا وحيث ان موضوع الحكم بإجراء الحد لا بد ان يكون هو السارق والزاني حقيقة فلا بد من القول بصدق المشتق حقيقة بعد الانقضاء.
ويندفع هذا التوهم بملاحظة ان الموضوع هنا مما يكفي مجرد حدوثه في حدوث الحكم وبقائه. ومنشأ التوهم ان مقتضى القاعدة هو اعتبار الموضوع حدوثاً وبقاءاً في ترتب الحكم ولذا لا يجوز تقليد من انقضى عنه الاجتهاد او العدالة كما لا يجوز الإئتمام بمن انقضت عنه العدالة وهكذا سائر الموارد.
الا ان بعض المناسبات تقضي في بعض الموارد بالتزام كفاية تحقق الموضوع في بقاء الحكم وما نحن فيه من هذا القبيل والمناسبة التي تدعو الى الالتزام بذلك هنا هو ان الموضوع غير قابل للبقاء – غالباً – الى مدة يمكن فيها اجراء الحكم كما هو واضح وعليه فلا بد من الالتزام بكفاية حدوثه في بقاء الحكم. ويلاحظ ان ذلك امر لا تختلف فيه القوانين الجزائية الشرعية والعرفية.
ومما يشهد لذلك وانه ليس من جهة صدق المشتق على من انقضى عنه التلبس هو ان هذا الامر مما لا بد من الالتزام به حتى لو لم يكن الموضوع من قبيل المشتق كما لو كان نص الحكم هكذا: (السرقة حكمها قطع اليد).
هذا وقد اجاب المحقق النائيني قده عن الشبهة بان السر في بقاء الحكم هو انه مجعول بنحو القضية الحقيقية ومفادها ان الموضوع إذا تحقق يجب الحدّ والحكم لا ينتفي الا بالعصيان او الامتثال والمفروض في المقام محاولة امتثال الحكم دون عصيانه والامتثال غير ممكن هنا الا بعد انقضاء التلبس.
ومن المعلوم ان كون القضية حقيقية لا تقتضي ذلك فلو قال: كل ضيف يجب اكرامه. ولم يكرم الضيف حال كونه ضيفاً فمن الواضح عدم وجوب اكرامه بعد انقضاء صفة الضيافة وليس هذا من امتثال الحكم.
وقال بعضهم ان استعمال المشتق في الاعم غير معقول في القضايا الحقيقية. وهذا يبتني على الجمع بين ما نقلناه عن المحقق النائيني سابقاً من ان القضايا الحقيقية لا تشتمل على التطبيق وبين مسلك السكاكي بوجه عام. وقد مرت الاشارة الى ذلك في ضمن البحث عن مسلكه في الحقيقة والمجاز.
**ملاحظة**:
ورد في عدة من الروايات وكلمات الاصحاب الاستدلال بقوله تعالى (ولا ينال عهدي الظالمين) على اعتبار العصمة في الامامة فتنتفي عمن ظلم وعصى في مدة حياته ولو مرة واحدة وقد توهم ان ذلك يبتني على القول بكون المشتق حقيقة في الاعم. ولا بد من توضيح طريقة الاستدلال فنقول:
قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة: 124.
والظاهر ان المراد بالكلمات الاوامر والنواهي وان المراد بالإتمام نجاحه عليه السلام في الامتحان والظاهر ايضاً ان حصوله على مرتبة الامامة بعد بعثه عليه السلام بالنبوة بدليل سبق الابتلاء وهو متوقف على الاتصال الخاص. وبدليل قوله ومن ذريتي وقد رزق الذرية في اخريات عمره الشريف. والظاهر ان المراد بالعهد هو الامامة كما يدل عليه السياق. وكيفية الاستدلال بالآية على اعتبار العصمة – حسبما يستفاد من الروايات – بوجهين:
**الوجه الاول:** ان مناسبة الحكم والموضوع تقضي بان يكون موضوع عدم نيل العهد هو من حدث عنه الظلم فحدوثه موضوع لعدم النيل حدوثاً وبقاءاً. وتستفاد هذه المناسبة اما من عظمة مقام الامامة وخطر مسؤوليته كما يدل عليه تأخره عن النبوة وطلب ابراهيم عليه السلام اياه لبعض ذريته دون الجميع ولا شك انه لا يطلبه للظالم حدوثاً وبقاءاً فالاستثناء المستفاد من الجواب لا بد وان يختص بالظالم حدوثاً. واما من ان المراد من الظلم هو المعصية مطلقاً وهي غالباً ليست امراً مستمراً وقد مر ان مثل ذلك يكشف عن ان الموضوع مما يكفي حدوثه في بقاء الحكم. وعلى هذا الوجه لا يتوقف الاستدلال على كون المشتق حقيقة في الاعم كما توهمه الفخر الرازي. بل يبتني على كون الموضوع مما يكفي حدوثه في بقاء الحكم. ويناسب ذلك ان المعتبر في القوانين العرفية الحديثة – ايضاً – هو ملاحظة سوابق الاعمال في الوظائف الرسمية خصوصاً في المناصب العليا فلا يوكل ذلك – رسمياً – الى من تكون له سوابق سيئة.
**الوجه الثاني:** ان المستفاد من الآية هو عدم صلاحية العاصي للإمامة. والمعصية قد تكون خفية لا يعلمها الاعلام الغيوب وعليه فلا يعلم صلاحية الامامة الا الله تعالى فلا بد من ان تكون منصباً متوقفاً على النص.
وقد اذعن بهذا الوجه الفخر الرازي كما ذكره المحقق النائيني قدس سره قال الفخر: (فان قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الائمة والقضاة. قلنا : اما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً واما نحن فنقول : مقتضى الآية ذلك الا انا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة)([[6]](#_ftn6)).
وعلى هذا الوجه فالاستدلال لا يرتبط بما نحن فيه كما هو واضح.
**الامر الثالث:** كون المشتق الموضوع في قضية الحكم مأخوذاً على وجه المعرفية لا الموضوعية.
بيان ذلك: ان الموضوع في القضية قد يكون مأخوذاً على وجه الموضوعية كقولنا صل خلف العادل. وقد يكون مأخوذاً على وجه المعرفية كقولنا صل خلف هذا القائم مشيراً به الى رجل عادل فالقيام هنا ليس دخيلاً في صلاحيته للإمامة الا انه جعل معرفاً و مميزاً للرجل الخاص. وكما يمكن ذلك في القضية الخارجية كالمثال السابق يمكن ايضاً في القضية الحقيقي.
فلا وجه لما ذكره بعضهم من الاختصاص بالقضايا الخارجية مثال ذلك قولنا: كل حيوان محرم الاكل لا تجوز الصلاة في اجزائه فقد ذكر المحقق النائيني ان المحرم هنا معرف للأنواع الخاصة من الحيوان ولا دخل له في الحكم ومن هنا لا يسري الحكم عند حلية اللحم لعنوان خارج كالضرورة.
والغفلة عن ذلك ربما توهم كون المشتق حقيقة في الاعم وان عنوان المحرم يصدق على الحيوان المضطر اليه بلحاظ تلبسه سابقاً. ومن الواضح ان السرّ في بقاء الحكم بعدم جواز الصلاة في اجزاء هذا الحيوان هو كون الموضوع معرفاً للنوع الخاص كالسبع لا استعمال المشتق في الاعم.
الامر الرابع: – وهذا مما ادعي كونه من هذا القبيل – كون المشتق بسيطاً. فقد ادعى المحقق النائيني أن القول بالوضع للأعم يبتني على توهم كون المشتق مركباً من ذات وثبوت المبدأ له.
توضيح ذلك: ان الحق – عند المحقق النائيني – ان المشتق بسيط بمعنى انه لا فرق بين المبدأ والمشتق سوى ان الاول ملحوظ بشرط لا فلا يصح حمله على الذات والثاني ملحوظ لا بشرط فيصح حمله. فالحدث إذا لوحظ لا بشرط يعبر عنه بالمشتق وإذا لوحظ بشرط لا يعبر عنه بالمصدر واسم المصدر والا فهو حقيقة واحدة. وعلى هذا الاساس لا يبقى مجال لتوهم الوضع للأعم.
بل الاختصاص بالمتلبس هنا اوضح من اختصاصه به في الجوامد اذ لا يصدق الحجر والشجر على المادة بعد فقدان الصورة النوعية الا انه بسبب ارتفاع الصورة النوعية واما المادة فهي باقية واما المشتق فليس في حقيقته الا نفس المبدأ ومع زواله لا يبقى أي شيء موجب لتوهم صدقه.
وهذه الفكرة تثير في المقام سؤالاً هاماً: هل المشتق بسيط ام مركب؟ وللجواب عنه نقدم توضيحاً حول المراد بالمركب:
المركب قد يطلق في قبال المفرد والمراد به المركب اللفظي وهو – حسب اصطلاح المنطق – عبارة عن اللفظ الذي يدل جزء منه على جزء من المعنى بنحو تعدد الدال و المدلول. فهل يمكن ان يقصد بالتركيب في المشتق هذا المعنى ام لا؟
الالتزام بذلك يتوقف على القول بان وضع المواد شخصي و وضع الهيئات نوعي حتى يتعدد الدال في المشتق فيدعى تعدد المدلول واما بناءاً على انكار ذلك وانه من قبيل التحليلات بعد الوقوع وان مجتمع الوضع اللغوي لم يفصل بين الهيئة والمادة فلا مجال لذلك. اذن فعلى المبنى المشهور من تعدد الوضع في المشتق يمكن القول بتعدد المدلول وان كان المشتق قد لا يكون له حروف زائدة كما في الصفة المشبهة نحو حسن الا انه يكفي في التعدد الهيئة الخاصة ودعوى ان الهيئة ليست لفظاً مدفوعة بان المراد بجزء اللفظ يشمل الجزء الصوري والمادي.
وقد يطلق المركب ويراد به المركب المعنوي وهو على نحوين:
1. المركب اللحاظي بان يكون اللفظ في مرحلة الاخطار موجباً لتصور مفهومين متغايرين لحاظاً وقد نسب المحقق الخراساني هذا المعنى من التركيب الى كل من ادعاه في المشتق.
2. المركب التحليلي بان يكون اللفظ موجباً لإخطار معنىً واحد الا انه في مرحلة التحليل ينحل الى معنيين. وهذا هو الذي ينبغي ان يراد في المقام بان يدعى ان مفهوم العالم ينحل الى ذات وثبوت العلم له. فهنا ثلاثة مفاهيم. العلم. العالم. من قام به العلم. ولا شك ان العالم ومن قام به العلم شيء واحد واقعاً وان الكثرة انما حصلت في مرحلة الادراك والتصور على ما فصلناه سابقاً من ان التكثر الادراكي قد يكون ناشئاً من كثرة المدرَك وقد يكون ناشئاً من اختلاف الادراك والتصور حيث ان الذهن له قابلية تنويع المدرك. والكلام في ان العلم والعالم هل هما ايضاً من هذا القبيل فحقيقتهما شيء واحد والتكثر اتى من الادراك وهذا هو اساس دعوى البساطة ام انهما حقيقتان مختلفتان وهذا هو اساس دعوى التركيب؟
وحيث ان النظر البدوي لا يساعد دعوى البساطة على هذا الاساس فلا بد من توضيح نظرية المحقق النائيني ضمن نقاط:
**النقطة الاولى:** لكل من (لا بشرط) و (بشرط لا) معنيان:
المعنيان الاولان: الاطلاق والتقييد وذلك حيث يستعملان في مجال اعتبارات الماهية فمع لحاظ مفهوم بالقياس الى مفهوم آخر قد يعتبر دخيلاً فيه وجوداً او عدماً وقد لا يعتبر دخيلاً لا وجوداً ولا عدماً فاذا اعتبر وجوده دخيلاً كان بشرط شيء وإذا اعتبر عدمه دخيلاً كان بشرط لا وإذا لم يعتبر دخيلاً بوجه كان لا بشرط. وهذا عمل ابداعي نفسي والاطلاق وان كان في نفسه تركاً لعمل الا انه في مجال العناية بالعمل يعتبر الترك عملاً سلبياً.
المعنيان الثانيان: كيفيتان من التصور والادراك للشيء الواحد يقضي احداهما بصحة الحمل والاخرى بعدمها. ومورد ذلك ان الشيء الذي يكون من شؤون الشيء الآخر واطواره قد يلاحظ بوجه مستقل عنه بان ينظر اليه بذاته وحدوده الخاصة فيكون بشرط لا وقد يلاحظ بما انه من شؤونه واطواره كالجزء حيث انه إذا لوحظ بحدوده الخاصة يغاير الكل ولا يجوز حمله عليه وإذا لوحظ بما انه جزء من الكل كان هو الكل بنفسه اذ ليس الكل الا الاجزاء مجتمعة. وهذا النوع من اللابشرطية يسمى اللابشرطية في الحمل وقد ورد البحث عنه في مبحث اعتبارات الماهية في منظومة السبزواري استطراداً ولعل ذلك اوجب التوهم لدى البعض انه ايضاً من اعتبارات الماهية مع انه ليس امراً اعتبارياً بل هو انطباع خاص للشيء.
**النقطة الثانية:** الحمل هل هو إدراك للهوهوية بين المفهومين ذاتا او وجوداً وانعكاس لهذا الامر الواقع ام انه عمل ابداعي نفسي؟
الصحيح هو الثاني فاذا تصورنا المفهومين ولاحظنا اتحادهما ذاتاً او وجوداً وقلنا انه هو فقد تحقق الحمل ونفس هذه الواقعية إذا ابرزناها بلفظ آخر لم يتحقق الحمل كما لو قلنا ان الانسان متحد وجوداً مع الحيوان فهذا ليس حملاً.
ومن هنا يتبين دور اللحاظ في تحقيق الحمل فاذا لوحظ المفهوم بشرط لا لم يتحقق الحمل بل لا بد من لحاظه لا بشرط. وقد ذكرنا في حقيقة المعنى الحرفي انه لا فرق بينه وبين المعنى الاسمي الا باللحاظ حيث انه يلاحظ بنحو اللف ولذا لا يصح حمله على الاسم او العكس. وكذلك حمل الحيوان مثلاً على الانسان فاذا لوحظ الحيوان بحدوده الوسيعة الشاملة لم يمكن حمله على الانسان بل ليس حينئذ الا نفسه فالماهية بما هي ليست الا هي واما إذا لوحظ لا بشرط اي مع قطع النظر عن حدوده الخاصة حمل على الانسان باعتبار الاتحاد الوجودي ومن هنا ذكروا في الحمل الاولي الذاتي ان التغاير قد يكون باللحاظ. فمفهوم الانسان ومفهوم الحيوان الناطق شيء واحد وانما صحّ الحمل لتغاير اللحاظ اجمالاً وتفصيلاً.
**النقطة الثالثة:** لا شك ان الحمل في المشتقات من قبيل الشايع الصناعي والمصحح هو الاتحاد الوجودي والمحمول قد يكون عرضاً وقد يكون امراً اعتبارياً وقد يكون امراً انتزاعياً والاعتباريات كالأحكام التكليفية والوضعية والإنتزاعيات كالوجوب والامكان والامتناع. وربما يناقش في امكان الاتحاد بين الجوهر والعرض مع انهما متباينان فكيف يصح الحمل؟ وهل يصححه مجرد لحاظه لا بشرط؟
هناك نظريتان في وجود العرض. احداهما تقول ان العرض موجود بنفس وجود الجوهر ولا تغاير بينهما اصلاً والاخرى – وهي المشهورة – تقول ان لكل منهما وجوداً مستقلاً الا ان العرض متقوم بالجوهر لاحتياجه الى موضوع ففي الرمح المنحني مثلاً ثلاثة وجودات على الاقل: الجسم وهو جوهر. والخط وهو عرض كمّي. والانحناء العارض على الخط وهو عرض كيفي ولكن الموجود حسب النظرية الاولى امر واحد ذو حدود كالصور النوعية التي لا تتبدل باختلاف الجنس. وهذه النظرية أقرب. وما ذكره المشهور لا يدعمه البرهان ولا العرف وعليه فالعرض والجوهر متحدان وجوداً.
وعلى هذه النظرية فلا مانع من كون المشتق كالأبيض نفس المبدأ وهو البياض ويحمل مع ذلك بالحمل الشايع على الذات وهي جوهر. هذا بحسب النظر الدقيق. واما بحسب النظر العرفي او الدقيق المشهوري فالحمل صحيح ايضاً الا انه حمل شايع مجازي بمعنى ان هناك واسطة في العروض فالأبيض الحقيقي هو البياض والموجود الحقيقي هو الوجود وحمل الابيض على الثلج – مثلاً – او حمل الموجود على الماهية انما هو بواسطة في العروض لترابط البياض والثلج والوجود والماهية. وهذا المقدار من الاتحاد الوجودي اي بحسب النظر العرفي يكفي في صحة الحمل الشايع كما ورد ذلك في اقسام الواسطة في العروض في الكتب الفلسفية والمنطقية كشرح المنظومة.
وقد قوبل هذا المسلك من المحقق النائيني قدس سره باعتراضات:
**الاعتراض الاول:** ان الحمل امر واقعي يعتمد على الاتحاد بين شيئين ولا أثر للاعتبار فيه فالاعتبار ليس الا تلاعباً بالمفاهيم من اجل التأثير في المشاعر ولا مجال في العلوم الحقيقية التي تبحث عن حقايق الاشياء وما ورد من التعبير بالاعتبار في اعتبارات الماهية وفي الفرق بين الجنس والفصل والمادة والصورة لا بد من حمله على غير ظاهره.
والجواب عنه ان الاعتبار له ثلاث معان أحدها ما ذكر والآخر اعتبارات الماهية وقد بينا ان الاعتبار هنا عمل ابداعي نفسي يعبر عنه بالإطلاق والتقييد والثالث اللحاظ والتصور ومن الخطأ ان نظن ان الذهن يتصور الاشياء كما هي بل الواقع انه يتصرف فيها بشتى انحاء اللحاظ ومن هنا نشأت الكثرات الادراكية.
مضافاً الى ان الحمل كما ذكرنا ليس امراً واقعياً منعكساً في الذهن بل هو الحكم بالهوهوية.
هذا مع ان التجوز في الاسناد لا يضر بالحمل الشايع في الصناعات والعلوم الحقيقية إذا كانت الواسطة خفية لا يعترف بها الاديب كما مر.
**الاعتراض الثاني:** انه لا ريب في تباين العرض والجوهر فكيف يمكن الحكم بالهوهوية بينهما مع ان الحمل الشايع يتوقف على الاتحاد الوجودي ولا يكفي في ذلك الاتحاد الاعتباري.
والجواب عنه اولاً بان العرض والجوهر متحدان كما مر.
وثانياً ان الحمل الشايع المجازي لا يتوقف على الاتحاد الوجودي واقعاً بل يكفي مع الواسطة في العروض.
**الاعتراض الثالث:** ان هذا الامر لو صح فإنما يصح في الاعراض دون الامور الإنتزاعية والعدمية كالممكن والاعمى. فالعرض بما ان وجوده لموضوعه فمن الممكن ان يلاحظ تارة بما هو هو وتارة بما انه شأن من شؤون موضوعه وطور من اطواره وهذا معنى اللابشرطية واما في الإنتزاعيات فلا يمكن ذلك اذ ليس لها وجود مستقل.
والجواب عنه : ان ما ذكر مما يدفع الاشكال عن الامور الإنتزاعية لا انه يزيده تعقيداً وذلك لان اساس الفرق على هذا المسلك بلحاظ اللابشرطية والبشرط لائية وهما نوعان من التصور وحيث ان المشهور في الاعراض التغاير الوجودي لزمنا بيان وجه الاتحاد لتصحيح الحمل واما في الإنتزاعيات والعدميات فلا اشكال اذ الحمل متيسر حقيقة وقد ذكر في الفلسفة ان الحمل لا بد ان يكون بين متحصل وغير متحصل ولو كان بين متحصلين لزم اجتماع الفعليتين اذن فعدم التحصل في احد طرفي الحمل مما يساعد عملية الحمل ومرجعه الى ان الشيء الواحد الوجودي له حدود مختلفة . اذن فحيثيتا اللابشرطية و البشرط لائية في الامور الإنتزاعية والعدمية اوضح منهما في الاعراض.
**الاعتراض الرابع:** ان ما ذكر في وجه الفرق بين المشتق والمبدأ خلط بينه وبين الفرق بين المصدر واسم المصدر حيث ان الفرق بينهما في الفارسية بيّن بلحاظ الصيغة فيعبر عن مصدر الضرب مثلا بـ (زدن) وعن اسمه بـ (كتک) وهكذا واما في العربية فالصيغة واحدة والفرق باللحاظ فاذا لوحظ الحدث على وجه الناعتية وبما انه شأن من شؤون الموضوع كان مصدراً وإذا لوحظ في نفسه كان اسم المصدر وبعبارة اخرى المصدر يدل على الماهية الموجودة بالوجود الناعتي واسمه يدل على الماهية الموجودة بالوجود المحمولي.
والجواب عنه اولاً: ان الفرق بين المصدر واسمه ليس بالوجود الناعتي و المحمولي بل الفرق ان المصدر لوحظت فيه النسبة الناقصة الصدورية واسم المصدر لم تلاحظ فيه تلك النسبة وان لوحظت النسبة الناقصة الحلولية والامثلة التي سردها في الفرق الواضح في اللغة الفارسية كلها من قبيل الصدور.
وثانياً: ان الفرق لا يمكن ان يكون بالوجود الناعتي والمحمولي فان اسماء الاجناس وضعت لنفس الماهيات القابلة للاتصاف بالوجود والعدم فلم يلاحظ فيها الوجود لا ناعتياً ولا محمولياً لئلا يلزم عند التوصيف بالعدم التجريد او اجتماع النقيضين.
وثالثاً: ان المصدر واسم المصدر لا يختلفان من حيث كونهما بشرط لا اذ الماهية ملحوظة في كليهما بحدودها واللابشرطية هي عدم ملاحظة الشيء بحدودها.
**الاعتراض الخامس:** ان هذا الفرق – لو تم – فإنما يتم في مثل اسم الفاعل والمفعول دون اسماء الزمان والمكان والآلة فان تقوّم الحدث بالذات في هذه الموارد ليس على وجه الحلول والناعتية فالمقتل في اسمي الزمان والمكان لا يحكي عن شأن من شؤون الزمان والمكان وكذا اسم الآلة فانه يحكي عن صدور الحدث عن الشيء لا حلوله فيه فلا يصح اعتبار الناعتية في هذه الموارد.
ويمكن الجواب عنه اولاً بالقول بالمبدأ الخفي كما التزمنا به في بعض الموارد فيقال ان المبدأ في اسمي الزمان والمكان هو الاحتواء على الحدث وهذا المعنى ناعتي ويتصف به الذات على وجه الحلول وفي اسم الآلة المبدأ هو الاعداد للشيء. ونحن وان ذكرنا فيما مضى ان وجه التعميم هنا من باب التصرف في الهيئة الا انه لم يقم برهان على عدم امكان التوسعة من جهة المادة بالالتزام بالمبدأ الخفي كالحرفة والصفة.
وثانياً ان الاشكال يبتني على التقيد بكون الاتحاد في الحمل حقيقياً وقد بينا ان الحمل في الاعراض – على المسلك المشهور فيها – حمل شايع مجازي فمن الممكن الالتزام بالحمل المجازي ايضاً في ما كان تقوم الذات به تقوماً صدورياً.
ولكن الجواب الاول غير صحيح لعدم موافقته للعرف وذلك لان العرف لا يوافق على كون مفاد الهيئة في اسم الزمان والمكان كمفاد اسم الفاعل حتى تكون المادة هو الاحتواء والهيئة دالة على حلوله في الزمان والمكان بل الهيئة هي التي تدل عرفاً على الاحتواء.
هذا مضافاً الى ان الاشكال يسري حتى في بعض موارد اسم الفاعل وذلك فيما يكون تقوم الذات بالمبدأ صدورياً كالضارب و المؤلم فالضرب والالم قائمان بالمفعول. والفاعل موجد لهما فالناعتية والاتحاد الوجودي انما يتحققان بين المبدأ والمفعول. و الفاعل مغاير له تماماً. نعم يصح القول بكون الاختلاف باعتبار اللابشرطية والبشرط لائية في مثل اسم الفاعل اللازم كالقائم والقاعد حيث ان جهة الحلول والصدور فيهما واحدة او في الإنتزاعيات كالعاجز.
فان قلت: من الممكن ان نلتزم في الضارب و المؤلم مبدأً خفياً يتقوم بشخص الفاعل وهو الحركة الصادرة منه الموجبة لتحقق الضرب والالم فيكون كالقعود والقيام.
قلنا: يلزم من ذلك القول باختلاف المبدأ في الضارب و المضروب وهو مخالف للفهم العرفي و اللغوي.
واما الجواب الثاني فهو مخالف للفهم العرفي اذ لا يصدّق العرف ان يكون المقتل في الحقيقة هو نفس القتل وان نسبته الى المكان مع الواسطة في العروض و التجوز في الاسناد. وان المفتاح واقعاً هو نفس الفتح ونسبته الى الآلة مجاز و لو كان مجازاً لكان مجازاً ادبياً واضحاً لان المفروض ان العلقة هو الصدور او الحال و المحل وهذا ليس كالتجوز في الاسناد الخفي كما ذكرنا في الاعراض.
اذن فالاعتراض الخامس وارد على هذا القول.
**الاعتراض السادس:** ان الفرق بين المشتق و المبدأ لو كان اعتبارياً لزم صدق التثنية والجمع على الفرد الواحد إذا تحقق منه المبدأ مرتين او أكثر فيقال لمن ضرب مرتين ضاربان مثلاً وهو واضح الفساد وليس ذلك الا للفرق بين المبدأ و المشتق فرقاً جوهرياً اذ المبدأ قد تكرر هنا ومع ذلك لا يتكرر المشتق في الصدق على الذات. اذن فاسم الفاعل لا يدل على المبدأ مأخوذاً لا بشرط والا فالتثنية لا تزيد على مفهوم الفرد شيئاً وانما تكرر صدقه فلو كان مورد التكرير نفس المبدأ لزم صدق التثنية. ومن هنا أنكر في المكاسب صدق البيعين على الشخص الواحد لو كان قابلاً موجباً.
اذن فالقول بالبساطة مردود لهذين الوجهين الاخيرين.
القول بالتركيب:
المراد بالتركيب لدى القائل به هو التركيب التحليلي ومرجعه الى ان التكثر الادراكي انما هو بين العالم وذات ثبت لها العلم حيث ان الفرق بينهما بالإجمال و التفصيل دون العالم والعلم.
وقد اعترض على ذلك بوجوه:
**الوجه الاول:** ان ملاحظة موارد استعمال المشتق تكشف عن عدم اخذ الذات في جميع موارده ولو بالتحليل فان توهم التركب من الذات والمبدأ ولو تحليلاً انما يتم فيما يكون الموضوع و المحمول متغايرين مفهوماً و وجوداً – على الفرض – كزيد كاتب. واما لو كان التغاير مفهومياً مع الاتحاد الوجودي نحو الله عالم بناء على ما هو الحق من عدم زيادة الصفات الجمالية على الذات المتعالية وكذا لو كان المفهومان متحدين ايضاً نحو البياض ابيض و الوجود موجود فالتركب ولو تحليلاً غير معقول فلا بد من القول بان التكثر ادراكي و الفرق اعتباري كما مر.
والجواب عنه: ان الاعتراض انما يرد لو كان المراد من اخذ الذات انحلال الكاتب – مثلاً – الى زيد والكتابة. واما لو كان المراد ان المشتق يدل على واجدية الشيء للمبدأ فلا اشكال حتى في الاخيرين اذ الشيء واجد لنفسه ايضاً بالضرورة.
هذا مضافاً الى ان مثل قولنا البياض ابيض او الوجود موجود لا بد من توجيهه على كل حال ولا يكفي مجرد التفريق باللابشرطية و البشرط لائية في صحة الحمل اذ المفروض ان الحمل شايع لا اولي حتى يكتفى بالاتحاد المفهومي والتغاير الاعتباري.
والوجه فيه ان الوجود المأخوذ موضوعاً هو مفهوم الوجود والمحمول هو حقيقة الوجود والقضية فلسفية لا عرفية والمراد بها بيان ان الوجود متأصل في الواقع الخارجي دون الماهية. اذن فهناك تغاير مصحح للحمل وهذا التغاير هو المصحح للتحليل ايضاً فالوجود شيء واجد لنفسه ثابت له التحقق في الخارج. ولو اغمضنا النظر عما ذكرنا فمجرد الفرق باللاشرطية والبشرط لائية لا يصحح الحمل اذ لا محصل لحمل الوجود لا بشرط على الوجود بشرط لا و المفروض ان الحمل شايع لا اولي.
واما القول في الامثلة المشابهة بان البياض ابيض بالذات و الثلج ابيض بالغير وهكذا فليس مطابقاً للفهم العرفي وانما هي تدقيقات عقلية لا تؤثر في البحث اللغوي و التوجيه الصحيح هو ما ذكرنا.
**الوجه الثاني:** ما يستفاد من كلام المحقق النائيني من ان اخذ الذات في المشتق لا وجه له فان الوضع سواء كان من شخص واحد حكيم او كان حاصلاً بالتطور الاجتماعي يدور مدار الحكمة و الفائدة ولا يمكن ان يكون ما يحدث اوسع مما يحتاج اليه واخذ الذات في مفهوم المشتق لغو اذ يلزم من قولنا زيد كاتب اخطار معنى زيد مرتين الاولى باسمه الصريح و الثانية بمفهوم مبهم يتعين بما بعده وهو الذات المأخوذة في الكاتب مع ان المقصود اخطاره مرة واحدة.
والجواب اولاً: ان الحاجة في اخطار الذات موجودة و ذلك فيما لو كان المشتق وصفاً غير معتمد على موصوف كما لو قلت الكاتب موجود اذ لا تتكرر اراءة الذات في مثل ذلك و تكفي الحاجة في مورد لاعتبار الوضع بهذا الوجه اذ الهيئة لم توضع بأوضاع متعددة مختلفة بحسب اختلاف موارد الاستعمال و الملحوظ في الوضع هو الحاجة في عموم الموارد لا مورد خاص ولذا لا اشكال في دلالة (ضرب) مثلاً على المضي وتذكير الفاعل بنحو الابهام. فلو صرحنا بهما في قولنا ضرب زيد بالأمس هل يمكن القول بعدم دلالته عليهما عموماً لئلا يلزم تكرار الاخطار في مثل هذا المورد؟
وثانياً: ان الذات مأخوذة حتى على مسلك البساطة اذ ملاحظة المبدأ لا بشرط لا بد ان يكون بالنسبة الى شيء وهو الذات فهي مأخوذة في المشتق بنحو الالتزام والقائل بالتركيب يقول بأخذها فيه بنحو التضمن فالاشكال مشترك.
**الوجه الثالث:** ما نسب الى المحقق النائيني ايضاً وهو ان التركب يقتضي ان يكون المشتق متضمناً للنسبة بين المبدأ و الذات والنسبة معنى حرفي وما يتضمن الحرف لا بد ان يكون مبنياً وحيث ان المشتق معرب فنكشف على سبيل البرهان الاني عدم التركب. والاساس في ذلك ان الاصل في الاسماء ان تكون معربة و انما تبنى إذا كان فيها شبه للحرف كما هو مذكور في النحو فلو كان الشبه به يوجب البناء فالتضمن له يوجبه بطريق اولى.
والجواب عنه اولاً. ان المشتق فيه مسلكان: 1- القول بتعدد الدال و المدلول و الموضوع والموضوع له اما بكون الهيئة دالة على النسبة والذات و المادة على الحدث و اما بكون الحروف الزائدة دالة على النسبة و الذات. وعليه فالمعنى الاسمي له دال خاص و الحرفي له دال آخر فهو كضم الحرف الى الاسم لا تضمين المعنى الحرفي. 2- القول بوحدة الوضع و اساسه انكار الوضع النوعي في الهيئة و المادة و ان التقسيم اليهما انما هو من صنع فلسفة النحو و القائل بذلك لا يقبل التعليلات النحوية للإعراب و البناء و المتبع هو استعمال العرب و لا أثر لتضمين معنى الحرف.
وثانياً: ان النحاة عللوا بناء الحرف بعدم اعتوار المعاني المختلفة عليه فلا يحتاج الى الاعراب لبيان الفرق نحو زيد حيث يقع فاعلاً ومفعولاً و هكذا. وهذا السرّ اي اعتوار المعاني المختلفة موجود في المشتق فلا بد ان يعرب من هذه الجهة.
وثالثاً: ان الاولوية لا تؤثر في القواعد اللغوية و الا فالفعل المضارع لا بد ان يكون مبنياً ايضاً لاشتماله على النسبة قطعاً.
الوجه الرابع : ما نسب الى المحقق الشريف في حاشيته على شرح المطالع – على ما نقله في الكفاية – وهو ان المشتق لو كان مركباً من الذات و النسبة و المبدأ فالمراد بالذات اما ان يكون الشيء او العنوان الخاص وعلى الاول يلزم دخالة العرض العام وهو الشيء في الفصل في مثل الناطق وهو محال لان الفصل جوهر فلا يمكن ان يتقوم بالعرض العام وعلى الثاني يلزم انقلاب القضية الممكنة ضرورية وذلك في مثل قولنا الانسان كاتب حيث ان المشتق حينئذ بمعنى ( انسان له الكتابة) وثبوت الانسان ( المحمول ) للإنسان (الموضوع) ضروري مع ان القضية في اصلها ممكنة . وقد وقع البحث في كلا الشقين:
اما في الشق الاول فيمكن دفع الاشكال بوجوه:
1- ان غاية ما يقتضيه الاستدلال ان يقال بعدم اشتمال الناطق بحسب اصطلاح المنطقيين حيث اعتبروها فصلاً على الشيء وهو عرض عام ولكنه لا يقتضي عدم اشتمال المشتقات بحسب المفهوم اللغوي عليه.
2- ان هذا الفصل – كما ورد في المنطق – مشهوري لا حقيقي والمراد انه اخذ معرفاً ومشيراً الى الفصل الحقيقي وهو النفس الناطقة. وعليه فلا مانع من اخذ العرض العام في مفهومه.
3- ان النتيجة الحاصلة من الكلام المذكور هو ان المشتق امر انتزاعي بسيط وهذا لا يحل المشكلة فان الناطق لو كان فصلاً للإنسان وهو من الامور الحقيقية لا يمكن ان يكون امراً انتزاعياً اذ الامر الانتزاعي وجوده بوجود منشأ الانتزاع لا بوجود ما بحذائه. مضافاً الى ان الامر الانتزاعي قابل للتحليل العقلي فيكون مركباً تحليلياً ايضاً.
واما في الشق الثاني فلتوضيح احتمال انقلاب الممكنة الى الضرورية نقول: ان هذا الانقلاب محتمل في ثلاثة موارد:
**المورد الاول:** القضية الضرورية بشرط المحمول نحو (الانسان الكاتب كاتب) فان هذه القضية ضرورية وان كان أصل الكتابة ثابتاً بالإمكان.
**المورد الثاني:** ان تكون الجهة داخلة في المحمول نحو (الانسان كاتب بالإمكان بالضرورة) على ان يكون المحمول (كاتب بالإمكان) فان ثبوت هذه المجموعة ضروري للإنسان وعلى هذا الاساس يمكن ارجاع جميع القضايا الموجهة الى الضرورية وهذا ما صنعه شيخ الاشراق الا ان المنطق بصدد بيان جهة النسبة بين الموضوع والمحمول.
**المورد الثالث:** ان يكون الموضوع داخلاً في المحمول نحو (الانسان انسان كاتب) وهو موضع البحث هنا فهل يلزم الانقلاب الى الضرورية ام لا؟
هناك تقريبان للقول بالانقلاب:
التقريب الاول: ما يستفاد من كلام صاحب الكفاية ومحصله ان المحمول في المثال مقيد وفيه احتمالان: 1- ان يكون التقييد جزءاً والقيد خارجاً. 2- ان يكون القيد جزءاً. والانقلاب محقق على كلا الاحتمالين. اما على الاحتمال الاول فلان التقييد معنى حرفي ولا يلاحظ بالاستقلال فلا بد من ان يكون مرآة اما لذات المقيد و اما للقيد وهو هنا مرآة لذات المقيد كما هو المفروض وثبوت الذات لنفسها ضروري. واما على الاحتمال الثاني فالمحمول مركب من الذات و القيد وثبوت الذات لنفسها ضروري فلا يمكن ان يقال ان قضية الانسان كاتب قضية ممكنة.
والجواب عنه اولا ً: ان هذا ليس انقلاباً في الواقع بل هو تحليل للمحمول وبيان لجهة كل من الجزئين وعلى تقدير صحة التحليل فالجهتان ثابتتان ولا يمكن استخلاص فساد اخذ الذات في المشتق كما هو مقصود المحقق الشريف.
وثانياً: ان ما ذكر من ان التقييد لا يكون جزءاً بنفسه فهو مرآة اما للقيد واما لذات المقيد غير صحيح فان المعنى الحرفي لا مانع من كونه جزءاً للمحمول نعم هو جزء متقوم بالطرفين.
وثالثاً: ان المحمول مأخوذ على وجه العموم المجموعي لا الاستغراقي فلا يصح تحليله الى انسان وكتابة ثم ملاحظة جهة نسبة كل منهما الى الموضوع بل النسبة واحدة وأحد طرفيها هو المركب المجموعي من الانسان والكتابة وحيث ان ثبوت أحد المجموعة ليس ضرورياً ومن الممكن انتفاؤه وبانتفاء الجزء ينتفي المجموع فالمجموع ايضاً ليس ضرورياً.
التقريب الثاني: ما ذكره صاحب الفصول وعبارته على ما في الكفاية تحتمل وجهين قال: (ان الذات المأخوذة مقيدة بالوصف قوة او فعلا ان كانت مقيدة به واقعا صدق الايجاب بالضرورة مثلا لا يصدق زيد كاتب بالضرورة لكن يصدق زيد الكاتب بالقوة او بالفعل كاتب بالضرورة).[^7]
فالجملة الاخيرة يمكن قراءتها بوجهين ويختلف المعنى:
**الوجه الاول:** ويبتني على توهم ان القضية الضرورية بشرط المحمول اساسها هو الوجوب اللاحق.
توضيحه: ان الوجوب قد يكون سابقاً على الوجود وهو الناشئ من تمامية العلة وقد يكون لاحقاً اي يبتني على وجود الشيء الممكن وهو ما يعبر عنه في الفلسفة بالجملة المشهورة (الشيء ما لم يجب لم يوجد. وما لم يوجد لم يجب) وفي المنظومة (فبالضرورتين حف الممكن..) فتوهم ان الضرورية بشرط المحمول ضرورية من هذا الباب ايضاً فالإنسان الكاتب انما تثبت له الكتابة بالضرورة من جهة ان الكتابة مفروضة له. فاذا قلنا زيد كاتب بالقوة او بالفعل فالواقع الخارجي لا يخلو من امرين ثبوت الكتابة وعدمه فعلى الاول الايجاب ضروري وعلى الثاني السلب ضروري وهكذا تنقلب القضية الممكنة ضرورية. هكذا فسر صاحب الكفاية عبارة الفصول وناقش فيه.
ولكن هذا الوجه غير صحيح في نفسه وغير مراد لصاحب الفصول وذلك – اولاً – لان محل الكلام ان يؤخذ الموضوع في المحمول واساس هذا الوجه عكس ذلك. ولو صح فلا يختص بالقول بالتركب فلو قلنا ان المشتق بسيط و الفرق بينه وبين المبدأ لحاظه لا بشرط فنقول ان قولنا زيد كاتب الذي يرجع الى انه هو الكتابة لا بشرط اما ان يوافق الواقع الخارجي فهي ضرورية الايجاب او يخالفه فهي ضرورية السلب.
وثانياً: ان القضايا العادية اساسها على ملاحظة الموضوع لا بشرط المحمول فقولنا الخمر حرام لا يرجع الى ان الخمر الحرام حرام و اساس القضية بشرط المحمول خلاف ذلك. واما الواقع الخارجي فلا دخالة له في تشكيل القضية سواء كان الموضوع بشرط المحمول أو بشرط عدمه.
وثالثاً: ان عبارة الفصول قد اسيء قراءتها وفهمها فقوله (لكن يصدق زيد الكاتب بالقوة أو بالفعل بالضرورة) قرء على تقدير اضافة كلمة (كاتب) بعد الكاتب المذكور وجعل (الكاتب) وصفاً لزيد فيكون هكذا: (زيد الكاتب كاتب..) و الواقع ان المراد من اللام هو تكرار الموضوع فمرجع العبارة الى هذه الجملة (زيد زيد الكاتب..).
**الوجه الثاني:** ويتم بيانه في ضمن ثلاثة امور:
الامر الاول: ان الفرق بين النسبة الناقصة و النسبة التامة ليس الا باللحاظ فالكتابة إذا كانت مفروضة الوجود لزيد كانت النسبة ناقصة و إذا كانت غير مفروضة الوجود كانت تامة. فالأوصاف قبل العلم بها اخبار و الاخبار بعد العلم بها اوصاف. وقولنا زيد كاتب و زيد الكاتب حكايتان عن حقيقة واحدة و التكثر ادراكي.
الامر الثاني: ان النسبة سواء كانت تامة او ناقصة لا بد ان تكون موجهة بإحدى الجهات المذكورة في المنطق.
الامر الثالث: ان المحمول لو كان مركباً ولو على وجه التقييد و النسبة الناقصة فالجهة التي هي مرآة حال النسبة جزء للمحمول ايضاً.
اذن فقولنا (زيد الكاتب) على تقدير كون الكاتب مركباً يرجع الى قولنا (زيد زيد الكاتب بالإمكان) ومجموع زيد والكاتب و النسبة و الجهة يشكل عقد الحمل ولا شك ان النسبة التامة في الجملة الأصلة تنقلب ضرورية.
وهذا على اساس مسلك شيخ الاشراق كما مر الا ان الاشكال الوارد هناك وهو ان الجهة لا بد ان تكون مرآة لحال النسبة غير وارد هنا اذ المفروض انها تقوم بنفس الوظيفة المنشودة الا انه بالنسبة الى النسبة الناقصة الدخيلة في عقد الحمل. وهذا الانقلاب لا يلزم على تقدير البساطة.
واضاف صاحب الفصول ان هذا الاشكال يرد على الشق الاول ايضاً اذ لا فرق في لزوم النسبة التقييدية وجهتها بين جعل الموضوع في عقد الحمل (الشيء) او العنوان الخاص.
والجواب عنه في ضمن امور ايضاً:
1- ان التوصيف على قسمين تقييدي وغير تقييدي. وهذا هو الفرق بين (زيد الكاتب) و (الانسان الكاتب) فالكاتب في الاول غير تقييدي وهو تقييدي في الثاني. وذلك لان التقييد هو التحصيص وهو غير معقول في الجزئيات وانما تتحصص الكليات. فالتوصيف في الكليات يرجع الى التقييد و اما زيد فلا يقبل التقييد الا بتأويله الى كلي كملاحظته بحسب حالاته الطارئة عليه. ولذا يقال في الفقه ان الكلي المبيع إذا قيد بشيء وكان ما سلم فاقداً له لم يصح التسليم لعدم الانطباق واما لو كان المبيع جزئياً موصوفاً كالعبد الكاتب مع الاشارة اليه فلو كان غير كاتب كان البيع صحيحاً و التسليم صحيحاً و للمشتري خيار تخلف الوصف فتوصيف العبد التزام مستقل.
2- ان التوصيف لو كان تقييدياً و الذات جزئياً اضافياً كما لو قلنا ان الكاتب مرجعه الى (الانسان الذي له الكتابة) فليس فيه اي اخبار ولو بالتأويل فان مرجع ذلك الى التقييد وتضييق دائرة الماهية وهو عمل ابداعي نفسي فالإنسان الكاتب لا يفيد الا مجرد اخطار للماهية المضيقة بلفظ مركب وليس فيه اخبار عن ثبوت وصف لذات اصلاً حتى يقال ان النسبة التقييدية كالنسبة التامة في ان لها مادة واقعية يعبر عنها بالجهة في القضية اللفظية وهي جزء لعقد الحمل كما مر. اذن فهذا الاشكال في هذا القسم غير وارد اصلاً ولا وجه لتعميم صاحب الفصول.
3- ان الشق الثاني من كلام الشريف وهو ان يؤخذ في المشتق مصداق الشيء لا بد ان يحمل على الجزئي الاضافي فالكاتب – مثلاً – اخذ فيه الانسان لا خصوص زيد وعمرو والا لزم تعدد الوضع بتعدد افراد الكاتب او كون الوضع عاماً والموضوع له خاصاً وهو غير صحيح قطعاً. وعليه فمرجع كلا الشقين الى اخذ الكلي في المشتق وقد عرفت انه لا يستلزم الانقلاب.
فتحصل ان الفرق بين المشتق ومبدئه واقعي وان المشتق مركب ينحل الى شيء له المبدأ فالتركيب تحليلي لا لحاظي بمعنى ان المشتق لا يخطر بالبال امرين بل امراً واحداً ينحل كانحلال الانسان الى شيء له الانسانية والحجر الى شيء له الحجرية وكانحلال الشيء الى جنس وفصل فالصورة الذهنية واحدة الا ان العقل يحللها الى امرين.
**وهنا سؤالان:**
**السؤال الاول:** ما هو الفرق بين تحليل الانسان الى حيوان وناطق وتحليل المشتق الى شيء له المبدأ.
**الجواب:** ان الانعكاس الذهني عن الواقع الخارجي قد يتعلق بأمر واحد بسيط ثم يحلله الذهن الى ما به الاشتراك وما به الامتياز وهذا هو التحليل الى جنس وفصل وقد يتعلق ابتداءاً بمفهوم مركب ثم ينتزع الذهن عنواناً انتزاعياً كما لو تصور عنوان (الشيء الذي صدر عنه المشي) فانه ينتزع منه عنوان الماشي. فالتحليل في القسم الاول طارئ على الذهن وفي القسم الثاني ارجاع للمفهوم الانتزاعي الى ما اخذ عن الواقع الخارجي مباشرة.
**السؤال الثاني:** لماذا لا يتأتى هذا التحليل في الجوامد بحيث يدل جزء من اللفظ على جزء من المعنى كما هو الحال في المشتق حيث تدل المادة على المبدأ وتدل الهيئة على الذات و النسبة او تناسب الهيئة الدلالة على ذلك.
ربما يجاب عنه بتعدد وضع الهيئة والمادة في المشتق. وقد مر الكلام في مناقشة هذا الكلام وقلنا ان تعدد الوضع يقتضي تعدد الدلالة الاخطارية مع انها غير متعددة في المقام.
**وللمحاولة على الجواب الصحيح نقدم فرضيتين:**
**الفرضية الاولى:** ان نلتزم بتعدد الدال و المدلول في المجتمعات البدوية وقد قيل في بعض الكلمات انها في الاصل مركبة من كلمتين نحو قطف الذي قيل ان أصلها قط ولف وبالتحول والتبدل يبقى في الكلمة الجديدة المستحدثة بعض الحروف من كل من الكلمتين وربما لا يبقى من احداهما سوى بعض الحركات. وهذا التحول في اللغات مما لا مجال لإنكاره ونحن نجد في اللغات العامية المستعملة ان جملة مركبة من كلمتين او أكثر ينحت منها حتى لا يبقى الا حرف واحد. فمن الممكن ان يكون (مضروب) مثلاً مركبة من ضرب وحروف زائدة دالة على المفعولية الا ان التحول جعلها كلمة واحدة كما ان التحول جعل المعنى المركب بسيطاً وهو الامر الانتزاعي. فأصبح اللفظ الواحد دالاً على معنى واحد. وهذه الرواسب الفكرية عن أصل اللغة في المجتمع البدوي يوجب احساس التناسب المذكور بين الهيئة والمادة ومدلوليهما.
**الفرضية الثانية:** ان كلمة بهذه الهيئة كالماشي مثلاً وضعت من اول الامر للمعنى الخاص بتناسب موهوم ثم لوحظت هذه الهيئة و الشكل في معنى مناسب من حيث الصدور و التقوم كالقاعد والقائم فأصبح الوضع الاول منشأ ذهنياً لوضع كلمة مشابهة لمعنى مشابه من بعض الحيثيات. ثم جمع الانسان هذه المتشابهات كعادته في مجموعة واحدة وتصور لها جامعاً واحداً وهو الهيئة الخاصة. ثم حصل التفكيك في ذهنه بين اجزاء الدال واجزاء المدلول.
فتحصل من مجموع ما ذكرنا ان ما قاله المحقق النائيني قدس سره من ان أحد موجبات توهم القول بالأعم هو توهم التركيب في المشتق مع انه بسيط والفرق بينه وبين المبدأ باللحاظ غير صحيح وان الحق هو تركب المشتق الا انه تركب تحليلي.
ونتيجة مجموع هذا المبحث ان المشتق موضوع لخصوص المتلبس دون الاعم منه وما انقضى عنه المبدأ.
[^0]: 1 اجود التقريرات ج1 ص 59
[^0]: (1) التفسير الكبير جـ4 ص42 .
[^1]: شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ج1 ص16
[^2]: اكثر الشواهد التي ذكرناها موجودة في رسالة جلية الحال للمحقق ابي المجد الاصفهاني وفيها شواهد اخرى فمن اراد التوسع يرجع اليها
[^3]: المراد به مصحح الانتزاع حسب تعبيرنا كما هو واضح
[^4]: نهاية الدراية ج1 ص 164
[^7]: كفاية الاصول ج1 ص53 ويلاحظ ان العبارة في بعض نسخ الفصول المطبوعة هكذا (لأن الذات المأخوذة مقيدة بالوصف قوة أو فعلا إن كانت مقيدة به واقعا صدق الإيجاب بالضرورة وإلا صدق السلب بالضرورة ولكن يصدق زيد الكاتب بالفعل أو بالقوة بالضرورة) والظاهر ان فیها ایضا سقط والصحیح الجمع بین النسختین